mercredi 15 septembre 2021

تجفيف منابع الإرهاب


تجفيف منابع الإرهاب

 

مقدمة الكتاب

تسببت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) عام 2001 بهزة عنيفة في نظرة كثير من الناس في العالم للإسلام كدين، مع أن الذي دفع إلى هذه الأحداث هو الإسلام كثقافة موروثة صنعها البشر ابتداء من عصر التدوين. لذا فإنني وضعت عنوان كتابي هذا (تجفيف منابع الإرهاب).

فالثقافة الإسلامية الموروثة ربطت بين القتال والقتل والغزو والشهادة والشهيد، وكذلك قللت من قيمة الحياة والحرص عليها وطلبت ممن يحب الحياة ويكره الموت أن يشعر بالذنب، وأن الذي يُقتل في سبيل الله سيدخل الجنة مباشرة بدون انتظار. وشجع الناس على الموت، ورُبطت الشهادة بالموت بالمعركة. وكذلك الفقه الإسلامي الموروث لم ينبس بكلمة عن احترام حرية الناس في اختيار عقائدهم وشعائرهم وحرية الكلمة وحرية الضمير حيث بدأ هذا الفقه في عصر الاستبداد ابتداء من نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي، أي في القرنين الثاني والثالث الهجريين، فكان لا مجال إطلاقاً – إرضاء للسلطة – الفصل بين الشهادة والموت والقتال وحرية الناس في اختيار عقائدهم، فتم ترسيخ قتل المرتد وجعله من ثوابت الدين الإسلامي وطاعة السلطان وإن كان ظالماً هو من طاعة الله ورسوله.

وكذلك كانت الحروب على أساس أممي (أمة إسلامية / أمة الكفر) و (دار الإسلام / دار الكفر) مع أن الهدف الأساسي – ابتداء من العصر الأموي – هو الفتوحات لكسب وجمع الجزية وإبعاد المعارضة.

وسار التاريخ وأتى عصر جديد صارت فيه الحروب لكسب المصالح وللاحتلال وللدفاع عن المصالح، أي أصبحت الحروب بين مجموعات من الناس تعيش في دول، وهذه المجموعات هي الشعوب. فتحولت الحرب من أساس أممي إلى أساس وطني ومصلحي، وبقي التقسيم السابق على ما هو عليه.

إن مفهوم الوسطية والمناداة بها كشعار إسلامي ما هو إلا تخريجة للخروج من مأزق أحداث سبتمبر وما تلاها، شأنها شأن كثير من التخريجات خلال تاريخنا الطويل كتخريجات فقه الأقليات وفقه الأولويات، حيث لم يتقنها أحد كما أتقنها علماؤنا الأفاضل، فاخترعوا الناسخ والمنسوخ لتلافي التضاد الظاهري بين بعض الآيات وخاصة لحل التناقض بين آيات القتال، وخاصة في سورة التوبة وبقية آيات القتال، وبين آيات {لا إكراه في الدين} و {وقل الحق من ربكم من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} و {أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} وبهذا أصبحت الثقافة الإسلامية انتقائية، فمن يريد القتال يورد آيات القتال، ومن يريد السلم يورد آيات السلم. وقد تم حل هذه المشكلة في كتابنا هذا دون اللجوء إلى الناسخ والمنسوخ. وكذلك لجأ الدعاة إلى استعمال مصطلح (مقاصد الشريعة) لتبرير كثير من الأمور والإفتاءات تحت هذا الشعار.

كتابنا هذا يتألف من المواضيع التالية:

1 – الجهاد والقتال: حيث تم الفصل بين هذين الموضوعين، وتم تبيان أن هناك جهاداً وقتالاً في سبيل الله، وآخر ليس في سبيل الله وقد يكون مشروعاً. وتم تحديد تعريف الإرهاب على أنه عندما يتحول القتال إلى قتل من طرف واحد. وأوضحنا أن الشهادة والشهيد لا علاقة لهما بالموت والقتال والقتل. وأن الشهيد لا يمكن أن يأخذ هذا اللقب إلا وهو على قيد الحياة، ولا يوجد شيء اسمه عمليات استشهادية، بل هي عمليات انتحارية بامتياز.

2 – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: تم شرح أن المحرمات هي حصراً ما ورد في كتاب الله. وأن ما ورد عن النبي (ص) هو نهي وليس تحريماً. وقد فرقنا بين الحرام حيث هو شمولي أبدي وهو إلهي حصراً، وبين النهي وهو ظرفي. فالله سبحانه يحلل ويحرم ويأمر وينهى، والرسول (ص) يأمر وينهى فقط، وكذلك السلطة تأمر وتنهى فقط. وحددنا أن هيئات المجتمع المدني تمارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه لا يحتوي على أي إكراه، والدولة تمنع لأن الأساس في الحياة هو السماح. فالطبيب ينهى عن التدخين، والسلطة تمنع التدخين في الأماكن العامة. أما من يفتي بأن التدخين حرام فهو لا يدري بأنه سنّ بهذا أمراً إلى أن تقوم الساعة وينطبق على كل سكان الأرض. ومن يملك الحق بذلك هو الله وحده سبحانه. فكل إفتاءات التحريم خارج التنزيل الحكيم التي وردت خلال تاريخنا باطلة ويجب أن نرمي بها عرض الحائط.

وبما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يحمل الإكراه، فإن مؤسسات المجتمع المدني هي خير من يمارس هذا الأمر وهو ليس وقفاً على أتباع الرسالة المحمدية، ويمكن أن يتوسع ليشمل كل أبناء الوطن حيث أن ممارسة الشعائر لا تدخل أصلاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3 – الولاء والبراء: تم وضع هذا المفهوم طبقاً للتقسيم الأممي (أمة الإسلام / أمة الكفر)، فأصبح المسلم في حيرة من أمره في الولاء والبراء: هل هو لبلده وشعبه؟ أم هو لأمته؟ فالباكستاني المسلم الحاصل على الجنسية البريطانية، قوميته باكستاني وهو من أمة محمد (ص) وهو مواطن بريطاني أي هو فرد من الشعب البريطاني. فهل ولاؤه لقوميته؟ أم لأمته؟ أم لشعبه ودولته؟ هذه الناحية أوقعت الحيرة بين المسلمين المؤمنين أينما عاشوا أكثرية كانوا أم أقلية.

وكذلك مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هل هو للفرد أم للمجتمع أم للدولة؟ وما دور كل طرف في ممارسة هذا الأمر؟ وماهي أحسن صيغة توصل إليها الإنسان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الأمر بها جاء من الله سبحانه؟ ولم يتم تحديد آلية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي تتبع ما توصل إليه الإنسان من تطوير آليات الممارسة. وكذلك الشورى جاءت كأمر، علينا أن نؤمن به، ولكن لم يتم تحديد آليات الممارسة لأنها تخضع للتطور التاريخي للمجتمعات والنظم السياسية.

4 – مسألة الردة: حيث تم ترسيخ حكم الإعدام للمرتد، وهو لا علاقة له بالتنزيل الحكيم وهو لأسباب سياسية بحتة هدفها القضاء على المعارضة في دولة تحكم باسم الدين وتأخذ شرعيتها منه.

5 – وكذلك تم التعليق على مقاصد الشريعة كما وردت في التراث، وأوردنا مفاهيم جديدة لهذه المقاصد كما نراها من خلال منهجنا.

يبقى السؤال الهام: لماذا هذا العنوان (تجفيف منابع الاستبداد والإرهاب في الثقافة الإسلامية)؟

انتقينا هذا العنوان لقناعتنا بأن الحل الأمني في معالجة ظاهرة الإرهاب المنتشرة في العالم لا يكفي، وإنما هي مرتبطة بأمرين اثنين وهما:

آ – الثقافة المنتشرة في مجتمع ما، والثقافة المنتشرة في وعينا الجمعي هي الثقافة الإسلامية الموروثة. لذا استعملت مصطلح الثقافة الإسلامية، ولم أستعمل مصطلح الدين الإسلامي والمفاهيم الثقافية مثل الولاء والبراء وغيره.

ب – الاستبداد حيث من طبيعته إرهاب الناس واحتقارهم وعدم احترام خياراتهم، لذا لابد من ربط هاتين الظاهرتين، الثقافة السائدة والنظام السائد. علماً بأن لكل ظاهرة منهما رجالها وسدنتها.

رُبّ سائل يسأل: بما أنك تستعمل التنزيل الحكيم كمرجع، فهل مصطلح الإرهاب الشائع حالياً في العالم، والذي هو ترجمة كلمة (Terror) بالإنكليزية له وجود في التنزيل الحكيم؟ أقول: نعم له وجود، ولكن ليس بهذا المعنى. ففي التنزيل الحكيم يوجد مصطلحان وهما: الإرهاب، من فعل (رهب)، والإرعاب من فعل (رعب)، فما معناهما؟ وما الفروق بينهما؟

1 – فعل رهب: تقول رهِبْت الشيءَ رُهْباً ورَهَباً ورَهْبَة. والترهّب: التعبّد. ومن الباب الإِرهاب، وهو قَدْع الإِبل من الحوض (ابن فارس ج2 ص447).

2 – فعل رعب: وله أصولٌ ثلاثة صحيحة: الخوف ومنه جاء الرّعْب، والثاني المَلْء كقولهم: سيلٌ راعبٌ، إذا مَلأَ الواديَ، والقَطْع كقولهم للشّيء المقَطّع: مُرَعّب. (ابن فارس ج2 ص409).

وإذا استعرضنا آيات التنزيل الحكيم نرى أن فعل (رهب) ورد مع مشتقاته (12) مرة، وفي كل الآيات التي ورد فيها لا يوجد فيها قتال ولا قتل، وأمثلة ذلك قوله تعالى:

{وَقَالَ اللّهُ لَا تَتّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ} النحل 51.

{قَالَ أَلْقُوا فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} الأعراف 116.

نلاحظ أنه سبحانه وتعالى طلب من الموحدين أن يكون لله رهبة عندهم بأنه القادر على كل شيء والرحيم. ولا يوجد أي معنى للقتال أو الحرب، وكذلك السحرة زرعوا الرهبة في قلوب المشاهدين لهم، ولم يمارسوا أي قتال أو قتل. وكذلك يدعو الناس الله رغبةً في رحمته ورهبة من عقابه، ولا مجال هنا لوجود أي قتال كقوله تعالى: {إِنّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} الأنبياء 90، وكذلك قوله تعالى: {اتّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ} التوبة 31، فالرهبان والرهبانية لا يمكن أن تحوي على حرب أو قتل أو قتال. لذا عندما قال تعالى: {وَأَعِدّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللّهِ وَعَدُوّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ} الأنفال 60، جاءت هذه الآية لإعداد العدة لمنع الحرب والقتال والحفاظ على السلم، وهو ما يسمى الآن بالقوة الرادعة. فالأسلحة النووية منعت حرباً عالميةً مدمرة. وكلما كنت قوياً وتملك قوة ردع، زرعت الرهبة في قلوب أعدائك، فلا يهددونك بحرب وقتال. فهنا القوة الرادعة لإرهاب الآخر وليس للمغامرة بحروب. وقوله تعالى: {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ} فإن كل دولة تعد القوة لردع أعداء معلنين لها، ولكن لها أيضاً أعداء غير معلنين يظهرون لها الود والصداقة ويضمرون لها العداء والتحالف مع أعدائها. لذا فإن إعداد القوة الرادعة يردع هؤلاء حين يتحالفون مع أعدائها للهجوم عليها.

وهكذا نرى أن الرهبة والرهبانية هي من مفردات التنزيل الحكيم ومن اشتقاقاتها الإرهاب وهي لا تعني إطلاقاً الحرب والقتال ومعانيها ليست في هذا المجال.

أما في حال الحرب والقتال، فقد استعمل التنزيل الحكيم مصطلح (الرعب) ونرى أن مصطلح الرعب هو الترجمة الحرفية للمصطلح الإنكليزي (Terror) ومنه الإرعاب (Terrorism) والمرعّب (Terrorist).

ونرى أن التنزيل الحكيم استعمل هذا المصطلح في مواقع منها:

1 – {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الّذِينَ كَفَرُوا الرّعْبَ….. {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} الأنفال 12.

2 – {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ….. {فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا} الأحزاب 26.

3 – {فَأَتَاهُمْ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} الحشر 2. هنا انتهت الآية بقوله تعالى {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} لبيان أن الأحداث التي تعطيها هذه الآيات في سورة الحشر تتبع القصص المحمدي، وتؤخذ منها العبرة كبقية القَصص ولا يوجد فيها أحكام.

وكذلك أي منظر تقشعر منه الأبدان نتيجة لعنف أو لظاهرة طبيعية مخيفة يلقي الرعب عندما يشاهده الإنسان أو يعلم به وفي هذا قال تعالى: {لَوْ اطّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} الكهف 18. وقد يسأل سائل ما هو الرعب الذي يولده منظر الفتية وهم في الكهف في قوله تعالى {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} الكهف 11، أي كانوا كالنائم ولا ينطبق عليهم قوله تعالى: {فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمّ بَعَثَهُ} البقرة 259، أي لم يموتوا، وبالتالي على مر السنين نمت شعورهم وأظافرهم حتى أصبحوا في منظر مرعب والله أعلم.

والطغيان والطاغوت أيضاً ورد في التنزيل الحكيم وهو ضد حرية الاختيار حيث ذكر الطاغوت، وقال {لا إكراه في الدين}. ومصطلح الاستبداد غير موجود في التنزيل الحكيم.

ولو أننا أردنا أن نضع عنواناً لكتابنا حسب مصطلحات التنزيل الحكيم لكان عنوانه: {نحو تجفيف منابع الطغيان والإرعاب في الثقافة الإسلامية).

ولكن سنبقي على مصطلح (الاستبداد والإرهاب) لتعوّد القارئ على هذين المصطلحين الشائعين. فالمستبد هو الطاغية، والإرهابي هو المُرَعّب، أي الذي يقوم بعمليات قتل من طرف واحد ترعب الناس. ومن صفاته أنه يقتل أناساً مع سبق الإصرار وهدفه قتل أكبر عدد ممكن من طرف لا على التعيين غير مقاتل، وبث الرعب في الأحياء بغض النظر عن النية.

 

http://shahrour.org/wp-content/gallery/images/BI.pnghttp://shahrour.org/wp-content/gallery/images/BN.pngالفصل الأول: المنهج المتبع لفهم التنزيل الحكيم

خلال مسيرتنا نحو قراءة معاصرة للتنزيل الحكيم، قمنا حتى الآن بنشر أربعة كتب ابتداء من عام 1990، ونحن الآن في عام 2007 نقوم بتحضير الكتاب الخامس الذي نأمل أن يصدر في بدايات عام 2008. كما أننا نقوم مع فريق عمل بتلخيص أهم الأبحاث في الكتب الأربعة ومن الكتاب الخامس لترجمتها إلى اللغة الإنكليزية، وتقديمها للقارئ المسلم غير العربي، وغير المسلم وغير العربي. لذا رأينا أن نقدم له النقاط الرئيسية للمنهج المتبع في تأليف الكتب.

هذه النقاط تتألف من المنهج اللغوي والمنهج المعرفي المتبع في التعامل مع التنزيل الحكيم. وقد تم اختصار وتكثيف المنهج في بنود مرقمة لجعلها سهلة على القارئ، وبدأنا بالبنود اللغوية، ثم الفكرية ثم الفقهية، وهي تعرّف القارئ كيف وصلنا إلى الاستنتاجات التي أوردناها في الفصل الثاني تحت عنوان (المصطلحات) وهي التي تم شرحها واستنتاجها بشكل مفصل في كتبنا الأربعة. وفيها يرى القارئ ما هو معنى ومحتوى القراءة المعاصرة، حيث تم اختراق كثير مما يسمى بالثوابت، وخاصة ما يسمى أصول الفقه التي تم وضعها من قبل الناس في القرون الهجرية الأولى وهي – برأينا – لا تحمل أي قدسية، وبدون اختراق هذه الأصول لا يمكن تجديد أي فقه.

ونورد هنا مقولة آينشتاين الشهيرة:

“إنه لمن الحماقة أن تعتقد أنك ستحصل على نتائج مختلفة وأنت تكرر الشيء نفسه¨.

فمن هنا نرى أن أطروحات التجديد لا معنى لها ولا تؤتي ثمارها، وإنما هي تكرار للذات وللسلف وهي مجموعة من الخطابات والكلمات الرنانة بدون أي معانٍ أو أفكار مفيدة. فأي تجديد لا يسمى تجديداً إلا إذا اخترق الأصول، وعلينا أن نعي حقيقة تاريخية هامة جداً وهي أن التاريخ الإنساني حسب التنزيل الحكيم يمكن أن يقسم إلى مرحلتين: المرحلة الأولى مرحلة الرسالات التي انتهت برسالة محمد (ص). والمرحلة الثانية مرحلة ما بعد الرسالات والتي نعيشها نحن. أي أن الإنسانية الآن لا تحتاج إلى أية رسالة أو نبوة، بل هي قادرة على اكتشاف الوجود بنفسها بدون نبوات، وقادرة على التشريع بنفسها بدون رسالات. والإنسانية اليوم أفضل بكثير من عصر الرسالات، لأن البشرية كانت بحاجة إليها للرقي من المملكة الحيوانية إلى الإنسانية، أما نحن فلا. وعلينا أن نعي أن المستوى الإنساني والأخلاقي في تعامل الناس بعضهم مع بعض أفضل بكثير من قبل وحتى في عهد الرسالات. فالبكاء على عصر الرسالات لا جدوى منه، لأننا الآن في مستوى أرقى معرفياً وتشريعياً وأخلاقياً وشعائرياً. ويكفي أن ضمان حقوق الإنسان أصبح كابوساً على رأس كل متسلط. والمؤسسات المدنية المحلية والعالمية التي تقوم على أساس تطوعي، تتنامى يوماً بعد يوم، وأنه تم إلغاء الرق بشكل كامل، حيث دشنت الرسالة المحمدية بداية تحرير الرق والمرأة ولم ينته إلى الآن. هذه المظاهر التي كانت لا تعرفها البشرية من قبل. ونحن قرأنا التنزيل الحكيم على أنه خاتم الرسالات، بعيون وعقل عصر ما بعد الرسالات على أساس أنه جاء للأولين بمستوى، أي قرؤوه بعيونهم وبمستوى معارفهم، ولنا بمستوى آخر نقرأه بعيوننا وبمستوى معارفنا، ولا يمكن أن تكون الصلاحية إلا هكذا.

المنهج المتبع في التعامل مع التنزيل الحكيم

المنهج، أي النظام المعرفي المتبع، الذي انطلقت منه في محاولة فهم التنزيل الحكيم وإعادة تأسيس فقه إسلامي معاصر يتلخص في نقاط أساسية نراها صالحة كمنطلق لقراءة ثانية للكتاب والسنة، على ألا ننسى أنها ليست القراءة الأخيرة، وإلا لوقعنا فيما وقع فيه السلف والسلفيون والآباء والآبائيون. فالذي يدعي فهم كتاب الله ككل من أوله إلى آخره فهماً مطلقاً ولو كان النبي (ص) نفسه، إنما يدعي شراكة الله في المعرفة في ضوء قوله تعالى {ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} الرعد 43. هذه النقاط تتلخص فيما يلي:

إيمانيات:

1 – إن آيات التنزيل الحكيم عبارة عن نص إيماني وليست دليلاً علمياً، يمكن إقامة الحجة بواسطتها على أتباع المؤمنين بها فقط، وأما على غيرهم فلا يمكن. وعلى أتباع الرسالة المحمدية المؤمنين بالتنزيل الحكيم أن يوردوا الدليل العلمي والمنطقي على مصداقيتها.

2 – إن التاريخ الإنساني ككل في مسيرته العلمية والتشريعية والاجتماعية منذ البعثة المحمدية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هو صاحب الحق في الكشف عن مصداقية التنزيل الحكيم، وهذه المصداقية ليس من الضروري أن ترد على لسان صحابي أو تابعي أو فقيه.

3 – إن الوجود المادي وقوانينه هما كلمات الله، وأبجدية هذه الكلمات هي علوم الفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والبيولوجيا والفضاء.. إلخ، وإن الكم المنفصل (Digital) والكم المتصل (Equations) هما آلية هذه العلوم، وهذا الوجود مكتفٍ ذاتياً ولا يحتاج إلى شيء من خارجه لفهمه، وهو لا يكذب على أحد ولا يغش أحداً، وبنفس الوقت لا يساير أحداً وهو عادل في ذاته {وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً} الأنعام 115.

4 – بما أن التنزيل الحكيم هو كلام الله {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ} التوبة 6، فوجب بالضرورة أن يكون مكتفياً ذاتياً، وهو كالوجود لا يحتاج إلى أي شيء من خارجه لفهمه، هذا لإيماننا واعتقادنا بأن خالق الكون بكلماته هو نفسه موحي التنزيل الحكيم بكلامه، وهو الله سبحانه وتعالى. لذا فإن مفاتيح فهم التنزيل الحكيم هي بالضرورة داخله، فلنبحث عنها داخل التنزيل الحكيم وبدون صحاح ومسانيد .. إلخ وبدون قول صحابي أو تابعي، ويمكن سماع كل الأقوال والاستئناس بها. وعلينا أن نتعامل مع التنزيل الحكيم مباشرة بدون خوف منه ولا خوف عليه، فالله لا ينهزم.

إن أبجدية كلام الله هي فهم المصطلحات، لذا أوردنا فصلاً خاصاً بها، والمنهج المعرفي في التعامل مع التنزيل الحكيم حيث أن المعرفة أسيرة أدواتها وهذا ما سنشرحه في المنهج.

ولذا فإن التنزيل الحكيم مطلق في ذاته، نسبي لقارئه ونسبيته تتبع تطور نظم المعرفة وأدواتها، وهذا ما نطلق عليه ثبات النص في ذاته وحركة المحتوى لقارئه، وهنا نعلم لماذا كان النبي (ص) ممتنعاً عن شرحه إلا في الشعائر فقط لأنها من الثوابت.

5 – الأصل في الحياة هو الإباحة، وصاحب الحق الوحيد في التحريم هو الله فقط، وهو أيضاً يأمر وينهى، لذا فإن المحرمات أُغلقت بالرسالة المحمدية، وكل إفتاءات التحريم لا قيمة لها ولو كان عددها بالمئات.

أما غير الله، ابتداء من الرسل وانتهاء بالهيئات التشريعية، فهي تأمر وتنهى فقط {وَمَا آتَاكُمْ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الحشر 7، حيث أن الأمر والنهي ظرفي زماني مكاني، والتحريم شمولي أبدي. لذا فإن الرسول (ص) لا يحرم ولا يحلل، وإنما يأمر وينهى، ولذا فإن نواهيه كلها ظرفية ولا تحمل الطابع الأبدي.

6 – إن محمداً (ص) كان مجتهداً في مقام النبوة {لَقَدْ تَابَ اللّهُ عَلَى النّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَار} التوبة 117، ومعصوماً في مقام الرسالة {يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النّاسِ} المائدة 67، لذا فهناك سنة نبوية وسنة رسولية، وفي السنن الرسولية أو النبوية لا يوجد محرمات إطلاقاً وإنما هي أوامر ونواهٍ.

7 – إن الإيمان بالله واليوم الآخر هو تذكرة الدخول إلى الإسلام، والإسلام يقوم على هذه المُسَلّمة، والعمل الصالح هو السلوك العام للمسلم، وكل قيمة إنسانية عليا ليست وقفاً على أتباع الرسالة المحمدية هي من الإسلام مثل بر الوالدين والصدق وعدم قتل النفس وعدم الغش والأمانة .. إلخ. وبما أن العمل الصالح من الإسلام، فأبدع ما شئت، فلك أجر أنت ومن اتبعك. ورأس الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله شهادة شاهد {قُلْ إِنّمَا يُوحَى إِلَيّ أَنّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} الأنبياء 108. أما شهادة أن محمداً رسول الله فهي رأس الإيمان، والإيمان بها تصديقاً. وأتباعه هم المسلمون المؤمنون، وكل عمل هو وقفٌ على أتباع الرسالة المحمدية ولا يقوم به غيرهم هو من الإيمان، مثل الصلوات الخمس وصوم رمضان ونصاب الزكاة وصلاة الجنازة، حيث أن هذه الشعائر هي من أركان الإيمان وليست من أركان الإسلام وفيها الإبداع بدعة ومرفوض. لذا نرى أن هناك إيمانين: الأول، الإيمان بالله الواحد وهو الإسلام والمسلمون، والثاني الإيمان بالرسول (ص) {يَا أَيّهَا النّبِيّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنْ اتّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} الأنفال 64، وهو الإيمان والمؤمنون، والإسلام يسبق الإيمان دائماً، ويوجد أجر على كل واحد منهما {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} الحديد 28. الكفل الأول على الإسلام والكفل الثاني على الإيمان. وبما أن الإسلام عام إنساني، فهو الدين الوحيد الذي ارتضاه الله لعباده، وهو دين الفطرة، وقد تراكم من نوح حتى محمد (ص). أما أركان الإيمان فهي ضد الفطرة تماماً كصوم رمضان والصلوات الخمس. ولا يمكن للإنسان أن يقوم بها إلا إذا أمره أحد بها وهداه إليها، لذا قال تعالى عن الإسلام والإيمان {يَمُنّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنّوا عَلَيّ إِسْلَامَكُمْ بَلْ اللّهُ يَمُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} الحجرات 17. لذا فإن أهم إصلاح ثقافي نحن بحاجة إليه هو تصحيح أركان الإسلام وأركان الإيمان، حيث تم وضع أركان الإيمان على أنها أركان الإسلام، مما أوقعنا في أزمة ثقافية وأخلاقية كبيرة جداً، حيث أن الأخلاق والقيم الإنسانية العليا أصلاً غير موجودة في أركان الإسلام المزعومة، فالإسلام فطرة والإيمان تكليف.

أوليّات

عند دراسة أي نص لغوي، مهما كان نوعه، لدينا الأركان التالية: المؤلف – النص – القارئ أو السامع.

فالقارئ يتعرف على المؤلف من خلال النص وقراءاته له، وليس ضرورياً أن يذهب القارئ إلى المؤلف ويجلس معه ليفهم منه ماذا يريد بكتابه. فإذا فهم القارئ النص مئة بالمئة كما أراده المؤلف، فهذا يعني أنه دخل إلى عقل المؤلف وصار مثله في المعارف الواردة في النص. وعندما يقرأ القارئ النص فإنه يوظف معلوماته المكتسبة تلقائياً ليفهمه، فإذا لم يفعل ذلك فإنه يعطل فكره ولا يفهم شيئاً، وهذا ما يحصل مع شديد الأسف عند الكثير من الناس حين يقرؤون آي الذكر الحكيم.

ففي التنزيل الحكيم، ولله المثل الأعلى، المؤلف هو الله مطلق المعرفة، والنص هو التنزيل الموحى، والسامع هو الناس محدودو المعرفة من زمن التنزيل إلى أن تقوم الساعة، بمختلف مداركهم ومعارفهم المتطورة دائماً والمتقدمة دائماً. لهذا، لا يمكن لإنسان واحد، أو لمجموعة من البشر في جيل واحد، أن يفهم النص القرآني بشكل كامل مطلق كما أراده صائغه، وإلا أصبح شريكاً لله في المعرفة، بدلالة قوله تعالى {لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون} الأنعام 67.

ولما كان ذلك كذلك، وبما أنه لا وحي ولا تنزيل بعد محمد (ص) الخاتم، يضع الأنباء في مستقرها، وبما أن الله يعلم بعلمه الكلي اختلاف القارئ – إلى أن تقوم الساعة – في الأرضية المعرفية وفي المدركات، فجاء تنزيله يحمل ظاهرة التشابه، أي ثبات النص وحركة المحتوى في النبوة، وجاءت الأحكام في هذا التنزيل حنيفية، تحمل مرونة التطابق مع المتغيرات الزمانية والمكانية، في تحركها بين حدود الله الدنيا والعليا في الرسالة، تاركة للمجتمع وللأرضية المعرفية في المجتمع فهمم وصنع المعاني، واختيار النقطة الملائمة لها، ضمن هذه الحدود حصراً، لتقف عليها وتأخذ بها، ومقلدة للتشريع الإلهي في مؤسساتها التشريعية بإصدار شرائع حدودية ظرفية.

لغويّات

1 – الألفاظ خدم للمعاني، فالمعاني هي المالكة سياستها المتحكمة فيها. ووظيفة اللغة هي آلية التفكير ونقل ما يريده متكلم إلى سامع.

2 – حين يخاطب المتكلم سامعاً، فهو لا يقصد إفهامه معاني الكلمات المفردة، لأن الثقافة المعجمية غير كافية لفهم أي نص لغوي، فما بالك إذا كان النص هو التنزيل الحكيم.

والمعاني موجودة في النظم، وليس في الألفاظ كلاً على حده. وحين نقول إن الولد أكل تفاحة حمراء، فنحن نعني ضمناً وبالضرورة أن هناك تفاحاً بألوان أخرى، وعندما نقرأ قوله تعالى: {الإثم والبغي بغير الحق) فنحن نفهم ضمناً وبالضرورة أن هناك إثماً وبغياً بحق، ولو لم نقل ذلك لفظاً بالنص. وهذا ما نطلق عليه المسكوت عنه.

3 – اللغة حاملة للفكر، وتتطور معه. وهناك تلازم لا ينفصم بين اللغة ووظيفة التفكير عند الإنسان، حتى الأحلام التي يراها النائم، يراها ضمن حامل لغوي.

4 – التنزيل الحكيم يحوي أعلى مستوى من البلاغة التي لا يمكن تجاوزها أو الإتيان بمثلها في أداء المعنى وتوصيله إلى السامع. فهو الكتاب الوحيد الذي يمثل في جميع آياته الخيط الفاصل بين التطويل الممل والإيجاز المخل، ولهذا فعلينا أن نقرأ المسكوت عنه الذي اقتضته البلاغة، كما في آية المواريث حيث سكت عن الذكر في قوله تعالى {وإن كانت واحدة فلها النصف} وفي قوله تعالى {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} النساء 11.

5 – التنزيل الحكيم خال من الترادف، في الألفاظ وفي التركيب. فاللوح المحفوظ غير الإمام المبين، والكتاب غير القرآن، وللذكر مثل حظ الأنثيين لا تعني للذكر مثلاً حظ الأنثى. ومن يقول بالترادف في المفردات والتراكيب فكأنه يقول إن التنزيل الحكيم نزل على مبدأ ما أعذب هذا الكلام لا أكثر من ذلك مقارنة بالشعر الذي لا يعيبه الترادف والكذب. وإن القول أن الناقة لها خمسون اسماً، فهذا يمثل مرحلة ما قبل التجريد النهائي في اللغة، ويمثل بدائية اللغة، لذا فإننا لا نأخذ به الآن.

6 – التنزيل الحكيم خالٍ من الحشو واللغو والزيادة، فما اعتبره النحاة زائداً في النحو، ليس زائداً في الدلالة، ولا يمكن حذف كلمة من التنزيل الحكيم دون أن يختل المعنى، ولا يمكن من جهة ثانية تقديم أو تأخير أي من كلماته وألفاظه، دون أن يفسد النظم الحامل للمعنى، وليس مجرد خلل في جمالية الشكل أو الوقع الموسيقي.

7 – التنزيل الحكيم دقيق في تراكيبه ومعانيه، فالدقة فيه لا تقل عن مثيلتها في الكيمياء والفيزياء والطب والرياضيات. وهذا أمر طبيعي، فصانع هذا الكون من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة، وخالق هذا الإنسان بأعصابه وأوردته وشرايينه وعظامه ولحمه وجلده وشعره وأجهزة السمع والبصر والإدراك، هو ذاته صاحب التنزيل، الذي لابد وأن تتجلى في دقته وحدة الصانع ووحدة الناموس. فلكل حرف فيه وظيفة، ولكل كلمة فيه مهمة، وقوله تعالى {ولأبويه لكل واحد منهما السدس} النساء 11. لا تعني أبداً (ولوالديه لكل واحد منهم السدس).

لذا فإن تطور مستوى الدقة عندنا أعلى بكثير من مستوى الدقة عند السلف، فالكون هو الكون، ولكن مستوى الدقة عندنا الآن في دراسة الكون أعلى بكثير مما كان عليه في القرن الماضي. واستعمال دقة العصر في العلوم والتشريع هو من أساسيات القراءة المعاصرة.

8 – عند تأويل آيات التنزيل الحكيم لابد من الإمساك بالخيط اللغوي الرفيع الذي لا يجوز تركه، والذي يربط ويصل الشكل بالمضمون، لأنه إذا انقطع هذا الخيط بين البنية والدلالة، تصبح احتمالات معاني الآية لانهائية.

9 – نحن ننطلق من أن إرساء أسس التدوين والتقعيد، جاء لاحقاً للسان العربي ولاحقاً للتنزيل الحكيم وليس سابقاً له. فإذا قال سيبويه إن الفعل يجب أن يماثل الفاعل في الإفراد والتثنية والجمع. ثم نقرأ قوله تعالى: {هذان خصمان اختصموا} الحج 19. فهذا لا يعني أن الله أخطأ في القواعد التي أرساها سيبويه، بل يعني أن سيبويه حين أسس لقواعده لم يحكم ما أسسه على ما ينبغي، وهذا يفسر لنا خلافات مدارس النحو وأهله في المئات من المسائل.

إن أسس النحو والصرف جاءت بعد أن وُجدت اللغة واللسان وليس قبلها. والمتأمل في هذه القواعد والأسس، يجد أنها تتبع النصوص كيفما تحركت، وأنها مصاغة أصلاً استخراجاً مما تحركت به النصوص، وأن الحكم في صحة القاعدة أو في عدم صحتها لما قاله العرب وسمعوه، ونحن نؤكد أن السلطة للنص على القاعدة وليس العكس.

10 – لقد جاء التنزيل يحمل في ذاته تطويراً لغوياً لم يعرفه الجاهليون في لسانهم قبله. ففيه مفردات أتى بها من لغات أخرى غير العربية، وفيه أسلوب متميز بالنظم يخرجه كلية من دائرة الشعر أو الخطابة التي عرفها العرب قبله، وفيه مصطلحات مستحدثة انفرد بها، لم تكن موجودة قبله، وهذا وأشباهه كثير كثير، يؤكد استحالة اعتبار مفردات الجاهلية كافية بذاتها لفهم التنزيل الحكيم.

11 – لقد وضع الخليل وسيبويه قواعد اللسان العربي على مبدأ الشكل: المرفوعات والمنصوبات والمجرورات، وهو ما يسمى بعلم النحو. ثم جاء علم البلاغة (المعاني) وكأنما هناك فصل بين النحو والبلاغة كل على حده. فسيبويه والجرجاني وابن جني وأبو علي الفارسي وكل علماء اللغة ظهروا في القرون الهجرية الأولى. ونحن الآن في بدايات القرن الحادي والعشرين، نعلم أن علوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك والطب وكل العلوم الأخرى تقدمت بشكل هائل لا يقاس أصلاً بالماضي. ونسي علماء الدين عندنا أن علوم اللغات تطورت أيضاً بشكل هائل. فكيف لم يؤخذ بعين الاعتبار هذا التطور الهائل لعلوم اللسانيات عند دراسة آيات التنزيل الحكيم لفهمها بشكل أفضل ومعاصر.

المنهج الفكري

1 – لا يمكن فهم أي نص لغوي إلا على نحو يقتضيه العقل.

2 – اللغة حاملة للفكر الإنساني، لكن الفكر الإنساني يمكن أن يكون صادقاً، ويمكن أن يكون كاذباً، وهذا يعني أن توفر الرباط المنطقي، وصحة الشكل اللغوي في النص لا يعني بالضرورة أنه حقيقي، وجمال التركيب اللغوي ومتانته في النص لا يعني بالضرورة أنه صادق.

ومن هنا لا يمكن الاقتصار على إعجاز التنزيل بالقول أنه استعمل مختلف أدوات وأساليب البلاغة والبيان التي عرفها العرب، بل يجب بالإضافة إلى ذلك الإيمان بأن النبأ القرآني صادق وحقيقي. وكل من يعمل في حياته للبرهان على صدقية التنزيل الحكيم في أنبائه وواقعيته في تشريعاته فهو من الصدّيقين.

لقد كان يعنيني كثيراً صدق النبأ في النص القرآني، وواقعية التشريع في آيات الأحكام أكثر مما يعنيني جمال التركيب والصياغة فصدق النبأ الإلهي عندي أهم من تصديق المراجع كائناً من كان مؤلفها.

3 – بالإضافة إلى أن التنزيل الحكيم يحوي المصداقية، أي أنه صادق متطابق مع الواقع ومع القوانين الطبيعية والفطرة الإنسانية، فهو أيضاً يحوي الأهمية وهو خالٍ من العبث ومن الأخبار غير المهمة والمعروفة عند الناس، فالناس لا تحتاج إلى وحي لتعرف، مثلاً، أن الجرة تنكسر إذا وقعت من ارتفاع عال ولا تحتاج إلى وحي لتعرف أن الفيل ذنبه قصير وخرطومه طويل. لكننا إذا قرأنا قوله تعالى { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة} الآية البقرة 196. وسلّمنا بما ورد في التفاسير بشأنها، رأينا الله يعلّم الناس في الآية أن 3 › 7 ¯ 10، وهذا خبر يعرفه كل الناس، عالمهم وجاهلهم، ولا يحتاجون إلى وحي لمعرفته. وهذا غير معقول في ضوء خلو التنزيل من العبث. فإذا حذفنا كلمة (كاملة) من النص، لم يتأثر المعنى الذي ذهب إليه المفسرون وهو أن الله يعلم الناس الجمع والحساب. وهذا أيضاً غير معقول في ضوء خلو التنزيل من الحشوية.

ما هو إذن تفسير الآية الذي يحقق كل الفرضيات ولا يخل بواحدة منها، ويغطي: صدق النبأ القرآني، وخلوه من الحشو، وبعده عن العبث في سوق المعارف المألوفة عند الناس؟

نقول هو التفسير الذي ينتبه إلى وجود أكثر من نظام واحد للعد عند الناس. فهناك النظام العَشّري والنظام السباعي والنظام الاثني عشري والنظام الست عشري، فالعشرة في النظام الاثني عشري مثلاً ناقصة نعبر عنها بالشكل التالي 12/10، أما العشرة في النظام العُشْري فهي عشرة كاملة، وقوله تعالى: {كاملة} في الآية إشارة إلى نوع نظام العد الذي جاءت آية الحج على أساسه.

4 – لا يمكن فهم التنزيل الحكيم، من خلال فهم الشعر الجاهلي ومفرداته، فالمجتمع الجاهلي له أرضيته العلمية وعلاقاته الاجتماعية والجمالية والأخلاقية، التي جاءت مفردات شعره عاكسة لها ومعبرة عنها ومقيدة بها، ونحن لا نجد كلمات أو مفردات عند العرب وقتها، تدل على الجاذبية الأرضية أو على كرويتها، لأنهم لم يعرفوها أصلاً. ولو حصرنا فهم التنزيل الحكيم بها، لما حق لنا أن نقول إن المكتشفات الحديثة العلمية أكدت مصداقية القرآن.

ومن هنا قلنا إن المجتمعات هي التي تشارك في صنع المعاني حسب تطور معارفها، لكن هذه التطورات نفسها محسوبة في التنزيل، بحيث مهما امتدت واتسعت، فسيجد الإنسان أنها منسجمة مع النص القرآني، مصدقة له، ودائرة في فلكه.

5 – التنزيل الحكيم كينونة في ذاته فقط جاء من عند إله هو كينونة في ذاته (موجود في ذاته)، ويظهر هذا جلياً في ثبات النص، وبتعبير آخر ثبات الذكر في صيغته اللغوية المنطوقة. إن النص اللغوي المنطوق للتنزيل هو الشكل الثابت فيه، الذي لا يخضع لا للصيرورة ولا للسيرورة. ولا أحد يملك الإدراك الكلي للتنزيل الحكيم في كلياته وجزئياته، حتى ولو كان نبياً ورسولاً، لأنه يصبح بذلك شريكاً لله في علمه الكلي، وشريكاً لله في كينونته بذاته، تعالى الله عما يصفون. ولكننا نستطيع الإحاطة به تدريجياً من خلال الصيرورة المعرفية النسبية المتحركة، وتصبح الإحاطة كلية يوم تقوم الساعة، أي عند قيام الساعة والبعث والحساب يتم التأويل الكامل والنهائي للقرآن.

إن الإنسان يقرأ التنزيل الحكيم ضمن مستوى معارفه وأدواته المعرفية ومشاكله الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وإشكالياته المعرفية، فيجد فيه أشياء لم يجدها غيره، ويفهم منه أشياء لم يفهمها غيره. وهذا يثبت أن التنزيل يحمل صفة الحياة، وانه كينونة في ذاته، وأنه سيرورة وصيرورة لغيره، وهذا ما نعنيه دائماً حين نتحدث عن ثبات النص وحركة المحتوى والجدل بين النص والمحتوى.

من هنا فإن التنزيل الحكيم يحمل دائماً صفة القراءة المعاصرة. فأنت حين تقف كقارئ في نقطة معينة من التاريخ، منطلقاً من نظام معرفي معين، حاملاً إشكاليات اجتماعية ومعرفية معينة، ستفهم من التنزيل ذي النص اللغوي الثابت أموراً، وسيفهم غيرك غيرها مع تغير إحداثياته ومنطلقاته. هنا فقط نستعمل المنطق (قوانين العقل).

6 – إن التنزيل الحكيم هو كلام الله غير المباشر، أما كلمات الله فهي الوجود بفرعيه الكوني والإنساني، وهي القوانين الناظمة لهذا الوجود بفرعيه أيضاً. فمن فهمنا لكلمات الله نفهم كلامه. أي أن مصداقية كلام الله (الرسالات السماوية) لا تظهر إلا في كلماته (الوجود الموضوعي الكوني والإنساني)، وما علينا لنفهم كلامه إلا أن ندرس كلماته في الوجود الكوني والإنساني بسننه وقوانينه. لكن فهمنا لهذه السنن والقوانين يخضع للسيرورة والصيرورة، وعليه نقول إن فهمنا لكلام الله بالتالي فهم متطور غير ثابت، بينما كلام الله ثابت في كينونته كنص.

7 – التنزيل الحكيم هدى للناس ورحمة للعالمين، ومن هنا فهو يحمل الطابع الإنساني لا العروبي، ويجب بالتالي أن نرى مصداقيته رأي العين في كل أنحاء العالم وليس في المجتمع العربي فقط، وعلى مر العصور والدهور وليس في عصر النبوة والصحابة فقط. أي أن التنزيل يحمل الخاصيتين التاليتين:

آ – الوحي لا يناقض العقل (Revelation doesn’t contradict reason).

ب – الوحي لا يناقض الحقيقة (Revelation doesn’t contradict reality).

8 – إن القرآن يؤكد النظرية المادية في المعرفة الإنسانية وهو أن العلم يتبع المعلوم وأن المعلومات تأتي من خارج الإنسان عن طريق الحواس والوحي (الإلهام) وغيرها. أما أن المعلوم يتبع العلم فهو من صفات الله فقط.

9 – إن المعرفة الإنسانية تقوم على مبدأ التقليم (تمييز الأشياء بعضها عن بعض) (Identification) يتبعها التسطير، وهو ضم الأشياء بعضها إلى بعض في نسق وهو ما نطلق عليه التصنيف (Classification). والفؤاد هو الإدراك المشخص بالحواس وهو الذي يعطي المادة الأولية الخام للفكر والعقل.

10 – إن مبدأ الكم والكيف (العدد والإحصاء – القدر والمقدار) هو النافذة التي يطل بها الإنسان على العالم الخارجي. فيبدأ الإنسان بالكيف ثم ينتقل إلى الكم والعكس.

11 – إن عناصر المعرفة الإنسانية بالعالم الموضوعي هو المادة والبعد والموقع والحركة. ومن هذه العناصر الأربعة تنتج الوظيفة والتطور.

12 – إن العالم الموضوعي في التنزيل الحكيم يقوم على جدلية أساسية هي الصراع بين البقاء والهلاك، والنصر دائماً للهلاك. ومن هذه الجدلية نستنتج الجدليات التالية في الطبيعة:

آ – جدلية التناقضات في الشيء الواحد {مخَلّقة وغير مخَلّقة}.

ب – جدلية الأزواج – التأثير والتأثر المتبادل – بين الأشياء {سبحان الذي خلق الأزواج كلها}.

ج – جدلية الأضداد (في ظواهر الأشياء أو في السلوكيات): الليل والنهار – الفجور والتقوى – الهداية والضلال.

13 – إن أساس الحياة الإنسانية هي الحرية وهي القيمة العليا المقدسة وفيها تكمن عبادية الناس لله. وهي الكلمة التي سبقت لأهل الأرض. والعبودية غير مطلوبة من الله ابتداءً. وإن كان هناك عبودية أصلاً فهي لغير الله حتماً.

أسس الفقه الإسلامي المعاصر

1 – التنزيل الحكيم يضم بين دفتيه نبوة محمد (ص) كنبي، ورسالته كرسول. وآياته من هذه الزاوية تضم آيات النبوة التي تشرح نواميس الكون وقوانينه وقوانين التاريخ وأحداث الرسالات والنبوات (القصص) وتحتمل التصديق والتكذيب، وآيات الرسالة التي تشرح الأحكام والأوامر والنواهي وتحتمل الطاعة والمعصية. أما آيات النبوة فهي المتشابهات التي تخضع لثبات النص وحركة المحتوى، ويمكن إعادة قراءتها في ضوء تطور الأرضية المعرفية على مر العصور والدهور.

وأما آيات الرسالة فهي المحكمات التي لا يمكن أن تكون صالحة لكل زمان ومكان إلا إذا كانت حدودية، حنيفية، قادرة على التطابق بمرونة مع متغيرات الزمان والمكان، أي أنها قابلة للاجتهاد وللمطابقة مع الظروف الموضوعية المستجدة في المجتمعات الإنسانية، لذا فلا يكون الاجتهاد إلا في النص، أما خارج النص فافعل ما تشاء.

2 – تتجسد حدودية آيات الأحكام في التنزيل الحكيم بحدود الله. ونميز فيها نوعين: الأول حدود لا يجوز تعديها وتجاوزها إنما يجوز الوقوف عليها، كحدود الإرث في قوله تعالى {تلك حدود الله، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً} النساء 14. والثاني حدود لا يجوز الاقتراب منها ولا الوقوف عليها، كحدود الصوم في قوله تعالى {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل .. تلك حدود الله فلا تقربوها} البقرة 187.

ونفهم أن الصيام حقلٌ، حد البداية فيه هو تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وحد النهاية فيه هو الليل. لكن الله تعالى يرشدنا هنا إلى عدم الاقتراب اللصيق بحد البداية وحد النهاية. بل نترك مسافة أمان، قبل الفجر بدقائق وبعد الغروب بدقائق. ومثله حد الزنا، فهو من الحدود التي لا تحتمل الوقوف عليها، لأن الوقوف فوق حد الزنا زنا، ويجب أن نترك مسافة أمان تفرضها أعراف المجتمع وتقاليده.

3 – ليس ثمة ناسخ ومنسوخ بين دفتي المصحف الشريف. فلكل آية حقل، ولكل حكم مجال يعمل فيه. أما مصداقية قوله تعالى {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم بأن الله على كل شيء قدير} البقرة 106، فتظهر في النسخ بين الشرائع. إذ هناك محرمات وردت في شريعة موسى، ثم جاء عيسى المسيح وحلّلها، بدلالة قوله تعالى {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} آل عمران 50، وجاءت رسالة محمد (ص) لتنسخ بعض أحكام مما نزل في رسالة موسى، كأحكام الزنا واللواط ولتستبدلها بأحكام أخرى، ولتضيف أحكاماً لم تنزل من قبل، كالسحاق والوصية والإرث.

أما النسخ بالمعنى والمفهوم الشائع اليوم، الذي يصل بعدد الآيات المنسوخة إلى عدة مئات، والذي يحول الجهاد إلى غزو، ويستبدل السيف بالموعظة الحسنة، فهو ليس عندنا بشيء. فنحن نرى النسخ لا يقل أهمية أبداً عن تنزيل الآية والحكم أول مرة، ونرى أن طريقة التوثيق والبينة التي اعتمدتها لجان جمع آيات التنزيل أيام أبي بكر وعمر وعثمان، هي ذاتها التي كان يجب اتباعها في إقرار وتحديد المنسوخ من كتاب الله.

إضافة إلى أننا ننطلق من أن صاحب التنزيل هو وحده صاحب الحق بالنسخ، وناقل التنزيل هو وحده المسؤول عن إبلاغه للناس، في الوقت الذي لا نجد فيه خبراً ثابتاً يؤيد النسخ، اللهم إلا بعض المتناثرات هنا وهناك، التي لا تليق بموضوع هام أساسي كالنسخ مما يدل على انعدام المسؤولية عند من قال به. وقد ورد الاتكاء على النسخ لإزالة الالتباس في الفهم الإنساني في مرحلة تاريخية معينة.

4 – علينا أن نميّز بين النص التاريخي وتاريخية النص. فهناك القصص القرآني الذي يعتبر نصاً تاريخياً والنص التاريخي حسب التنزيل يحمل صفة العبرة ولا يحمل أي تشريع. والأنباء كلّها بما فيها أنباء الرسل نصوص تاريخية وكذلك الآيات الواردة حول موقعة بدر وأُحد والخندق والأحزاب وتبوك وفتح مكة عبارة عن نصوص تاريخية بما فيها سورة التوبة ولا يؤخذ منها أي أحكام شرعية، ولا علاقة لها بالرسالة، ولها مناسبات نزول لأنها نص تاريخي.

أما آيات الرسالة مثل آيات الإرث والشعائر فهي نص رسالة للطاعة، وفهم هذه النصوص هو الذي يحمل تاريخية النص. ففي القصص النص تاريخي. وفي الفهم الإنساني لآيات الرسالة – كالإرث مثلاً – هناك تاريخية النص.

5 – الاجتهاد يكون في النص المقدس حصراً وصحة الاجتهاد تحدده المصداقية بين الاجتهاد والواقع دون إيقاع الناس في الحرج ودون الحد من حريتهم، فالاجتهاد صحيح ومقبول بمقدار ما يتجاوب مع الواقع الموضوعي، وبعبارة أخرى، بمقدار فهم قارئ النص المجتهد للواقع الموضوعي في لحظة القراءة التاريخية. ومعيار الفهم والمصداقية هذا هو الذي يحدد صحة القراءة أو خطأها، ودرجتها من الصواب والخطأ. وهذا أيضاً ما يحدد نجاح أو فشل أي برلمان في تشريعاته فكلما كانت التشريعات متطابقة ومتجاوبة مع الواقع الموضوعي كان البرلمان ناجحاً في تشريعاته انطلاقاً من فهمه الصحيح للواقع المعاش. وبهذا نفهم أن صاحب الحق الوحيد في إظهار مصداقية كلام الله هو الخط الكامل للسيرورة والصيرورة الإنسانية كلها، منذ آدم والى أن تقوم الساعة. (آل عمران 137 – العنكبوت 20). وليس على لسان صحابي أو تابعي أو فقيه.

6 – الإجماع هو إجماع الناس الأحياء على تشريع (أمر، نهي، سماح، منع) ليس له علاقة بالمحرمات. كالتدخين الذي يمكن منعه لا تحريمه بعد ثبوت أضراره، عن طريق الاستفتاء والمجالس الشعبية والبرلمانات. وكالتعددية الزوجية التي يمكن منعها لا تحريمها وذلك عن طريق الاستفتاء أو البرلمان.

7 – القياس هو ما يقوم على البراهين المادية والبينات العلمية التي يقدمها علماء الطبيعيات والاجتماع والإحصاء والاقتصاد. فهؤلاء هم المستشارون الحقيقيون للسلطة التشريعية والسياسية، وليس علماء الدين ومؤسسات الإفتاء، وبهذه البينات يتم السماح والمنع لا التحليل والتحريم.

8 – إن توضيح الفرق بين التحريم والنهي والمنع وبين التحليل والأمر والسماح، ومعرفة الدور الإلهي ودور السلطة ودور الناس في كل منها، في ضوء أن المحرمات لا تخضع للاجتهاد ولا للإجماع ولا للقياس، والاستثناء منها عيني، وهو في آية تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، ولا يمكن إسقاطه على بقية المحرمات تحت شعار الضرورات تبيح المحظورات، وهذا يساعد كثيراً في إخراج الخطاب الإسلامي المعاصر، من حيز المحلية إلى حيز العالمية كرحمة للعالمين. ولا يحق لأي كان (مفتي – مجلس الإفتاء – برلمان – استفتاء) أن يزيد عدد المحرمات الواردة في التنزيل الحكيم. ومن يقبل ذلك ينطبق عليه قوله تعالى {وأن تقولوا على الله مالا تعلمون}.

9 – وإن فهم الدور النبوي في عصره، بأنه اجتهاد في حقل الحلال تقييداً وإطلاقاً من أجل بناء المجتمع والدولة تاريخياً في ضوء متغيرات الزمان والمكان (التاريخ والجغرافيا)، هو الطريق الوحيد لتطبيق ما قاله علماء الأصول بأن الأحكام تتغير بتغير الأزمان، الأمر الذي نراه أساسياً لخروج الخطاب الإسلامي عند المؤمنين من إطار المكان (شبه جزيرة العرب)، ومن إطار الزمان (القرن السابع الميلادي) إلى العالم بأكمله وإلى الناس جميعاً في كل زمان ومكان إلى أن تقوم الساعة.

10 – السنة النبوية هي الاجتهاد الأول، والخيار الأول للإطار التطبيقي الذي اختاره محمّد (ص) لتجسيد الفكر المطلق الموحى، لكنه ليس الأخير وليس الوحيد، أي هي الأسلمة الأولى للواقع المعاش في شبه جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي. وفيما يتعلق بتأسيس الدولة فهي قفزة زمنية حدد فيها أسس المستقبل لأنه أسسها من مقام النبوة لا من مقام الرسالة.

لقد تعامل الرسول مع التنزيل الحكيم من خلال السيرورة والصيرورة التاريخية البحتة للعرب في شبه جزيرتهم، أي في حدود التاريخ والجغرافيا، ضمن مستواهم الاجتماعي والمعرفي، وضمن الإشكاليات المطروحة أمامه، بحيث أسس دولة مركزية، وحقق قفزة نوعية، أي أنه كان المرآة الصادقة الأولى لتفاعل التنزيل ككينونة في ذاته مع حقبة تاريخية زمنية معينة، ومجتمع معين قائم على أرض الواقع الإنساني الموضوعي المباشر. ومن هنا نصل إلى القول إن الرسول (ص) لم يكن فيلسوفاً ولا رجل فكر، بل كان رجل دعوة جاءه الفكر الموحى من المطلق وطبقه في عالم نسبي محدود زمانياً ومكانياً. من هنا نقول بأن الرسول الأعظم (ص) كان المجتهد الأول الذي صاغ للفكر المطلق الموحى إليه قالباً موضوعياً من خلال سيرورة وصيرورة تاريخية تحكم وجوده ووجود مجتمعه.

لقد كان تطبيق الرسول (ص) لآيات الأحكام على الواقع المعاش هو تطبيق نسبي تاريخي وبهذا يبطل القياس ويبقى الاجتهاد في آيات الأحكام هو الأساس، والأساس هو العقل ومصداقية الاجتهاد في الواقع الموضوعي، ضمن النظام المعرفي المتبع والإشكالية الموضوعية. ومفهوم القياس المطروح في الفقه ليس له معنى ويصبح في تقديم الأدلة والبينات على انطباق (مصداقية) الاجتهاد في النص مع الواقع الموضوعي المباشر (الإشكالية) ضمن رابط بينهما هو النظام المعرفي المتبع.

11 – السنة النبوية شيء، والسنّة الرسولية شيء آخر. فالسنّة الرسولية هي التي وجب إتباعها في حياة الرسول (ص) وبعد مماته وهو ما يميّز الرسالة المحمدية عن غيرها، وهي الشعائر، وهي ثابتة شكلاً ومحتوى على مرّ الزمان، ووصلتنا عن طريق التواتر الفعلي، ولا علاقة لها بكتب الحديث.

أما أقوال النبي (ص) حول المجتمع والسياسة والتنظيم والعادات واللباس والأخلاقيات التي وردت تحت عنوان الحكمة، فهو سنة نبوية ظرفية غير ملزمة ولا تحمل الطابع الأبدي، ويمكن الاستئناس بها ولكنها لا تشكل أحكاماً شرعية.

وكل أقوال النبي (ص) يؤخذ بها إذا كانت مقبولة إنسانياً، وغير ذلك فهي محلية. وعلى هذا فإن ضرر ما يسمى كتب الحديث أكبر بكثير من نفعها – هذا إن كان فيها نفع أصلاً – أي أن ما يقال عنها السنة النبوية هي جزء من الأحكام المرسلة، وهي غير أبدية وغير ملزمة صحّت أم لم تصحّ. وبهذا يصبح علم الجرح والتعديل وطبقات الرجال لا معنى له وهو عبء علينا.

12 – لقد أنزل الله سبحانه الذكر بصيغته المنطوقة، ليبين النبي للناس كرسول ما تم نقله إليه تنزيلاً (المائدة 67). والبيان هنا ليس التفصيل كما فهمه البعض واسترسل البعض الآخر حتى وصل إلى القول بأن البيان النبوي، إضافة إلى كونه تفصيلاً لمجمل، فهو تخصيص لعام وتقييد لمطلق. ثم تابع بعدهم من وصل إلى القول بحاكمية الخبر النبوي على النص القرآني ونسخه له، انتهاء بأخطر نتيجة يصل إليها عقل مؤمن، هي أن القرآن أحوج إلى السنة من حاجة السنة إلى القرآن، سبحانه وتعالى عمّا يصفون.

إننا نرى أن البيان هو الإعلان وعدم الإخفاء (آل عمران 187 – المائدة 15 – البقرة 187) ودور النبي كرسول في بيان التنزيل الحكيم هو بإظهاره وعدم كتمانه، وفي إعلانه وإذاعته على الناس. فالنبي ليست له أية علاقة بالصياغة اللفظية للتنزيل الحكيم كذكر (الإنزال) بل تنزّل عليه مصاغاً جاهزاً (التنزيل)، كما لا علاقة له بمضمون ما تنزّل عليه من أوامر ونواه.

نحن إذن أمام نص إلهي موحى، صاغه الله تعالى بشكله المنطوق، فتنزلت هذه الصياغة على النبي، وتحددت مهمته كرسول في إعلانها للناس ببيانها وعدم إخفائها كلياً أو جزئياً وفي تبليغها لهم بلاغاً مبيناً، أي معلناً مذاعاً بشكل واضح وصريح دون زيادة أو نقصان وبيان الشعائر وتبليغ أحكام الرسالة، وقد قام محمّد (ص) بمهمته كنبي، وبمهمته كرسول على أكمل وأتم وجه. وأن أطروحة أن النبي (ص) شرح القرآن هي أطروحة غير صحيحة. فإذا نظرنا إلى سُوَرٍ طوال في التنزيل كسورة الأنعام وسورة الأعراف وهود ويوسف ويونس، لنرى ماذا قال النبي (ص) في شرحها، لم نجد شيئاً أو بعض جمل إن وجدت. إن عدم شرح النبي (ص) للقرآن، وللشعائر في الرسالة، يؤكد أنه نبي، ويؤكد أنه الخاتم، وأنه ليس مؤلف التنزيل الحكيم.

13 – إن آيات التشريع ذات الكينونة المطلقة (وهي ما نسميه الشريعة الإسلامية) شيء والفقه الإسلامي الذي يمثل تفاعل الناس وفهمهم للتشريع في لحظة زمانية تاريخية معينة شيء آخر تماماً. إذ أن الشريعة الإسلامية إلهية، بينما الفقه الإسلامي إنساني تاريخي. وبدون وعي هذا الفرق وأخذه بعين الاعتبار، لا أمل لنا بالخروج من المأزق بأن الإسلام إلهي والفقه الإسلامي والتفسير إنساني وهذا هو الفرق بين الإسلام والمسلمين. فالإسلام هو التنزيل الحكيم، والمسلمون هم تفاعل تاريخي اجتماعي إنساني مع التنزيل، أي التشخيص الواقعي التاريخي للتنزيل، وهناك فرق بينهما في الماضي والحاضر والمستقبل.

فإذا رأينا أن الفقه الإسلامي الذي بين أيدينا يمثل القراءة الأولى والفهم التطبيقي الأول (التشخيص الأول) للنصوص والأحكام السماوية، فلا يبقى لنا سوى أن نقوم بالقراءة الثانية، ونحن في بدايات القرن الحادي والعشرين، في ضوء إشكاليتنا ونظمنا المعرفية المعاصرة واختراق أصول الفقه التي لا يمكن أن يتم التطور والتقدم إلا باختراقها. ويجب أن يقرأه من يأتي بعدنا قراءة ثالثة ورابعة.. إلى أن تقوم الساعة.

14 – إذا كان علماء الأصول قد قرروا نظرياً مبدأ (تغير الأحكام بتغير الأزمان) فإننا نقرر نظرياً، وعملياً بعونه تعالى، أن الأحكام تتغير أيضاً بتغير النظام المعرفي، ولا عجب أبداً إن انتهينا في قراءتنا المعاصرة لآيات الإرث في ضوء الرياضيات الحديثة إلى أحكام ونتائج تختلف عن مثيلاتها عند أهل القرن الثامن الميلادي. والمسألة أولاً وأخيراً ليست مسألة ذكاء وغباء، ولا مسألة تقوى وعدم تقوى، إنها ببساطة مسألة إشكالية نعيشها ونظام معرفي نقف عليه، سمحا لنا أن نرى ما لم يستطع السابقون رؤيته. ويجب أن يرى من يأتي بعدنا، بأرضيتهم المعرفية وإشكاليتهم المتطورة عنّا، ما لم نستطع أن نراه في إشكاليتنا ونظامنا المعرفي الحالي.

15 – بما أن التشريع الإسلامي هو تشريع مدني إنساني ضمن حدود الله، وبالتالي فهو حنيفي مما يسمح بظهور التعددية والاختلاف في الرأي في القضية الواحدة. كما يؤسس لظاهرة الانتخابات والمجالس التشريعية وإلغاء الفتوى ومجالس الإفتاء وإبقائها فقط على الشعائر لا غير وبدون أي تحريمات.

 

الفصل الثاني: مصطلحات التنزيل الحكيم

الكتاب:

·         بالنسبة للنبي محمد (ص): هو مجموعة المواضيع التي جاءت إلى النبي محمد (ص) وحياً على شكل آيات وسور وهو ما بين دفتي المصحف من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس، وفيه الرسالة والنبوة، وهو ما نطلق عليه التنزيل الحكيم.

·         بالنسبة لموسى وعيسى (ع): هو آيات الأحكام فقط أو ما يقال عنها الشريعة، فكتاب موسى هو شريعة موسى وأوحي إلى محمد (ص) منطوقاً لا مخطوطاً وتم خطه من قبل الناس.

القرآن: هو مجموع الآيات المتشابهات التي تتحدث عن القوانين الكونية التي تحكم النجوم والكواكب والزلازل والرياح والمياه في الينابيع والأنهار والبحار، وعن قوانين التاريخ والمجتمعات التي تحكم نشوء الأمم وهلاكها، وعن غيب الماضي من خلق الكون وخلق الإنسان وأنباء الأمم البائدة (القصص القرآني)، وعن غيب المستقبل كقيام الساعة والنفخ في الصور والحساب والجنة والنار.

السبع المثاني: وهي مقاطع صوتية وردت في فواتح السور، مثل: (ألم – ألمص – كهيعص – حم – طسم) تتألف من أحد عشر مقطعاً صوتياً هي القاسم المشترك في الكلام الإنساني، أشار إليها النبي باسم “جوامع الكلم¨، والتنزيل الحكيم باسم “أحسن الحديث¨، وتشكل مع الآيات المتشابهات (القرآن) كتاب النبوة، وبهما وقع الإعجاز والتحدي.

التوراة: كتاب نبوة موسى، فيه الكونيات والقصص دون أحكام، فالأحكام نزلت مستقلة في ألواح (الوصايا العشر) والكتاب (شريعة موسى).

الإنجيل: كتاب نبوة عيسى. لا توجد فيه أحكام، لأن الشريعة عند عيسى هي ذات أحكام الشريعة عند موسى معدلة. (القرآن والتوراة والإنجيل كتب نبوات).

الفرقان: هو الوصايا العشر عند موسى ومحمد (ص) والحكمة عند عيسى، وهو الصراط المستقيم في التنزيل الحكيم، وورد في الآيات: /151 – 152 – 153/ في سورة الأنعام.

أهل الكتاب: هم اليهود والنصارى، فالكتاب المقدس بقسميه العهد القديم والعهد الجديد يتألف من: الكتاب (الشريعة) › الحكمة (الوصايا) › التوراة (نبوة موسى) › الإنجيل (نبوة عيسى).

الحديث: هو أنباء مجموعة آيات الأحداث الكونية والإنسانية سواء ما غاب منها في طيات الماضي، أو ما حصل في زمن النبي (ص) من حروب وهجرة، هذه الآيات لا توجد فيها أحكام ولا تشريعات.

الذكِر: هو الصيغة اللغوية المنطوقة والمتعبد بها لكل آيات التنزيل الحكيم بغض النظر عن فهم محتواها، وهي الصيغة التي تعهد الله بحفظها.

الآيات المحكمات: هي آيات كتاب الرسالة، فيها الأحكام والحدود والشعائر والقيم – التشريعات التي وردت في التنزيل الحكيم باسم (أم الكتاب)، بها أصبح محمد (ص) رسولاً. وهي الآيات التي تخضع للاجتهاد، وتحتمل الطاعة والمعصية.

الآيات المتشابهات: هي آيات القرآن › السبع المثاني، الشارحة للقوانين الكونية والإنسانية، بها أصبح محمد (ص) نبياً. وهي الآيات التي تخضع للتأويل. وتحتمل التصديق والتكذيب.

تفصيل الكتاب: وهو مجموع الآيات اللا محكمات (أي التي ليس فيها أوامر ونواهٍ) والآيات اللا متشابهات (أي التي ليس فيها قوانين)، وفيها وصف تفصيلي للتنزيل الحكيم، كقوله تعالى {ذلك الكتاب لاريب فيه..} البقرة 2، وقوله: {إنا أنزلناه قرآناً عربياً..} يوسف2، جاءت من عند الله مباشرة، لا من اللوح المحفوظ شأن المتشابهات ولا من الكتاب المبين شأن القصص القرآني.

الكتاب المبين: هو مجموع آيات القصص القرآني سواء أكانت من أنباء غيب الماضي أم من أخبار زمن النزول في العصر النبوي.

الإنزال: هو نقل المعلومة من شكل غير قابل للإدراك الإنساني إلى شكل قابل للإدراك. وقد تم هذا الإنزال دفعة واحدة بالنسبة للقرآن.

التنزيل: هو نقلة موضوعية خارج الوعي الإنساني، تم فيها تنزيل الإنزال على مدى ثلاثة وعشرين عاماً. وفي الرسالة تلازم الإنزال والتنزيل لأنها من عند الله مباشرة.

ليلة القدر: هي الليلة التي تم فيها إنزال القرآن بعد جعله عربياً، أي أصبح قابلاً للإدراك والإشهار {ليلة القدر خير من ألف شهر}.

الربوبية: هي أحد مقامين لا ثالث لهما للذات العلية، فرب الناس هو مالكهم وخالقهم ورازقهم شاؤوا أم ابوا. والعلاقة بينهم وبينه علاقة صارمة لا خيار فيها. ومن هذا المقام جاء كتاب النبوة (القرآن) بقوانينه الكونية والإنسانية. ومنه أيضاً جاءت الأسماء الحسنى، كالرزاق والمحيي والمميت، وأولها الرحمن. والرب هو المخصص للدعاء والسؤال لأنه المالك.

الألوهية: هي المقام الآخر للذات العلية. وإذا كان مقام الربوبية للخلق جميعاً، فإن مقام الألوهية خاص بالإنسان العاقل، منه جاءت الرسالة (الأحكام) وفيها الطاعة والمعصية. ومنه أيضاً جاءت الأسماء الحسنى كالغفور والغفار والتواب، وهي علاقة من الإنسان إلى الله وعلى الإنسان أن يقبل بها. فالله هو رب محمد (ص) ورب أبو لهب، ولكنه إله محمد (ص) لأن (أبو لهب) لم يعترف بألوهيته.

الرحمن: اسم الربوبية وفيه الأضداد، فالرحمن هو الرؤوف الرحيم وهو الجبار المنتقم في آن معاً. والله (رأس الألوهية) والرحمن (رأس الربوبية) هما مناط الدعاء عند الإنسان {قل أدعوا الله أو أدعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى..} الإسراء 110.

اللوح المحفوظ: هو برنامج القوانين الصارمة الناظمة للكون، هذا البرنامج لا ينفع فيه الدعاء ولا يتغير من أجل أحد.

الإمام المبين: هو أرشيف الأحداث التاريخية والإنسانية الفردية والجماعية، ومنه جاء الكتاب المبين (القصص القرآني). وتتم أرشفة الأحداث فيه بعد حدوثها وتحولها إلى واقع، وإنما سمي القرآن قرآناً لأنه قرن معلومات الإمام المبين بمعلومات اللوح المحفوظ.

العرش: أوامر الله ونواهيه ولا يحمل معنى مكانياً إطلاقاً.

الكرسي: هو معلومات رب العالمين، والعرش فوق الكرسي، إذ لا يمكن الأمر والنهي إلا في شيء يدخل ضمن معلومات الآمر والناهي.

نفخ الصور: هو تسارع التغير في صيرورة النظام الكوني.

الساعة: هي انفجار الكون نتيجة تسارع التغير في صيرورته، ولحظة حدوثها عند رب العالمين فقط، فهي غير مبرمجة في اللوح المحفوظ.

الفؤاد: هو الإدراك المشخص الناتج عن الحواس وعلى رأسها السمع والبصر، وهو المادة الخام للفكر.

الفكر: هو عملية تحليل المدركات الآتية من الفؤاد.

العقل: هو عملية الربط بين المدركات واستخلاص نتائج منها بعد تحليلها.

العدم: هو الدال بدون المدلول، فخلق الوجود من العدم، أي أن الوجود كان في علم الله دالات بدون مدلولات. وكلمات الله هي الوجود وهو تطابق الدال مع المدلول وكمال المعرفة عند الله هو كلية التطابق بين كل احتمالات الدالات والمدلولات، لذا فالله يرى بدون عين ويسمع بدون أذن. فالعين والأذن أدوات معرفة. وكامل المعرفة لا يحتاج إلى أدوات معرفية إطلاقاً. وأن الرياضيات البحتة هي التعبير الأمثل عن العدم، وبما أن علوم الرياضيات البحتة متقدمة على علوم الفيزياء وبالتالي فإن هذا يؤكد أن العدم سبق الوجود وأن الوجود الكوني ليس أزلياً ولا أبدياً بل هو حديث.

القلب: هو آلة العقل، وهو الدماغ، ولا يوجد في كل آيات التنزيل الحكيم ما يشير إلى العضلة القلبية التي تضخ الدم في أنحاء الجسم.

القضاء: هو حركة واعية بين نفي وإثبات في قرار إرادي واع، وهذا لا نجده إلا في كتاب الأحكام (الرسالة).

القدر: هو الوجود الموضوعي للأشياء والقوانين خارج الوعي الإنساني، وهذا لا نجده إلا في القرآن (علوم النبوة) وهو كلمات الله.

الإسلام: هو الإيمان والتسليم بوجود الله وباليوم الآخر. هذا الإيمان هو رأس التقوى، وشهادة أن لا إله إلا الله هي تذكرة الدخول إلى عالم الإسلام. أركانه هي المحرمات الواردة نصاً في التنزيل الحكيم، ومن بينها الوصايا العشر (الفرقان) المذكورة في سورة الأنعام.

الإيمان: هو التصديق بنبوات الأنبياء ورسالات الرسل كل في زمنه. فهناك مسلمون صدقوا بنبوة نوح أو هود أو موسى أو عيسى أو محمد (ص) وكلهم يؤمن بالله واليوم الآخر، رأس هذا التصديق بنبوة محمد (ص) هو شهادة أن محمداً رسول الله. أركانه هي الشعائر (الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج).

المسلمون المؤمنون: هم من ينطقون بالشهادتين. بالأولى صاروا مسلمين، وبالثانية صاروا مؤمنين.

المجرمون: هم من قطعوا كل صلة لهم بالله، وأنكروا اليوم الآخر. وهم من نسميهم اليوم (الملحدون) {قالوا لم نكُ من المصلين}.

الكفر: هو موقف علني واعٍ ضد أمر ما، شاع استعماله على الأغلب في مجال العقائد، فالكافر بالله هو الملحد المنكر لوجود الله، والكافر بنبوة محمد (ص) ورسالته هو من اتخذ موقفاً علنياً عدائياً منه فكذبه وآمر عليه. والكفر لسان مقال. وفي الحروب كل طرف يطلق على الطرف الآخر كافراً.

الشرك: هو أن يجعل الإنسان لله شريكاً في العبادة والدعاء. ولا يلزم في الشرك أن يكون علنياً، وللشرك أنواع أسوأها شرك التجسيد الذي أشار إليه تعالى بقوله {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيما} النساء 48. والشرك لسان حال أكثر منه لسان مقال.

الأمة: هي المجموعة من المخلوقات عاقلة أو غير عاقلة يجمعها سلوك موحد مثالها الأمة المحمدية.

القومية: هي علاقة ارتباطية تجمع بين مجموعة عاقلة من الناس لها لغة واحدة ولسان واحد، الأمر الذي يخلق تجانساً بينهم في طريقة التفكير. مثالها: القومية العربية فالعرب هم قوم محمد (ص)، وبنو إسرائيل هم قوم موسى. والمؤمنون هم أمة محمد (ص).

الشعب: هو مجموعة عاقلة من الناس يجمعها نظام سياسي ومعاشي واحد. وقد يتألف أحياناً من أمم متعددة وقوميات مختلفة. إنما في وطن واحد ودولة واحدة. وهو مفهوم أعم من الأمة ومن القومية فهناك أمة محمد (ص) وهناك قومية عربية، ولكن هناك 22 شعباً عربياً.

الناسخ والمنسوخ: النسخ كما عرّفه تعالى في البقرة 106 هو استبدال حكم ورد في رسالة سابقة بآخر أيسر منه في رسالة لاحقة، مثاله حكم الزنا بالرجم عند موسى تحول إلى جلد وتعذيب عند محمد (ص). أي أن النسخ لا يكون إلا في الأحكام ولا يكون إلا بين الرسالات. فقد ينتقل بند من بنود شريعة ما كما هو إلى شريعة تالية، أو يتم تعديله، أو يجري إلغاؤه. أما في آيات التنزيل الحكيم فلا ناسخ ولا منسوخ.

الحرام (SIN): هو حكم شامل أبدي ثابت بالمنع الذي لا رخصة فيه، خص به الله نفسه حصراً. والمحرمات في حقيقتها قيود تكبل السلوك الإنساني، كانت في رسالة موسى أكثر من ستمائة، ثم صارت في رسالة محمد (ص) ثلاثة عشر محرماً لا غير، مصداقاً لقوله تعالى {..يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر..} البقرة 185.

النهي: ظرفي وهو ضد الأمر، فقد يمنع لبس الذهب والحرير على الرجال دون النساء في ظرف معين، وغير الأبدي الثابت، لأنه يتغير حسب الظروف الموضوعية كنهي النساء عن زيارة القبور. والنهي قد يأمر به الله، أو يأمر به النبي، أو تأمر به التشريعات الإنسانية. وهو لا يحمل صفة الإكراه. فإن حمل صفة الإكراه يصبح منعاً. فالطبيب ينهى عن التدخين والسلطة تمنع التدخين في الأماكن العامة.

التبذير: هو تجاوز حدود الإنفاق في الوجوه المشروعة المباحة، مثاله رجل أوصى ب- 90• من ثروته للجمعيات الخيرية. ورجل دعا ثلاثة من أصحابه إلى مأدبة فصنع لهم طعاماً يكفي ثلاثين. والتبذير لا يكون إلا في الكم ضمن الحلال.

الإسراف: هو الاشتطاط والإيغال في الخروج من الحلال إلى الحرام ولا علاقة للإسراف بزيادة أو نقصان. فكثيره وقليله سواء. وانظر في قوله تعالى {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل..} الإسراء 33، فقتل القاتل حلال، أما قتل كل أسرته أو عشيرته فإسراف محرم. وانظر في قوله تعالى {وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه..} طه 127. فالإسراف في الآية كفر بآيات الله. وقل مثل ذلك في اللواط وإخلاف الموعد والغش في المواصفات وغيرها. والإسراف لا يكون إلا في الكيف.

الذنب: هو كل عمل يرتكبه الإنسان بحق الله تعالى شرط ألا تكون فيه إساءة للغير من أي نوع كان. مثاله الإفطار في رمضان دون عذر، والصلاة بغير وضوء، أو تفويت الصلاة في وقتها.

السيئة: هو كل عمل يلحق بالآخرين ضرراٍ قل أم كثر، ولا تكون بحق الله تعالى فالله لا يساء له ولا تضره أعمال الخلق. مثالها: السرقة والافتراء والتطفيف أو الإخسار في الكيل والميزان.

الحق: هو الوجود الموضوعي بنوعيه: الشهادة والغيب، خارج الوعي الإنساني. مثال الشهادة: الشمس والقمر والرياح والجبال والقوانين الناظمة لها، ومثال الغيب: الله واليوم الآخر، فالله حق لأن وجوده لا علاقة بالوعي الإنساني له، والكون حق لأنه قائم موجود سواء وعاه الإنسان أم لا. والحق وجود لا علاقة له بالحسن أو القبح. {ذلك بإن الله هو الحق} لقمان 30، {وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق} الأنعام 73.

الباطل: هو الوهم، فالاعتقاد بأن النجوم تضر وتنفع وأن الأحجار تضر وتنفع هو باطل ولا نقول عنه أنه خطأ، أي هو تصور في عقل الإنسان لا وجود موضوعياً له.

كلمات الله: هي الوجود الموضوعي للأشياء والظواهر خارج الوعي الإنساني. فالشمس والقمر هي كلمات الله والمسيح كلمة الله، بها يحق الله الحق أي يجعله موجوداً في الحقيقة والواقع، مثالها كلمة كن فيكون التي بها تتحول إرادة الله إلى واقع ملموس، واقرأ قوله تعالى {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} يس 82، وقوله تعالى: {قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} الأنبياء 69.

مواقع النجوم: هي الفواصل بين آيات التنزيل الحكيم، سواء جاز الوقف عندها أم لم يجز.

الشهيد: هو سامع الحدث ومبصره وحاضره، فالذي يحضر ويسمع عقد بيع بين متبايعين فهو شهيد وليس شاهداً. والذي رأى بعينه واقعة زنا بين طرفين هو شهيد أيضاً فشهداء بدر هم من حضروا بدراً، الذين قتلوا والذين بقوا أحياء من المؤمنين والمشركين. والصحفيون كلهم شهداء لأنهم يحضرون الحدث وينقلونه لنا. سواء من مات منهم وهو يؤدي عمله أم من بقي حياً. وقوله تعالى {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون} آل عمران 169 لا علاقة له مطلقاً لا بالشهادة ولا بالشهداء كما يتوهم كثيرون. والشهيد مفرد جمعه شهداء.

الشاهد: هو من علم ودرى بالخبر من دون حضور. ثم حلله واستنتج منه بفضل خبراته نتائج. فالصحفيون كما قلنا شهداء، أما الذين يشاهدون التلفزيون ويسمعون الخبر فهم شاهدون. فلا بد لوجود الشاهدين أن يسبقه وجود شهداء. مثاله قوله تعالى {وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين} يوسف 26.

العباد: هو جمع مفرده عبد، والعبد من الأضداد، لأنه يطلق على الطائع والعاصي. والعبد هو الذي يختار أعماله بملء إرادته دون إكراه. وعباد الله هم من يطيع الله بإرادته ويعصيه بملء إرادته، وعبادية الناس لله هي حرية الاختيار.

العبيد: هو جمع مفرده عبد مملوك، أي الرق، والعبد المملوك لا يملك من أمره شيئاً ويكون مكرهاً في جميع أحواله. فنحن عباد الله في الدنيا وعبيده يوم الحساب لا نملك من الأمر شيئاً. ونرى أن العبودية لله في الحياة الدنيا غير مطلوبة. وإن كانت موجودة فعلاً فهي حكماً لغير الله.

الوالد: هو صاحب الحيوان المنوي (Biological Father) وقد يكون هو الأب المربي وقد لا يكون.

الوالدة: هي صاحبة البويضة وقد تكون الوالدة أماً وقد لا تكون (Biological Mother) والذي يحدد الوالد والوالدة هو فحص الحمض النووي DNA.

الأب: هو من يقوم على رعاية الولد ويربيه. وقد يكون والداً وقد لا يكون، إنما في الحالتين له الحرمة والبر والإرث والنسب. والإنسان يكون له والد واحد وأب واحد. وقد يكونان في شخص واحد أو في شخصين.

الأم: هي من ترعى الولد ابتداء من كونه جنيناً في رحمها، وقد تكون هي صاحبة البويضة الأولى وقد لا تكون. فهناك الأم الوالدة والأم الحاضنة والأم المرضعة والأم المربية وهناك أم المؤمنين، وكل هؤلاء الأمهات لهن حرمة، إنما هناك أم واحدة لها الحرمة والإرث والبر وهي التي دخلت في وعي الطفل على أنها أمه. الوالدان مفهوم بشري بيولوجي، والأبوان مفهوم إنساني اجتماعي.

القلم: هو تمييز الأشكال بصفاتها بعضها من بعض والتعرف عليها، (Identification) فالعين تقلم الأشكال والألوان. والأذن تقلم الأصوات. واللسان يقلم الطعوم. والقلم هو وسيلة اكتساب المخلوقات للمعارف سواء العاقل منهم أو غير العاقل بما فيهم الملائكة. والمعرفة الإنسانية خط صاعد إلى الأعلى ومحوره القلم (التمييز) لا تخرج عنه إطلاقاً.

البشر: هو كائن حي ينتمي إلى الفصيلة العليا من الكائنات الحية من الثدييات وهو وجود بيولوجي صرف. ومن هنا جاءت تسمية كلية الطب البشري، لأنها تدرس الإنسان ككائن حي.

الإنسان: هو كائن بشري نفخ الله فيه من روحه، فتحول إلى كائن عاقل واعٍ، يستحق أن يخلف الله في الأرض، وحين يتجمع أفراد الإنسان تتشكل المجتمعات الإنسانية، أما الحيوانات فتتجمع في أسراب كالطيور أو في قطعان كالبهائم.

الروح: هي العقل الذي يعقل به الإنسان الأشياء والأحداث وهو ما يميزه عن البهائم وهو مناط التكليف وهو نتاج نفخة الروح. وهذه النفخة عبر عنها باللغة، لأن اللغة هي حامل الفكر. فالبشر يمثل الوجود الموضوعي المادي للإنسان. والروح تمثل الوجود المدرك الواعي الإنساني للبشر والمعرفة والتشريع هي نتاج الروح وجاءت من الله مباشرة. هي قانون عدم التناقض الذي يقوم عليه الفكر الإنساني ويعبر عنها باللغة. فاللغة هي حامل الفكر. والبشر هو الجانب المادي للإنسان.

إنسان ¯ بشر (الموضوعي) › روح (الذاتي).

روح ¯ (معرفة › تشريع) بحامل لغوي.

النفس: هي كل كائن حي يتنفس ويحتاج إلى الأوكسجين، وهي التي يصيبها الموت. وهي مجموعة المعلومات والأحاسيس التي تشكل الأنا الإنسانية منذ الطفولة وحتى الموت مع وجود التغير البيولوجي للخلايا، وهي التي تتوفى.

آدم: هو أبو الإنسان وبه بدأ التاريخ الإنساني الواعي، وقد اختير من البشر وليس من الضروري أن يكون سكان الأرض من ذرية آدم، فهم أبناء آدم وليسوا أولاده، أي أن الإنسان العاقل المتكلم ينتسب إلى آدم.

الشيطان: له معنيان، الأول: يجري في الإنسان مجرى الدم في العروق، وهو الجانب الآخر في العملية الفكرية، وكل إنسان له شيطانه وهو القرين الذي يحاول أن يوقعه في الخطأ والوهم. والثاني: شيطان الأخلاق وهو الذي يحاول أن يوقع الناس في الحرام ويقعد لهم على الصراط المستقيم (الوصايا).

الفصل الثالث: الجهاد والقتال | الجهاد

1 – الجهاد

يعتبر البحث في هذا الموضوع من أخطر البحوث في الثقافة الإسلامية وأشدها حساسية وتعقيداً وتفريعاً، وبخاصة في ضوء ما نعيشه اليوم من أحداث، يختلط فيها السياسي بالعقائدي والتوسعي بالاستعماري والإبداعي بالإبتداعي، ويتم فيه عن قصد طمس الفرق بين الجهاد والقتال والقتل، وبين التخريب ومقاومة الاحتلال الداخلي المتمثل بالدولة الأمنية المخابراتية المستبدة، والنموذج الهتلري واللينيني خير ممثل لهذه الدولة حيث انتهى الاستبداد الفرد بالمفهوم المعاصر والفرد بعبادة الإله بالمفهوم التاريخي، والاحتلال الخارجي المتمثل بالغزو.

لقد سبقنا العشرات إلى تأليف كتب خاصة به، أو بحث الجهاد وتخصيص فصول من كتب لبحثه إلى جانب البحث في أمور أخرى، لا بل إن الباحث لا يكاد يجد كتاباً في الفقه الإسلامي – منذ نشأته في القرن الثاني الهجري وحتى اليوم – إلا وفيه ذكر للجهاد، سواءاً جاء هذا الذكر مطولاً أم مختصراً، مفصلاً أم موجزاً. إلا أنها جميعاً خلطت بين الجهاد والقتال والقتل والحرب والغزو – حيناً بسبب الجهل وحيناً بسبب التقليد الأعمى وأحياناً إرضاءً لسلاطين الاستبداد وخدمة للسياسة الإقصائية والتي غدت من سمات الفقه السياسي الإسلامي منذ السقيفة، واستحدثت جملة من علوم فرعية، كالناسخ والمنسوخ وأسباب النزول والقراءات، زعموا أنها أهم من الأبجدية عند قارئ التنزيل الحكيم، وانطلقت من القول بالترادف فوقع أصحابها في التباس كبير ضاع معه الفرق بين الشاهد والشهيد والشاهدين والشهداء، والأب والوالد، والعباد والعبيد، والإسراف والتبذير.

في الجانب الأول، تم تبني هذا الفهم المغلوط والمشوه للجهاد من قبل جميع التنظيمات والأحزاب الدينية والمجموعات المسلحة، التي تسعى تحت عناوين متعددة وبراقة إلى الاستيلاء على الحكم حصراً، في مختلف الأزمنة والعصور الماضية، بدءاً من أصحاب الفتنة الكبرى التي انتهت باغتيال الخليفة الثالث في القرن الأول الهجري، وانتهاء بالحركات المسلحة في مصر وإيران وأفغانستان التي انتهت بمصر إلى خلع الملك فاروق، وبإيران إلى خلع الشاه رضا بهلوي، وبأفغانستان إلى قيام حكم يقوده طلاب الفقه (طالبان) في القرن الرابع عشر الهجري، مروراً بين هذين القرنين بعشرات التنظيمات التي نجحت مرة وإلى حين في الاستيلاء على الحكم وأخفقت مرات، كالزبيرية والحرورية والقرامطة والأموية والعباسية والمملوكية والعثمانية.

في الجانب الثاني، استغل أصحاب الهجمات الشرسة على الإسلام والمسلمين هذا الفهم المغلوط والمشوه للجهاد والقتال الذي ساد في كتب الفقه التراثية واستندت إليه جميع عمليات الغزو التوسعية تحت ستار نشر الدعوة، في التشهير بالدين الإسلامي واتهامه بأنه دين السيف والعنف والإرهاب ودين القهر والتسلط والانتقام، وقد ساعدها على هذا الاستغلال طروحات الإسلام السياسي وسلوكيات ما يسمى بالحركات الجهادية، حيث قدموا لها أطروحات العداء على طبق من ذهب.

إن هدفنا الأول في هذا البحث هو تعريف الجهاد وتعريف القتال بشكل عام، وتحديد الجهاد في سبيل الله والقتال في سبيل الله بشكل خاص، وتعيين الفعل الذي إن قمنا به كان جهاداً في سبيل الله سواء ترافق معه عنف أم لم يترافق، وهل كل قتال في سبيل الله جهاد، وكل جهاد في سبيل الله قتال.

وهدفنا الثاني إزالة الالتباس الكبير الراسخ في الفكر العربي الإسلامي في مفهوم الشهادة والشهيد، والناسخ والمنسوخ، والقصص القرآني، وأحكام الرسالة.

الجهاد مصدر الفعل الرباعي (جاهد)، على وزن (فاعَلَ) كالجدال والقتال والخصام. والجهاد فعل إنساني واع لا يقوم إلا بطرفين، ويكون الطرف فيه فرداً أو يكون جماعة، حيث يبذل كل طرف وسعه في مغالبة صاحبه. ولقد وهم بعض أصحاب المعاجم – وتابعهم في ذلك العديد من أنصاف المثقفين – فظنوا أن ألِفَ المشاركة في الجهاد زائدة وأن الأصل في الجهاد ثلاثي هو الجهد، وراحوا في معاجمهم يعرّفون الجهد تحت عنوان الجهاد، وهذا خلط فاحش، لأن الألف أصلية في الفعل الرباعي، وإسقاطها يحول الجهاد إلى جهد والجدال إلى جدل والقتال إلى قتل.

إننا لم نجد أبلغ من تعريف النبي (ص) للجهاد، في حديث رواه صاحب كنز العمال – إن صح – أنه قال لأصحابه: قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد هواه (أنظر كنز العمال ج4 ص 116 الحديث رقم 17799).

وإذا كنا نعجب من تحول الجهاد إلى جهد عند أهل اللغة وأصحاب المعاجم، فقد ذهب الفقهاء إلى أبعد من ذلك حين تحول الجهاد عندهم – اصطلاحاً – إلى قتال في سبيل الله. يقول القسطلاني في شرح صحيح البخاري (ج5 ص 30): الجهاد في الإصطلاح يعني قتال الكفار لنصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله. أهـ. ويقول الإمام علي كرم الله وجهه: أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه {ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم} أهـ (انظر نهج البلاغة، الخطبة 27). ويقول ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية (ج2 ص 5) والإمام الشافعي في كتاب الأم (ج4 ص 168): الجهاد فريضة يجب القيام به سواء أحصل من الكفار اعتداء أم لم يحصل. أهـ. وهذا تحول عجيب كأن أصحابه لم يقرؤوا قوله تعالى: {وَوَصّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} العنكبوت 8، وقوله تعالى {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدّنْيَا مَعْرُوفًا} لقمان 15. فالحديث في الآيتين يدور حول بر الوالدين وطاعتهما، ويستحيل عند العقلاء أن يكون جهاد الوالدين قتالاً(1).

لكن الأعجب من هذا وذاك أن الفقهاء وأصحاب التراث لم يكتفوا بتحويل الجهاد إلى قتال، بل حولوا الجهاد إلى غزو والقتال إلى قتل. يقول الإمام الشوكاني في كتاب السبل الجرار (ج4 ص 518، 519): وأما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر، لحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل، فهو معلوم من الضرورة الدينية، وأدلة الكتاب والسنة في هذا لا يتسع لها المقام ولا لبعضها. وما ورد في موادعتهم وفي تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين، بما ورد من إيجاب مقاتلتهم على كل حال، وقصدهم في ديارهم، في حال القدرة عليهم والتمكن من حربهم. أهـ.

والمتأمل في الفقرة السابقة لا يحتاج إلى جهد كبير، ولا إلى عبقرية خاصة، ليفهم أن القول بالنسخ هو الوسيلة المغلوطة المشوهة الأهم لترسيخ المعاني الإصطلاحية الفقهية الجديدة للجهاد والقتال، بعيداً عن معناهما الأصلي في التنزيل الحكيم، وعن التعريف النبوي للجهاد كما ورد في كنز العمال وسبقت الإشارة إليه.

لقد تم توظيف واستعمال موضوع الناسخ والمنسوخ عند الفقهاء بشكل أساسي لأمرين اثنين:

آ – إزالة تناقضات ظاهرة توهم المفسرون والفقهاء وجودها بين آيات الأحكام، مثالها قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} آل عمران 102 وقوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم} التغابن 16. والتناقض واقع في الظاهر بين حكمين، الأول في عبارة {اتقوا الله حق تقاته} من آية آل عمران 102، والثاني في عبارة {فاتقوا الله ما استطعتم} من آية التغابن 16، ولحل هذا التناقض زعموا أن آية آل عمران منسوخة بآية التغابن. يقول الإمام الرازي في تفسيره الكبير (ج8 ص 141} لآية آل عمران 102: “قال بعضهم هذه الآية منسوخة وذلك لما يروى عن ابن عباس (رض) أنه قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين، لأن حق تقاته أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يشكر فلا يكفر، وان يذكر فلا ينسى، والعباد لا طاقة لهم بذلك. فأنزل الله تعالى بعدها {فاتقوا الله ما استطعتم} لتنسخ أول آية آل عمران وتترك آخرها وهو قوله {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} أهـ (2).

ب – رفع التناقض الظاهري بين آيات القتال في سورتي التوبة والأنفال وغيرهما وبين قوله تعالى {لاإكراه في الدين} البقرة 256، وقوله تعالى {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فيكفر} الكهف 28، وقوله تعالى {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} النحل 125.

والتناقض واقع عندهم بين آية البقرة 256 وبين قوله تعالى {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم} التوبة 73، بعد أن اعتبروا الجهاد قتالاً. وواقع عندهم بين آية الكهف 28 وبين قوله تعالى {قَاتِلُوا الّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرّمُونَ مَا حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ مِنْ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} التوبة 29، بعد أن اعتبروا القتال قتلاً. وواقع عندهم بين آية النحل 125 وبين قوله تعالى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلّ مَرْصَدٍ} التوبة 5، وتلك هي آية السيف كما يسميها علماؤنا الأفاضل، التي أشار إليها الشيخ محمد الغزالي في كتابه “كيف نتعامل مع القرآن” ص 82، 83 في فقرة ننقلها بحرفيتها:

“والزعم بأن 120 آية من آيات التنزيل الحكيم نسخت بآية السيف حماقة غريبة دلت على أن الجماهير المسلمة في أيام التخلف العقلي والعلمي من حضارتنا جهلوا القرآن، ونسوا بهذا الجهل كيف يدعون إلى الله. ولعل من أسباب فشل الدعوة الإسلامية في أداء رسالتها الظن بأن السيف هو الذي يؤدي واجب التبليغ وهذا باطل باتفاق العقلاء.

والقول بالنسخ، والحكم بتحنيط بعض الآيات، قول باطل، فليس في القرآن أبداً آية يمكن أن يقال أنها عطلت عن العمل وحكم عليها بالموت. كل آية يمكن أن تعمل، لكن الحكيم هو الذي يعرف الظروف والمجالات التي تعمل فيها” أهـ.

لاريب في أن النسخ، بمعنييه: الإبطال والتعديل، موجود ذكره في التنزيل الحكيم في قوله تعالى {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة 106، وقوله تعالى {وَإِذَا بَدّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ قَالُوا إِنّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} النحل 101، ولكنه نسخ بين الشرائع والرسالات وليس بين آيات الرسالة الواحدة بدلالة السياق في آية البقرة 106، حيث الإشارة إلى هذا المعنى واضحة في قوله تعالى {مَا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبّكُمْ} البقرة 105، وبدلالة السياق في آية النحل 101 حيث الإشارة واضحة أيضاً في قوله تعالى {قُلْ نَزّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبّكَ بِالْحَقّ لِيُثَبّتَ الّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} النحل 102، وبدلالة قوله تعالى {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} المائدة 15. أما ما زعمه أصحاب كتب الناسخ والمنسوخ وعلى رأسهم: هبة الله بن سلامة، وأبو جعفر النحاس، وجلال الدين السيوطي، من أن قوله تعالى {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} الأعراف 199 نسخ ثلثه الأول بآية الزكاة، ونسخ ثلثه الثالث بآية السيف، وبقي ثلثه الثاني. وما زعموه من أن عبد الله بن مسعود قال: أقرأني رسول الله (ص) آية فحفظتها وكتبتها في مصحفي، فلما كان الليل عدت إلى مضجعي فلم أرجع منها بشيء (أي لم يتذكر شيئاً مما حفظ) وغدوت على مصحفي فإذا الورقة بيضاء، فأخبرت النبي (ص) فقال لي: يا ابن مسعود تلك رفعت البارحة – وهذا المثال على قوله تعالى: {أو ننسها} الإنساء – (أنظر كتاب الناسخ والمنسوخ للإمام المحقق أبي القاسم هبة الله بن سلامة ص 5) فهذا هراء لا وزن له عندنا، لأن النسخ لا يكون إلا بين رسالات سماوية يفصل بينها قرون ولا يكون في آيات رسالة واحدة يفصل بينها ساعات. والإنساء هو لرسالات سابقة لم يذكرها رب العالمين وإنما نوه لها بقوله {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ} غافر 78، والإنساء ورد في قوله تعالى {ومنهم من لم نقصص} أي دخلوا دائرة النسيان.

سيقول قائلهم: إن صح ما تقول، فيجب أن نرى في التنزيل الحكيم:

1. أحكاماً من رسالات سابقة يوجد في التنزيل الحكيم ما هو خير منها وهذا معنى عبارة {نأت بخير منها}..

2. وأحكاماً من رسالات سابقة يوجد في التنزيل الحكيم ما يماثلها وهذا معنى عبارة {أو بمثلها}.

والجواب: نعم، إننا نجد كل ذلك موضحاً في التنزيل الحكيم بعشرات الأمثلة، نختار منها النموذجين التاليين عن المجموعة الثانية:

آ – يأتي التوحيد على رأس الأحكام في جميع الرسالات السماوية بدءاً من نوح (ع) وانتهاء بمحمد (ص)، كنموذج من نماذج المجموعة الثانية، ففي التنزيل الحكيم عبارة هي {يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره} تتكرر بصورة طبق الأصل في القصص القرآني على لسان جميع الأنبياء والرسل.

ب – يقول تعالى في جانب واصفاً التوراة {وإذ آتينا موسى وهارون والفرقان وضياء وذكرى للمتقين} الأنبياء 48، ثم يقول في جانب آخر واصفاً التنزيل الحكيم {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} البقرة 185، والتماثل بين الرسالتين نراه واضحاً في نقطتين: الأولى أن كلتيهما هدى ونور للمتقين، والثانية أن ثمة فرقاناً واحداً نزل مع الرسالتين هو الوصايا العشر عند موسى وآيات الأنعام 151، 152، 153 عند محمد (ص).

أما نماذج المجموعة الأولى فهي:

آ – “إذا وجد رجل مضطجعاً مع امرأة زوجة بعل يقتل الاثنان” (العهد القديم، سفر التشريع، الآية 22) {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة} النور 2. هذان حكمان مختلفان في موضوع واحد هو الزنا. الأول في التوراة والثاني في التنزيل الحكيم، نسخ الله تعالى الرجم في الأول وأتى بالجلد في الثاني، والثاني خير من الأول.

من المفيد هنا أن نقف عند عبارة مشهورة في أناجيل النصارى للسيد المسيح (ع) حول مسألة الرجم يقول فيها “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر”. فرغم هذا الغلو في التسامح والغفران إلا أن المسيح (ع) لم يخرج بعبارته مطلقاً عن دوره التشريعي الذي وصفه تعالى بقوله {ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} آل عمران 50. والذي لا يختلف أبداً عن الدور التشريعي لمحمد (ص) كما وصفه تعالى بقوله {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} الأعراف 157.

الطريف أن علماءنا الأفاضل اليوم تركوا كتاب ربهم الذي لا يأتيه الريب من بين يديه ولا من خلفه إلى كتب أخبار وأحاديث آحاد، وزعموا أن الرجم هو عقوبة الزنا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ب – {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنّ النّفْسَ بِالنّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسّنّ بِالسّنّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} المائدة 45. هذا حكم توراتي بدلالة قوله تعالى قبلها {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} المائدة 44. وكان قبل ذلك حكماً بابلياً نصت عليه شريعة حمورابي في المواد 196، 197، 200، 229، 230. ثم جاءت الشريعة المحمدية بخير منه، وذلك في قوله تعالى {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} الإسراء 33. هنا بقي تحريم قتل النفس البشرية كما كان عند موسى، إلا أنه أضاف عبارة {إلا بالحق} ليتوسع بذلك مفهوم قتل النفس ليشمل الحيوان والنبات، فكلاهما نفس. فقتل الحيوان للانتفاع بلحمه وجلده وشعره هو قتل بحق أما غير ذلك فلا، وقتل الأشجار للانتفاع بأخشابها هو قتل بحق أما غير ذلك فلا.

ج – ولقد فرق كتاب موسى، تماماً كما فرقت الرسالة المحمدية، بين القتل العمد والقتل الخطأ. أما القتل العمد فعقوبته واحدة في الرسالتين، وأما القتل الخطأ فكانت عقوبته تصل في كتاب موسى إلى النفي لإحدى ثلاث مدن بعينها، بينما مالت الرسالة المحمدية إلى التخفيف فخفضت العقوبة إلى صيام شهرين متتاليين كحد أدنى وذلك في قوله تعالى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلّا أَنْ يَصّدّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} النساء 92.

فإن سألني سائل كيف نفهم قوله تعالى {لاإكراه في الدين} وقوله تعالى {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} مع آيات أخرى من سورة التوبة والأنفال وسور أخرى؟ أقول: إن آية {لاإكراه في الدين} هي من آيات الرسالة المحمدية، أما آيات القتال فهي من القصص المحمدي تدخل في الأنباء، لا في الأحكام، وتؤخذ منها العبر فقط، ولا تؤخذ منها أحكام شرعية، تماماً كما في آيات قصص موسى وعيسى ويوسف وبقية الرسل والأنبياء. فآيات القصص كانت أخباراً بالنسبة لأصحابها، فأصبحت أنباء بالنسبة لمن بعدهم وهي تدخل في النبوة، وهي أحداث حصلت لا خيار لنا فيها. أما آيات الأحكام كالإرث ولا إكراه في الدين، فلنا الخيار فيها إلى يومنا هذا.

ننتقل الآن إلى مسألة أخرى جرى فهمها بشكل مغلوط ومشوه هي مسالة الشهادة والشهيد.

الشين والهاء والدال (ش هـ د) أصل صحيح في اللسان ومفردة قرآنية وردت مشتقاتها في 160 موضعاً من التنزيل الحكيم، أولها في قوله تعالى {وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} البقرة 23، وآخرها في قوله تعالى {والله على كل شيء شهيد} البروج 9. والشهيد من أسماء الله الحسنى، أي الحاضر القيوم في كل زمان ومكان يسمع ويبصر ويعلم بدلالة قوله تعالى {وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير} الحديد 4، وقوله تعالى {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} ق 16، ولا عجب في ذلك إذ لا يمكن – عقلاً – أن يكون الله سميعاً بصيراً إلا إذا كان حاضراً شهيداً. والشهيد والشاهد اسم فاعل مفرد لفعل (شهد)، مثناه شهيدان للشهيد وشاهدان للشاهد، وجمعه شهداء للشهيد وشاهدين للشاهد وشهود للشهيد والشاهد. والفرق بين الشهيد والشاهد هو أن شهادة الأول حضورية سمعية بصرية يشهد فيها بما رأى بأم عينه وسمع، أما الثاني فشهادته شهادة معرفة وخبرة يشهد فيها بصدق أو بكذب واقعة دون أن يكون حاضراً فيها يسمع ويبصر، مثالها في قوله تعالى بعد أن روى لنا خبر يوسف مع امرأة العزيز {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصّادِقِينَ} يوسف 26، 27. فالشاهد هنا لم يكن شهيداً حاضراً ما جرى، بل قامت شهادته على الأدلة من جهة وعلى الخبرة والدراية والأرضية المعرفية من جهة أخرى. ولم يكن من أقارب امرأة العزيز كما زعمت طائفة عظيمة من المفسرين – حسب قول الرازي في تفسيره الكبير ج 18 ص 99 – بل كان من أهل الحكمة والخبرة في أمثال هذه الوقائع.

نأتي الآن لننظر في نماذج من آيات التنزيل الحكيم ورد فيها أحد مشتقات الأصل (ش هـ د):

1. {شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وَبَيّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ} البقرة 185، تلك هي آية التكليف بالصيام التي تشمل كل من حضر الشهر ورأى هلاله بصراً أو سمعاً أو فلكياً، أي من شهد الشهر شهادة شاهد أو شهادة شهيد، لا يستثنى من ذلك إلا المريض والمسافر والقادر على الفدية.

2. {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللّهَ رَبّي وَرَبّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} المائدة 117. في هذه الآية ينفي المسيح بن مريم (ع) أن يكون هو الذي دعا الناس إلى عبادته وعبادة أمه، حسب منطوق الآية 116 السابقة، ويبين أن دعوته كانت لعبادة الله، وأنه راقب وأشرف على قيامهم بذلك طوال فترة حضوره بينهم حصراً، لكنه بعد غيابه ووفاته غير مسؤول عما فعلوه، وهذا معنى عبارة {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ}.

3. {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشّهَدَاءِ} البقرة 282. هذه الآية تتحدث عن صفقات البيع والشراء وتأمر بتوثيقها بعقود خطية يشهد على صحة ما فيها شهيدان حضرا واقعة البيع وسمعاها وأبصراها.

4. {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} النساء 15. هذه الآية تبين أن ثبوت السحاق لا يتم إلا بشهادة أربعة رجال حضروا واقعة السحاق وسمعوها ورأوها بكل تفاصيلها.

ونفهم من تأمل هذه الآيات أن:

آ – الحضورية شرط أساسي ووحيد في تحديد وتعريف من هو الشهيد، فإن ثبت غياب الشهيد – زمانياً أو مكانياً – عن الواقعة التي تدور حولها شهادته لم يعد شهيداً.

ب – لا يمكن أن يكون الإنسان شهيداً لشيء ما إلا وهو على قيد الحياة. فالشهادة أياً كان نوعها تقف بالموت، والله حي باقٍ لذا فهو على كل شيء شهيد، وبالموت لا تحصل الشهادة بل تنقطع.

ج – وأن هذه الحضورية على قيد الحياة، المدعومة والقائمة على السمع والبصر، هي التي تجعل من شهادة الشهيد شهادة قطعية، ومن شهادة الشاهد شهادة ظنية مهما بلغت أدلته من القوة وخبرته من العمق.

د – وأن القتال والقتل لا علاقة لهما البتة بالشاهد ولا بالشهيد، إذ لا ذكر لهما – لا تصريحاً ولا تلميحاً – في جميع مواضع التنزيل الحكيم ال- 160.

هـ – وأن كل عقد بيع يحمل شهادة شاهدين، ولا يحمل شهادة شهيدين حضرا واقعة البيع وسمعاها وأبصراها، باطل بالضرورة لمخالفته نص آية البقرة 282.

و – وأن الشهادة الحضورية تشمل مجالات عديدة مختلفة، ذكرت الآيات بعضاً منها. وعندنا أن الصحفي الذي يحضر المعارك لتغطية وقائعها وأخبارها هو شهيد مادام حياً سواء قتل بعد ذلك أم لم يقتل، وسجين الرأي الذي رأى مناكير سلطات القمع في بلاده ودعا إلى تغييرها وأعلن شهادة الحق في وجه ظالميه، فأودع في السجن مع القتلة والخونة واللصوص هو شهيد سواء مات في هذا السبيل أم لم يمت، ولا مبرر إطلاقاً لأن نمسخ هذا المفهوم الرحب للشهادة والشهيد بآفاقه المتعددة ونحصره فقط وفقط بالقتلى في المعارك والغزوات، كما فعل فقهاء سلاطين الاحتلال الداخلي والخارجي وعلماء بلاطات وقصور أمراء الإستبداد في العهد الأموي والعباسي والمملوكي والعثماني، وكما يفعل علماؤنا الأفاضل اليوم تقليداً معصوب العينين لأجدادهم بالأمس، وتكريساً لأهداف سلطوية وسياسية سنعرض لها بالتفصيل في الصفحات التالية ونحن نتحدث عن القتال عموماً، وعن القتال في سبيل الله خصوصاً.

هذه الحضورية التي فهمها عيسى المسيح بكل دقة في قوله لربه بآية المائدة 117: وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم، وهذه التعددية في آفاق الشهادة والشهيد، فهمها النبي (ص) بكل دقة أيضاً وأفهمها لصحابته.

نقول هذا وأمامنا 139 حديثاً نبوياً رواها أصحاب الصحيح وأهل السنن والموطآت والمسانيد، أو لعلها 139 رواية لحديث واحد، يعدد النبي (ص) فيها أكثر من إثني عشر تعريفاً للشهيد اخترنا منها التالي:

1. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: من قتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: إن شهداء أمتي إذن لقليل. قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد.

2. وروى أبو داود في سننه عن سعيد بن زيد عن النبي (ص) قال: من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد (هذه الرواية أوردها النسائي في المجتبى وزاد فيها (ومن قتل دون دمه فهو شهيد).

3. وروى النسائي في سننه عن عقبة بن عامر أن رسول الله (ص) قال: خمس من قبض في شيء منهن فهو شهيد: المقتول في سبيل الله، والغرق في سبيل الله، والمبطون في سبيل الله، والمطعون في سبيل الله، والنفساء في سبيل الله.

4. وروى عن أبي جعفر قال: قال رسول الله (ص): من قتل دون مظلمته فهو شهيد.

5. وروى أبو داود عن أبي مالك الأشعري قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد، ومن وقصه فرسه أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاءه الله فإنه شهيد وله الجنة.

ثمة أمور تستوقف المتأمل في هذه الأحاديث النبوية – أو الروايات – إن صحت – أولها هذا التنوع المدهش عند النبي (ص) في رؤيته للشهادة ومجالاتها، الذي يتفق تماماً مع الرواية القرآنية لها ماعدا أنه أضيف لها الموت أو القتل خلافاً تماماً لما ورد في التنزيل الحكيم. فكما جاء التنزيل الحكيم ليوضح عدداً من الحالات يكون الشهيد فيها شهيداً، رأيناها آنفاً في تأملنا لآيات: البقرة 185، والمائدة 117، والبقرة 282، والنساء 15، واستنتجنا منها على التوالي أن الشهيد هو كل من يرى هلال رمضان رؤية بصرية أو سمعية أو فلكية حسابية، ثم يعلن هذه الشهادة الحضورية بالصوم عملاً بالأمر الإلهي. وأن شهادة أن لا إله إلا الله هي شهادة شاهد، لأننا لم نتعرف على الله سبحانه بالسمع والبصر، وإنما بالخبر والتأمل والاستنتاج، لذا فالإيمان بالله واليوم الآخر هو مسلّمَة تقوم على التسليم وهو الإسلام، والإيمان بأن التنزيل موحى من الله، وأن محمداً (ص) نبي ورسول يقوم على التصديق وهو الإيمان. ولو كنا نتعرف على الله بشهادة شهيد لما كان للإيمان معنى، ويصبح الإله مجسماً، سبحانه وتعالى عما يصفون، لذا قال تعالى {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا} الأحزاب 45. وأن الشهيد هو كل من يحضر وقائع البيع والشراء في الأسواق، ثم يعلن هذه الشهادة الحضورية ويوثقها بالتوقيع على العقود المبرمة، وأن الشهيد هو كل من يحضر بالسمع والبصر واقعة فحش وزنا، ثم لا يأبى أن يعلن ما سمعه ورآه إن هو دعي إلى ذلك، لذا فإن واجب الشهداء هو قوله تعالى {ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا} البقرة 282.

كذلك يأتي الفهم النبوي لهذا التنوع في الشهادة والشهيد ليشمل الموتى والقتلى بدليل قوله: {ص) في الخبر رقم 5: فمات أو قتل، وقوله: أو مات على فراشه بأي حتف شاءه الله، وقوله في الخبر رقم 3: من قبض في شيء منهن.

ثانيها، أن النبي (ص) في الخبر رقم 1 يصحح لأصحابه تعريفهم للشهيد ويصوب لهم فهمهم ورؤيتهم لمسألة الشهادة، ويستنكر تضييقهم لهذا المفهوم الرحب الواسع وحصره بقتلى المعارك والغزوات، وهذا معنى قوله: {ص): إن شهداء أمتي إذن لقليل. ومع ذلك يصر علماؤنا الأفاضل اليوم على الأخذ بما أخطأ الأصحاب فيه رغم تعليق النبي (ص) عليه واستنكاره له.

ثالثها، أن النبي (ص) يقرر بمنتهى الوضوح أن الشهيد هو كل من:

1 – قتل في سبيل الله..

2 – ومن مات في سبيل الله ميتة طبيعية على فراشه…

آ – أو مات بالطاعون أو غيره…

ب – أو مات غرقاً…

ج – أو مات ملدوغاً أو معقوصاً أو موقوصاً..

3 – ومن قتل أو مات دون ماله.

4 – ومن قتل أو مات دون أهله..

5 – ومن قتل أو مات دون دينه…

6 – ومن قتل أو مات دون دمه..

7 – ومن قتل أو مات دون مظلمته.

8 – ومن قتل أو مات دون مرابطاً في حراسة الثغور.

9 – ومن مات في طلب العلم..

10 – ومن خرج في رزقه ورزق عياله فمات…

11 – ومن مات بأي مرض.

رابعها، أن النبي (ص) لم يغفل دور المرأة وموقعها وحصتها من التكريم الإلهي الذي خص به تعالى الشهداء حين وضعهم في مكان واحد ومرتبة واحدة مع الأنبياء والصديقين. ففي خبر عقبة بن عامر عند النسائي اعتبر النبي (ص) المقبوضة في نفاسها من الشهداء.

خامسها، أن للمرأة حصة النصف من كل ما عدده النبي (ص) في أحاديثه من صفات الشهيد. فالشهيد لفظ مفرد جمعه شهداء وأشهاد، يدخل فيه الذكر والأنثى، أي أنه اسم مذكر لا مؤنث له، فنقول : هذا شهيد وهذه شهيد. ومثله الزوج بدلالة قوله تعالى لآدم {اسكن أنت وزوجك الجنة} الأعراف 19. ومثله الأرمل.

قد يعجب متعجب من قولنا، وقد يستنكره عبيد التراث ومقدسوه، زاعمين أن ما ذهبنا إليه سيقود بالضرورة إلى دخول أفراد الأمة كلها – برجالها ونسائها – في قائمة الشهداء، إذ لا يخلو الرجل من علم يطلبه، ومن رزق يسعى إليه، ومن مظلمة تلحق به في دمه أو في ماله أو في أهله أو في دينه ومعتقده أو مرض يصيبه، ولا تخلو المرأة من مولود تلده، ومن حيض تحيضه، ومن علم تحصله، ومن رزق تلتمسه، ومن مظلمة تلحق بها. لهؤلاء المتعجبين والمستنكرين نقول: أولاً: إن ما قلناه وذهبنا إليه هو ما قاله تعالى في تنزيله الحكيم، وما ذهب إليه النبي (ص) في أحاديثه إن صحت ماعدا الموت لأن ربط هذه الأمور بالموت يتعارض عمودياً مع التنزيل الحكيم. ثانيا، يقول تعالى في آخر آية من سورة الحج {وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس} الحج 78(3)، والواو في كلمة {وتكونوا} تعني بلا ريب ولا خلاف أفراد الأمة المحمدية جميعاً رجالاً ونساء، وهذا غير قوله تعالى عن الأمم الأخرى {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} النساء 41، والشهيد يجب أن يكون حاضراً سميعاً بصيراً، ولا شهادة لغائب. وشهادة الأمة المحمدية اليوم غير موجودة لأنها غائبة عن الفعل الحضاري وعن صناعة التاريخ.

في ضوء هذا كله، نتوجه بالسؤال إلى علمائنا الأفاضل: هل القتيل في حادث سير أو في حادث غرق هو شهيد؟ فإن كان كذلك – كما يزعمون – من أنه واقف على باب الجنة ليشفع لأبويه وليفتح الباب لسبعين من عشيرته – فشهيد في سبيل ماذا؟ وعلى ماذا؟ وتحت أي عنوان مما ذكرنا؟ وإن كان شهيداً فهو شهيد حادث السير أو حادث الغرق ولا علاقة للجنة أو النار في ذلك، وهذه تدخل في قوله تعالى {نحن قدرنا بينكم الموت} الواقعة 60.

وهكذا حسب التعريف النبوي إن صح أن الشهداء هم كل الأحياء على الإطلاق، ولا يمكن أن يكونوا شهداء إلا وهم أحياء فمنهم شهيد المرض ومنهم شهيد الحرب. وفي هذه الحالة تصبح كل مقابر المسلمين وغير المسلمين هي مقابر الشهداء. فإن ذكر الموت مع الشهادة فهذا يعني أن الموت أو القتل أوقف هذه الشهادة. أما الشهداء المذكورون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فهم من أدى شهادة علنية ودفع حياته ثمناً لها دون أن يؤذي أحداً وخاصة إن كان أعزلاً. وكما أن أبو بكر الصديق اكتسب هذا اللقب في حياته لا بوفاته وكذلك الشهداء فالذي أدى شهادة علنية ولو على عقد بيع وتسببت هذه الشهادة بقتله، فهو مع الأنبياء والصديقين، ولا علاقة للقتل والقتال في ذلك. فكل شهداء الرأي إذا ماتوا جراء هذه الشهادة أو بقوا أحياء وأصروا على هذه الشهادة حتى موتهم، فهم شهداء مع الأنبياء والصديقين. وليس كل من يموت أو يُقتل هو من دفع حياته ثمناً لأداء شهادة علنية تسببت في قتله أو وفاته فهؤلاء قليل، والشهيد مثلاً هو الصحفي الذي قتل في ارض المعركة لنقلها وحصراً هو الوحيد في المعركة الذي لا يحمل سلاحاً ولا يقاتل.

وفي ضوء هذا كله، نتوجه اليوم إلى علمائنا بأسئلة أكبر:

أولها، هل الذي يفجر نفسه بين المسالمين في الأسواق العامة وفي المناطق السكنية هو شهيد؟ والذين قتلوا جراء هذا التفجير بدون ذنب، هل هم شهداء؟ ثانيها، إن كان من يخرج في مظاهرة سلمية احتجاجاً على ظلم وقع أو على قمع حصل هو شهيد عند الله والناس، فهل الذين يتصدون لقمعه ومنعه بالقوة من أداء شهادته تحت عنوان حفظ الأمن وخلف ستار إقرار النظام من جيش وشرطة وقوات أمن هم شهداء؟ ثالثها، هل الخروج لحصار القرى الآمنة المسالمة وقتل أهلها بحجة نشر الإسلام والدعوة إليه هو جهاد وشهادة في سبيل الله؟ أم هو غزو وعدوان يبتغي عرض الحياة الدنيا لا علاقة له بجهاد ولا بشهادة؟ فقهاء السلاطين منذ العصر الأموي إلى اليوم يجيبون: نعم، والله ورسوله يقولان: لا، والأمة مشغولة بمفسدات الصيام ونواقض الوضوء، فلاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إننا نفهم أن المدافع عن وطنه وأرضه وماله وأهله وعقيدته في وجه عدوان يقع على واحدة منها، هو دفاع مشروع سواء قتل أم لم يقتل، ونفهم أن الخارج للدعوة إلى دين الله – رجلاً كان أم امرأة – له الجنة سواء قتل أم لم يقتل شرط أن تكون دعوته هذه في سبيل الله. وأن الساعي في طلب العلم أو في رزقه ورزق عياله مأجور سواء قتل أم لم يقتل، شرط أن يكون سعيه هذا في سبيل الله، وأن المرأة في حيضها ونفاسها لها أجر سواء ماتت أثناء الحيض والنفاس أم لم تمت، وأن الرافض للظلم سواء وقع عليه أم على غيره، والمدافع عن حرية الاختيار في وجه القمع والإكراه، له الجنة قتل أم لم يقتل، شرط أن يكون رفضه ودفاعه في سبيل الله. وهذا كله لا علاقة له مطلقاً بالشهيد الحاضر السامع المبصر كما رأيناه في آيات التنزيل الحكيم، ولا بالشهداء الذين يقول فيهم تعالى:

·         {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} البقرة 23.

·         {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتّخِذَ الْمُضِلّينَ عَضُدًا} الكهف 51.

·         {يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} المائدة 8.

والآيات كما هو واضح تماماً لا تشير من قريب ولا من بعيد إلى القتلى في المعارك، ولا إلى الاستشهاد في سبيل الله، كما يفهمه علماؤنا الأفاضل ويتغنون به على المنابر، الذي لا أصل له البتة في التنزيل الحكيم فالآيتان الوحيدتان اللتان ورد فيهما الأمر الإلهي بالاستشهاد هما:

·         {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} البقرة 282، وهذا في مجال البيع والشراء.

·         {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} النساء 15، وهذا في مجال إثبات الزنا.

ونسأل الآن منظمة مثل حماس أو القاعدة: هل إذا طلبنا منكم أن تدعوا شهداءكم تفهمون أننا نسأل أن تدعوا الشيخ أحمد ياسين والدكتور الرنتيسي، وأن تدعوا منفذي ما أطلقتم عليه غزوة نيويورك؟(4) وإن قلنا لكم أن تستشهدوا رجلين، تفهمون إرسال رجلين في عملية انتحارية والتي تسمونها استشهادية؟ ما هذا الافتراء على الله ورسوله؟؟؟

والسؤال الآن: ما معنى عبارة: “في سبيل الله”؟ ومتى ولماذا بدأ تحريف مفهوم الشهيد والشهادة والاستشهاد؟

الحرف (في) – كما يقول أهل اللسان وأصحاب المعاجم – من حروف الجر، أشهر معانيها:

1 – الظرفية المكانية أو الزمانية، سواء على وجه الحقيقة أم على وجه المجاز. ففي قوله تعالى {قل سيروا في الأرض} العنكبوت 20، دلالة الحرف فيه مكانية على وجه الحقيقة. أما في قوله تعالى {فأوجس في نفسه خيفة موسى} طه 67، فدلالته مكانية على وجه المجاز. وأما دلالته الزمانية فكما في قوله تعالى {في بضع سنين} الروم 4.

2 – السببية. كقول النبي (ص) – إن صح – : دخلت امرأة النار في هرة حبستها .. الحديث. أي بسبب هرة حبستها.

3 – المصاحبة بمعنى (مع). كقوله تعالى {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم} الأعراف 38.

إلا أنها في كل الأحوال تدل على الداخل المستور والمضمون الخفي كقولنا: نظرت في الأمر، أي تأملت ما خفي منه.

وكلمة (السبيل) هي الطريق والمنهج، سواء أكانت طريق خير ومنهج فلاح أم غير ذلك فأما بالمعنى المباشر للطريق فكما في قوله تعالى {واتخذ سبيله في البحر عجبا} الكهف 63، وأما بمعنى الطريقة والمنهج فكما في قوله تعالى {أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} النحل 125.

ومن هنا نجد في التنزيل الحكيم مواضع تتحدث عن سبيل الله، أي عن طريقه ومنهجه، ومواضع تتحدث عن سبيل الطاغوت، كما في قوله تعالى {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} النساء 76.

ولقد وردت عبارة {في سبيل الله} سبعين مرة في التنزيل الحكيم، أولها في قوله تعالى {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} البقرة 190، وآخرها في قوله تعالى {وآخرون يقاتلون في سبيل الله} المزمل 20. واقترنت في هذه المواضع بالقتال حيناً، وبالانفاق حيناً آخر، وبالجهاد والهجرة تارة، وبالضرب في الأرض تارة أخرى، لكنها في جميع هذه المواضع لا تخرج عن معنى واحد هو: ضمن طريق الله ووفقاً لمنهجه. أما ما زعمه المفسرون والفقهاء – وما زال علماؤنا الأفاضل يأخذون بهذا الزعم تقليداً أعمى إلى اليوم – من أن معنى عبارة “في سبيل الله” هو: من أجل الله تقرباً وقرباناً، فليس عندنا بشيء، لتعارضه مع دلالات الألفاظ في اللسان من جانب، وطمسه للمقاصد الإلهية من جانب آخر. فالله – تبارك اسمه وجل ثناؤه – ليس بحاجة أصلاً لمن يقاتل من أجله.

فالإنفاق(5) لا يكون في سبيل الله إلا إذا جرى وفق ما رسمه الله له في منهجه الحنيف، بعيداً عن التبذير (في الحلال)، بريئاً من التقتير (تحريم الحلال)، سالماً من الإسراف (الوقوع في الحرام). فإن شابَهُ شيء من هذا كله تحول إلى إنفاق في سبيل الطاغوت. يقول تعالى:

·         {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ} البقرة 195.

·         {الّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهِمْ} البقرة 262.

·         {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ} محمد 38.

والمتأمل في آيات الإنفاق في سبيل الله لا يحتاج إلى إجازة في علم القراءات ولا إلى دكتوراه في علم الأديان المقارن ليفهم أن الإنفاق على طعام العيال وشرابهم إنفاق في سبيل الله، وأن الصدقات لمحتاجيها سالمة من المن والأذى إنفاق في سبيل الله، وأن بناء المدارس والمستوصفات إنفاق في سبيل الله. وليفهم – بالمقابل – أن إقامة المعسكرات السرية وتزويد المتدربين بالقنابل والمتفجرات لنسف المؤسسات العامة وتفجير الأسواق بمن فيها (وخاصة إن كانوا من المدنيين غير المقاتلين أي إن كانوا لا يبغون قتالاً) ليس إنفاقاً في سبيل الله.

والضرب هو السير السريع في السفر، سواء كان بقصد التجارة أم السياحة والنزهة أم لطلب العلم والمعرفة، أما قولهم: معنى “ضربتم في سبيل” أي غزوتم وسرتم إلى الجهاد (انظر تفسير الرازي ج11 ص 3) فليس عندنا بشيء بدلالة قوله تعالى {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا} النساء 94:

1 – في عبارة {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} يشير تعالى إلى أن الضرب في سبيل الله حتمي واقع لاريب فيه بدلالة (إذا) كما في قوله تعالى {إذا الشمس كورت} التكوير 1، وهذا الحتم لا يمكن أن تدخل فيه حرب ولا قتال، لأن الأصل في الحياة هو السلم والسلام والحرب هي الطارئ العارض، ولأنها كذلك فوقوعها محتمل لكنه غير محتوم. (لقد فصلنا القول في الفرق بين (إذا) و(إن) في كتابنا الثالث “الإسلام والإيمان” فانظره هناك).

2 – اعتمد المفسرون لهذه الآية فيما ذهبوا إليه على قراءة بعينها هي {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} وفيها: السّلم (بفتح السين أو بكسرها) نقيض الحرب، وفيها : مؤمناً (بكسر الميم) نقيض كافراً أو مشركاً. وتركوا، ترسيخاً لآية السيف، قراءة أخرى هي (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً) وفيها: السلام بمعنى التحية، وفيها: مؤَمناً بمعنى آمناً ومسالماً.

3 – إن عبارة {تبتغون عرض الحياة الدنيا} تنسجم مع التجارة والسياحة وطلب العلم، فهذه كلها فيها منافع دنيوية يبتغيها الضارب في سبيل الله، لكنها لا تنسجم مطلقاً مع الدعوة إلى الهدى والإيمان لعدم وجود منفعة دنيوية فيها.

والضرب لا يكون في سبيل الله إلا إذا جاء ملتزماً طريق الله ومطبقاً منهجه. ولعل أبرز معالم هذا المنهج الإلهي وذلك الطريق الرباني هو قوله تعالى {..وقولوا للناس حسناً} البقرة 83، وقوله تعالى {أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} النحل 125.

أما السعي في سبيل الله طلباً للرزق فنجده في قوله تعالى {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ} النساء 100. فالهجرة في الآية سعي في طلب الرزق وليست قتالاً لنشر الدعوة إلى الدين كما يزعم المفسرون والفقهاء بدلالة عبارة {يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً}.

والسعي في طلب الرزق لا يكون في سبيل الله إلا إذا التزم الساعي بالمنهج الإلهي في سعيه. فإن كان تاجراً فلا احتكار ولا أرباح فاحشة، وإن كان بائعاً فلا خداع ولا تطفيف، وإن كان منتجاً فلا غش في المواصفات، وإن كان حرفياً نجاراً أو خياطاً فلا إخلاف في المواعيد ولا إهمال في الإتقان، فإن شابَ سعيه شيء من هذا كله لم يعد سعياً في سبيل الله.

قلنا إن فعل استشهد ورد مرتين في التنزيل الحكيم، الأولى في آية البقرة 282 والثانية في آية النساء 15. والاستشهاد في الآيتين يعني طلب الشهادة الحضورية المؤيدة بالسمع والبصر. والسؤال الآن: متى تم تحريف هذه المعنى؟ ومتى بدأ الاستشهاد يعني الموت في ارض المعركة؟

لقد رأينا كيف قسّم النبي (ص) الجهاد إلى جهادين، في رواية صاحب كنز العمال، جهاد أصغر هو القتال، وجهاد أكبر هو جهاد النفس ومغالبة الهوى. ورأينا كيف جرى طمس الجهاد الأكبر عند السادة الفقهاء حين وضعوا للجهاد معنى اصطلاحياً انتهوا معه إلى القول: الجهاد في الاصطلاح يعني: قتال الكفار لنصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله (انظر شرح القسطلاني لصحيح البخاري ج 5 ص 30) وإلى القول: إنما الجهاد هو القتال في سبيل الله. الذي نجده مكرراً ومكرساً في جميع مؤلفاتهم تحت عنوان: الدعوة إلى الإسلام واجبة بالجهاد الابتدائي. فكانت النتيجة أن تحول الجهاد إلى غزو والقتال إلى قتل بعد ولادة جهاد جديد هو الجهاد الابتدائي وهو يعني أن يبدأ المسلمون بالقتال وهذا ما فعله تنظيم القاعدة في ما يسميها غزوة نيويورك، إذ مارس الجهاد الابتدائي حيث بدأ بالهجوم على اليهود والنصارى حسب ما يزعم. وأصبح الجهاد عنده غزواً.

إنه من العجيب أن يسمي أصحاب التراث حروب الرسول بأنها غزوات، مع أنها كانت كلها دفاعية، حتى غزوة تبوك. والغزو دائماً له معنى سلبي، ولا يحمل أي معنى إيجابي. فنقول إن هتلر غزا أوربا ولا نقول حارب. ونقول فرنسا قاومت الغزو الهتلري، ونفهم لماذا سميت غزوات لأن القبائل العربية في الجاهلية كانت تغزو بعضها بعضاً، فارتبطت الحرب أو العنف عندهم بالغزو.

وإذا كان المتأمل لا يجد أية صعوبة في رؤية الأسباب النفعية المادية خلف ذلك التحول، وفي فهم الدوافع السلطوية القمعية وراءه، فهو لن يجد أيضاً أية صعوبة في رؤية وفهم هذه الدوافع وتلك الأسباب الكامنة خلف سلخ معاني الشهادة والشهيد والاستشهاد عن عمومها في التنزيل الحكيم، وتوظيفها في أهداف سنشرحها لاحقاً من خلال الزعم بأن الشهداء هم العسكر حصراً وبأن الشهيد هو من يسقط قتيلاً في ارض المعركة تحديداً، رغم أن الشهيد حسب معناه القرآني لا يبقى شهيداً لحظة موته أو مقتله، وهذا ما أشار إليه عيسى المسيح (ع) بكل وضوح في حواره مع ربه سبحانه في آية المائدة 117، وما قصده النبي (ص) وهو يعدد أصناف الشهداء والمجالات التي تتجلى فيها شهاداتهم. فطالب الرزق وطالب العلم وطالب العدل والمطالب بحرية الرأي والعقيدة كلهم شهداء ما داموا أحياء يجاهدون، أما من قتل أو مات ثمناً لأداء شهادة علنية حتى ولو على عقد بيع ودون أن يتأذى أحد، فينطبق عليهم قوله تعالى {أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} النساء 69، وكالطبيب الهولندي الذي دفع حياته ثمناً لأداء شهادته ووصف مرض الكوليرا سريرياً كطبيب. أما القول بأن الشهيد لا يصير شهيداً إلا إذا قتل في أرض المعركة وبأن جسده لا يبلى إلى يوم القيامة وبأنه يشفع في سبعين من عصاة قومه فيدخلهم الجنة فهذا هراء قال به الفقهاء، وإننا نبرأ إلى الله ورسوله (ص) من هذا القول.

لقد اخترنا فقرتين من كتب التراجم والأخبار فيهما ما يلقي بعض الضوء على ما نحن فيه، ويساعد على تلمس جواب لسؤال طرحناه: متى ولماذا بدأ الاستشهاد يأخذ معنى السقوط في أرض المعركة.

1 – كتب الأشتر إلى عثمان بن عفان يقول: “من مالك بن الحارث إلى الخليفة الخاطئ المبتلى الحائد عن سنة نبيه النابذ لحكم القرآن وراء ظهره.

أما بعد، فقد قرأنا كتابك. فانهَ نفسك وعمالك عن الظلم والعدوان وتسيير الصالحين نسمح لك بطاعتنا. وزعمت أننا قد ظلمنا أنفسنا وذلك ظنك الذي أرداك فأراك الجور عدلاً والباطل حقاً. وأما محبتنا فأن تنزع وتتوب وتستغفر الله من تجنيك على خيارنا وتسييرك صلحائنا وإخراجك إيانا من ديارنا وتوليتك الأحداث علينا وأن تولي مصرنا عبد الله بن قيس أبا موسى الأشعري وحذيفة فقد رضيناهما، واحبس عنا سعيدك ووليدك ومن يدعوك إليه الهوى من أهل بيتك إن شاء الله والسلام. (أنظر أنساب الأشراف للبلاذري ص 46).

2 – فأرسل عثمان بن عفان إلى معاوية بن أبي سفيان وإلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح وإلى سعيد بن العاص وإلى عبد الله بن عامر(6)، فجمعهم ليشاورهم في أمر ما طُلب إليه وما بلغه عنهم. فلما اجتمعوا عنده قال لهم: إن لكل امرئ نصحاء، وأنتم نصحائي وأهل ثقتي وقد صنع الناس ما رأيتم، وطلبوا إلي أن أعزل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون فأشيروا علي.

آ – فقال له عبد الله بن عامر: رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تقطع عنهم أعطياتهم فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه، وما هو فيه من دبرة دابته وقمل فروه، وأن ترمي بهم على الثغور وتحجرهم في المغازي حتى يذلوا لك.

ب – ثم أقبل عثمان بن سعيد بن العاص فقال له: ما رأيك؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن كنت ترى رأينا فاحسم عنك الداء واقطع عنك ما تخاف واعمل برأيي تصب. قال: وما هو؟ قال: إن لكل قوم قادة متى تهلك يتفرقوا فلا يجتمع لهم أمر.

ج – ثم أقبل على معاوية فقال: ما رأيك؟ قال: أرى لك يا أمير المؤمنين أن ترد عمالك على الكفاية لما قبلهم، وأنا ضامن لك ما قبلي.

د – ثم أقبل عبد الله بن سعد فقال: ما رأيك؟ قال: الناس يا أمير المؤمنين أهل طمع، فأعطهم تعطف عليك قلوبهم. أهـ. (انظر تاريخ الرسل والملوك للطبري ج4 ص333).

في الفقرة الأولى نحن أمام فارس مقاتل كان من أسياد قومه ومن مشاهير شيعة علي، هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي المعروف بالأشتر، ذكره العسقلاني ضمن من ذكرهم في كتاب الإصابة وقال: له إدراك، بينما اعتبره ابن سعد وابن حبان من التابعين. شهد اليرموك وحضر خطبة عمر بن الخطاب في الجابية، ثم صحب الإمام علي وقاتل معه في الجمل وصفين وله في فتوح الشام مشاهد وآثار (انظر الإصابة في تمييز الصحابة للعسقلاني ج4 ص 482).

وفي الفقرة الأولى نحن أمام نموذج رائع مذهل من نماذج البلاغة في الإيجاز، لا تزيد سطوره عن العشرة ولا تتجاوز ألفاظه المئة، ومع ذلك استطاع الكاتب أن يجمع فيها بين البساطة والدقة والعمق والوضوح وهو يلخص مآخذ المعارضين لعثمان بن عفان في آخر سنتين من حكمه ومطالبهم منه ومواقفهم تجاهه. فيعدد في رسالته تلك المآخذ التي جعلت – في رأيه – من الخليفة خاطئاً نابذاً لحكم القرآن حائداً عن السنة، فأصبح:

1. ظالماً ومعتدياً..

2. لا ينهى نفسه ولا عماله عن الظلم والعدوان..

3. يتجنى على الأخيار..

4. يسّير الصلحاء والصالحين..

5. يخرجهم من ديارهم..

6. يولّي عليهم الأحداث

7. يتبع دعوة هواه في تعيين الولاة من أهل بيته واقاربه وأنصاره.

الرسالة – في رأينا – أولاً: مرآة لموقف شيعة علي الذين يعتبرون عثمان أساساً ثالث غاصب لحقّ إمامهم في الخلافة، وهذا أهم عدوان ارتكبه عثمان. وهي ثانياً إعلان بالعصيان يرفعه الأشتر باسم أهل الكوفة إن لم يتراجع الظالم المعتدي عن ظلمه وعدوانه ويعيد الحق المغتصب لصاحبه. وهي ثالثاً حكم بالقتل بتهمة نبذ حكم القرآن وترك السنة، له سابقة في حروب الردة التي جرى فيها قتل المرتدين بتهمة ترك السنة.

لقد استجاب عثمان لمطالب الأشتر باسم أهل الكوفة في رسالته فولّى أبا موسى عبد الله بن قيس الأشعري على صلاة الكوفة وحربها، وحذيفة بن اليمان على خراجها وعزل الوليد بن عقبة بن أبي معيط وسعيد بن العاص المذكورين في الرسالة. لكن ذلك لم يشفع له عند الأشتر وأصحابه، فالحيثية الأهم لحكم القتل كانت التنازل عن الخلافة وهذا مالم يستجب له عثمان.

الطريف أن التهمة رقم 7 ليست تهمة في الحقيقة بل هي من طبائع الأمور، من ذاك الوقت إلى يومنا هذا. لأن مفهوم الأسرة والعشيرة والقبيلة ثم أضيفت إليها الطائفة أقوى من مفهوم الوطن والمواطنة. وإلا فماذا نقول في تولية الإمام علي لعبد الله بن عباس على البصرة؟ وفي توليته للأشتر على مصر؟ بعد أن أصبح خليفة للمسلمين.

إننا لا يهمنا هنا على الأقل أن نؤيد مع الخصوم المتشددين، ولا أن نستنكر مع الموالين المتعصبين، ولا أن نتجاهل مع المعتدلين المحايدين وما حدث وحصل، كما فعل صاحب كتاب “العواصم من القواصم” وغيره. ولا يهمنا هنا على الأقل أن نحاكم هؤلاء وهؤلاء وأولئك، في جريمة قتل سياسية ما زلنا نعيش عقابيلها في يومنا هذا. ما يهمنا – كما سبق أن قلنا – هو أن نرصد متى ولماذا تحول معنى الاستشهاد والشهادة والشهيد من إطاره اللغوي العام إلى إطار اصطلاحي خاص، ليدل حصراً على السقوط في أرض المعركة. لهذه الغاية نعود لننظر في التهمتين 4 و5 الموجهتين لعثمان وعماله في رسالة الأشتر.

أما التسيير فكان يتم على صورتين. الأولى: إرسال المعارضين للحكم والناقدين للحاكم إلى المركز مخفورين محروسين ليرى الخليفة فيهم رأيه: والثانية إرسالهم إلى الثغور أو مع البعوث الغازية مجاهدين في سبيل الله. ولما كان من المستحيل في هذه الحالة إرسالهم مخفورين، فقد ولدت الحاجة إلى خفير وجداني داخلي يقتنع الغازي معه بأنه مجاهد. ومن هنا ومنذ ذلك الوقت نهاية العصر الراشدي وبداية العصر الأموي وقبل ظهور الفقه وعلومه، أصبح الغزو جهاداً والغزاة شهداء والسيف تذكرة مرور إلى الجنة.

وأما الإخراج من الديار فصورته واحدة هي النفي، الذي كان معروفاً في عصر عثمان والأشتر. فالرّبَذَةُ قرية خربة موحشة قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز تبعد ثلاثة أيام عن المدينة المنورة، نفي إليها أبو ذر الغفاري على يد عثمان ومعاوية، واقام بها إلى أن مات عام 32 هـ، وجبل الدخان موضع قاحل لم نجد له ذكراً عند ياقوت في معجم البلدان والأرجح عندنا بدلالة اسمه أنه بركان شبه خامد في منطقة المدينة المنورة. وارض القردة هي المنفى الذي هدد عمر بن الخطاب بإرسال أبي هريرة إليه إن هو لم يترك الإكثار من رواية الحديث.

ننتقل الآن إلى خبر اجتماع الشورى الذي عقده الخليفة الثالث عثمان مع ولاته الأربعة كما ورد في تاريخ الطبري.

في هذه الفقرة الثانية نحن أمام أربعة آراء متنافرة، كأن كل رأي فيها يمثل حلاً من وجهة نظر صاحبه يتناسب مع طبيعة المشكلة في ولايته، وهذا ليس من الشورى التي أشار إليها تعالى بقوله في وصف الذين آمنوا بربهم {وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} الشورى 38. وليس من الشورى التي التزمها النبي (ص) في حياته العملية حتى لو كان القرار فيها مخالفاً لرأيه الخاص. إنها الشورى التي عرضها الفقهاء فيما بعد (المُعلِمة غير الملزمة) التي تكرس حكم الفرد وتفتح الباب على مصراعيه للإستبداد من جانب، ولِكَمّ الأفواه وإخراس المعارضين من جانب آخر. الشورى عند الله ورسوله قرار يلزم الأخذ به بعد استعراض جميع الآراء واختيار أنسبها وأصلحها، أما عند فقهاء بني أمية والعباس ومن بعدهم فالشورى مجرد رأي للاستئناس ورفع العتب.

أما معاوية، فكان يرى أن يترك الخليفة لواليه وعامله أمر مواجهة المشكلة وحلها بما يراه مناسباً لولايته، إن شاء نفى وإن شاء وصل وإن شاء حبس أو قتل. بعبارة أخرى، كان معاوية يطلب مزيداً من الصلاحيات تكرس استقلاله في ولايته عن مركز الخلافة.

وأما ابن أبي سرح، فكان يرى في المال دواء لكل داء، لكن هذا العلاج إن نفع مع بطانة كالمحيطة به في مصر، فهو لا يجدي نفعاً مع المعارضين في الكوفة كالأشتر النخعي، ولا مع الناقدين في الشام كأبي ذر الغفاري.

وأما سعيد بن العاص فرأيه عجيب يدعو إلى اغتيال قادة المعارضة وقتل رؤوسها. وهذا إن انسجم مع رجل كالحجاج في دمشق وروبسبيير في باريس وإيفان الرهيب في موسكو، فهو لا ينسجم مع صورة الصحابي التي رسمها العسقلاني بسعيد في كتاب الإصابة (ج2 ص47) وهو يقول: .. كان من فصحاء قريش ولهذا ندبه عثمان فيمن ندب لكتابة القرآن. قال ابن أبي داود في كتاب المصاحف أن عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد بن العاص لأنه كان أشبههم لهجة برسول الله (ص). ولي الكوفة لعثمان والمدينة لمعاوية. روى الزبير عن طريق عبد العزيز بن أبان عن خالد بن سعيد عن أبيه عن ابن عمر قال: جاءت امرأة إلى النبي (ص) ببردة فقالت: إني نذرت أن أعطي هذه لأكرم العرب. فقال: أعطيها لهذا الغلام، يعني سعيداً هذا. أهـ.

يبقى أخيراً أن نقف عند رأي عبد الله بن عامر والي البصرة، الذي يتلخص في ثلاث نقاط:

1. قطع الأعطيات عن المعارضين بحيث تشغلهم الفاقة عما هم فيه، وبحيث يدفعهم ضيق العيش إلى الإنخراط في صفوف المرتزقة طمعاً بالغنائم والمسلوبات.

2. الرمي بهم إلى الثغور، أي تسييرهم لقتال الأعداء في الخطوط الأمامية، وهذا ما أشار إليه الأشتر في رسالته إلى عثمان المذكورة آنفاً. وفكرة تسيير المعارضين إلى الخطوط الأمامية، على أمل أن يقتلوا هناك، فكرة شائعة عند العديد من الملوك والحكام. فبعض المفسرين الإسلاميين اعتمد في تفسيره رواية توراتية تزعم أن داود (ع) أرسل أوربا قائد جيوشه إلى الخطوط الأمامية مع الأعداء ليقتل، كي يستولي داود بعده على زوجته الجميلة. وسواء صحت الرواية أم لم تصح (والأرجح عندنا أنها مفتراة) فالفكرة كانت موجودة شائعة كما ذكرنا.

3. التجمير في المغازي. والتجمير – كما يقول الزمخشري في أساس البلاغة – هو حبس الأمير الغزاة في الثغر وفي نحر العدو فلا يقتلهم.

ويبدو أن رأي عبد الله بن عامر، بنقاطه الثلاث، أصبح عقيدة سياسية أموية بدءاً من عثمان بن عفان وانتهاء بصقر قريش عبد الرحمن الداخل، مروراً بسلاطين الأسرة السفيانية وأمراء الأسرة المروانية، يستطيع المتأمل معها أن يفهم كيف ولماذا تحول الجهاد – خدمة لهذه العقيدة السياسية – إلى غزو، وتحول الشهيد إلى عسكري يسقط في أرض المعركة دفاعاً عن النظام الحاكم، وتحولت الدعوة للهدى من حكمة وموعظة وحوار بالتي هي أحسن إلى حملات مسلحة لسلب الأموال ونهب الممتلكات وهتك الأعراض، ولا علاقة لها بالمنهج الإلهي المتمثل بعبارة (في سبيل الله) لا من قريب ولا من بعيد وحتى يومنا هذا عندما تريد الدولة المستبدة إبعاد شخص ما لا تريد تصفيته جسدياً فإنها تعينه بالسلك الدبلوماسي ليعيش بعيداً في المنفى.

سيصيح بي عبدة التراث وأهله مستنكرين: أنت تدعو إلى تعطيل الجهاد وتركه. وسأجيب بكل هدوء: نعم إنني أدعو إلى ترك وتعطيل الجهاد الفقهي الذي رفع رايته فقهاء عصور الاستبداد، وأدعو إلى ترك الجهاد العثماني الذي تحول إلى سنجق يهدد به الخليفة خصومه من الدول الأخرى، لكنني أدعو بالمقابل إلى التمسك بالجهاد الذي أمر به الله ورسوله، وإلا فخبروني عن رجل يطالب بدفن زوجته في مقابر الشهداء لأنها توفيت بالنفاس، وعن زوجة تطالب بحصة زوجها من الامتيازات والمكاسب التي يغدقها الحكام على الشهداء لأنه مات في طلب رزقه ورزق عياله أو مات مبطونا، أيجوز عندكم أم لا يجوز؟

سيعود المستنكرون إلى الصياح إذ لا يتقنون سواه: ألا يسعك ما وسع الأمة على مدى ثلاثة عشر قرناً؟ وسأجيب مرة أخرى بكل هدوء: وهل وسع إبراهيم الخليل أن يعبد الأصنام وقد وسع ذلك قومه كلهم؟ المشكلة أنكم تعانون من عقدة نقص هي الدونية، وترون أنفسكم غباراً على أحذية السلف، أما نحن فقد كرّمنا تعالى بالسمع والبصر والفؤاد لنسمع ونرى ونفهم ولا نقبل أن نكون غباراً على حذاء أحد. والمشكلة أننا نستشهد على ما نقول بالله وبكتاب الله، وأنت تستشهدون على ما تقولون بالسيوطي وبالدهلوي وبابن عابدين، وشتان ما بين شهادة شهيدنا وشهادة شاهدكم، فالأولى حضورية قطعية والثانية غيابية ظنية، والظن – كما يقرر سبحانه في آية النجم 28 – لا يغني من الحق شيئاً.

المشكلة أنكم تقرؤون فلا تفهمون، وإن فهمتم تحرفون، وإلا فخبروني عن الإمام الشافعي حين أفتى بأن الولد الذي يحجب ميراث الأعمام ذكر، وأمامه قوله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم} النساء 11، هل كان الشافعي لا يعرف أن الولد قد يكون ذكراً وقد يكون أنثى؟ وهل قرأ قوله تعالى {والوالدات يرضعن أولادهن} فهل الوالدة ترضع الذكر فقط؟ وهل فعل الولادة يقع على الذكر ولا يقع على الأنثى؟ وأنه لو قصد الذكور حصراً لخرجت الإناث من وصيته وهذا محال؟

والجواب: لقد كان الشافعي يعرف ذلك كله، فهو فصيح من حيث النسب لكونه قرشياً وفصيحاً من حيث الثقافة لكونه يحفظ عشرة آلاف بيت من الشعر، لكنه فضل أن يداهن سلطانه العباسي المستبد أبا جعفر المنصور فكانت النتيجة أنه باع دينه بدنيا غيره، غير عابئ بأن تتسبب فتواه هذه بحرمان مليارات البنات من إرثهن منذ أن أصدرها إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.

ونحن – هنا على الأقل – لسنا بصدد محاكمة الشافعي بعد أن انتقل لبين يدي أحكم الحاكمين، لكننا ملزمون بالدعوة إلى ترك العمل بهذه الفتوى السياسية المخالفة لنصوص التنزيل الحكيم. فالساكت عن الحق شيطان أخرس. وملزمون توخياً للإنصاف بالإشارة على عديد من الفقهاء الصادقين في الحق والمخلصين له، كانت لهم مواقف تختلف كثيراً عن موقف الشافعي.

“دخل الزهري على الوليد بن عبد الملك، فقال الوليد: ما حديثٌ يحدثنا به أهل الشام؟ يحدثوننا أن الله إذا استرعى عبداً رعيته كتب له الحسنات ولم يكتب عليه السيئات. قال الزهري: باطل ياأمير المؤمنين، أنبي خليفة أكرم على الله أم خليفة غير نبي؟ قال: بل نبي خليفة. قال: فإن الله تعالى يقول لنبيه داود {يَادَاوُودُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقّ وَلَا تَتّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ إِنّ الّذِينَ يَضِلّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} ص 26، فهذا وعيد الله لنبي خليفة فما ظنك بخليفة غير نبي. قال الوليد: إن الناس ليغووننا عن ديننا” (انظر العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي ج1 ص 60).

رحم الله الزهري، فالتراث لم ينصف وقوفه في وجه واضعي الأحاديث النبوية، ورد ما يخالف التنزيل الحكيم منها والحكم ببطلانه. وليس ذلك بعجيب. فالتراث بالأصل – في معظمه – يمثل ما سمح السلاطين بنشره ورضوا عن وضعه بين ايدي الناس، ولم تنته هذه الظاهرة إلا حديثاً بقيام ثورة المعلوماتية.

وليت المسألة اقتصرت على وضع الأحاديث النبوية خدمة لمقاصد سياسية وسلطوية ومذهبية، بل تعدته إلى وضع تفاسير لآيات التنزيل الحكيم تصب في مصلحة تلك المقاصد ذاتها. مثالها قوله تعالى {إنا فتحنا لك فتحاً مبينا} الفتح 1، وقوله تعالى {إذا جاء نصر الله والفتح} النصر 1، وقوله تعالى {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون} آل عمران 169.

يقول الرازي في تفسير آية الفتح 1: “في الفتح وجوه: أحدها فتح مكة وهو ظاهر، وثانيها فتح الروم وغيرها، وثالثها الفتح في صلح الحديبية، ورابعها فتح الإسلام بالسيف والسنان وبالحجة والبرهان، فإن قيل: إن كان المراد فتح مكة فمكة لم تكن قد فتحت، فكيف قال تعالى (فتحنا) بلفظ الماضي؟ نقول: الجواب عنه من وجهين: أحدهما، فتحنا في حكمنا وتقديرنا. ثانيهما، ما قدره الله تعالى فهو كائن لا دافع له وواقع لا راد له” أهـ. (انظر التفسير الكبير ج 28 ص 67).

ويقول في تفسير آية النصر 1: “والمشهور عند المفسرين أن المراد من الفتح في هذه السورة هو فتح مكة بدليل أنه تعالى ذكره مقروناً بالنصر، وقد كان (ص) يجد النصر دون الفتح كبدر والفتح دون النصر كإجلاء بني النضير فإنه فتح البلد لكنه لم يأخذ القوم، أما في فتح مكة فقد اجتمع له الأمران النصر والفتح وصار له الخلق كالأرقاء حتى أعتقهم.

القول الثاني، أن المراد فتح خيبر وكان ذلك على يد علي (ع) والقصة مشهورة. والقول الثالث، أنه فتح الطائف وقصته طويلة. والقول الرابع، المراد النصر على الكفار وفتح بلاد الشرك على الإطلاق وهو قول أبي مسلم. والقول الخامس، أراد بالفتح ما فتح الله عليه من العلوم، ومنه قوله تعالى {وقل رب زدني علماً} طه 114. لكن حصول العلم لابد وأن يكون مسبوقاً بانشراح الصدر وصفاء القلب وذلك هو المراد من قوله تعالى {إذا جاء نصر الله}، ويمكن أن يكون المراد بنصر الله الإعانة على الطاعات والخيرات. أهـ. (انظر التفسير الكبير ج 32 ص 143).

والإمام الرازي – كباقي المفسرين – ينطلق من تفسير الآيتين من المعنى المقصود الشائع المشهور للنصر والفتح، ليقرر أنهما صورتان يتجسد فيهما الجهاد القتالي الذي ينتهي بالنصر على الأعداء، قتلاً وأسراً وهزيمة، يعقبه فتح للبلد بعد حصارها ودك أسوارها، وقد يجتمع النصر والفتح معاً في معركة واحدة وقد لا يجتمعان. والفتح في الآيتين عند الرازي وغيره من المفسرين، سواء أكان في مكة أم في خيبر أم في الطائف أم في الحديبية، لا يخرج عما ذكرناه. فإن كان ذلك كذلك – وهو ليس كذلك بكل تأكيد – فكيف نفهم الفتح في الآيات التالية:

1. {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} الأعراف 89..

2. {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} الأعراف 96.

3. {فَتَرَى الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} المائدة 52.

أقول كيف نفهم الفتح طبقاً للمشهور عند علمائنا الأفاضل من مفسرين وفقهاء وهو يحمل في الآية الأولى معنى الحكم، وفي الثانية معنى الرزق، وفي الثالثة معنى التوفيق؟ والأهم من هذا كله كيف نفهم اسم الله سبحانه “الفتاح” في قوله تعالى {قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العظيم} سبأ 26؟ هل نفهم منه أن الفتاح هو الذي يفتح البلاد بعد حصارها ودك أسوارها؟

المشكلة عند الرازي وغيره من المفسرين أنهم قرؤوا الآية الأولى من سورة الفتح مفصولة في الشكل والمضمون عما تلاها من آيات، فتوهموا أن الفتح في الآية هو فتح مكة. غافلين عن (اللام السببية) في قوله تعالى: {ليغفر} في مطلع الآية الثانية التي تعني أن الله جعل من الفتح في الآية الأولى سبباً لأربع نتائج شرحها على التوالي في الآيتين 2و3، الأولى: مغفرة الذنوب والثانية: إتمام النعمة والثالثة: الهداية إلى الصراط المستقيم والرابعة: النصرة دعماً وتأييداً وعوناً. وفتح مكة – أو غيرها – عسكرياً لا يمكن أن يكون سبباً في هذه النتائج الأربع.

يقول الإمام الرازي في تفسير آية آل عمران 169: “إعلم أن ظاهر الآية يدل على كون هؤلاء المقتولين أحياء، فإما أن يكون ذلك حقيقة أو مجازاً. فإن كان المراد منه هو الحقيقة، فإما أن يكون المراد أنهم سيصيرون في الآخرة أحياء أو أنهم أحياء في الحال. وبتقدير أن يكون الثاني هو المراد، فإما أن يكون المراد إثبات الحياة الروحانية أو إثبات الحياة الجسمانية، وهذا ضبط الوجوه التي يمكن ذكرها في تفسير هذه الآية” أهـ. (أنظر التفسير الكبير ج9 ص 72، 73). وكما يفصل الرازي أقوال المفسرين في هذه الوجوه في موضعين: الأول، في تفسير قوله تعالى {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون} البقرة 154. والثاني، في تفسير آية آل عمران 169 التي نحن بصددها، كذلك يفعل الإمام الطبرسي في مجمع البيان فيقول:

“عن ابن عباس أن آية البقرة 154 نزلت في قتلى بدر وهو يومئذ أربعة عشر رجلاً ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، وكانوا يقولون مات فلان فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهى فيها أن يسمى من قتل في الجهاد أمواتاً بل هم أحياء. وفيه أقوال: (أحدها) وهو الصحيح، أنهم أحياء على الحقيقة إلى أن تقوم الساعة. وهو قول ابن عباس وقتادة ومجاهد وإليه ذهب الحسن وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء واختاره الجبائي والرماني وجميع المفسرين. (الثاني) أن المشركين كانوا يقولون إن أصحاب محمد يقتلون أنفسهم في الحروب بغير سبب ثم يموتون فيذهبون، فأعلمهم الله أن الأمر ليس على ما قالوه، وأنهم سيحيون يوم القيامة ويثابون. (الثالث) معناه لا تقولوا أمواتاً في الدين بل هم أحياء بالطاعة والهدى، ومثله قوله تعالى {أوَ من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} الأنعام 122، فجعل الضلال موتاً والهداية حياة. (الرابع) أن المراد أنهم أحياء لما نالوا من جميل الذكر والثناء، كما روي عن أمير المؤمنين (ع) من قوله: هلك خُزّان الأموال والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة. والمعتمد هو القول الأول لأن عليه إجماع المفسرين” أهـ. (انظر مجمع البيان للطبرسي ج1 ص 236). ويقول في تفسير آية آل عمران 169:

“قيل نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلاً، وقيل نزلت في شهداء أحد وكانوا سبعين رجلاً، وقيل نزلت في شهداء بئر معونة وكانوا سبعين رجلاً. لما حكى الله قول المنافقين في المقتولين الشهداء (يقصد في الآية 168 السابقة) ذكر بعده ما أعد الله للشهداء من الكرامة وما خصهم به من النعيم في دار المقامة” أهـ. (انظر مجمع البيان للطبرسي ج1 ص 537).

وتستوقفنا في هذه الفقرات أمور. أولها: هذا الإصرار العجيب لدى المفسرين على حصر مفهوم الشهادة والشهيد بقتلى المعارك تخصيصاً خلافاً لقوله تعالى {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} الحديد 19. والجدير بالذكر أنه ذكر من بقي حياً بعد معركة أحد على أنهم شهداء وذلك في قوله تعالى {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَتّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللّهُ لَا يُحِبّ الظّالِمِينَ} آل عمران 140. هذا من جانب وللأحاديث النبوية – إن صحت – من جانب آخر، حسبما شرحناه بالتفصيل في الصفحات السابقة، وإضافتهم وهم يفسرون ألفاظاً إلى الايات ليست موجودة بالأصل، مثالها (الجهاد) و(الشهداء).

ثانيها: التمسك بظاهر الألفاظ على حقيقتها وترك المجاز، رغم ما ينتج عن ذلك من تجسيم بحق الله تعالى من جانب، ومن تضاد وتناقض مع قوانين الكون المادية من جانب آخر. أما التجسيم، فحين زعموا أن القتلى أحياء مادياً على وجه الحقيقة استتبع ذلك لزوماً أن تكون “العندية” في عبارة (عند ربهم) عندية مكانية وهذا مستحيل على الله تعالى لأن العندية المكانية من صفات الأجسام. وأما التضاد والتناقض مع قوانين الكون المادية، فقد زعموا أن أجساد الأنبياء والشهداء محرمة على الأرض، فهي على حالها طرية غضة إلى يوم القيامة، وهم أحياء في قبورهم يرزقون من نعيم الجنة غدواً وعشياً.

ثالثها: الخلط بين النفس والروح، وبين الموت والوفاة، فالنفس هي التي يتوفاها خالقها لتعود تراباً كما كانت أول مرة، بدلالة قوله تعالى {الله يتوفى الأنفس حين موتها} الزمر 42، أما الروح فتذهب – ولا نقول تصعد – إلى بارئها الذي نفخها في مخلوقه الأول فصار بفضلها عاقلاً مدركاً مميزاً. والموت في التنزيل الحكيم له معنيان: الأول مادي على الحقيقة كما في قوله تعالى {كل نفس ذائقة الموت} الأنبياء 35، ويعني هلاك الجسد المادي الترابي. والثاني موت مجازي كما في قوله تعالى {أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً..} الأنعام 122.

رابعها: قوله {ولا تحسبن} وقوله {عند ربهم} في آل عمران 169، وقوله {ولكن لا تشعرون} في البقرة 154 فيما نرى لصرف القارئ والسامع عن وجه الحقيقة على وجه المجاز. فالماضي من (تحسبن) هو (حَسِبَ) بمعنى ظن وتوهم، ورد في التنزيل الحكيم بهذا المعنى في خمسة وأربعين موضعاً منها قوله تعالى {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} إبراهيم 42، وقوله تعالى {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه} القيامة 3. والخطاب في قوله {ولا تحسبن} موجّه لمخاطب مذكر مفرد هو الإنسان عموماً ذكراً كان أم أنثى، من خلال توجيهه للنبي (ص) خصوصاً. والله تعالى ينهى نبيه الكريم عن توهم أن القتلى في سبيله أموات ستذهب ريحهم كما ذهبت ريح غيرهم بل هم أحياء، وأن للموت والحياة وجهاً مجازياً هو غير الموت الذي تراه بعينك وتلمسه بيدك وتتوهم معه أنه نهاية المطاف. ولو جاء الموت والحياة في الآيتين على وجه الحقيقة لجاء الخبر فيهما كاذباً تكذبه الحواس. أما قوله {عند ربهم} فمعناه مجازي هو: في تقدير ربهم وحسب معاييره وجهة نظره، ولا يمكن أن نفهمه على وجه الحقيقة لأنه يؤدي للتجسيم. ومثله في قوله تعالى {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} آل عمران 59 وقوله تعالى {كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون} الصف 3.

قلنا في شرحنا لعبارة {في سبيل الله} أنها تعني (ضمن طريق الله ووفق منهجه)، وقلنا كيف يكون السعي على الرزق في سبيل الله، وكيف يكون طلب العلم في سبيل الله، وكيف يكون الضرب في الأرض في سبيل الله. بقي أن نشرح كيف يكون القتال قتالاً في سبيل الله، وما هي الأوامر والنواهي التي يجب على المقاتل الالتزام بها ليكون قتاله في سبيل الله، وليكون من الذين قال فيهم تعالى {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله} التوبة 111.

 

الفصل الرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يقول تعالى:

·         {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} آل عمران 104.

·         {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ..} آل عمران 110.

·         {يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ..} آل عمران 114 (المقصود بالآية هم أهل الكتاب).

·         {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ..} التوبة 67.

·         {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ..} التوبة 71.

·         {الّذِينَ إِنْ مَكّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصّلَاةَ وَآتَوْا الزّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} الحج41.

·         {يَابُنَيّ أَقِمْ الصّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} لقمان 17.

·         {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلّ لَهُمْ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} الأعراف 157 (المقصود هو المكتوب في التوراة والإنجيل).

تلك هي الآيات من التنزيل الحكيم التي ورد فيها الأمر بالمعروف – تحديداً – والنهي عن المنكر – تحديداً – مقترناً أحدهما بالآخر. نقول هذا لأن الأمر بالمعروف منفرداً ورد عدداً من المرات، إحداها قوله تعالى {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} البقرة 241، ولأن النهي عن المنكر منفرداً ورد في عدد من المرات، إحداها قوله تعالى {..إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون} العنكبوت 45.

والأمر والنهي ثنائية تتألف من ضدين، نجد مثلها كثيراً في التنزيل الحكيم نذكر منها: الليل والنهار، السماء والأرض، الأعمى والبصير، الشفع والوتر، البعيد والقريب، الدنيا والآخرة، الجنة والنار، العلم والجهالة، الأول والآخر، الموت والخلود، الثواب والعقاب، وغيرها. والأمر والنهي ثنائية من بين أربع ثنائيات تشكل المعيار القرآني الناظم للسلوك الإنساني، هي:

1. الحلال والحرام.

2. الأمر والنهي.

3. السماح والمنع.

4. الحسن والقبيح.

ولعل من أفدح وأخطر ما انزلق إليه علماؤنا الأفاضل، ويصرون على سحب الأمة معهم إليه، هو أنهم يخلطون خلطاً عجيباً بين هذه النواظم الأربعة، فالحلال عندهم هو المستحسن والمسموح والمأمور به، والحرام عندهم هو المستقبح والممنوع والمنهي عنه. ويخلطون خلطاً أعجب بين هذه النواظم من جانب وبين المعروف والمنكر من جانب ثانٍ، فالمعروف عندهم هو الحلال المستحسن والمسموح والمأمور به، والمنكر عندهم هو الحرام المستقبح والممنوع والمنهي عنه.

من هنا لابد، قبل أن ندخل في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أن نعَرّف الأمر والنهي، والمعروف والمنكر.

1 – الأمر: أصل صحيح في اللسان له عدد من المعاني، بفتح الهمز وسكون الميم، أولها، طلب القيام بفعل أو قول يصدر من متكلم إلى مخاطب، الطالب فيه آمر يتمتع بفوقية أو بخصوصية ما والمطلوب منه مأمور، كما في قوله تعالى {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن تترك ما يعبد آباؤنا..} هود 87، وفي قوله تعالى {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل..} النساء 58. ومنه اشتقت الأفعال (أمر، يأمر، مر)، ومنه أيضاً سمي الآمر أميراً على وزن فعيل لغلبة وكثرة إصداره للأوامر. ثانيها: الحال والشأن، كما في قوله تعالى {ليس لك من الأمر شيء..} آل عمران 128 وقوله تعالى {..فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} آل عمران 159. أما بكسر الهمزة وسكون الميم، فالأمر هو القول أو الفعل الشنيع المنكر كما في قوله تعالى {قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً} الكهف 71. والأمارة هي العلامة، أما الإمارة فهي مكان وزمان ممارسة الأمير لعمله كأمير.

والهمزة والميم والراء (أ م ر) مفردة قرآنية وردت مشتقاتها في 248 موضعاً من التنزيل الحكيم، إن نحن تأملناها في مواضعها نلاحظ فيها أن للطلب جانبين: جانباً إيجابياً هو الأمر في مجال افعل، وجانباً سلبياً في مجال لا تفعل، وهذا ما قصدناه بقولنا إن الأمر والنهي ثنائية تتألف من ضدين تنظم السلوك الإنساني الواعي. ونلاحظ فيها ارتباطاً جدلياً بثنائية أخرى هي (الطاعة والمعصية)، إذ بدون أمر أو نهي لا توجد طاعة ولا معصية. ونلاحظ أخيراً أن الأمر والنهي عند الطرف المخاطب المأمور مسألة اختيارية، إن شاء أطاع المطلوب منه فنفذه وإن شاء عصى على المطلوب منه فامتنع عن تنفيذه، وهذا بالضبط ما فعله آدم وزوجه حين عصيا أول نهي إلهي مشخص صدر لإنسان عاقل في قوله: {ولا تقربا هذه الشجرة} البقرة 35، وما فعل إبليس حين رفض تنفيذ أول أمر إلهي في قوله تعالى {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه} الكهف 50. ونلاحظ أن أهمية الأمر يتغير عندما يتغير الآمر. فالله يأمر والناس تأمر ولكن هناك فرق بين أوامر الله وأوامر الناس.

2 – النهي: النون والهاء والياء (ن هـ ي) أصل صحيح في اللسان يدل على غاية وبلوغ، ومنه قولنا: أنهيت إليه الخبر أبلغته إياه، ونهاية كل شيء غايته ومنتهاه وآخره، والنّهى العقل لأنه ينهى عن قبيح القول والفعل. والنهي: طلب الامتناع عن قول أو فعل. وردت مشتقاته في ستة وخمسين موضعاً في التنزيل الحكيم، تحمل أحد المعاني التي شرحناها.

وكما أن الأمر عند المأمور مسألة طوعية اختيارية إن شاء أطاعه وإن شاء عصاه، كذلك النهي عند المنهيّ مسألة طوعية اختيارية إن شاء امتنع عما ينهى عنه وإن شاء لم يمتنع. بدليل قوله تعالى {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك..} الأعراف 12. وهذا يعني أن الطلب، أمراً كان أم نهياً لا يمكن أن يصدر إلا عن عاقل، ولا يمكن أن يصدر إلا إلى عاقل حُر. فثمة في كل أمر ونهي طرفان عاقلان بالضرورة: قائل يأمر أو ينهى دون إكراه وسامع ينتهي إليه القول فيأتمر به أو ينتهي عنه طاعة، أو لا يأتمر به ولا يمتنع عنه معصية، لكنه في الحالتين حر في اختياره غير مكره.

من هنا قلنا في موضع آخر ونحن نبحث في آدم، أول إنسان عاقل من البشر، وإن اللغة بدأت بين متكلم ومخاطب، وإن أول صيغة كلامية في اللغة بدأت بالأمر والنهي {وقلنا ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة} البقرة 35. ومن هنا نقول إن آدم عرف ربه بالمعصية لا بالطاعة، وعبّر عن حرية اختياره بالرفض لا بالقبول، وتجلت إرادته الإنسانية الواعية بعصيان نهي ربه له عن الاقتراب من الشجرة، عصياناً طوعياً اختاره آدم لنفسه دون إكراه.

لكن حرية الاختيار هذه عند الإنسان ليست حرية مفلوشة وطلقة لا يحدها حد. هذا الاستدراك الهام يأتي نتيجة لعدد من التساؤلات تنشأ من تأمل الآيات:

1 – هل تجسدت معصية آدم لربه، بحسب آية البقرة 35، في الأمر (أسكن) أم في النهي (لا تقربا)؟

2 – لماذا جاء طلب السجود إلى الملائكة بالقول، بينما جاء هذا الطلب نفسه إلى إبليس بالأمر، حسب قوله تعالى {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه} الكهف 50.

3 – وهل ثمة فرق بين القول والأمر وفرق بين الملائكة والجن؟

الجواب على السؤال الأول، هو أن معصية آدم لم تتجسد في الأمر (أسكن)، فهو لم يرفض السكنى في الجنة، بل أطاع الأمر وسكن بدليل أنه وجد الشجرة، لكنه عصى ربه في أول نهي إلهي بدأت به الحياة الإنسانية الإرادية، كانت قبله كل الأشياء مباحة ولاوجود لمنهيات تحدها.

أما الجواب عن السؤالين الثاني والثالث، فهو أن ثمة فرقاً بين القول والأمر، وفرقاً بين الجن والملائكة، نتج عنهما اختلاف في أسلوب طلب السجود لآدم. فالقول الإلهي حكم مبرم قهري بدليل قوله تعالى لنوح {..إحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول} هود 40، أي إلا من صدر حكم مبرم بحقه. والقول الإلهي كحكم قهري مبرم لا يتغير ولا يتبدل بدليل قوله تعالى {ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد} ق 29. والقول الإلهي، كحكم قهري مبرم لا يتبدل، حقيقة واقعية مرئية ملموسة مسموعة بدليل قوله تعالى {وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق يوم يقول كن فيكون قوله الحق} الأنعام 73. والقول الإلهي، باعتباره حكماً قهرياً مبرماً لا يتغير ولا يتبدل تحول إلى حق مرئي ملموس، لا خيار فيه، أي لا محل فيه للطاعة أو المعصية. بعبارة أخرى: القول الإلهي لا يمكن عصيانه، أما الأمر فيمكن أن يطاع ويمكن أن يعصى، وهذا هو أهم فرق بين القول الإلهي والأمر. لذا جاءت كل آيات الرسالة بأمر ونهي وليست بقول، ولايوجد صيغة: قال الله: صلوا، أو قال الله صوموا، فتصبح بهذا الصلاة والصوم قوانين موضوعية لاخيار فيها.

نأتي الآن إلى الفرق بين الجن والملائكة. فالملائكة مخلوقات ذات طاقة يمكن أن تكون (موجية} (جاعل الملائكة أولي أجنحة) في أصل تكوينها على الطاعة ولامحل عندها للرفض أو للعصيان، بدليل قوله تعالى {عليها ملائكة غلاظ شداد لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون مايؤمرون} التحريم 6، ولهذا فالأوامر الإلهية بالنسبة إليها أقوال لاخيار لها فيها ولاتملك لها رفضاً أو عصياناً.

أما الجن فمخلوقات عاقلة لاندري طبيعتها لها إرادة، كالإنسان تماماً، أي أنها قادرة بحكم تكوينها على المعصية مثلما هي قادرة على الطاعة، وقادرة على الإيمان مثلما هي قادرة على الكفر بدليل قولهم يصفون أنفسهم {وأنّا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا} الجن 14. وبدليل عصيان إبليس أمر ربه في السجود لآدم. وهذا هو معنى عبارة (كان من الجن) في الآية التي تشرح سبب فسوق إبليس وخروجه عن الطاعة. أما من زعم من المفسرين أن إبليس كان من أعيان الملائكة، وأن الجن سموا جناً لاستتارهم وكذلك الملائكة ولهذا فهم داخلون في الجن، وأنه كان من خزنة الجنة يصوغ لأهلها الحلي منذ خلق (أنظر تفسير الرازي ج21 ص116) فهو هراء عوام جرى دسه في تراثنا الذي يصر علماؤنا الأفاضل على تقديسه لتكريس الجانب الخرافي في العقل العربي الإسلامي.

في ضوء هذا الفرق التكويني بين الجن والملائكة، نفهم لماذا جاء طلب السجود إلى الملائكة بالقول (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا) بينما جاء إلى إبليس بالأمر (ففسق عن أمر ربه).

يبقى قبل الانتقال إلى تعريف “المعروف والمنكر¨ أن نتوقف عند ما أشرنا إليه من خلط خطير بين النهي والحرام، ثمة عدد من الشواهد تمنع الخلط بينهما:

1 – اختلاف الألفاظ بمنع الخلط، فالنهي شيء والحرام شيء آخر. حتى إن تساهلنا مُغَلّبين المضمون على الشكل، نجد أن في الحرام نهياً، لكننا لانجد في النهي تحريماً على الإطلاق.

2 – التحريم شمولي أبدي لارجعة عنه ولا إضافة عليه إلا برسالة جديدة. فتحريم التدخين فقط يحتاج إلى رسالة ورسول.

3 – التحريم من خصوصيات الله تعالى حصراً، ولايحق لمخلوق كائناً من كان أن يدّعيه. أما قولهم: حرام محمد حرام إلى يوم القيامة، وحلال محمد حلال إلى يوم القيامة، فافتراء على النبي (ص) لايفلح من قاله، فلا يوجد عند محمد (ص) خارج التنزيل إلا النهي.

أما النهي، فالله ينهى، والنبي ينهى، والمخلوق ينهى، بدليل قوله تعالى {أرأيت الذي ينهى * عبداً إذا صلى} العلق 9 – 10.

4 – التراتبية التاريخية تمنع الخلط، فقد شرحنا كيف بدأت اللغة بالأمر والنهي، وكيف بدأ التكليف بهما عند أول إنسان عاقل هو آدم، بكلمة (أسكن) وكلمة (ولاتقربا)، ثم اتسع هذا النهي مع التطور الإنساني حتى عصر إبراهيم، لنجد أنفسنا لأول مرة امام نهي تحول إلى تحريم مكاني وذلك في قوله تعالى {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} إبراهيم 37. وبقي الأمر بالسكن عند آدم متمثلاً بكلمة (أسكن) على ماهو عليه عند إبراهيم متمثلاً بكلمة (إني أسكنت)، وأما نهي تحول إلى تحريم زماني وذلك في قوله تعالى {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم} التوبة 36. ثم يستمر هذا التحريم المكاني والزماني في التوسع حتى يشمل الأفعال من أكل وشرب وغيرهما وذلك في عصر إسرائيل (يعقوب) بقوله تعالى {كُلّ الطّعَامِ كَانَ حِلّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلّا مَا حَرّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزّلَ التّوْرَاةُ..} آل عمران 93(1).

فإذا حلّ عصر موسى، جاءه الفرقان على شكل نواهٍ عشرة هي الوصايا، لكن هذه النواهي تتحول إلى محرمات عند خاتم النبيين محمد (ص)، بدلالة قوله تعالى {قل تعالوا أتل ماحرم ربكم عليكم} الأنعام 151. وقل مثل ذلك في الربا الذي كان من النواهي عند بني إسرائيل {وأخذهم الربا وقد نهوا عنه..} النساء 161، ثم أصبح من المحرمات في التنزيل الحكيم {وأحل الله البيع وحرم الربا} البقرة 275. ومع انتهاء عصر الرسل والرسالات وختمها بالرسالة المحمدية أقفل باب التحريم نهائياً إلى أن يرث الله الأرض وماعليها، لكن باب النهي والمنع بقي مفتوحاً، فالطبيب ينهى مرضاه عن التدخين، والدولة تصدر قراراتها بمنع التدخين في الأماكن العامة وتترك لسلطاتها التنفيذية مسؤولية تطبيق تلك القرارات، والإنسان – لاعتبارات شخصية خاصة به – يستحسن أموراً وأشياء ويستقبح أموراً وأشياء ممارساً بذلك حريته الفردية دون أن ينكر على الآخرين حقهم في استحسان مايحبون واستقباح مايكرهون.

يبقى أخيراً أن نقف عند قوله تعالى {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} النساء 31، وتحديداً عند عبارة {كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ}.

إن أول مايستوقفنا هو أداة الشرط (إن) التي يستهل بها سبحانه آية النساء 31. تماماً كقوله تعالى {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} الحجرات 6، وقوله تعالى {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} سبأ 50. هذه الأداة تشبه (إذا) من حيث الشكل القواعدي، فكلتاهما أداة شرط، لكنها تختلف عنها من حيث المضمون والدلالة والمعنى. فالله تعالى يقول {إذا جاء نصر الله والفتح} النصر 1، ويقول {وإذا قيل لهم لاتفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} البقرة 11، والفرق بينهما هو أن الأداة (إن) لاتدخل إلا على الأفعال المشكوك في وقوعها، أي التي قد تقع وقد لاتقع. أما الأداة (إذا) فالأفعال بعدها حتمية الوقوع بلا ريب. فاجتناب الكبائر في آية النساء 31 شرط لتكفير السيئات، لكن هذا الاجتناب مرهون بالخيار الإنساني، قد يقع إن اختار الإنسان الطاعة وقد لايقع إن اختار المعصية، وهذا يؤكد ماذهبنا إليه في الصفحات السابقة.

وإن ثاني مايستوقفنا هو عبارة {كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ}، التي نفهم منها أن في المنهيات كبائر وصغائر. فإن نحن استعرضنا التنزيل الحكيم وجدناه يذكر لفظ الكبائر في ثلاثة مواضع، ويذكر الصغائر في موضع واحد من تلك الثلاثة تحت عنوان “اللمم¨:

1. {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} النساء 31.

2. {وَالّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} الشورى 37.

3. {الّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلّا اللّمَمَ} النجم 32.

وكما فهمنا من آية النساء 31 أن في المنهيات كبائر وصغائر، كذلك نفهم من آيتي الشورى 37 والنجم 32 أن في الآثام والفواحش كبائر ولمماً. لولا أن للمفسرين، للمرة العاشرة بعد الألف، رأياً عجيباً آخر لاندري كيف سكت عنه عقلاء هذه الأمة على مدى أربعة عشر قرناً مضت.

يقول الفخر الرازي في تفسير آية النساء 31:

1. روي أنه (ص) قال: ماتعدون الكبائر؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: الإشراك بالله وقتل النفس المحرمة وعقوق الوالدين والفرار من الزحف والسحر وأكل مال اليتيم وقول الزور وأكل الربا وقذف المحصنات الغافلات. وعن عبد الله بن عمر أنه ذكرها وزاد فيها: استحلال آمّين البيت الحرام وشرب الخمر. وعن ابن مسعود أنه زاد فيها: القنوط من رحمة الله واليِأس من روح الله والأمن من مكر الله¨ أ هـ (أنظر ج10 ص62).

2. ويقول ابن كثير في تفسيره للآية: “عن طاوس قال: قلت لابن عباس: ما السبع الكبائر؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب¨ أ هـ (وهذه السبعين هي التي صنفها الحافظ أبو عبد الله شمس الدين الذهبي في كتاب له مشهور).

3. يروي ابن كثير عن سعيد بن جبير أن رجلاً قال لابن عباس: كم الكبائر؟ سبع؟ قال: هن إلى السبعمائة أقرب.

4. ويقول الفخر الرازي: “من الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر. روى سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قال: كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة. فمن عمل شيئاً منها فليستغفر الله، فإن الله تعالى لايخلد في النار من هذه الأمة إلا مرتداً عن الإسلام، أو جاحداً لفريضة، أو مكذباً بقدر¨ أ هـ.

5. يقول ابن كثير: “شتم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الكبائر¨ أ هـ.

والتأمل في الفقرات الخمس يرسم لنا مستويات مختلفة من الكبائر ابتداء من التنزيل الحكيم إلى عصر التابعين والفقهاء.

1 – الكبائر في المستوى القرآني:

تنقسم الرسالات السماوية عموماً، والرسالة المحمدية خصوصاً، إلى قسمين: أوامر ونواهٍ. أوامر تنظم وتحكم الجانب الإيجابي من السلوك الإنساني في مجال (افعل)، ونواهٍ تنظم وتحكم الجانب السلبي من السلوك الإنساني في مجال (لاتفعل). وكما تنقسم النواهي في التنزيل الحكيم إلى كبائر وصغائر (لمم) حسبما شرحنا في فقرات سابقة، يأتي الشرك بالله على رأسها جميعاً. كذلك تنقسم الأوامر إلى كبائر وصغائر تبدأ بالإيمان بالله واحداً أحداً وتنتهي بإماطة الأذى عن طريق المارة، مروراً بالإيمان باليوم الآخر مترافقاً ذلك كله بعمل صالح ينفع الناس.

وكان من فضل الله على المؤمنين به المطيعين لأوامره أن حبب إليهم الإيمان وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان (الحجرات 7)، أما الكفر فمعروف وهو اتخاذ موقف علني عدائي ضد أمر ما أو شخص ما كمعاداة الرسالة المحمدية واتخاذ موقف عدائي منها هو كفر بها. وأما الفسوق فهو مخالفة الأوامر والخروج عنها كما في قوله تعالى عن إبليس {ففسق عن أمر ربه} الكهف 50، وأما العصيان فهو عدم ترك الإنسان العاقل المكلف لما نُهي عنه وماكلف بتركه كما في قوله تعالى {وعصى آدم ربه فغوى} طه 121. وبالنسبة للملائكة هو عصيان الأوامر الإلهية {لايعصون الله ما أمرهم} لأن مفهوم الفسوق غير وارد إطلاقاً بالنسبة للملائكة.

إذن:

الكفر: موقف علني عدائي من أمر ما فهو كفر به. فالبخيل كافر بالنعمة {الّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمْ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} النساء 37.

الفسوق: هو مخالفة أوامر رب العالمين {ففسق عن أمر ربه}.

العصيان بالنسبة للإنسان: هو فعلُ نواهي رب العالمين {وعصى آدم ربه فغوى}.

تماماً كما كان من رحمة الله بالعاصين لنواهيه أن أشار إلى وجود مجموعة جليلة القدر من هذه النواهي (أطلق عليها اسم الكبائر، من انتهى عنها وتجنبها كفّر الله سيئاته وأدخله مدخلاً كريما (النساء 31). هذه المجموعة وضعها التنزيل الحكيم خارج حيز الاجتهاد الإنساني فجعلها من المحرمات:

نواهي التنزيل الحكيم تقسم إلى قسمين:

آ – الكبائر الثابتة على مر الزمن وهي المحرمات.

ب – الصغائر وهي اللمم.

ولكن إن كان إحصاء النواهي والمحرمات في التنزيل الحكيم ممكناً، فإن إحصاء الكبائر مستحيل لسبب بسيط، هو أن هذه الكبائر قد تكون من المحرمات وقد لاتكون. بل للسائد الاجتماعي دور أساسي في جعلها كذلك. فالشرك بالله وأكل الربا ومعاقرة الخمر كانت على رأس الكبائر السائدة في المجتمع القرشي على مدى الثلاثة عشر عاماً الأولى من عمر البعثة المحمدية، ثم انضم إليها الفرار من الزحف في المجتمع المديني بعد نزول الإذن بالقتال ولم يكن قبلها من الكبائر. وهذا شاهد أول. ولقد شاع إتيان المنكرات علناً في قوم لوط وعلى رأسها اللواطة، الأمر الذي جعلها من أكبر الكبائر عندهم إلى حد احتاجوا معه إلى نبي رسول يعيدهم إلى السبيل الحق وتم تدميرهم، وهذا شاهد ثانٍ.

صحيح أن التنزيل الحكيم سلط الأضواء على عدد من النواهي. فكرر ذكرها في أكثر من موضع، لكنه لم يطلق عليها أبداً اسم “كبائر¨. ومن هنا نفهم لماذا وردت هذه اللفظة نكرة مضافة ولم تأت معرفة في المواضع الثلاثة من التنزيل الحكيم، لأن التعريف تخصيص والتخصيص تثبيت، والتثبيت فقط للمحرمات على أنها كبائر، حيث يمكن إطلاق مصطلح الكبائر على المتغيرات الخاضعة للضرورة الاجتماعية في وقت ما ومكان ما ولكن بدون إضافتها للمحرمات كما أسلفنا.

2 – الكبائر في المستوى النبوي:

لاشك في أن فهم النبي (ص) لمسألة الكبائر – شأنه في ذلك كجميع المسائل الأخرى – لايخرج أبداً عن المقصد الإلهي العام في التنزيل الحكيم. من هنا نراه في الحديث النبوي المنسوب إليه عند الرازي – إن صح – يعد قول الزور وقذف المحصنات الغافلات بين الكبائر. وهذا أمر طبيعي في مجتمع ناشئ كمجتمع المدينة المنورة الهدف منه تحصين علاقاته الاقتصادية والتجارية والقضائية، ويراد تمتين علاقاته الأسرية والعشائرية على أسس نظيفة بريئة من الأدران والشوائب. وأمر طبيعي أن لايتعرض فيه لذكر الظلم – مثلاً -، رغم أن الظلم بلا خلاف أفدح خطراً على المجتمع من قول الزور وقذف المحصنات مجتمعين. والسبب هو أن مجتمع المدينة المنورة في العصر النبوي لم يكن فيه حكام ظالمون ولا سلاطين مستبدون ولا أمراء وولاة غاصبون.

ولاشك في أن النبي (ص) – وهو يسأل أصحابه: ماتعدون الكبائر؟ – لم يفته القصد الإلهي من ورودها نكرة غير معرفة، ومعممة غير مخصصة ولامحددة ولا موصوفة ولا معرفة.

ولاشك أخيراً في أنه (ص) – وهو يعدد لأصحابه الكبائر – إنما كان يعدد مايعتبره كبائر في تلك اللحظة بعينها في ذلك المجتمع بعينه، دون أن ينفي ذلك أن يتغير التصنيف في لحظات أخرى أو في مجتمعات أخرى، بدليل ماورد في الخبر ذاته من أن ابن عمر “ذكرها وزاد فيها¨، ومن أن ابن مسعود “ذكرها وزاد فيها¨، ومن هنا – كي يستقيم ذلك كله – نرى أن سؤال النبي (ص) لأصحابه: ماتعدون الكبائر؟ سؤال غير صحيح، والصحيح أن يسألهم: ماتعدون في الكبائر؟ وأن الوهم فيه جاء من الرواة.

3 – الكبائر في المستوى الصحابي:

كانت الكبائر الثابتة في التنزيل الحكيم هي المحرمات – كما شرحنا آنفاً – جاء ضمنها عدد من النواهي، ثم صارت في الحديث النبوي تسعاً، ثم زاد فيها عبد الله بن عمر اثنتين وزاد فيها عبد الله بن مسعود ثلاثاً، ثم قفزت عند عبد الله بن عباس إلى السبعين برواية طاوس، وإلى السبعمائة برواية سعيد بن جبير، ثم لتصبح عنده “كل مانهى الله عنه¨ و”كل ماعُصي الله فيه¨(2).

ثمة سلسلة من التساؤلات يطرحها كل متأمل في الفقرات الخمس التي استقيناها من تفسيري الرازي وابن كثير آنفاً. أولها: هل كان عبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود حاضرين حين طرح النبي (ص) سؤاله: ماتعدون الكبائر؟ فإن كانا كذلك فكيف جاز لهما أن يزيدا على ماقاله النبي (ص) كبائر لم يقلها؟

ثانيها: الفقرات 2، 3، 4، تروي أقوالاً لابن عباس في الكبائر لم يسندها الخبر إلى النبي (ص)، ومثل هذا كثير جداً في كتب الحديث. وكان يمكن ألا يقف عندها المتأمل طويلاً لولا أنها تحولت عند التابعين وتابعيهم فيما بعد – كما سنرى – إلى أصل تشريعي لا يجوز الخروج عنه أسس عليها الفقهاء الخمسة فقههم، رغم ماتطفح به كتب الأخبار من نقد الصحابة بعضهم بعضاً، نقداً يرتفع حيناً إلى حد التكذيب، ويصل حيناً إلى حد الطعن في النسب، ويبلغ حيناً حد الاتهام بالردة والكفر والنفاق.

ثالثها: انسلاخ الحديث والخبر، سواء أكان نبوياً أم صحابياً، عن إطار الزمن من جانب وعن سياق التراتبية التاريخية من جانب آخر، فالرواة يهمهم الحديث بعبارته، ولايهمهم – إلا فيما ندر – متى قيل وأين وقبل ماذا وبعد ماذا. فنحن أمام ثلاث آيات من التنزيل الحكيم ورد فيها ذكر الكبائر، إحداها مكية هي آية الشورى 37 واثنتنا مدنيتان. والرازي في تفسيره يذكر حديث النبي (ص) عن الكبائر في سياق تفسير آية النساء 31 المدنية. والسؤال الآن: هل ظل الصحابة، وخلفهم كل من آمن بالرسالة المحمدية، سنوات لايعرفون شيئاً عن الكبائر التي وردت في آية الشورى المكية حتى نزول آية النساء بعد الهجرة؟

رابعها: قول ابن عباس: الكبائر كل مانهى الله عنه وكل ماعُصي الله فيه. وهذا قول عجيب يصدر – إن صح – عن حبر الأمة وترجمان القرآن وإمام الفقه؟؟ وكأنه لم يسمع بالآيات الثلاث التي ذكرت فيها الكبائر، وأعلن فيها تعالى بكل وضوح أن ثمة كبائر وصغائر ولمماً. أو كأنه سمع بها ولم يفهمها، أو أنه فهم مافيها من رحمة وتيسير واختار أن يكون ملكياً أكثر من الملك وغالى في التشدد.

خامسها: قول ابن عباس: هي إلى السبعمائة أقرب. وهذا قول أعجب من سابقه، وأشبه بالهذر والهراء من أي شيء آخر. فقارئ الآيات الثلاث في التنزيل الحكيم يفهم بلا خلاف أن الكبائر هي بعض النواهي وهي بعض الآثام والفواحش. وإذا كان هذا البعض يساوي سبعمائة عن ابن عباس فكم عدد كل النواهي والآثام والفواحش عنده؟

لقد كان يمكن أن تعتبر هذه “السبعمائة¨ عند ابن عباس عدداً يقصد به التكثير، تماماً كما في قوله تعالى {يود أحدهم لو يعمر ألف سنة..} البقرة 96، وقوله تعالى {..إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} التوبة 80.

لولا أن الألف في البقرة 96 ليست (999›1) والسبعون في التوبة 80 ليست (69›1) أي أنها ليست أعداداً حقيقية لها قيمة حسابية عددية، بل المقصود منها التكثير على سبيل المجاز، وهذا غير قوله تعالى {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة..} النور 2، وغير قوله تعالى {فمن لم يجد فصيام شهرين متتاليين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} المجادلة 58. وغير قوله تعالى {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} البقرة 196، فالمئة في النور2، والستون في المجادلة 58، والعشرة في البقرة 196، أعداد حقيقية لها قيمة حسابية لا يجوز أن تزيد ولا أن تنقص، ومع ذلك إن كان يقصد بها الكثرة فهي بالواقع ليست كثيرة. والثابت منها على مر الزمان واختلاف المكان هو محرمات التنزيل الحكيم فقط.

4 – الكبائر في مستوى التابعين وتابعيهم:

من المفيد ونحن نتحدث عن الصحابة أن ننتبه إلى أنهم مجموعة من الناس يتباين أفرادها بعضهم عن بعض في الطباع والمشارب والقدرات الفكرية رغم مايجمعهم ويوحدهم في الجانب العقائدي من إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وإيمان باليوم الآخر وبالعمل الصالح وتصديقهم بالرسالة المحمدية، فمنهم الشجاع المقدام والجبان المتردد، وفيهم الكريم المعطاء والبخيل الممسك، وبينهم الأريب الداهية والساذج الطيب القلب. لكل منهم أسلوبه الخاص المتميز في رؤية الأشياء، ولكل منهم موقفه الخاص المتميز من الأحداث والوقائع. وهذا ما أشار إليه النبي (ص) في حديث – إن صح – رواه الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام.

كانوا إذا اشتد بهم الخلاف لايتورعون عن نقد بعضهم بعضاً، نقداً يصل إلى حد السخرية الصريحة والشتم العلني. يروي العسقلاني في ترجمته لأبي هريرة من كتاب “الإصابة¨:

– قال أبو هريرة: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله (ص) والله الموعد، إني كنت امرأً مسكيناً أصحب رسول الله (ص) على ملء بطني وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق والأنصار يشغلهم القيام على أموالهم. أ هـ (ج4 ص 207).

– قالت عائشة لأبي هريرة: إنك لتحدث بشيء ما سمعته. فقال: يا أمّه، شغلتك عنها المكحلة والمرآة، وما كان يشغلني عنها شيء. أ هـ (المرجع نفسه ص 208).

ومن حديث الإفك عند البخاري في صحيحه وعند ابن هشام في سيرته وعند الطبري في تاريخه نقتطف الفقرة التالية واللفظ فيها لعائشة عند الطبري:

“قالت: وقام رسول الله (ص) في الناس يخطبهم وأنا لاأعلم بذلك ثم قال: أيها الناس مابال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهن بغير الحق. والله ماعلمت منهن إلا خيراً. ويقولون ذلك لرجل والله ماعلمت منه إلا خيراً، ومادخل بيتاً من بيوتي إلا وهو معي، فلما قال رسول الله (ص) تلك المقالة، قام أُسيد بن حُضير الأوسي أخو بني عبد الأشهل فقال: يارسول الله، إن يكونوا من الأوس نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك فوالله إنهم لأهلٌ أن تُضرب أعناقهم. فقام سعد بن عبادة – سيد الخزرج – فقال: كذبت لعمر الله لاتُضربُ أعناقهم، أما والله ماقلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ماقلت هذا. قالت: وتشاور الناس حتى كاد أن يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر..¨ أ هـ (أنظر تاريخ الرسل والملوك للطبري ج2 ص614، 615).

ومن خبر مقتل عثمان عند الطبري في تاريخه، ومن ترجمة جبلة بن عمرو الساعدي عند العسقلاني في الإصابة، نقتطف المعلومة التالية:

– “مر عثمان بن عفان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره، فقال جبلة: يانعثل(3) والله لأقتلنك ولأحملنك على فلوص جرباء ولأخرجنك إلى حرة النار..¨ أ هـ (أنظر تاريخ الرسل والملوك ج4 ص 365).

– “وروى ابن شبة في أخبار المدينة عن طريق عبد الرحمن بن أزهر أنهم لما أرادوا دفن عثمان انتهوا به إلى البقيع فمنعهم جبلة بن عمرو الساعدي من دفنه فانطلقوا إلى حش كوكب فدفنوه فيه. قال ابن السكن: جبلة بن عمرو الساعدي شهد أحداً. أ هـ ¨ (أنظر الإصابة ج1 ص 223).

ذلك غيض من فيض عرضناه كأمثلة يطفح التراث بأشباهها عن شجار الصحابة وسب وشتم بعضهم بعضاً على مرأى ومسمع النبي (ص). أما إذا احتدم بينهم الاختلاف حول إمارة أو خلافة سلت السيوف وأشرعت الرماح وتساقطت الرؤوس كالمطر في المواسم. ونكتفي حول هذه النقطة بالإشارة إلى حربين مازالت الأمة تعيش عقابيلهما حتى اليوم هما الجمل وصفين، وقعتا في عام واحد هو عام 36 هـ وبينهما سبعة شهور. فالقتال في حرب الجمل وقع في يوم خميس من جمادى الآخرة، واستمر يوماً واحدا وبعض يوم (أنظر تاريخ الرسل والملوك للطبري ج4 ص 514) سقط خلاله خمسة عشر ألف قتيل، عشرة من أهل البصرة وخمسة من أهل الكوفة عدا الجرحى والمصابين، بينهم سبعون شيخاً كلهم قد قرأ القرآن (المرجع نفسه ص 539)، وكان جيش علي عشرين ألفاً وجيش عائشة ثلاثين ألفاً (المرجع نفسه ص505). أما القتال في حرب صفين فوقع في ذي الحجة، إلا أنه لم يكن قتالاً بين جيشين كما في معركة الجمل، بل غلب عليه طابع المبارزات الفردية، التي استمرت إلى جانب المفاوضات بين الجانبين المتقاتلين شهراً كاملاً هو شهر ذي الحجة، وانتهت كما هو مشهور بالدعوة للاحتكام والتحكيم. الغريب أننا لم نجد أحداً من أهل الأخبار والتواريخ حدد رقماً لعدد القتلى في صفين، كما فعل الطبري في قتلى الجمل، كل ماوجدناه هو عدد جيش علي الذي قدره الطبري بأربعة وعشرين ألف مقاتل (أنظر تاريخ الطبري ج4 ص 565)، وإشارات إلى أن جيش الشام كان أكثر من ذلك، وفقرات تبين بوضوح أن القتال على مدى شهر كامل لم يخرج من المبارزات الفردية أو المواقفات بين مجموعات صغيرة. يقول الطبري (ص 574 من تاريخ): “..فأخذ علي يأمر الرجل ذا الشرف فيخرج في جماعة، ويخرج إليه من أصحاب معاوية آخر معه جماعة، فيقتتلون في خيلهما ورجالهما ثم ينصرفان. وأخذوا يكرهون أن يلقوا بجمع أهل العراق أهل الشام لما يتخوفون أن يكون في ذلك من الاستئصال والهلاك، فكان علي يخرج مرة الأشتر ومرة حجر بن عدي ومرة شعث بن ربعي ومرة خالد بن العمر ومرة زياد بن النضر الحارثي ومرة زياد بن خصفة التيمي ومرة سعيد بن قيس ومرة معقل بن قيس الرياحي ومرة قيس بن سعد، وكان أكثر القوم خروجاً إليهم الأشتر. وكان معاوية يخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد المخزومي وأبا الأعور السلي ومرة حبيب بن مسلمة الفهري ومرة ابن ذي الكلاع الحميري ومرة عبيد الله بن عمر بن الخطاب ومرة شرحبيل بن السمط الكندي ومرة حمزة بن مالك الهمذاني، فاقتتلوا من ذي الحجة كلها وربما اقتتلوا في اليوم الواحد مرتين أوله وآخره، فلما انقضى ذو الحجة تداعى الناس إلى أن يكف بعضهم عن بعض في محرم لعل الله أن يجري صلحاً أو اجتماعاً¨ أ هـ.

وسواء عرفنا عدد قتلى صفين أم لم نعرف، وصح عدد قتلى الجمل أم لم يصح، فقد كانت الحربان مخيفتين بكل المعايير والمقاييس، وأبشع من أن تنفع فيهما عمليات تجميل. ففي المعيار السكاني سقط عدد من القتلى لو أننا حسبناه بمعيار اليوم لكان أكبر من قتلى هيروشيما وناكازاكي مجتمعين، وإذا قارناه بعدد من سقط من القتلى في جميع ماجرى من معارك في العصر النبوي الذي لم يتجاوز بضع مئات من الجانبين، فهمنا أن النبي (ص) في كل معاركه، كان يقصد استيعاب المعارضين واستمالة الخصوم، أما في معركة الجمل فكان كل طرف ينوي تصفية الآخر واستئصاله نهائياً. وهكذا ظهر الفكر الاستئصالي في الإسلام السياسي، وبذور هذا الفكر الاستئصالي بدأت يوم توفي النبي (ص) في سقيفة بني ساعدة عندما تم استئصال الأنصار سياسياً بشكل كامل، وظل إلى يومنا هذا. وفي المعيار العقائدي انشطرت الأمة في حرب الجمل إلى طائفتين ثم تكرس هذا الانشطار وتجذر في حرب صفين، لابل إننا نرى أن هذا الانقسام الطائفي كان ثاني أسباب حرب صفين، التي أنتجت ثاني عصيان غير فردي لإرادة الحاكم، وثاني خروج جماهيري على أوامر الأمير، أما العصيان الأول والخروج الأول فكان على عثمان بن عفان، وأما السبب الأول في الحربين فهو الخلاف على الإمارة (خلاف سياسي بحت).

يقول الطبري في تاريخه ص 508 ومابعدها تحت عنوان “خبر موقعة الجمل¨: “…فلما تواقفوا خرج علي على فرسه فدعا الزبير، فتواقفا، فقال علي: ماجاء بك؟ قال: أنت، ولا أراك لهذا الأمر أهلاً ولا أولى به منا. قال علي للزبير: أتطلب مني دم عثمان وأنت قتلته؟ سلّط الله اليوم على أشدنا مايكره، أما بايعتني؟ قال الزبير: بايعتك وفي عنقي اللج. أ هـ.

ويقول على ص 573 في تاريخه: “.. ثم إن علياً دعا بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري وسعيد بن قيس الهمذاني وشبت بن ربعي التميمي فقال: ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الله وإلى الطاعة وإلى الجماعة وانظروا مارأيه – وهذا في أول ذي الحجة – فأتوه ودخلوا عليه، فحمد الله وأثنى عليه أبو عمرة بشير بن عمروا وقال: يامعاوية، إن الدنيا عنك زائلة وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله محاسبك بعملك ومجازيك بما قدمت يداك. وإني أنشدك الله أن تفرق جماعة هذه الأمة وأن تسفك دماءها بينها. فقطع معاوية عليه الكلام وقال: هلا أوصيت صاحبك بهذا (أنجيب دعوته لنا إلى الطاعة والجماعة) ونطل دم عثمان؟ لاوالله لاأفعل ذلك ابداً، فبادر شبت بن ربعي فحمد الله وأثنى عليه وقال: يامعاوية، إني قد فهمت ماوردت به على ابن محصن، وإنا والله لايخفى علينا مانغزو وماتطلب، إنك لم تجد شيئاً تستقوي به الناس وتستميل به أهواءهم وتستخلص به طاعتهم إلا أن تقول: قتل إمامكم مظلوماً فنحن نطالب بدمه..¨ أ هـ.

إننا نفرق بين الحرب والقتال، ونميز بين القتال والجهاد، ولهذا نقول: إن حرباً ضروساً اندلعت يوم السقيفة لم يجر فيها قتال، لكنها بالمقابل لم تنته باستلام أبي بكر للحكم واستئصال الأنصار سياسياً، بل بقيت نارها تحت رماد نفضته معركة الجمل، ومرة أخرى لم تنته الحرب بانتهاء الجمل وانقسام الأمة إلى طائفتين، بل عادت لتلتهب في صفين، وليولد بسببها فرع جديد ثالث هو الخوارج، ثم لتنقسم الأمة إلى سفيانية ومروانية وزبيرية وطالبية وعباسية، لكل قسم أئمته وفقهاؤه ولكل طائفة تراثها وثقافتها ومعتقدها، كل منهم يزعم أنه الفرقة الناجية وأنه في الجنة وجميع من عداه في النار. وتبقى حرب السقيفة حية في وجدان الناس تنتفض عن جمرها الرماد بين الآونة والأخرى في معركة هنا أو في مذبحة هناك. وحتى هذا اليوم فإن الإسلام السياسي يقوم على أساس الاستئصال وتصفية الآخر، وذهنية الاستئصال والتصفية دخلت في ثقافتنا عند كل من يمارس العمل السياسي ويشاركنا في هذه الثقافة السياسية الشيوعيون. لذا فلا يستغرب القارئ مقارنتنا بين الإسلام السياسي والشيوعية السياسية فكلاهما وجهان لعملة واحدة.

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة – إن صح – أن رسول الله (ص) قال: ترد عليّ أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يزود الرجل إبل الرجل عن إبله. قالوا: يانبي الله أتعرفنا؟ قال: نعم لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون علي غراً محجلين من آثار الوضوء، وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يارب هؤلاء من أصحابي. فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ماأحدثوا بعدك؟ أ هـ.

لقد أطلنا الكلام – عامدين – في تفاصيل بعض ماكان يجري بين الصحابة في العصر النبوي وبعده من نقد لاذع وسب وشتم وتكفير لابد معه من القتال بالسيف، وكل منهم يعتبر أنه المقبول على الحوض في حديث مسلم وأن جميع الباقين هم من المردودين المضروبة وجوههم عنه، حتى كأنهم المقصودون بقوله تعالى {وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون} الروم 32، وبقوله تعالى {فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون} المؤمنون 53. لنخلص إلى القول: برغم كل ماجرى – سواء ذكرنا أم لم نذكر – فقد كان الصحابة جميعاً أصحاب عقل ورأي وموقف، بغض النظر عن صحة هذا الموقف أو عن خطأ ذلك الرأي، أما التابعون وتابعوهم فلا عقل ولا رأي ولا موقف، ومع غياب العقل وتغييبه تسود الأوهام وتسيطر الخرافات، ومن هنا نجد أنفسنا اليوم في كتب السيرة النبوية أمام أخبار ملفقة موضوعة عن معجزات خرافية منسوبة للنبي (ص) تبدأ بغمامة فوق رأسه تسير معه أنى سار، وبخاتم نبوة بين كتفيه كالتفاحة يعرفه به كل من رآه، وتنتهي بعراجين نخل تتحول بيد النبي (ص) إلى سيوف، وبعيون مقلوعة وأذرع مقطوعة وأكتاف مخلوعة تعود ببصقة واحدة مباركة من النبي (ص) كما كانت وأحسن.

ومع غياب الآراء ومصادرتها والمواقف وقمعها، وولادة أجيال من التابعين رضعوا الدونية مع الجبرية والذل مع التصوف، يسود التواكل ويسيطر التقليد الأعمى ويندحر التفكر والتدبر في كتاب الله تعالى أمام عبارات مثل “قال زيد¨ و”روي عن عمرو¨. ومن هنا وجد أهل المسانيد وأصحاب الصحاح أنفسهم أمام مئات ألوف الأحاديث المنسوبة إلى النبي (ص) التي لا يمكن عقلاً أن تصح كلها(4)، لأن معظمها – إن لم يكن كلها – وضعت في عصر التابعين أي في عصر الأمويين. فإن صحت فلا يمكن عقلاً أن تكون سنة واجبة الإتباع، لأن فيها مالا يتضمن حكماً شرعياً من جانب، ولأننا مأمورون بطاعة الرسول حصراً والتأسي به من جانب ثان، ولأن الالتزام بتطبيقها أمر عسير جداً يخرج عن قوله تعالى {..يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر} البقرة 185.

قلنا إن النهي أحد محورين – ثانيهما الأمر – تدور حولهما الرسالات السماوية، وإن الكبائر في التنزيل الحكيم جزء من النواهي وهي المحرمات. وتحدثنا عن الفروقات بين النهي والتحريم أولها أن النهي ظرفي وأن الإنسان يجتهد في طاعته وفي معصيته، أما التحريم فهو شمولي وأبدي، وثانيها أن الكبائر يمكن أن تزيد أو تنقص حسب السائد الاجتماعي (مثال: إذا انتشرت مخالفة قوانين السير وكثرت الحوادث فيمكن اعتبار مخالفة قانون السير من الكبائر وتطبيق أقصى العقوبات ماعدا الإعدام، حتى تستقيم الأمور). أما المحرمات فلا تزيد ولا تنقص ولاتخضع لمتغيرات الزمان والمكان، فقتل النفس بغير حق ونكاح الأم أو الأخت – مثلاً حرام في القرن السابع والقرن العشرين والقرن الأربعين، وحرام في مكة ولندن ودمشق أياً كان السائد الاجتماعي فيها، ولقد أحصينا المحرمات في التنزيل الحكيم فوجدناها كالتالي:

1. الشرك بالله

2. عقوق الوالدين

3. قتل الأولاد خوفاً من الفقر

4. الاقتراب من الفواحش (زنا / لواط / سحاق)

5. قتل النفس بغير حق

6. أكل مال اليتيم

7. التطفيف في الكيل والميزان

8. التزوير في الشهادة ظلماً

9. النكث بالعهد، وهذا يختلف تماماً عن اليمين الذي أحل الله لنا كفارته، فقسم الطبيب هو عهد الله للالتزام تجاه المرضى ولا يمكن تكفيره بصوم ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين، وهناك في ثقافتنا التباس بين العهد واليمين.

هذه البنود التسعة هي الصراط المستقيم وهي الفرقان (الوصايا العشر) واتباعها جملة هي الوصية الأولى عند موسى بدلالة قوله: (اتبع تعاليم الرب إلهك) وبدلالة الآية 153 من سورة الأنعام. وكانت عند موسى من المنهيات فارتفعت الدرجة عند محمد (ص) فانتقلت إلى المحرمات.

10. نكاح المحرمات (أم / أخت / بنت .. وغيرها)

11. أكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الدم السائل.

12. أكل الربا وكان عند موسى من المنهيات.

13. ارتكاب الإثم والبغي بغير الحق.

14. أن يقول الإنسان على الله مالا يعلم.

البنود الأحد عشر الأولى أعلاه واضحة ومحددة بشكل لاتحتاج معه إلى تفصيل، أما البندان الأخيران فمن المفيد الوقوف عندهما بالتأمل بعد أن لاحظنا ندرة الواقفين عندهما.آ – إن عبارة “بغير الحق¨ في البند 14، تخبرنا عن وجود إثم بغير حق وبغي بغير حق، وتشير بالقرينة في المقابل إلى وجود إثم بحق وبغي بحق، بعد أن قسمت آيتا الشورى 37 والنجم 32 الآثام إلى قسمين: كبائر ولمم، فما هو الإثم بحق وماهو البغي بحق؟

الإثم أصل صحيح في اللسان، ومفردة قرآنية وردت مشتقاتها في 48 موضعاً من التنزيل الحكيم، لاتخرج فيها عن أحد معنيين: الأول التخلف والتقصير كقولهم: أثمت الناقة أي تخلفت تقصيراَ عن باقي الركب. والثاني: التحرج كما في قوله تعالى {..فمن اضطر غير باغ ولاعاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم} البقرة 173. والآثم هو الذي يفعل مايتحرج المرء من فعله. ونحن نرى أن المعنى الأول هو الإثم بحق وأن المعنى الثاني هو الإثم بغير حق. فالفارس الذي يتخلف في السباق عن أقرانه، والطالب الذي يقصر في دراسته فيأتي ترتيبه الثالث أو الرابع في الامتحان آثمان بحق. أما الذي يكتم الشهادة حين وجوب إعلانها فهو آثم بغير حق بدلالة قوله تعالى {وَلَا تَكْتُمُوا الشّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} البقرة 283. من هنا نرى أن الخمر قد تكون إثماً بحق إن هي استخدمت للتخدير في العمليات الجراحية، كما كان يحصل قبل اكتشاف الكلوروفورم، وهنا نفهم ماهي منافع الخمر (السكر) للناس (فيهما إثم كبير ومنافع للناس) وقد تصبح إثما بغير حق إن شربها المرء حتى سكر وغطت على عقله حتى لايعلم مايقول أما دون حد السكر فشاربها ليس بشارب خمر أصلاً فهي ليست إثماً بالأصل. وقل مثل ذلك في الغيبة وفي التجسس. فالغيبة إثم بحق إن جاءت وصفاً لطالب عمل أو زواج وإثم بغير حق إن كانت انتقاصاً أو سخرية. والتجسس إثم بحق إن كان على الأعداء والمخربين وإثم بغير حق إن كان غير ذلك.

أما البغي فأصل صحيح في اللسان، ومفردة قرآنية وردت مشتقاتها في 96 موضعاً من التنزيل الحكيم، لايخرج فيها عن أحد معنيين: الأول، طلب الشيء سعياً لحيازته كما في قوله تعالى {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} النساء 114، ومنه: بغت المرأة بغاء: أي خرجت في طلب الرجال (أساس البلاغة للزمخشري ص 27). والثاني: الخروج عن حد العدل إلى الظلم وعن حد اللين إلى الغلظة وعن حد الجفاء إلى القطيعة، كما في قوله تعالى {وَلَوْ بَسَطَ اللّهُ الرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} الشورى 27، أي لخرجوا عن حد الإصلاح إلى الفساد. وفي قوله تعالى {إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ} النحل 90. ومن هنا فنحن نرى في الاستقسام بالأزلام شكلاً من أشكال البغي بحق، إن هو اقتصر على القرعة في الألعاب الرياضية فهو بغي بحق، وإن احتكم إليه الفرد في أمور التجارة والزواج والسفر واحتكمت إليه الجماعة في أمور الحرب والسلم فهو بغي بغير حق، وكذلك السرقة فهي بغي بغير حق ودفع ثمن الحاجات هو بغي بحق. وهنا نفهم قول الرسول (ص) إن صح (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات) وكل الأمور المشتبهات جاءت في النواهي الواردة في التنزيل الحكيم مثل الخمر والميسر والتجسس والغيبة.

ب – إن عبارة {وأن تقولوا على الله مالا تعلمون} الأعراف 33، موضوع التحريم في البند الرابع عشر، تشمل كل أنواع الفتاوى التي تصدر عن علمائنا الأفاضل لتقول هذا حلال وهذا حرام، ولتزيد عدد المحرمات حتى يبلغ المئات، مثالها الفتوى بتحريم التدخين وتحريم التبني وتحريم استئجار الرحم وتحريم الموسيقى والغناء وقس على ذلك والتخريجات في المعاملات التجارية مما أعطى تأسيس ما يسمى بالبنوك الإسلامية. والتي نرى فيها تطبيق الحيل الشرعية بامتياز، لأن هذه البنوك أسست على الحيل الشرعية، وغالباً مؤسسوها من المحتالين الشرعيين ولايوجد في التاريخ فقهاء (قانونيون) برعوا في التخريجات مثل السادة علمائنا الأفاضل.

هذا التحريم – كما نراه – نزل نهياً في أول الأمر بقوله تعالى {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} النحل 116، ثم جعل سبحانه هذا النهي تحريماً لأهميته وعظيم خطره.

والسؤال الآن: هل توسعت دائرة الكبائر على يد التابعين وتابعيهم؟ والجواب: نعم بكل تأكيد، مع فارق بسيط خطير هو أهداف هذا التوسيع ومآربه، التي لم تكن جلية واضحة في أغلب الأحيان لا في العصر النبوي ولا في عصر أصحابه.

كان الهدف الأول تكريس العصبية العشائرية التي انبثقت في سقيفة بني ساعدة من رحم خلاف على الإمارة بين الأنصار والمهاجرين، وبين الخزرج والأوس في الأنصار، وبين الطالبيين ممثلين بالإمام علي وزوجته وأولادهما من جانب، والهاشميين ممثلين بالعباس وأولاده وبالزبير وأولاده من جانب ثان، وبالأمويين ممثلين بأبي سفيان وأولاده من جانب ثالث، مع تشكيلة من العاصيين والمنافيين والعبشميين احتلت مكانة ثانوية في الخلاف على الإمارة من جانب رابع. وإذا كان أبو بكر وعمر قد استطاعا يوم السقيفة طمر نار الخلاف تحت الرماد ب، “فلتة¨ هي إلى المعجزة أقرب، إلا أن الجمر المطمور عاد إلى الاشتعال في الجمل وصفين. وكل هذا حصل بعد وفاة الرسول. فهو لا علاقة له إطلاقاً بكل القرارات والتصرفات السياسية التي حصلت ولتبرير أي تصرف سياسي لطرف على آخر وضعت الأحاديث النبوية زوراً وبهتاناً على النبي (ص).

في هذا الجو المشحون المضطرب ولد وشاع مصطلح غريب هو مصطلح “آل البيت¨، مصطلح قدر له أن يترك أكبر بصمة في صفحات التاريخ الإسلامي منذ ولادته إلى اليوم.

والآل والأهل، مفردتان قرآنيتان وردت أولاهما في خمسة وعشرين موضعاً من التنزيل الحكيم، ووردت مشتقات الثانية في 128 موضعاً منه، لاتخرجان في هذه المواضع جميعاً عن معنى الأصحاب والأتباع، ولابد لهما لهذا من مضاف إليه تعرفان به: آل فرعون، آل لوط، آل داوود، آل يعقوب، آل إبراهيم، آل موسى، آل هارون، أهل الكتاب، أهل الإنجيل، أهل القرى، أهل المدينة، أهل مدين، أهل الذكر، أهل البيت.

والعجيب أن معنى مصطلح “آل البيت¨ عند التابعين وتابعيهم لا علاقة له مطلقاً بمعناه الذي شرحناه آنفاً في التنزيل الحكيم، ففي تفسير قوله تعالى {إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرًا} الأحزاب 33. يقول الإمام الطبرسي في مجمع البيان ص 356: “والبيت التعريف فيه للعهد والمراد به بيت النبوة والرسالة، والعرب تسمي الأنساب بيوتاً فقالوا بيوتات العرب يريدون أنسابها.

وقيل البيت بيت الله الحرام وأهله هم المتقون على الإطلاق، وقيل البيت مسجد رسول الله (ص) وأهله من مكنهم رسول الله (ص) فيه ولم يخرجهم منه. وقد اتفقت الأمة بأجمعها على أن المراد بأهل البيت في الآية أهل بيت نبينا (ص) ثم اختلفوا، فقال عكرمة أراد أزواج النبي (ص) لأن أول الآية متوجه إليهن، وقال أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك ووائلة بن الأسقع وعائشة وأم سلمة أن الآية مختصة برسول الله (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام¨ أ هـ.

ونحن لن نقف عند قوله “وقد اتفقت الأمة بأجمعها¨ لما نعلمه علم اليقين من أن الأمة لم تتفق قط منذ أن لقي النبي (ص) وجه ربه إلى اليوم على أمر صغيراً كان أم كبيراً وخاصة في أمور الحكم والسياسة. ولن نقف عند حديث أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) – إن صح – أنه قال: نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وفي علي وحسن وحسين وفاطمة، فهو يتعارض مع مارواه أبو حمزة الثمالي في تفسيره عن شهر بن حوشب عن أم سلمة، الذي لاتعتبر فيه فاطمة من أهل البيت، ولن نقف عند معيار النسب في تحديد المعصومين الخمسة، لأن أمامنا خبراً رواه ابن عبد البر في ترجمة سلمان الفارسي من كتاب الاستيعاب عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن سلمان فقال: علم العلم الأول والآخر، بحر لاينزف، وهو منا أهل البيت. ولو كانت المسألة مسألة نسب لما قالها الإمام علي، ولو كانت كذلك لوجب اعتبار أبي لهب من أهل البيت، وهذا لايقول به عاقل. نحن لن نقف عند هذا كله، وسنكتفي بشاهدين من التنزيل الحكيم: الأول أن مصطلح آل البيت ومصطلح أهل البيت في كل مواضعه من التنزيل الحكيم لايشير مطلقاً إلى معيار النسب من قريب ولا من بعيد، ولكن يشير إلى الزوجة وقد ذكرت الزوجة في القرآن في هذا المعنى على أنها صاحبة ({يَوْمَ يَفِرّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36)} عبس) وكذلك قوله تعالى {وَأَنّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا مَا اتّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} الجن 3 وخصوصاً في الآية 34 من سورة الأحزاب حيث الحديث موجه إلى نساء النبي، والثاني قصة نوح (ع) وابنه في خبر الطوفان، حين يدعو نوح ربه قائلاً: {إن ابني من أهلي} هود 45 فيجيبه سبحانه: {إنه ليس من أهلك} هود 46. ولو كانت المسألة مسألة نسب لاغير لما قال تعالى ذلك. وقد حسم التنزيل الحكيم هذه المسألة في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرّيّتِهِمَا النّبُوّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} الحديد 26. أي أن قلة من ذرية إبراهيم ونوح هم المهتدون وأكثرهم فاسق، أي أن النسب عند الله لايعني شيئاً.

نقول هذا ونحن نورد قوله تعالى {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى} الشورى 23، فالله طلب منا أن نحفظ المودة إلى قرابة محمد (ص)، ولا أعتقد أن إنساناً من أتباع محمد (ص) لايكن الود والحب لأقرباء محمد (ص) ولكن بدون عصمة وبدون قدسية. أما آل محمد (ص) فهم كل أتباعه، أي كل من آمن بنبوته ورسالته، وكاتب هذه السطور منهم.

وكان الهدف الثاني تكريس الطائفية التي قسمت الأمة – ومازالت تقسمها – إلى قسمين، فلم يكتف التابعون بالكذب والتدليس على لسان الصحابة، كما فعل نافع مع ابن عمر وبرد مع سعيد بن المسيب وعكرمة مع ابن عباس، بل تعدوا ذلك إلى الكذب على لسان النبي (ص) بالوضع والإدراج.

1 – روى مسلم في صحيحه وابن أبي شيبة في مصنفه وابن حيان في صحيحه وأبو داوود والبيهقي في سننهما وابن خزيمة في صحيحه عن جابر بن عبد الله خطبة النبي (ص) في حجة الوداع ورد فيها: “تركت فيكم مالن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله¨ أ هـ.

2 – وروى الطبراني في المعجم الكبير عن معاذ بن جبل خبراً طويلاً نسب فيه إلى النبي (ص) قوله: “إذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله أحلوا حلاله وحرموا حرامه¨ أ هـ.

3 – وروى الحاكم في مستدركه عن عكرمة عن ابن عباس خطبة النبي (ص) في حجة الوداع وفيها: “أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تصلوا أبداً، كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم¨ أ هـ.

4 – وروى الإمام أحمد في مسنده وابن حيان في صحيحه وابن ماجه في سنته (مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ) عن العرباضي بن سارية قال: قام فينا رسول الله (ص) ذات يوم فوعظنا موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون. فقلنا: يارسول اله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً وسترون بعدي اختلافاً شديداً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. أ هـ.

5 – وروى الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله (ص) في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي. أ هـ.

6 – روى الترمذي عن زيد بن ارقم قال: قال رسول الله (ص) إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما. أ هـ.

7 – وذكر الإمام أحمد في مسنده (210) حَدّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزّبَيْرِيّ حَدّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللّهُ لَأُخْرِجَنّ الْيَهُودَ وَالنّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ

والمتأمل في هذه الروايات يجد نفسه أمام أمور أولها، هذا الاختلاف في ألفاظ خطبة النبي (ص) في حجة الوداع، مثاله (تركت فيكم / إني قد تركت فيكم / إني تارك فيكم) و(إن اعتصمتم به / إن تمسكتم به / إن أخذتم به) ونحن نفهم أن تختلف الألفاظ في أحاديث الآحاد باختلاف الرواة لكننا لانفهم أن يطال هذا الاختلاف خطبة سمعها ألوف الناس في عرفة. ثانيها، أن النبي (ص) وقف يوم عرفة يقرأ على الناس وصيته الأخيرة ولديه شعور بأنه لن يلقاهم بعد يومهم هذا – والبند الوحيد في وصيته – حسب حديث مسلم (1) والطبراني (2) – هو كتاب الله. فمن أين جاء الحاكم (3) بعبارة “وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم) الذي يظهر الحشو بالإدراج فيها واضحاً؟ ومن أين جاء الإمام أحمد بعبارة “وسنة الخلفاء الراشدين المهديين¨ وهذا من علم غيب المستقبل؟ قد يقول قائل: لقد عرف النبي (ص) ذلك الغيب بالوحي. نقول فالسامعون لايعرفون عن الخلفاء الراشدين شيئاً، والنبي (ص) أعقل من أن يخاطب الناس بما لايعرفون بألفاظ معرفة بأل العهد وكأنهم يعرفونها. ومن أين جاء الترمذي (6) بعبارة “وعترتي أهل بيتي¨ فيقرن التمسك بهم بالتمسك بكتاب الله تعالى لابل هو أعظم، رابطاً الهدى بالنسب، في الوقت الذي يقول فيه سبحانه {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} الحجرات 13، جاعلاً المعيار معيار عمل وتقوى وليس معيار نسب وقرابة من النبي. وأن الغالبية العظمى من ذرية إبراهيم ونوح هم من الفاسقين.

نلخص كيف تدرج الحديث مع الزمن كالتالي:

1 – كتاب الله.

2 – كتاب الله وسنتي › العشرة المبشرين بالجنة وكلهم من قريش ولايوجد فيهم أنصاري واحد.

3 – كتاب الله › سنتي › الخلفاء الراشدين المهديين.

4 – كتاب الله وعترتي أهل بيتي.

وكذلك راوي الحديث عن إخراج اليهود والنصارى من شبه جزيرة العرب لم يدرِ أن اليهود بقوا في اليمن حتى اليوم. أم أن اليمن ليست من شبه جزيرة العرب؟؟!

وهكذا حصلت أكبر عملية تزوير في التاريخ الإنساني ومثالاً على ذلك حديث العشرة المبشرين بالجنة وذكروا بالترتيب: أبو بكر – عمر – عثمان – علي والغريب أن هؤلاء العشرة كلهم من قريش ولايوجد أنصاري واحد ضمنهم، ويفهم أن تعيين العشرة المبشرين بالجنة جاء من الله فأصبح والحالة هذه إلهاً قبلياً. فكل مافعله الأنصار لم يستحقوا عليه ولا واحد، مع العلم أن الأنصار احتجوا على النبي (ص) عندما وزع الغنائم في معركة حنين ولم يعطهم شيئاً وأعطى حديثي العهد بالإسلام، ورد عليهم النبي (ص) بأن حصتهم من الغنائم أن سيبقى معهم في المدينة وأن حديث العشرة المبشرين بالجنة – إن صح0 وهو غير صحيح بالتأكيد منسوب إلى النبي (ص)، فلا أعلم حين سمع الأنصار هذا الحديث ماذا كانت ردة فعلهم وبأي وجه أو حجة سيواجههم بها النبي (ص). أم أن الأنصار وهذا الأغلب لم يسمعوا بهذا الحديث إلا بعد وفاة الرسول. وقس على ذلك في محتويات كتب الحديث التي يدعون أنها وحي ثانٍ وهذه المحتويات لاتستحق هذا اللقب لأن فيها إهانة كبيرة لكتاب الله. وخاصة الأحاديث التي لها علاقة بالحكم والسياسة وأحاديث العقوبات على ذنب تافه، أو الثواب على عمل تافه، أو ترديد كلمات معينة مرات عديدة.

بعد التابعين والتزوير ظهرت المذاهب الخمسة – مالك – أبو حنيفة – الشافعي – أحمد ابن حنبل – جعفر الصادق. وتم وضع أصول الفقه – الشافعي، وأصول العقيدة – أحمد بن حنبل) وقدم لنا الفقهاء بعد هذا ديناً اسمه دين الفقهاء يتصف بالمواصفات التالية:

1 – قدموا لنا إلهاً سادياً قبلياً مزاجياً متعطشاً للدماء يتلذذ بعذاب الناس ويهوى العيون المقلوعة والأيادي المقطوعة والبطون المبقورة والذي يعد على الناس عثراتهم وخاصة المؤمنين به. وإذا مر عليك أربعون يوماً بدون أن تصاب بهم أو غم أو أذى أو مرض، فعليك أن تعلم أنك بعُدتَ عن هذا الإله (اللهم أبقنا بعيدين عنه)، وهذه هي نفس مواصفات يهوه إله بني إسرائيل الذي وصفوه في كتبهم بإله القتل والحرق والتدمير، ولا أعتقد أن الناس بحاجة إلى إله بهذه المواصفات. هذا الإله يختلف تماماً عن الله سبحانه وتعالى الذي وصف نفسه في التنزيل الحكيم، حيث ذكر (الرحمن) 57 مرة و(غفور رحيم) 57 مرة، أما (شديد العقاب) فأقل من ذلك، وأما (الجبار) و(المتكبر) فذكرت مرة واحدة فقط، سبحانه وتعالى عما يصفون.

2 – هذا الإله دائماً غاضب يعاقب الناس وجاءت هذه الأطروحة من ثقافات منطقة الشرق الأوسط ماقبل البعثة النبوية حيث وصف المجتمع ماقبل البعثة بأنه جاهلي، افترض الكثير أن بداية التاريخ هو البعثة المحمدية، فلم ينظر التابعون تأثير الثقافات الموجودة ماقبل هذه البعثة مثل الثقافة الفرعونية والبابلية والآرامية والفينيقية والفارسية والبابلية حيث تعود هذه الثقافات إلى آلاف السنين قبل البعثة المحمدية. وحيث أن الشعوب لاتصاب بفقدان الذاكرة الجمعي، فقد دخلت هذه الثقافات في العقيدة الإسلامية من خلال الأحاديث النبوية مثل حديث المعراج وحديث عذاب القبر والشجاع الأقرع. هذه الأحاديث التي أعطت فكرة سيئة عن الإله. ومثل حديث (لايدخل أحد الجنة إلا برحمة الله) ولا يمكن لإنسان مهما فعل أن يدخل الجنة بعمله، بينما التنزيل الحكيم يقول {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} و{تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون}. هذه الثقافات كانت تقوم على تعدد الآلهة، فلكل إله اختصاص، فهناك إله الخصب وإله المطر وإله الجفاف وإله الصحة وإله المرض وإله الشمس حيث كان الناس لاتستوعب كل هذه الثنائيات. وبما أن الإنسان عنده مشاكل بشكل دائم، فإذا مرض فهذا يعني أن إله المرض غاضب عليه، وإذا حصل جفاف فإله الخصب غاضب عليه. وهذا يعني أنه يومياً هناك إله غاضب (زعلان) فعندما تم توحيد الآلهة بإله واحد، وأسقطت هذه الثقافات على الإله الواحد تبين أنه غاضب دائماً فأصبح الإنسان المؤمن العادي يعتقد أنه إذا أصابه صداع فهذا يعني أنه أذنب بحق الله، وأن الله يعاقبه، لذا اقتنع الناس بأنه لايدخل الجنة أحد إلا برحمة الله، لابعمله، ومع أن هذا يخالف التنزيل الحكيم عمودياً. أي أن الإله الذي قدمه لنا الفقهاء هو إله سادي مزاجي قبلي غاضب دائماً وخاصة على عباده المؤمنين، والناس عند إله التنزيل الحكيم عباد، وعند إله الفقهاء عبيد. وحاشى لله أن يكون كذلك..

3 – وبما أن الحاكم ظل الله في الأرض وينفذ حاكمية الله، فكان الحاكم مزاجي متسلط يحمل مواصفات هذا الإله وهذه الظاهرة ترسخت منذ بداية بني أمية إلى اليوم فهي قديمة متجذرة في ثقافتنا ونشأ الفقه في ظل هذه الثقافة.

أهم مواصفات الفقه والعقيدة التي نشأت بعد التابعين:

آ – فقه لايحمل أية صفة عالمية إطلاقاً. بل الصفة المحلية وهو نسخة معدلة قليلاً عن الفقه اليهودي.

ب – لايحترم الإرادة الإنسانية إطلاقاً. (مثل قتل المرتد)

ج – فقه ذكوري بحت. والمرأة ليست أكثر من شيء.

د – الأدلة الشرعية وأدلة الاستنباط بدائية سقط فيها العقل والإرادة الإنسانية.

هـ – ترسيخ الشعور بالدونية تجاه السلف الذي ترسخ وتجذّر حتى يومنا هذا وصار جزءاً لايتجزأ من ثقافتنا.

و – احتقار الحرية والحياة الإنسانية وترسيخ العبودية، وبما أن العبودية لاتكون إلا لغير الله، لأن الناس عباد الله في الدنيا وليسوا عبيده. فالحر هو ضد الرق فقط، واحترام الحرية والحياة ليست من القيم العليا في الثقافة الموروثة.

ز – أما العقيدة فقد حولها أحمد بن حنبل إلى عقيدة بدائية ساذجة لاتصمد أمام أي منطق وجوابها هو التكفير، فهو لم يفرق بين كلام الله وكلمات الله، وكان من نتاجها ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب.

ح – ترسيخ الشعور الدائم بالذنب عند الناس، فمهما فعلت فأنت مذنب، وعلى كل من يحب الحياة ويكره الموت أن يشعر بالذنب.

ط – ثم جاء الغزالي ليغلق باب الفلسفة والعقل تماماً حيث استقال العقل العربي تماماً وتحول الناس إلى قطيع وهم كذلك إلى اليوم – السادة العلماء الأفاضل – يحولون الناس إلى قطيع للحاكم ولكن هذا القطيع يسهل تحويله إلى قطيع بدون عقل أيضاً يقتل نفسه والآخرين. أي أن العلماء الأفاضل (الوسطيين) يقومون بالمرحلة الأولى لغسيل الدماغ وهي ثقافة القطيع لتهيئة الشباب لدخول المرحلة الثانية وهي قتل النفس والآخرين، ولولا المرحلة الأولى لما كان هناك ثانية.

إننا نعي تماماً أن مانقوله لن يعجب الكثيرين من الطائفتين، لامن الذين اعتادوا الوصاية على دين الناس وعقولهم ومنعوهم من قراءة كتاب ربهم – اللهم إلا التجويد والحفظ عن ظهر قلب ونصبوا من أنفسهم حراساً على الجسور بين الله والعباد، لايمر عليها شيء إلا بإذنهم.

المعروف:

العين والراء والفاء (ع ر ف) أصل صحيح في السان ومفردة قرآنية وردت مشتقاتها في اثنين وسبعين موضعاً من التنزيل الحكيم، أولها في قوله تعالى {فلما جاءهم ماعرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} البقرة 89. وآخرها في قوله تعالى: {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} المطففين 24. فمنه: المعروف، والعرف، والتعارف، والمعرفة، والعرافة.

فالمعروف: له معنيان، الأول المشهور والمعلوم كما في قوله تعالى {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} البقرة 228. والثاني: الإحسان والبر والصنيعة يسديها المرء لغيره كما في قوله تعالى {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً كان ذلك في الكتاب مسطورا} الأحزاب 6. وفي قوله تعالى {وصاحبهما في الدنيا معروفاً} لقمان 15.

والعُرف: (بضم العين) وله عدة معان، الأول: نقيض النكر، والثاني: قمة الشيء وأعلاه، ومنه عرف الديك: لحمة مستطيلة في أعلى رأسه. والثالث: ماتواضع الناس عليه واشتهر في عاداتهم ومعاملاتهم. أما العَرف (بفتح العين) فهو الرائحة الطيبة المنتشرة، وقوله تعالى: {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} محمد 6 أي جعلها معطارة فواحة. وأما العِرف (بكسر العين) لهو الصبر عند الزمخشري.

والتعارف: هو التواصل والتعايش بحيث يولد التقارب وداً معرفياً بين الإنسان وأخيه الإنسان أفراداً وجماعات. والتعارف هو الهدف الأسمى الذي أقام تعالى الوجود لأجله بدليل قوله سبحانه {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} الحجرات 13.

المعرفة: هي العلاقة بين الوجود في الأعيان وصور الموجودات في الأذهان فهي بحث فلسفي بحت أي العلاقة بين الوجود الموضوعي والوعي الإنساني. أما العلم فهو مادخل معارف الإنسان فعلاً من العالم الخارجي موضوعياً أو اجتماعياً، لذا تجد في التنزيل الحكيم علم الله ولاتجد معرفة الله لأن الله يعلم كل شيء فعلاً ولايحتاج إلى نظرية في المعرفة. وفي العلم هناك ظاهر ومخفي فهناك معلومات تخفيها الدول عن الآخرين وكذلك الله لايحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء.

العِرافة: هي المعرفة الكاذبة المزيفة. فكما أن بين السالكين في دروب التصوف قلة صادقة هم أصحاب الخوارق وغالبية كاذبة هم أصحاب المخاريق، كذلك بين السائرين في دروب المعرفة هناك قلة أصيلة هم العارفون وغالبية مزيفة هم العرافون.

المعرفة توق يملك على طالبها أمره كله، لايشغله وهو يغرف من ينابيعها طمع في ثروة أو جاه أو سلطان، أما العرافة فحرفة لعلها الأقدم في تاريخ الجماعات الإنسانية. فالعراف هو الشامان الساحر وهو الهامان الحكيم، وهو الكاهن الطبيب وهو السادن الحارس لقرابين الآلهة وأصنام المعبودات. ويخطئ من يتوهم أن حرفة العرافة اندثرت باندثار العصور الوثنية، وأن العرافين لم يعد لهم وجود بعد زوال الأنظمة القبلية، فالمتأمل في سراديب التكايا وأنفاق المزارات المقدسة وأروقة أضرحة أهل الله سيكتشف – دون عناء – أنهم لم يندثروا ولم يزولوا، بل تحولوا إلى هيئات ومؤسسات ونقابات تحت أسماء جديدة وعناوين مبتكرة.

المنكر:

النون والكاف والراء (ن ك ر) أصل صحيح في اللسان، ومفردة قرآنية وردت مشتقاتها في 37 موضعاً من التنزيل الحكيم، أولها في قوله تعالى {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} آل عمران 104 وآخرها في قوله تعالى {ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير} الملك 18. من مشتقاته: المنكر، النكير، النّكْر، النكرة، الإنكار.

أما المنكر فهو نقيض المعروف وتوأمه المقابل، وهو كل ماتحكم العقول الصحيحة بقبحه، وكل ماتواضع المجتمع على تركه في معاملاتهم وعاداتهم، ونجد هذا المعنى واضحاً بكل جلاء في قوله تعالى على لسان لوط لقومه {أَئِنّكُمْ لَتَأْتُونَ الرّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَرَ} العنكبوت 29. وطبقاً للتنزيل الحكيم فإن المحرمات يجب أن تكون من المنكرات.

وأما النكير فله معانٍ لاينفصل أحدها عن الآخر، الأول، الصعوبة والتضييق كما في قولنا: حاصر الجيش المدينة وشدد عليها النكير. والثاني: الحصن المنيع كما في قوله تعالى: {مالكم من ملجأ يومئذ ومالكم من نكير} الشورى 47. والثالث، العقوبة الرادعة والمآل القبيح كما في قوله تعالى {فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير} الحج 44.

وأما النّكر فهو الأمر الشديد الصعب تستقبحه النفوس وتنفر منه كما في قوله تعالى على لسان موسى للعبد الصالح بعد أن قتل الغلام {قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكرا} الكهف 74. ومنه النكراء للمؤنث كقولنا: نزلت بهم مصيبة نكراء، أي الشديدة الأذى. وهو المجهول لايعرف حاله.

وأما النكرة فهو العاري عن التعريف عند أهل النحو والصرف وهو الذي في قومه – كما يقولون -: لافي العير ولافي النفير. أي لاهو بالنابه المشهور في تجارة أو زراعة، ولاهو بالفارس صاحب النجدات إن دقت نواقيس الخطر.

وأما الإنكار فهو النفي والرفض والجحود. فإنكار النعمة جحود، وإنكار الذات غيرية وأثرة وهو سلوك محمود بدلالة قوله تعالى {..ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} الحشر 9.

كان لابد من هذه الإطالة، قبل أن نصل إلى التساؤل: فكيف نفهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اليوم؟ وكيف – بالتالي نمارسه ونطبقه عملياً في وقتنا الحاضر؟ وكان لابد من الاستفاضة في تعريف: الأمر والنهي والمعروف والمنكر، فالتعاريف ترسم من أين تبدأ حدود الأشياء وأين تنتهي. وكان لابد من الاستطراد ونحن نعرّف النهي لنقف عند الدرجات الأربع: الحلال والحرام، والأمر والنهي، السماح والمنع، الحسن والقبيح، ثم لنشرح كيف اختار تعالى أن يسمي بعض النواهي كبائر، ثم كيف اختار أن يجعل هذه الكبائر محرمات. إلا أننا حرصنا – خلال ذلك كله – على إلقاء الضوء على عدد من الأسس والنواظم المستنبطة من آيات التنزيل الحكيم التي ترى وجوب التزامها ومراعاتها وعدم الخروج عليها ليأتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متطابقاً ماأمكن مع آيات التنزيل الحكيم.

يقول تعالى {إنا كل شيء خلقناه بقدر} القمر 41، ثم يقول {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} يس 12. وهاتان الآيتان تضعاننا على الطريق الصحيح في قراءة هذا الكون بأشيائه قراءة صحيحة تبين لنا مقادير الأشياء ونهاياتها، وكذلك في السلوك الإنساني الواعي يوجد نهايات، هذه النهايات التي سماها التنزيل الحكيم حدوداً لا يجوز تعديها بدلالة قوله تعالى {..تلك حدود الله فلا تعتدوها} البقرة 229، ولا يجوز الاقتراب منها بدلالة قوله تعالى {تلك حدود الله فلا تقربوها} البقرة 187، وقوله تعالى {الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين}.

فإذا كانت حدود نهايات الطعام والشراب – مثلاً – هي الإسراف حسب قوله تعالى {..وكلوا واشربوا ولاتسرفوا إنه لايحب المسرفين} الأعراف 31، فهل هناك مقادير – للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجوز تجاوزها؟ وهل هناك حدود للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجوز تعديها ولا الاقتراب منها؟ والجواب: نعم يوجد.

1 – حتى نحدد حدود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نبدأ بمفهوم الإسراف. فكما أنه لا يجوز الإسراف في الطعام والشراب، كذلك لا يجوز الإسراف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لذا فسنحدد ماهو الإسراف وماهو الفرق بين الإسراف والتبذير.

قول في الإسراف والتبذير

السين والراء والفاء (س ر ف) – كما ورد في مقاييس اللغة لابن فارس – أصل واحد يدل على تعدي الحد، نقول: سرف الأمر، أي جاوز حدّه. ويقولون: السرَف هو الجهل، والسّرِف هو الجاهل، (أي كأنه خرج عن حد العلم والمعرفة وتعداه فوقع في الجهل).

لقد ورد اللفظ بمشتقاته وتصريفاته ثلاثاً وعشرين مرة في التنزيل الحكيم. يقول تعالى في بعضها:

{قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً} الزمر 53.

{ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا} آل عمران 147.

{إن الله لايهدي من هو مسرف كذاب} غافر 28.

{إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون} الأعراف 81.

{وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لايحب المسرفين} الأعراف 31.

{وإن فرعون لعالٍ في الأرض وإنه لمن المسرفين} يونس 83.

{ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا} الإسراء 33.

{وكذلك يخزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه} طه 127.

{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} الفرقان 67.

{وإن المسرفين هم أصحاب النار} غافر 43.

الإسراف إذن ¯ تعد للحد (كيف)

وإذا كنا في مقالنا هذا، نخص بالتأمل دلالته على تعدي الحدود (الكيف)، فلأن الشائع من الأدبيات الإسلامية اليوم على أنه تجاوز القدر (الكم)، مما أدى إلى الخلط بين الإسراف والتبذير الذي ورد في آيتين من التنزيل الحكيم هما الإسراء 26، 27.

والمعنى الأساسي الذي استعمله التنزيل الحكيم للإسراف، ونقصد معنى التعدي والخروج على الحد. وإذا اختلف شيئان لاعتبار في أحدهما غير موجود في الآخر امتنع ترادفهما. فما هو هذا الحد الذي يتجاوزه المسرف ويتعداه لينطبق عليه اسم “مسرف¨ لايستحق هدى الله؟

لعل من المفيد قبل البدء أن نستمع لخبر رواه الفخر الرازي فيه رأي لمجاهد يوضح الفرق بين الإسراف والتبذير. يقول:

قال عثمان بن الأسود: كنت أطوف في المساجد مع مجاهد حول الكعبة، فرفع رأسه إلى أبي قبيس وقال: لو أن رجلاً أنفق مثل هذا في طاعة الله لم يكن من المسرفين، ولو أنفق درهماً في معصية الله كان من المسرفين. قيل لرجل أنفق نفقة في خير فأكثر: لاخير في السرف. فقال: لاسرف في الخير. (أ هـ } (أنظر ص 155 من المجلد 20 من التفسير الكبير للرازي).

الإسراف إذن لا يكون إلا في المعاصي ولا عبرة بالمقدار. وبما أن كتاب الله تعالى كتاب هداية للناس وللمتقين فرّق بين الحق والباطل في النبوة، وبين الحلال والحرام في الرسالة، فإن الحد الذي يتجاوزه المسرف ويتعداه هو الحد الفاصل بين الحلال والحرام. وانظر إلى لوط في آية الأعراف 81، وهو يصف قومه بأنهم يأتون الرجال شهوة من دون النساء، ونحن نعلم أن اللواط حرام قلّ أو كثر، ومن هنا جاء حكمه عليهم في آخر الآية بأنهم قوم مسرفون.

وانظر إلى قوله تعالى في يونس 83 وهو يصف فرعون بالعلو في الأرض إشارة إلى الاستكبار والتجبر، وبأنه ظل يمارس هذا الاستعلاء حتى صار من صفاته، فخرج بذلك عن الحد الفاصل بين العبادية لله تعالى وهي حلال، وبين ادعاء الألوهية والربوبية وهي حرام، ومن هنا جاء حكم الله تعالى عليه في الآية بأنه من المسرفين.

أما آية الإسراء 33، فتبدأ بقوله تعالى {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}، ثم تمضي لتشرح حكم الله تعالى في إنسانٍ قتل مظلوماً بغير حق، ولتوضح لنا عدداً من المسائل:

الأصل في القتل أنه حرام مطلقاً إلا بالحق.

لايحل القتل إلا لأسباب عارضة وبينات ثابتة.

لولي المقتول سلطان بقتل القاتل قصاصاً.

النهي عن الإسراف في القتل قصاصاً.

والظاهر من الآية – في المسألة الأولى – أنه لاسبب يحل معه القتل إلا قتل النفس بغير حق، أي قتلها مظلومة. ومع ذلك فقد اختلف الفقهاء حول أسباب أخرى، منها: هل يحل قتل تارك الصلاة؟ قال الشافعي: يحل، وقال أبو حنيفة: لايحل. هل فعل اللواط يوجب القتل؟ عند الشافعي يوجب، وعند أبي حنيفة لايوجب. هل إتيان البهيمة يوجب القتل؟ وهل الامتناع عن أداء الزكاة يوجب القتل؟ عند أكثر الفقهاء لايوجب، وعند البعض يوجب. ونحن نرى أن الآية صريحة في تحريم القتل مطلقاً إلا في حالة واحدة، هي ثبوت القتل ظلماً بالأدلة الدامغة والبينات الحقة. أما باقي الأسباب كترك الصلاة، ومنع الزكاة، واللواط، وإتيان البهائم، والقتل بالسحر، وغيرها .. وغيرها، فليس عندنا بشيء، بدلالة قوله تعالى {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} المائدة 32. وقوله تعالى مستنكراً {وإذا الموؤدة سئلت * بأي ذنب قتلت} التكوير 8، 9.

أما المسألة الثانية، فتشير إلى وجوب ثبوت وقوع القتل ظلماً بالأدلة والبينات كالشهود العيان والبصمات وتقارير الطب الشرعي، الكافية لصدور حكم بالتجريم عن المحاكم المختصة.

وأما المسألة الثالثة فتحصر حق قتل القاتل بولي المقتول ظلماً، وهذا يضعنا أمام جملة أمور:

هل المقصود بالولي هنا والد القتيل وأخوه وعمه – مثلاً – أم المقصود الحاكم باعتباره من أولي الأمر؟

هذا السلطان الذي جعله الله تعالى لولي القتيل قريباً كان أم حاكماً، هو سلطان الحق في القصاص الذي أشار إليه بقوله {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف} المائدة 45. وبقوله {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتل الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} البقرة 178.

وهذا كله ضمن إطار عام ينظمه قوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} الإسراء 15، الأنعام 164، فاطر 18، الزمر 7، النجم 38.

ثم تأتي المسألة الرابعة لتنهى ولي القتيل عن الإسراف في القتل وهو يطبق حكم الله تعالى على القاتل ظلماً بغير حق. ولما كان الإسراف كما أوضحنا هو الخروج من حقل الحلال إلى حقل الحرام، وتجاوز الحد الفاصل بينهما، فأين هو الحد في هذه الآية خصوصاً الذي ينهى تعالى عن تجاوزه إسرافاً؟

نقول إن هذه الآية – مع آيات أخرى في القصاص – جاءت لمعالجة مشاكل الثأر المتجذرة في المجتمعات القبلية والعشائرية، بما تشعله من حروب تمتد عقوداً من الزمن، ينسى معها الأحفاد وأبناء الأحفاد كيف بدأت الأمور، وهذا ما نقرؤه في تاريخ حرب البسوس مثلاً، أو في تاريخ حروب داحس والغبراء. كانوا إذا قتل منهم شريف، قتلوا من قبيلة القاتل عدداً من أشرافها وتركوا القاتل، وكان من الطبيعي، انسجاماً مع مبدأ {ولا تزر وازرة وزر أخرى} الذي أقرته صحف إبراهيم(5)، أن يأتي التشريع الجديد في الرسالة المحمدية ليبين عدم جواز قتل غير القاتل، أباً كان أم أخاً أم عماً أم ابن عم أم غير ذلك، وليوضح أن القتل بالحق للقاتل الظالم حصراً هو الحلال، وأن كل تجاوز إلى غيره وقوع في الحرام، وأن من يفعل ذلك صار مسرفاً. أما ما فهمه بعض فقهاء التراث من أن المقصود بالإسراف هنا هو عدم التمثيل بالجثة بعد القتل وتقطيع أعضائها فليس عندنا بشيء.

ومن الطبيعي أيضاً أن تأتي الآيات لتصف المسرفين المتجاوزين لحقل الحلال إلى حقل الحرام بالكذب، كما في غافر 28، ولتتوعدهم بالهلاك كما أهلكت أشباههم في قوله تعالى {ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين} الأنبياء 9. ثم لتحكم بأن أهل النار لا يمكن أن يكونوا إلا من المسرفين كما في قوله تعالى {وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار} غافر 43.

فإذا تأملنا قوله تعالى {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لايحب المسرفين} الأعراف 31. نجد أنه يخاطب الذكور والإناث في قوله {يا بني آدم} على اختلاف مللهم من مقام آدميتهم، وهذا هو الأسلوب الإلهي كرحمة للعالمين. فحيثما وجدت آية تبدأ بهذا المصطلح، أو بمصطلح مشابه مثل {يا أيها الناس} وغيره، فاعلم أن فيها حكماً مشتركاً بين الخلق بغض النظر عن ملتهم أو معتقدهم. وآية الأعراف هذه خير مثال لما نقول، فهي تتحدث عن اللباس والأكل والشرب، وتنهى عن الإسراف فيها جميعاً.

وحين نخلط بين الإسراف والتبذير، ناسين أن الإسراف تجاوز للحد الفاصل بين الحلال والحرام، يضيع علينا القصد الإلهي من الآية، ونتوهم أنه تعالى ينهانا عن البذخ في الملبس والمأكل والمشرب وعن الإكثار من كمياته. فالرجل الذي أنعم الله عليه برزق وفير، فاشترى من حلال ماله ثوباً نفيساً ذهب به إلى المسجد وتطيب بأغلى أنواع الطيب، وجلس حيث يجلس الناس، وشاركهم صلاتهم ثم عاد إلى منزله، ليس مسرفاً، ولا كذاباً، ولا من أصحاب النار. لأن الله تعالى يقول {وأما بنعمة ربك فحدث}، ولأنه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. والذي بسط له ربه أبواب الكسب الطيب، فاشترى الخرفان والدجاج، وأكل وأطعم أهله وأهدى جيرانه وذوي قرباه، فليس بمسرف، لأن من يأكل حتى التخمة قد يوصف بالنهم أو بالشره، قد نتهمه بأنه يسيء إلى جهازه الهضمي، ولا يراعي احتياجات بدنه كما ينبغي، وبأنه عبد لسلطان بطنه، وقد وصف الإسراف بالطغيان عند بني إسرائيل في رسالة موسى في قوله تعالى {كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي} طه 81. ولأن الأمر الإلهي بأكل الطيبات من الرزق جاء مطلقاً لاحدود للكميات فيه، رغم وروده بصيغة التبعيض المقصود منها عدم الإكثار، يقول تعالى {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون} البقرة 171. وكأن الرسول تصوّر قائلاً يستفسر على سبيل التأكد عن حلالية كل أنواع الطعام مطلقاً، فتابع في الآية التالية مباشرة – بأمر ربه – يعدد المآكل التي حرمها تعالى تقييداً للمطلق في الآية السابقة، وليقول على لسان ربه {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله} البقرة 171. ثم تأتي جملة من الآيات لترسم الحدود الفاصلة بين حلال الطعام وحرامه، ولتفصل في أنواعها. أبرزها قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع} المائدة 3. ونستنتج من هذا أن عشرات اللقم من طيبات ما رزقنا الله هي حلال، وأن لقمة واحدة من الأصناف المحرمة هي حرام وهي الإسراف. ولا عبرة هنا بالكم.

ونقف الآن أمام قوله تعالى {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم} الزمر 53. فبعد أن يصف في آيات تنزيله الحكيم المسرفين بالكذابين والمجرمين والكافرين الصائرين إلى النار يفتح باب الرحمة والمغفرة أمام جميع عباده. فأمرهم حين التعرض لنزغ الشيطان ووساوسه التي ما سلم منها مخلوق بأن يستعيذوا بالله كما في قوله تعالى {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} الأعراف 200. وطلب منهم أن يستغفروه إذا ما وقعوا في الإسراف، كما في قوله تعالى {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا} آل عمران 147. لأنه عليم بحال عباده وبما يتعرضون له، سميع لدعائهم واستغفارهم، غفور لذنوبهم إذا ما تابوا. ففي حديثه (ص) إن صح: (كل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون). ولهذا يقول لهم تعالى في الآية {لاتقنطوا من رحمة الله}، فالمؤمن راجٍ دائماً لرحمة ربه، متأكد دائماً من أنها تسع كل شيء، موقن من أن الضال وحده هو الذي يقنط من رحمته تعالى، حسبما نص عليها تنزيله في قوله {ومن يقنط من رحمة الله إلا الضالون} الحجر 56. يقول علماء اللغة إن إبليس من الإبلاس. والإبلاس هو اليأس من رحمة الله. وهكذا نرى أن الهلاك أصاب المسرفين {وأهلكنا المسرفين} وأنه لا يمكن لأصحاب النار إلا أن يكونوا من المسرفين {وإن المسرفين هم أصحاب النار}.

خلصنا فيما سلف إلى أن الإسراف خروج عن حد الحلال والوقوع في الحرام، يستحق الخارج معه مانصت عليه آيات الإسراف كما رأينا. فما هو التبذير؟ وهل هو – كما يزعم كل من قابلتهم من علماء – أكبر من الإسراف؟ وهل هو من أقبح القبائح عند الله تعالى حسب رأي عدد من المفسرين؟

والباء والذال والراء، عند ابن فارس في المقاييس والزمخشري في أساس البلاغة، أصل صحيح واحد يعني التفريق. ومنه: بذر الحب في الأرض أي نثره، وبذرت الأرض أي أخرجت نباتها متفرقاً. أما عند الفخر الرازي فهو إنفاق المال مبعثراً كيفما اتفق. والطريف أن العوام في مصر والشام، في تعبيرهم عن معنى “البعثرة¨ بلغتهم المحكية، يستخدمون كلمة “بعزقة¨، ويزعم صاحب “المعجم المدرسي¨ أن “بعزق الشيء: فرقه وبدده فتبعزق أي: تبدد¨، لكننا لم نجد هذه اللفظة عند ابن فارس ولا عند الزمخشري.

ورد التبذير في التنزيل الحكيم مرتين في سياق واحد، بقوله تعالى: {وآت ذا القربى حقه والمساكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً * إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا} الإسراء 26، 27.

ولقد أشرنا في بحث الإسراف إلى أن الإسراف هو تعدي الحد الفاصل بين الحلال والحرام، أما تجاوز المقدار في حقل الحلال دون تجاوز الحد الفاصل مع الحرام فهو التبذير، وإلى استحالة أن يكونا مترادفين حذو القذة بالقذة والنعل وبالنعل، لاختلاف الحقل الذي يعملان فيه، فالإسراف لايكون إلا في حقل الحرام، أما التبذير فلا يكون إلا في حقل الحلال.

لكن مرض القول بالترادف طال العديد من علماء اللغة في العديد من الألفاظ، تماماً كما طال العديد من المفسرين ومنهم الفخر الرازي في تفسيره الكبير المعروف باسم “مفاتيح الغيب¨، الذي يعتبر التبذير إسرافاً ويقول في تفسير آيتي الإسراء: “عن عبد الله بن عمر قال: مر رسول الله (ص) بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف يا سعد؟ فقال: أو في الوضوء سرف؟ قال: نعم وإن كنت على نهر جار. وقد نبه تعالى على قبح التبذير بإضافته إياه إلى أفعال الشياطين¨ أ هـ.

لقد رأينا في آيات الإسراف أن أكل وشرب المحرمات، والخروج عن الحدود الدنيا في اللباس لإظهار الجيوب، يجعل صاحبه مسرفاً، فهل يجعل التبذير صاحبه كذلك؟ ولقد ورد التبذير بآية الإسراء 26، في سياق الصدقات وإتيان ذا القربى والمسكين وابن السبيل حقه من هذه الصدقات، فهل إذا تصدق الرجل بكل ماله – مثلاً لذوي القربى والمساكين وأبناء السبيل وللجمعيات الخيرية ودور رعاية الأيتام والعجزة يكون قد وقع في الحرام وتعدى حدود الحلال واستحق مصير المسرف كما تبينه الآيات؟ الجواب: كلا مطلقاً!! قد يقع في الحسرة والندم لتجاوزه المقدار في الصدقات، لكنه لايقع في الحرام. ولبيان ذلك وتوضيحه ننظر في الآيات التالية:

{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يفتروا وكان بين ذلك قواما} الفرقان 67.

{ولاتجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا} الإسراء 29.

{قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا} الإسراء 100.

الإنفاق والإسراف بمعنى تجاوز الحد، والتقتير والاعتدال بين البسط والقبض هي المحاور التي تدور حولها آيتا الفرقان 67 والإسراء 29، ولك أن تضيف إليها إن شئت التوسع عشرات الآيات الأخرى التي تتحدث عن الإنفاق والبخل والتقتير.

أما الإنفاق فهو الصفة التي وصف بها تعالى المتقين من عباده، المؤمنين بالله واليوم الآخر، المهتدين بكتابه، والمفلحين في عملهم، في مطلع سورة البقرة بقوله {ومما رزقناهم ينفقون} قارناً الإنفاق بالإيمان بالغيب من جهة وبإقامة الصلاة من جهة أخرى. لماذا؟

لأن الإنسان بطبعه قتور بخيل (الإسراء 100)، يحب المال حباً جماً (الفجر 20)، جزوع إذا ضاق به الرزق ومنوع إذا كثر عليه الخير (المعارج 20) ومن هنا كان الإنفاق فيما نرى باباً من أبواب جهاد النفس التي طبعها الله تعالى على الإمساك.

والإنفاق – كتكليف – جزء من حقل الحلال، وإلا لما أمرنا الله تعالى به، مرتبط بقدرة الإنسان واستطاعته حسب قوله تعالى {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} البقرة 236. لكن له – مثل أي شيء آخر في الكون – حداً أعلى وحداً أدنى، نجدهما واضحين في آيتي الفرقان 67 والإسراء 29:

1 – الإنفاق؟ تجاوز الحد (الحرام)؟الإسراف.

2 – الإنفاق؟ توسيع دائرة الحرام أو تضييق دائرة الحلال؟ التقتير.

فمثلاً عدم الإنفاق على الموسيقى والرسم والنحت على أنه حرام هو تقتير.

3 – الإنفاق؟ الوقوف بين الحدين؟ القوام. وهو عدم الوقوع في الحرام وعدم تضييق دائرة الحلال.

ونلاحظ في آية الإسراء 29 خصوصية لا نلاحظها في آيات الإنفاق الأخرى، تحدد عقوبة من يتجاوز نزولاً حدود الإنفاق الدنيا، ومن يتجاوز صعوداً حدوده العليا:

4 – اليد المغلولة كناية عن (البخل)؟ ملوماً.

5 – اليد المبسوطة كل البسط كناية عن تجاوز المقدار (التبذير). محسوراً.

تلك هي عقوبة الممسك عن الإنفاق والمبذر فيه ضمن حقل الحلال، التي تختلف تمام الاختلاف عن عقوبة من يتعدى مسرفاً حدود الإنفاق بشكل يقع معه في الحرام، حسب ما شرحناه في بحث الإسراف.

ولقائل أن يسأل محتجاً: إن كان ذلك كذلك، فما معنى قوله تعالى {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا} الإسراء 27. والجواب ببساطة:

نفهم معنى أن يعتبر تعالى المبذرين في آية الإسراء 27 إخواناً للشياطين، لتشابه السلوك بين المبذرين والشياطين في تجاوز المقدار والإنفاق كيفما اتفق، وذلك لأن العرب يسمون الملازم للشيء أخاً له، كقولهم “أخو الجود والكرم¨ و”أخو الجهالة¨ إذا كان مواظباً على هذه الأعمال. ومهمة الشيطان هي إغواء الناس حتى من خلال الحلال والمبالغة فيه. وبالتالي نجد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب ألا يقع في الإسراف، أي الوقع في المحرمات، وهذا هو الشرط الأول، أي لاقتل، ولازور، ولا كذب، ولاسرقة.. إلخ.

2 – الفظاظة والإكراه:

آ – الفظاظة:

من قوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ} آل عمران 159، أي على من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون لطيفاً في خطابه للآخرين وأن يكون ليناً رقيقاً بالناس، ولايكون غليظ القلب، فينفر الناس منه، وغليظ القلب هنا تعني الغبي البليد، حيث أن كلمة القلب أينما وردت في التنزيل الحكيم لاتعني إطلاقاً العضلة القلبية التي تضخ الدم، وإنما هي تعبر عن الدماغ بوصفه أنبل عضو في الجسم ولكونه موجوداً في صدر الإنسان وهو مقدمة الجمجمة خلف الجبين مباشرة بدليل قوله تعالى {فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} الحج 46.

ب – الإكراه:

أهم وأخطر منطقة محظورة حمراء يصل إليها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. فبوجود الإكراه لاصحة لإيمان ولااعتبار لكفر بدلالة قوله تعالى: {من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} النحل 106. والكاف والراء والهاء (ك ر هـ) أصل صحيح في اللسان ومفردة قرآنية وردت مشتقاتها في أربعين موضعاً من التنزيل الحكيم، أولها في قوله تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} البقرة 216، وآخرها في قوله تعالى {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} الصف 9. والكره هو النفور والمشقة ومن هنا أخذت الحرب اسمها.

وبمعنى النفور جاء قوله تعالى على لسان نوح لقومه: {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيّنَةٍ مِنْ رَبّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} هود 28. وبمعنى المشقة جاء قوله تعالى {ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً} الأحقاف 15.

أما الإكراه فهو الإجبار والإرغام، وإذا تأملنا آية هود 28 نتج لدينا معنى جديد للإكراه هو الإلزام على مضض. والإكراه مسألة ليست فقط لاوجود لها في التنزيل الحكيم ولا في السلوك النبوي ولاعند كل عاقل يؤمن بيوم الحساب، بل هي مسألة ورد النهي عنها في عشرات الآيات المحكمات بلفظ صريح واضح لايقبل التأويل، على رأسها قوله تعالى {لاإكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} البقرة 256، وقوله تعالى {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} يونس 99. وورد النهي عنها في عشرات الأحاديث النبوية – إن صحت – وعلى رأسها قول النبي (ص) كما رواه ابن ماجه في سننه والحاكم في مستدركه وابن حيان في صحيحه (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) أ هـ (6).

فإن كانت عقود البيع والشراء في الأسواق التجارية باطلة مع الإكراه، وإذا كانت بيعة الأمير الحاكم باطلة مع الإجبار، وإن كانت عقود النكاح باطلة مع الإرغام والقسر، وإن كان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله باطلاً إن لم يصدر عن قناعة طوعية ورضى، فكيف يصح أمر بالمعروف مع العصا ونهى عن المنكر مع السوط؟

3 – نقف عند قوله تعالى {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ} آل عمران 104، وقوله تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} آل عمران 110، وقوله تعالى عن أهل الكتاب {يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} آل عمران 114. ونلاحظ في الآيات الثلاث أمرين: الأول أن عمل الخير والدعوة له مرة يسبق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (آل عمران 104) ومرة يأتي بعده (آل عمران 114). الثاني أن الإيمان بالله مرة يسبق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (آل عمران 114) ومرة يأتي بعده (آل عمران 110).

آ – يدعون إلى الخير – يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (104).

ب – كنتم خير أمة – تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر – وتؤمنون بالله (110).

ج – يؤمنون بالله – يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر – ويسارعون في الخيرات (114).

والعجيب أن الأمرين لم يستوقفا مفسراً مثل الإمام الطبرسي في جامع البيان، بينما وقف الرازي في تفسيره الكبير عند الأمر الثاني فقط وقفة فلسفية حاول فيها أن يشرح وهو يفسر آية آل عمران 110، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو العامل المؤثر في حصول هذه الخيرية، وأن الإيمان شرط لحصول هذا التأثير، ولهذا السبب قدم الله تعالى ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ذكر الإيمان (انظر تفسير الرازي ج 8 ص 158). وهذا عندنا هراء فلسفي لايحتاجه قارئ التنزيل الحكيم ليفهم أن الأولوية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حين يكون المقصود مؤمناً بالله كما في الآيتين 104 و110، وأن الأولوية للإيمان بالله حين يكون الحديث عن مشركين يعبدون العزير والمسيح والأصنام والأحبار، وليفهم أن الآيات الثلاث تضع أمامه أربعة أمور يجمع بينها قاسم مشترك واحد هو وجوب خلوها من الإكراه هي:

1. عمل الخير والدعوة إليه.

2. الأمر بالمعروف.

3. النهي عن المنكر.

4. الإيمان بالله.

وليفهم أخيراً أن الأمر بالمعروف شيء والنهي عن المنكر شيء ثانٍ وعمل الخير والدعوة إليه شيء ثالث والإيمان بالله والدعوة إلى التوحيد شيء رابع، بدلالة واو العطف التي لاتعطف إلا المتغايرات.

4 – نقف عند قوله تعالى {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ} التوبة 71، وقوله تعالى {التّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ} التوبة 112. وقوله تعالى {الّذِينَ إِنْ مَكّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصّلَاةَ وَآتَوْا الزّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ} الحج 41.

ومرة أخرى نجد أنفسنا أمام ثلاث آيات تعدد جملة أشياء متغايرة تفصل بينها واو العطف هي:

1. الإيمان بالله.

2. الأمر بالمعروف.

3. النهي عن المنكر

4. إقامة الصلاة

5. إيتاء الزكاة

6. طاعة الله ورسوله فيما أمرا به ونهيا عنه

7. حفظ حدود الله

ومرة أخرى نلاحظ أن أداء الشعائر من صلاة وزكاة مرة يسبق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما في آية الحج 41 ومرة يأتي بعدهما كما في آية التوبة 71، لنفهم أن واو العطف تفيد التغاير لكنها لاتفيد الترتيب، ولنفهم أن بعض هذه الأشياء يمارس على الصعيد الفردي، كالإيمان بالله وإقامة الصلاة وطاعة الله ورسوله، وبعضها يمارس على صعيد الفرد والمجتمع، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإيتاء الزكاة وحفظ حدود الله، التي إن مورست على الصعيد الاجتماعي احتاجت إلى تنظيم وإشراف ومراقبة، لكنها جميعاً خالية من الإكراه بعيدة عن القهر والإجبار والإرغام.

5 – كان لابد للهامانات من رجال الدين – من أجل إحكام فبضتهم على أعناق الناس في كل نواحي حياتهم العامة والخاصة – من ستار شرعي يخفون وراءه مزاعمهم في الوصاية على وجدان الناس وعقولهم، تارة تحت عنوان الحفاظ على الدين وتارة بحجة أنهم ورثة الأنبياء وتارة بأنهم أولياء الله(7)، تارة يحرفون الكلم عن مواضعه وتارة يحرفونه من بعض مواضعه، تماماً كما فعلوا حين قرؤوا قوله تعالى {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ} آل عمران 104، وحين قرؤوا قول النبي (ص) – إن صح – في حديث رواه مسلم في صحيحه وابن داود وابن ماجه في سننهما والإمام أحمد في مسنده، واللفظ لإبن داود، عن أبي سعيد الخدري قال: أخرج مروان المنبر في يوم عيد فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل فقال: يامروان خالفت السنة، أخرجت المنبر يوم عيد ولم يكن يخرج فيه وبدأت الخطبة قبل الصلاة. فقال أبو سعيد: من هذا؟ قالوا: فلان بن فلان، فقال: أما هذا فقد قضى ماعليه. سمعت رسول الله (ص) يقول: من رأى منكراً استطاع أن يغيره فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. أ هـ.

أما الآية فهي عندهم صك تعيين إلهي سمّاهم الله تعالى بموجبه أوصياء على دينه، وحراساً على جسور العلاقة بينه وبين عباده، وتراجمة لأوامره ونواهيه، ومفسرين لآياته وأحكامه. زاعمين أن (من) في كلمة (منكم) هي للتبعيض، وأنه تعالى يأمر “بعض¨ هذه الأمة بتولي مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنهم شخصياً هذا البعض المشار إليه في الآية. لكن “من¨ في هذه الآية بالذات للتبيين وليس للتبعيض، أي أنها كما في قولنا – مثلاً -: الأمير الفلاني جعل من بلاده دولة حضارية عظيمة. والمقصود أنه جعل بلاده كلها كذلك وليس بعضاً منها.

ثمة أمور تمنع أن تكون (من) للتبعيض. أولها، أن تخصيص البعض بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني سقوط ذلك عن البعض الآخر وهذا محال، لتعارضه عمودياً مع قوله تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} آل عمران 110، الثاني، أن اصطفاءهم دون باقي الخلق بهذا التكليف العظيم يعني تكريمهم وإعلاء مرتبتهم. ونحن نفهم أن يخص الله تعالى نبيه الكريم (ص) بالأمر بالمعروف وفقاًَ لقوله تعالى {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} الأعراف 199، بعد أن أثبت عملياً على مدى أربعين عاماً أمضاها بين قومه وعشيرته أنه صادق وأمين وآمرٌ بالمعروف وناهٍ عن المنكر، ونفهم أن هذا التكريم الإلهي للنبي الكريم (ص) جاء مطابقاً لمعيار قوله تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} الحجرات 13، لكننا لانفهم مطلقاً كيف يكرم الله أفراداً يعينهم من الأمة ويصطفيهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل أن يولدوا؟ ولانفهم أبداً لماذا يكلفهم بهذه المهمة الخطيرة يتوارثونها أباً عن جد دون أن يثبتوا عملياً أهليتهم لها كما لو كانوا شعباً مختاراً آخر فضّله الله تكوينياً عن باقي الخلق؟

وأما الحديث النبوي فهو عندهم سنة نبوية واجبة الإتباع سواء اتفقت مع نصوص التنزيل الحكيم أم لم تتفق، انطلاقاً من قاعدة خطيرة أحدثوها وفرضوها على الناس بالقوة تقول: السنة ناسخة للقرآن فإن كان ذلك كذلك – بينما هو ليس كذلك قطعاً – بحديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود يحكي عن مخالفة مروان بن الحكم للسنة النبوية حين بدأ بالخطبة قبل الصلاة، فلماذا يأخذ علماؤنا الأفاضل اليوم بالسنة المروانية، ويصرون في كل مساجد العالم الإسلامي على جعل الخطبة قبل الصلاة، ويتركون السنة النبوية؟

وحديث الخدري عندهم حجة في البدء بالعنف والبطش أثناء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعتبرون أن تغيير المنكر باللسان والقلب من صفات ذوي الإيمان الضعيف، وهذا يتعارض عمودياً مع التدرج من اليسر إلى العسر ومن الألطف إلى الأغلظ في قوله تعالى {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} النساء 34. والحديث عندهم حجة أيضاً في جعل العنف لتغيير المنكر سياسة عند الدولة على مستوى المجتمع، بينما هذا الحديث – إن صح – يحكم السلوك على مستوى الأفراد، فالنبي (ص) أعقل من أن يفتح باب تغيير المنكر عند الجماعة للأفراد وإلا تحول المجتمع إلى غابة تتنازع فيها الأيدي بالعنف والبطش بحجة تغيير المنكر.

6 – لقد وضع فقهاء السلاطين في العصرين الأموي والعباسي تفسيراً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقوم على القهر والإكراه خلافاً لنصوص التنزيل الحكيم والسيرة النبوية النابعة أساساً من كتاب الله تعالى، واستطاعوا تصفية خصوم الدولة تحت هذا الشعار بالقتل تارة، كما في خبر خالد بن عبد الله القسري مع الجعد بن درهم، وبالنفي تارة، كما في خبر نفي عثمان بن عفان لأبي ذر الغفاري، وبالسجن تارة، كما في خبر سجن ابن تيمية في قلعة دمشق، وبالتخويف والترهيب، كما في خبر الإمام البخاري وهروبه من سمرقند.

ثم خلف بعدهم خلف من المقلدين اعتبروا ماقاله التابعون مقدساً، ورسخوا مافسره أئمتهم المعصومون، فأنشئت المحاكم للمارقين والزنادقة والخوارج وصدرت الأحكام وصودرت الأموال وسُبيت الأعراض بتهم صورية ملفقة مضحكة(8) أما التهمة الحقيقية النائمة خلف السطور فهي عصيان الفراعين ورفض الانصياع لوصاية الهامانات، ومازال علماؤنا الأفاضل إلى اليوم يحكمون بسيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويتفننون في كمّ الأفواه وتعطيل العقول، إلا أن هذا السيف ذو حدين. فالجماعات المسلحة ذات الأهداف الانقلابية على الحكم في بلادها تضرب بالسيف ذاته، وتنطلق من المرجعية ذاتها، وتحاول أن تغير بالعنف ما يأتيه حكامها من منكرات حسبما تعتقد، فتارة تمارس القتل تحت شعار الردة، وتارة تحت شعار النهي عن المنكر. ثم تجاوزت حتى صارت تعتدي على الناس وشكلت عصابات مافيا جديدة تحت شعارات دينية.

7 – قد يسأل سائل: فكيف يجب – حسب رأيك – أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ أقول: المسألة ليست مسألة رأي بقدر ماهي مسألة تكليف إلهي لم يحدد الله سبحانه آليات ممارسته بل تركها للأعراف السائدة من جانب وللذوق العام من جانب آخر، ضمن إطار التعارف والتعايش المشترك بين أفراد المجتمع، إلا أنه اشترط لممارسة هذا التكليف شروطاً أهمها البعد عن القمع والإكراه. فهناك من يسوق الناس بالعصا إلى الصلاة، وهناك من يرغم النساء بالعنف على لبس حجاب شرعي تتفاوت مواصفاته بين أفغانستان واليمن وسوريا والمملكة العربية السعودية. وهذا عندنا لا من الأمر بالمعروف ولا من النهي عن المنكر ولا من فعل الخيرات.

وبما أن العالم أصبح قرية صغيرة فنرى أن أحسن وسيلة توصل إليها الإنسان من خلال مسيرته التاريخية الطويلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى اليوم هي:

آ – حرية الكلمة والنشر وحرية الضمير والتعبير عن الرأي بدون خوف.

ب – منظمات المجتمع الأهلي مثل جمعية الحفاظ على البيئة وحماية المستهلك وجمعيات حقوق الإنسان وجمعيات الرفق بالحيوان، كلها تعتبر جمعيات طوعية لامجال فيها للإكراه. وينطبق هذا الكلام على النقابات المهنية.

ج – على المستوى السياسي، حيث توصلت إليه عدد لابأس به من الدول هو وجود المعارضة حيث الدولة هي المؤسسة القابلة للفساد لأن بيدها المال والسلطة والسلاح وتنفيذ القرارات الاقتصادية، فمهمة المعارضة هي النهي عن المنكر (وهو هنا الكشف وإظهار الفساد والأخطاء في تنفيذ البرامج والأخطاء في السياسات المتبعة) والأمر بالمعروف حيث يتم إصلاح هذا كله سلماً بدون إكراه، حيث الدولة في هذه المجتمعات دولة ضبط، لا دولة قمع.

د – في هذه المجتمعات يتنازل الإنسان عن جزء من حريته الفردية والاجتماعية للسلطة مقابل عقد اجتماعي بينه وبينها في طاعة القوانين النافذة. وهنا يجب أن نميز بين مفهوم القانون (الحدود) ومفهوم السلطة. فهناك حدود الله ولكن لا يوجد شيء اسمه سلطة الله. فالسلطة للناس يمنحونها لبعضهم ضمن عقد اجتماعي فقط. لذا فإن شعار حاكمية الله هو شعار وهمي طوباوي ولا يعني شيئاً ولا يولد إلا الإكراه والعنف.

هـ – بما أن الإسلام يتألف من ثلاث شعب: الشعائر والحدود والشرائع، لذا فعلى كل حزب سياسي أن يبتعد عن تسمية (إسلامي) لأن الإسلام دين حنيف، وعليه أن يقدم برنامجه مباشرة بدون شعار (الإسلام هو الحل) وحل مشاكل الناس الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بأيدي الناس أنفسهم، وإن إقامة الصلاة والحج وصوم رمضان لا علاقة لها بحل مشاكل الدولة والمجتمع، لذا فإن من يطرح شعار (حاكمية الله – الإسلام هو الحل) هو في ضلال مبين ولايخدع إلا نفسه أولاً ثم الناس. وإن المثل العليا هي مثل إنسانية وليست وقفاً على أتباع محمد (ص) وهي مع الإيمان بالله واليوم الآخر غير قابلة للتصويت عليها.

و – وبما أن المجتمعات العربية مازالت إلى اليوم مجتمعات قبلية وطائفية أو الاثنتين معاً، لذا فإن الأحزاب السياسية فيها إما قبلية عشائرية طائفية في البلد الواحد، أو طائفية في بلد آخر، أو عشائرية ضمن الطائفة الواحدة، لذا فإن مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المستوى السياسي في هذه المجتمعات – وإن أخذ شكل الأحزاب السياسية كواجهة – ولكنه ضمناً أو علناً هو طائفي أو عشائري أو الاثنين معاً حتى ولو أخذ الشكل الديني. فالإخوان المسلمون وتنظيم القاعدة وحماس هم وقفٌ على السنة، وحزب الله هو وقفٌ على الشيعة، وكلهم يغرفون من نفس القصعة حتى ولو أخذ الحزب الشكل العلماني كاسم فإنه يبقى بتشكيلة طائفية عشائرية لأنها كلها وريثة عصور الإقصاء السياسي الذي بدأ منذ وفاة الرسول (ص) وقبل أن يدفن، واستمرت حتى يومنا هذا. فالإسلام السياسي لا يستطيع أن يتعايش مع أحد، وسينتج لنا إما أمير المؤمنين أو المرشد الأعلى أو المرشد العام، وهذه الألقاب بحد ذاتها إقصائية.

لذا، وللحفاظ على الإسلام كدين عالمي صالح للصين وموناكو معاً، علينا أن نعزل السياسة عنه، أقول السياسة، ولا أقول المجتمع، لأن عزل الإسلام عن أي مجتمع ضرب من ضروب المستحيل.

الفصل الخامس: الولاء والبراء

في عالمنا الإسلامي اليوم، ترتفع شعارات وتسود مقولات وتشيع مفردات ومصطلحات، يختلط فيها القومي بالعرقي. والسياسي بالعقائدي والفكري بالسلوكي، وتتداخل فيها حدود الانتماء الديني والمذهبي والقومي مع الانتماء السياسي الملكي والجمهوري والدستوري، وتضيع في ظل هذا التداخل وذلك الاختلاط الفوارق بين القوم والأمة والقبيلة والشعب والوطن. ولعل أبرز صورتين معاصرتين لهذا الضياع هما: عبارة سعد زغلول في مصر “الدين لله والوطن للجميع¨، وشعار زكي الأرسوزي منظر القومية: “أمة عربية واحدة¨ ففي الأولى وضع المواطنة قبل الدين بالنسبة للحياة العامة، والثانية تخلط بين الأمة والقوم فهناك قومية عربية أو تركية أو فارسية، وهناك أمة محمدية أو أتاتوركية أو ماركسية. فالقومية لسان والأمة سلوك وعقيدة.

هذه الشعارات والمقولات والمصطلحات ليست جديدة وضعها الفكر المعاصر كلها لأول مرة، فمعظمها نجده في كتب التراث، وبعضها نجد أصلاً له في التنزيل الحكيم جرى توظيفه بعد ليّه لمقاصد سلطوية سياسية حيناً، أو لأهداف مذهبية وقومية وعرقية حيناً آخر.

قلة من الذين كتبوا في الفكر الإسلامي، ونقدوا العقل العربي والإسلامي، تعرضوا لهذه الشعارات والمقولات والمفردات بالدراسة والتحليل. منهم من أعرض عنها ترفعاً فجاءت كتبه لصفوة أكاديمية منتقاة تسكن في أبراج بعيدة عن الواقع المعاش عند باقي الناس في الحارات، ومنهم من تجاهلها تقية خوفاً من سياط النقد، أو من قرارات المنع في هذا البلد أو ذاك، أو من تكفير أصحاب المنابر له على منابرهم، ناهيك عن سيل من كتب تطوير الخطاب الديني وتجديد الفقه الإسلامي وندوات تقريب المذاهب والأديان رأيناها تغرق عالمنا العربي الإسلامي في مشرقه ومغربه بعد أحداث 11 أيلول، يحاول أصحابها “تلميع¨ صورتهم أمام الحضارة والديموقراطية في عواصم الغرب، واضعين القواعد والأسس للخطاب معهم وكأن العرب من أبناء الأمة الإسلامية لايحتاج خطاب بعضهم بعضاً لأي تطوير، يمارسون بكل صفاقة أبشع أنواع تحريف الكلم عن مواضعه، وتحريف الكلم من بعد مواضعه، وتسمية الأشياء بغير أسمائها، كالوسطية والتحريف والتجديف والإفراط والتفريط، وصياغة العبارات بدقة مدهشة بشكل تحمل معنى الشيء وضده في آن معاً.

يقول أحدهم في كتاب له عن تجديد الفقه الإسلامي تحت عنوان التشريع والعقل: “أما في الإسلام فلا يعد العقل مصدراً من مصادر الفقه..¨. وهذا لعب مفضوح على الألفاظ مدروس بعناية. صحيح بديهةً أن الله هو الذي صاغ تنزيله الحكيم كمصدر للمعرفة وللتشريع، صياغة ليس فيها دور إنشائي للعقل الإنساني، لكن العقل الإنساني هو المصدر الوحيد لفقه وفهم هذا التنزيل. والكاتب في حقيقة الأمر لايهمه التشريع ولا العقل ولا التنزيل، مايهمه هو ألا يُتهم بالاعتزال.

كان لابد من هذه المقدمة قبل أن نبدأ الكلام عن الولاء والبراء، أحد تلك الشعارات. ويبقى أن نوضح أن الموضوع شائك ومعقد وحساس لايكفي قول في سطور للإحاطة به، كتب فيه عديد من أنصاره سنحاول هنا ألا نكون منهم، رغم مانقتبسه أحياناً من كتبهم، وكتب فيه عديد من خصومه سنحاول هنا ألا نقلدهم رغم ماقد نستعين به أحياناً من عباراتهم. ولانزعم أننا وفيناه حقه من جميع جوانبه فذلك يحتاج في رأينا إلى أكثر من بضعة سطور، يعمل عليه فريق من المختصين بجملة علوم أبرزها: التاريخ واللغة وعلم الاجتماع والفقه والتفسير. لكن إشعال شمعة واحدة يبقى أنفع من لعن العتمة، وكتابة صفحة واحدة نسمي فيها الأشياء بأسمائها أجدى من مجلدات تغرق في التورية وتحكمها الكنايات والتشابيه.

الولاء:

الواو واللام والياء أصل صحيح في اللسان العربي ومفردة قرآنية من الأضداد وردت مشتقاتها في 217 موضعاً من التنزيل الحكيم أولها في قوله تعالى {ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين} البقرة 64. وآخرها في قوله تعالى {أرأيت إن كذب وتولى} العلق 13. ومنه الولي والمولى والولاية والتولي والموالاة. وفي كل هذه المواضع لاتخرج عن أحد معنيين: الإقبال بالإتباع، والترك بالإعراض. أما في الأول فيقول تعالى:

·         {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} المائدة 56.

·         {ولكل وجهة هو مولّيها..} البقرة 148.

·         {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله..} البقرة 115.

وأما في الثاني فيقول تعالى:

·         {سيقول السفهاء من الناس ماولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها..} البقرة 142.

·         {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفورا} الإسراء 46.

·         {فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} آل عمران 64.

والولي والمولى هو السيد المُتَبَعُ، وهو التابع المطيع الموافق لأوامر ونواهي سيده. أما في الأول فيقول تعالى:

·         {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} البقرة 257.

·         {ومالكم من دون الله من أولياء ثم لاتنصرون} هود 113.

·         {إن وليي الله الذي نزل اكتاب وهو يتولى الصالحين} الأعراف 196.

وأما في الثاني فيقول تعالى:

·         {ألا إن أولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون} يونس 62.

·         {ياأبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا} مريم 45.

·         {وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض} الأنعام 128.

تلك هي الحدود اللغوية للولاء، سواء في الجانب الشكلي بالاشتقاق أم في جانب المضمون بالدلالة والمعنى. لكن هذا الولاء أخذ عند البعض معنى اصطلاحياً، تحول معه من مفردة عربية قرآنية إلى مصطلح فقهي. وتواكب هذا التحول مع تحولات في الدلالة والمعنى لمصطلحات أخرى مثل: “العلماء¨ و”الأولياء¨ و”أولي الأمر¨ و”الحرابة¨ و”الردة¨ و”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر¨ متأثرة حيناً ومؤثرة حيناً آخر بولادة معان جديدة لم تكن موجودة قبلاً مثل: “الفقه¨ و”العصمة¨ و”التقية¨، حتى ليصعب – إن لم نقل يستحيل – الجزم تحديداً بمعيار التراتبية التاريخية أيها كان البيضة وأيها صار الدجاجة.

قلنا أن الولاء من ألفاظ الأضداد في اللسان، فهو إما إقبال وإتباع أو ترك وإعراض، ولابد كي نفهم معنى الولاء في وجهيه من أن نجيب على أسئلة هامة مثل: إتباع ماذا؟ وترك ماذا؟ وهل الولاء – إتباعاً وتركاً – موقف فكري نظري؟ أم هو موقف سلوكي عملي؟ وهل هو فردي أم جماعاتي، أم هو للفرد والجماعة في آن معاً؟ وهل هو سلوك بمعنى أنه فعل وعمل، أم هو ناظم يحكم السلوك عند الفرد والجماعة؟ فإن كان بوصلة يهتدى بها، فهل هي من وضع الله تعالى أم من وضع الفقهاء الذين حولوا الولاء إلى مصطلح؟ وإن كان الولاء سلوكاً أو ناظم سلوك عند الجماعة، فهل هو كذلك على مستوى القوم والأمة والشعب والقبيلة؟ وهل يحكم الولاء التعارف الذي جعله الله هدفاً إلهياً في قوله تعالى {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} الحجرات 13؟ أم أن التعارف يحكم الولاء؟.

نستهل بالقول إن الولاء علاقة إنسانية اجتماعية، تبدأ عند الفرد فكراً نظرياً حين يقرر أن يتخذ لنفسه ولياً متّبَعَاً يقلده في كل مايفعل ويأتم به في كل مايعمل، وهذا معنى قوله تعالى {ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات..} البقرة 148، ثم تصبح سلوكاً عملياً يجسد ذلك الفكر النظري، فإن أصبح الولي المتبع واحداً عند جماعة من الناس وتوحدت عندهم الوجهة، حسب تعبير آية البقرة 148، وتجانس السلوك صار الولاء جماعاتياً وأصبح اسم هذه الجماعة في التنزيل الحكيم “أمة¨، يقول تعالى:

·         {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..} آل عمران 110، والواضح أن تجانس السلوك الذي جعل من المخاطبين بالآية أمة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله.

·         {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا..} يونس 19، والاختلاف هنا اختلاف تغاير في الفكر والسلوك، وليس اختلاف تنازع وتصادم.

·         {ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون..} القصص 23، والأمة في الآية هي مجموعة الرعاة الذين وحّد بينهم سلوك واحد هو السقاية.

·         {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم..} الأنعام 38.

·         {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والأنس..} الأعراف 38. والآيتان الأخيرتان تشيران إلى أن وحدة السلوك يمكن أن تجمع بين مجموعات من الإنس والجن والدواب والطيور فتكون كل مجموعة منها أمة.

·         {إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين * شاكراً لأنعمه وهداه إلى صراط مستقيم * وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين * ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وماكان من المشركين} النحل 120 – 123.

هذه الآيات الأربع ترسم لنا صورة إمام واجب الإتباع هو إبراهيم، له طريقة في السلوك تفرد بها، تجسدت في أربع مميزات: القنوت لله، والحنيفية عموماً، والحنيفية عن الشرك خصوصاً، والشكر لنعم الله، والاهتداء لصراطه المستقيم. ونزل الأمر الإلهي وحياً على قلب محمد (ص) بإتباعه في طريقته السلوكية. وإنما قلنا “إمام¨ بدلالة قوله تعالى {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً..} البقرة 124، وأما التفرد في السلوك ففي قوله تعالى: {كان أمة}، فالأمة كما تعني مجموعة أفراد جمعتهم وحدة سلوكية واعية، فإنها تعني النهج والمسار والطريقة بدلالة قوله تعالى {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} الزخرف 22. وأما قولنا “واجب الإتباع¨ فبدلالة قوله تعالى {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم}. ونلاحظ في الآيات أنه سبحانه ذكر محل الإتباع مرتين وحصره في الحنيفية وفي ترك الشرك، ليؤكد على أهمية تحديد موضع الولاء حين نلتزم به أو نلزم به الآخرين. وأمتنا الآن هي أقل الأمم حنيفية على سطح المعمورة وبالتالي فهي أقرب للشرك من بقية الأمم لأنه كلما زادت الحنيفية عند الإنسان بعد عن الشرك.

إن تحديد موضع الولاء ومحله للإجابة على سؤال مثل: الولاء في ماذا؟، هو الأساس في فهم قوله تعالى {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} المائدة 55. والآية تقرر أمراً بصيغة الإخبار يطلب من المخاطبين الولاء لله بطاعته وإتباع مايدعوهم إليه وترك ماينهاهم عنه، والولاء لرسوله بالتصديق والتأسي به كما تأسّى هو بإبراهيم (ع)، وطاعة مايأتيه من ربه، ثم يطلب منهم الولاء بالإتباع والتأييد والمؤازرة لفئة هي فئة الذين آمنوا تتميز بسلوكيات ثلاثة: الإيمان بالله قانتين راكعين، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. ونلاحظ أن الطاعة دخلت في مفهوم الولاء بوجهيه، أي الطاعة في الإقبال والإتباع والطاعة في الإعراض والترك، وذلك بدلالة قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} النساء 59. وانظر في هذه المقارنة بين آيتي المائدة 55 والنساء 59:

المائدة 55: {وليكم الله ورسوله والذين آمنوا}.

النساء 59: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر}.

والمتأمل في هذه المقارنة يرى بكل وضوح أن أولي الأمر هم ذاتهم الذين آمنوا، والذين أمرنا تعالى بتوليهم وإتباعهم في الإيمان وفي إقامة الصلاة وفي إيتاء الزكاة، هكذا نفهم {ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم} لأن الشعائر عندهم تختلف عن شعائر الذين آمنوا. وأن الذين نتولاهم لا علاقة لهم مطلقاً بالحكام من أمراء وسلاطين ولا بأهل الحل والعقد. إنه معنى جديد لأولي الأمر اصطلح عليه الفقهاء، خدمة لسلاطينهم، يمنحونهم به غطاءً شرعياً يضمن حكمهم الفردي واستبدادهم السياسي حتى إن كانوا غاصبين. وهذا نموذج من نماذج المفردات التي تحولت إلى مصطلحات في عملية تحريف من نوع خاص أشار إليها تعالى بقوله {..ومن الذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه}. المائدة 41. وهذا هو تحريف الدلالة بتبديل المعنى مع الإبقاء على المفردة كما هي لفظاً وحروفاً. أما إن استهدف التبديل الألفاظ ذاتها طبقاً لقوله تعالى {فمن بدله من بعد ماسمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه..} البقرة 187، فهذا تحريف من نوع آخر أشار إليه تعالى بقوله {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه} المائدة 13. هكذا يتضح الفرق بين تحريف الكلام عن مواضعه وتحريف الكلام من بعد مواضعه.

قلنا في تعريف الولاء إنه “علاقة إنسانية اجتماعية¨. فأما قولنا “اجتماعية¨ فيعني أن الإنسان المنفرد في جزيرة معزولة لايحتاج إلى الولاء، إذ لابد فيه من ولي ومولى. فإن صاح بنا مستنكر من أنصاف المثقفين – وهم كثر – إن ولاية الله تنسحب حتى على المنفردين بأنفسهم في الصوامع والسراديب باعتباره خالقهم. قلنا: أولاً تلك علاقة أخرى بين المخلوق وخالقه لاينكرها إلا المجرمون. ثانياً، هذا خلط خطير في أسماء الله الحسنى، شاع في أوساط عوام الأمة الإسلامية، حتى صاروا يسمون أبناءهم: عبد الدائم، وعبد الموجود، وعبد المولى، وغيرها من صفات وصف تعالى بها نفسه في التنزيل الحكيم لكنها ليست من الأسماء الحسنى التي من بينها “الخالق¨. ثالثاً، حين يسمي سبحانه نفسه بالولي والمولى فهو يخص بولايته صراحة الذين آمنوا به من جانب ويحدد محل هذه الولاية ومجالها من جانب آخر. وهذان الجانبان يبدوان واضحين في قوله تعالى {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات..} البقرة 257. أما الخالق، فهو ولي كل الناس بالخلق مؤمنهم وكافرهم.

وأما قولنا “إنسانية¨، فيعني أنها علاقة عقلانية، إن غاب عنها الجانب العقلي تحولت إلى تقليد غريزي غير واعٍ، عادت معه الجماعات الإنسانية لتصبح أسراب طيور تتبع إمامها أينما ذهب، وقطيع بقر يلحق قائده كيفما توجه. ومن هنا تأتي ضرورة تحديد محل الولاء ومجاله في الإجابة على سؤال مثل: الولاء بماذا؟

كان يمكن أن يكفي ماقلناه. لو أن المجموعات الإنسانية أمم فقط، لكنها ليست كذلك. فالله تعالى يعلّمنا في آية الحجرات 13 أنه خلق الناس من ذكر وأنثى، ثم جعلهم شعوباً وقبائل، ليحققوا هدفاً إلهياً وحيداً لهذا الجعل وذلك الخلق هو التعارف. وإذا كانت الأمة – كما عرّفناها استنباطاً من آيات القرآن الكريم – جماعة من الخلق تجمع بينها وحدة سلوك، فإن القبيلة والقوم والشعب تعريفات أخرى قد تشترك في وجوه لكنها تتمايز في وجوه وتتباين في وجوه، فتتغير – في ضوء هذا التباين وذلك التمايز – صورة الولاء ومحله.

الولاء بوجهيه إقبالاً وإتباعاً أو تركاً وإعراضاً سلوك فطري قديم لدى الإنسان، رافقه منذ كان بشراً في المملكة الحيوانية قبل الأنسنة وقبل أن ينفخ الله فيه من روحه ويجعله خليفة له في الأرض. ثم بدأ هذا الولاء الفطري يأخذ أشكالاً جديدة مع ارتقاء الإنسان ككائن اجتماعي، فكان الولاء الأسري، ثم الولاء العشائري، ثم الولاء القبلي، تواكب معها ولاء عقائدي مكتسب سار في خط متوازٍ مع ذلك الولاء الفطري الأصل بكل أشكاله مستقلاً عنه، قد يتوافق معه حيناً، وقد يحتك به حيناً، لكنهما أبداً لايلغي أحدهما الآخر. وأوضح الشواهد على ذلك مانجده في عدة مواضع في التنزيل الحكيم. الأول قوله تعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين} الشعراء 214. والثاني في قوله تعالى يصف آخر أيام هذا الكون {يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه} عبس 34 – 36. والثالث في قوله تعالى {وماكان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه..} التوبة 114، والرابع في قوله تعالى {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين} البقرة 124. والخامس في قوله تعالى على لسان نوح {فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين} هود 45. ونقف عند كل من هذه المواضع بالتحليل بعيداً عن التفاسير التراثية التي لم نجد فيها أحداً اهتم بما يهمنا نحن اليوم.

أما الأول، فنحن أمام أمر موحى من الله لنبيه الكريم (ص) يرسم فيه سلماً للأولويات يتساوق مع فطرته البشرية في دعوته إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، تأتي على الدرجة الأولى منه العشيرة الأقرب التي تضم الوالدين والأخوة والأخوات والزوجة والأولاد ذكوراً وإناثاً والأعمام والأخوال والعمات والخالات وأولادهم ذكوراً وإناثاً، كما سنراه في الفقرة التالية.

وأما الثاني، فنحن أمام أهوال يوم عظيم هو يوم الحشر، تذهل منها كل مرضعة عما أرضعت، وينسى المرء معها كل ولاء أسري وعشائري، وينشغل بنفسه عن عشيرته الأقربين الذين تذكرهم الآيات في هذا الموضع تفصيلاً بعد أن ذكرتهم إجمالاً في الموضع السابق. هذه العشيرة الأقرب بأفرادها المذكورين آنفاً أطلق عليها سبحانه في موضع آخر من التنزيل الحكيم اسم الفصيلة التي يدين لها المرء بالولاء لما تقدمه له من الحماية والعون والأمان، وذلك في قوله تعالى {..يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته التي تؤويه} المعارج 11 – 13. ونفهم أن الولاء الأسري والعشائري هو أقوى أنواع الولاء بدليل أنه تعالى ذكره في معرض تصوير أهوال الساعة.

وأما الثالث، ففيه إشارة إلى بر الوالدين من جانب، ومع إبراهيم (ع) إلى الإستغفار لمربيه آزر غافلاً عن أن مغفرة الله محجوبة عمن يشرك به، وفيه بيان من جانب آخر لما يجب أن يكون عليه موقف الداعية إلى الإيمان بالله تجاه أفراد عشيرته الأقربين الذين يرفضون هذه الدعوة ويحاربونها، هذا البيان يأتي واضحاً في تتمة آية التوبة 114 بقوله تعالى {..فلما تبين له أنه عدو تبرأ منه..} إنه موقف البراءة من أعداء الله ومحاربيه. لكنها براءة رحيمة لاقسوة فيها، رقيقة لاغلظة معها، ودودة تحافظ على العلاقات الفطرية فلا تقطعها. وهذا مانفهمه من خاتمة آية التوبة 114 حيث يقول تعالى {إن إبراهيم لأواه حليم} كما نفهمه من قوله تعالى {وإن جاهداك على أن تشرك بي ماليس له به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} لقمان 15. مصداقاً لهذا المعنى، نقرأ في السيرة النبوية أنه (ص) كان يتغير وجهه كلما قرأ أو سمع سورة المسد التي نزلت بحق عمه أبي لهب.

أما الرابع، ففيه امتداد لسابقه، وانتقال بمستوى ولاء الأسرة والعشيرة من الأصول إلى الفروع. وإبراهيم بحكم هذا الولاء الفطري يريد لذريته أن يكونوا أئمة، وأن ينسحب عليهم ماخصه تعالى به، لولا أن لله قراراً حاسماً آخر يتجلى واضحاً في خاتمة الآية بقوله تعالى {..ولاينال عهدي الظالمين} ونفهم أن لإبن الملك أن يصير ملكاً، ولإبن الأمير أن يصبح أميراً، أما الإمامة فليست إرثاً يورث وليست امتيازاً ينتقل بالنسب.

وأما الخامس، ففيه ماليس في سابقيه وإن تشابهوا في الظاهر، من حيث أن إبراهيم طلب المغفرة لأبيه والإمامة لذريته، ونوح طلب النجاة لإبنه والدافع في هذا كله هو الولاء الأسري.

ونحن في خبر نوح وإبنه أمام عدد من الفروقات والاختلافات، أولها أن استغفار إبراهيم لأبيه جاء بناء على وعد قطعه إبراهيم على نفسه، نجده في قوله تعالى {قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا} مريم 47. أما الوعد الحق بنجاة ابن نوح فصادر عن الله سبحانه، ثانيها أن القصد الإلهي من خبر إبراهيم – كما أسلفنا – هو بيان أن الإمامة لاتنتقل بالنسب، أما القصد من خبر نوح فهو بيان أن النجاة من أمر الله لاتكون إلا بالعمل، وأن المعيار في فرز الناجين عن الهالكين ليس النسب بل هو العمل الصالح، وفيه أيضاً مصداقية لقوله تعالى {وأهلك إلا من سبق عليه القول} لأن احتمال أن ابن نوح من خيانة زوجته له. وهذا هو معنى قوله تعالى {قال يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} هود 46. ثالثها أن الغلو في الولاء الأسري والعشائري يحول الاعتزاز المحمود إلى عصبية متكبرة مغرورة ذميمة، وهذا معنى قوله تعالى لنوح {..إني أعظك أن تكون من الجاهلين} هود 46.

نصل الآن في ضوء كل ماذكرناه إلى أن الأسرة مجموعة من الأفراد تنتمي إلى أب والد واحد، وأن العشيرة مجموعة من الأسر تنتمي إلى جد واحد، وأن القبيلة مجموعة من العشائر هي البطون والأفخاذ تنتمي إلى جد واحد، وأن الولاء فيها جميعاً ولاء فطري يتموضع حول محاور الأعراف السائدة والتقاليد الموروثة، وأن الرسالات السماوية بدءاً من نوح (ع) وانتهاء بمحمد (ص) ومروراً بإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والمرسلين، إنما نزلت عموماً لتهذيب هذا الولاء وضبطه ضمن إطار من التعارف والتواصل والعيش المشترك، وفي جو من التعاون على البر والتقوى، وهذا ما أشار إليه تعالى بقوله {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} الحجرات 13. ومرة أخرى تحمل خاتمة الآية ذات المعيار الذي حملته آية هود 46 في فرز المتقين وتكريمهم ونعني به العمل. وأن الرسالات السماوية نزلت خصوصاً لإحلال ولاء جديد على رأس سلم الولاءات هو الولاء الفكري العقائدي. وهذا ما نجده واضحاً في قوله تعالى {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} التوبة 24.

وآية الحجرات 13 لا تقتصر على بيان معيار العمل في فرز الخلق إلى صالح وطالح، وفائز وخاسر، ومكرم وغير مكرم، بل تضيف شكلاً جديداً للتجمعات الإنسانية من أسرة وعشيرة وقبيلة هو الشعب. والشّعب (بفتح الشين) مفرد جمعه شعوب ورد مرة واحدة في هذه الآية المدنية من التنزيل الحكيم، ويعني التجمع والالتئام. قال الطرمّاح:

شتّ شعبُ الحي بعد التئام

وشجاكَ اليومَ ربعُ المقام

أما الشّعب (بكسر الشين) فمفرد جمعه شعاب وشُعب ورد أيضاً مرة واحدة في التنزيل الحكيم بقوله تعالى {انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شُعب} المرسلات 30، ويعني التفرق والانقسام. ونقول: شَعَبَ الشعّاب القِداحَ أي: فرّقها، وشعب الرجل أمره أي: جمعه (أنظر أساس البلاغة للزمخشري) والشّعبُ: جماعة من الناس تخضع لنظام اجتماعي واحد. وقيل: أكبر الجماعات الشعب ثم القبيلة ثم الفصيلة (أي العشيرة كما أسلفنا) ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ (أنظر المعجم المدرسي نقلاً عن اللسان).

أما القوم، فهو تجمع إنساني شأن العشيرة والقبيلة، يربط بين أفراده رباط اللغة الواحدة واللسان الواحد، وتجمعهم بالتالي طريقة واحدة في التفكير وأسلوب واحد في التعبير. وهو ما أشار إليه تعالى بقوله {وماأرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم..} إبراهيم 4. وإذا كان الولاء عند الأسرة والعشيرة والقبيلة ولاء نسب هو أقرب مايكون إلى الولاء العرقي، فإن الولاء القومي ولاء لغة ولسان، قد يترافق مع الولاء الأسري والعشائري والقبلي وقد لايتوافق. بمعنى أن القوم الذين تجمعهم وحدة اللسان قد يكونون من أب أو جدّ واحد كالأسباط في قوم موسى وقد لايكونون كذلك.

قلنا أن الولاء مفردة قرآنية من الأضداد له معنيان: الإقبال والإتباع والترك والإعراض، وشرحنا ذلك بالأمثلة والشواهد. وقلنا إنه سلوك إنساني اجتماعي وموقف فكري يختاره صاحبه إقبالاً أو إعراضاً، وشرحنا ذلك بالأمثلة والشواهد. وقلنا أن له صوراً شتى يتجسد فيها كالولاء الأممي الذي تحكمه وحدة السلوك، والولاء الأسري العشائري الذي تحكمه وحدة النظام الاجتماعي. وقلنا إن الرسالات السماوية وخاتمها الإسلام جاءت لتضيف ولاءً جديداً يتجاوز الولاء الأسري والشعائري والقبلي. وقلنا إن هذه الولاءات المتعددة في صورها لاتتصادم ولايلغي أحدها الآخر. لابل إننا نجد الولاء العقائدي ينبع أحياناً من الولاء الأسري والعشائري، مثال ذلك إيمان حمزة بن عبد المطلب عم النبي (ص) الذي جاء نتيجة لولاء أسري صرف نلمحه في خبره مع أبي جهل، ونجد أن الولاء الأخلاقي (كالصدق والوفاء والكرم والإيثار وغيرها من مكارم الأخلاق) قد يقوى ليطغى على الولاء العقائدي مثال ذلك خبر عبد الله بن أريقط مع النبي (ص) وصاحبه أبي بكر يوم الهجرة، وخبر الحاطب بن أبي بلتعة مع الرسول ومع قومه في فتح مكة.

ونفهم في ضوء ذلك كله أموراً: أولها: أن هذه الولاءات على تعددها اختيارية تقبل الجمع بعضها مع بعض، لا إكراه فيها ولا قهر، تختلف أولوياتها من إنسان إلى آخر. ثانيها: أن النبي الكريم عشيرته الصغرى بنو عبد المطلب، وعشيرته الكبرى بنو هاشم، وقبيلته قريش، وقومه العرب، وشعبه هم أهل المدينة المنورة من مؤمنين ويهود عندما هاجر إليها وأسس دولته، وأمته هم كل من آمن بنبوته وصدّقه برسالته، ثالثها: أن قوله تعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين} الشعراء 214، نزل في مكة إيذاناً ببدء منطقي للدعوة التي ستتسع فيما بعد لتشمل القوم، ثم ستتسع مرة أخرى لتشمل الإنسان حيثما كان بغض النظر عن لونه وعرقه ولسانه وموقعه الجغرافي والاجتماعي، مصداقاً لقوله تعالى {وماأرسلناك إلا رحمة للعالمين} الأنبياء 107. وهذه الآية تبين الولاء الجديد الذي قلنا أنه تجاوز كل الولاءات السابقة دون أن يتضارب معها. ومن أجل هذا الولاء الجديد جاء قوله تعالى في سورة التوبة الآية 86 {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} ومن هنا أيضاً نرى معنى أن الرسول محمد (ص) كان مؤسساً لدولة لها أسس تختلف عن الدول التي سبقتها أو عاصرتها. وهذه الأسس تتحقق في المستقبل في المجتمعات. رابعها أن الولاء بكل أشكاله، العشيرة والقبيلة والأمة بهذا الترتيب، كان من أبرز مميزات المجتمعات العربية منذ أن وجدت في بواديها وحواضرها.

بعد هذا كله نقف لنطرح عدداً من التساؤلات:

1. متى بدأ الولاء يتحول إلى مصطلح؟

2. ومتى أصبح السلاطين والأمراء ولاة للأمر طاعتهم واجبة كطاعة الله والرسول؟

3. ومتى صار الحاكم والياً والوالي حاكماً؟

4. ومتى ترسخ القول بأن الولاء والطاعة لذي الشوكة؟

5. ومتى أصبحت موالاة الحكام صراطاً مستقيماًُ لا يجوز الخروج عليه وإن ضربوا الظهور وصادروا الأموال واغتالوا العقول؟ ومتى صارت موالاة العلماء الأفاضل طلباً للعلم؟

سنحاول في بحثنا هذا الإجابة على بعض هذه التساؤلات، بعد أن نعرّف البراء كما عرفنا الولاء، وبعد أن نشرح دلالته كمفردة قرآنية، والله المستعان…

البراء: الباء والراء والهمزة أصل صحيح في اللسان العربي ومفردة قرآنية وردت مشتقاتها في 31 موضعاً من التنزيل الحكم، أولها في قوله تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} البقرة166، وآخرها في قوله تعالى {أولئك هم شر البرية} البينة 7، ودلالته في كل المواضع تدور حول معنيين، الأول: بَرَأَ بَرْءاً وبروءاً، أي خلق على غير مثال، كما في قوله تعالى {ماأصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} الحديد 22، ومنه جاء البارئ ضمن الأسماء الحسنى. والثاني: بَرُؤَ بُرءاً وبراءة، أي خلا من العيوب وصفا من الشوائب وخلص من التهم، كما في قوله تعالى {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} التوبة1. ويتفرع من هذين المعنيين فرعان: الأول: أبرأه من المرض، أي شفاه وخلصه منه، كما في قوله تعالى على لسان عيسى بن مريم {وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله} آل عمران 49، والثاني: تبرأ من الأمر أي أعلن تركه له، كما في قوله تعالى {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني بَراءٌ مما تعبدون} الزخرف 26، وتبرأ من الشخص أي أنكر علاقته به واستنكر صلته معه، كما في قوله تعالى {وماكان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} التوبة 114. وهذا المعنى الأخير كما ورد في آية التوبة 114، هو المحور الذي يدور حوله بحثنا هنا، لكونه المحور الذي تدور حوله دلالة لفظ البراء بعد أن تحول إلى مصطلح، واقترن بمصطلح آخر هو الولاء، فشكل معه ثنائية يحكمها التضاد، شاعت على كثير من الألسن وفي كثير من المؤلفات.

البراء – كالولاء تماماً – علاقة إنسانية اجتماعية اختيارية، تبدأ عند الفرد فكراً نظرياً يقرر فيه الفرد التبرؤ من أمر يتعارض مع ثوابته السلوكية، أو من شخص ارتكب مايوجب التبرؤ منه، ثم يتحول هذا القرار الفكري النظري إلى سلوك عملي، وإذا كان للولاء – لغةً – وجهان متضادان هما الإقبال بالاتباع والترك بالإعراض، فإن البراء ليس له سوى وجه واحد هو الترك والنبذ والإعراض. ولقد فصلنا القول آنفاً حين بحثنا عن الولاء في دلالات هذا التعريف فلا نعيد.

يبقى أن نشير إلى أن للبراء – ككل سلوك إنساني آخر – حدوداً تعين مجاله ومقداره، حدوداً عليا لا يجوز تجاوزها صعوداً وحدوداً دنيا لا يجوز تخطيها نزولاً، إذ كل ما زاد عن حده انقلب إلى ضده، فإن تجاوزت الأشياء حدودها وقع المحذور، مثال ذلك: الشجاعة المحمودة حين تتجاوز حدودها تتحول إلى تهور مذموم، والتأني يتحول إلى تردد، والكرم إلى تبذير، والثقة بالنفس إلى جنون عظمة، والأحلام إلى أوهام. ولقد أشار (ص)، محذراً من التشدد والغلو المؤدي لزوماً إلى تجاوز الحدود، في حديثه إن صح: “المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى¨ (رواه العسقلاني في فتح الباري).

إننا نجد الحدود الناظمة للبراء في التنزيل الحكيم وفي شعر العرب:

1. {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً} لقمان 15.

2. {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} التوبة 114.

3.  

وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلفٌ جدا

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا بيتي بنيت لهم مجدا.

إن آية لقمان 15 تتحدث – فيما نرى – عن خلاف واختلاف عقائدي بين ابن موحد ووالدين مشركين يحاولان جاهدين حمل الابن على أن يكون مثلهما. في هذه الحالة بالذات يأتي التوجيه الإلهي ليسمح للابن بأن يعصي أبويه ضمن تكليف آخر يتجلى في عبارة {وصاحبهما في الدنيا معروفا} وهنا لاوجود لبراءة ولا تبرؤ، بل أمر بالصحبة بالمعروف.

أما آية التوبة 114 فتتحدث عن فتى هو إبراهيم (ع) وعن موقفه من مربيه وراعيه آزر، بعد أن اتضحت عداوة هذا الأخير لله تعالى. في هذه الحالة بالذات ترد مشروعية التبرؤ من المشركين ضمن شرطين نجدهما في الآية، الأول: ظهور عداوتهم لله ظهوراً مؤكداً، وهذا هو معنى عبارة (فلما تبين له أنه عدو) والتأكيد هنا جاء في استعمال فعل (تبين) بدلاً من (بان). والثاني اقتران التأوه والحلم بالتبرؤ وهذا هو معنى عبارة (إن إبراهيم لأواه حليم). صحيح أن إبراهيم – بدافع من ولائه العقائدي لله الواحد – أعلن عن براءته من أبيه مستنكراً ومنكراً عليه عداوته لله سبحانه، إلا أن إيمانه بالله وولاءه له لم ينفَ ولم يتعارض مع مايحمله لأبيه من عرفان بفضله في تربيته ورعايته، فبقي محزوناً يتأوه عليه رحمة وشفقة، وبقي الحلم وطول الأناة هو الحاكم لبراءته منه، وهذا بالضبط ما أشارت إليه آية التوبة 114.

أما أبيات المقنّع الكندي في شاهدنا الثالث، فنحن معها أمام تبرؤ أخلاقي غير معلن ينادي به الشاعر مستنكراً سلوكيات أهله وعشيرته المخالفة للمثل العليا العربية الموروثة. ومرة أخرى نجد أنها براءة سلمية تلبس لباس العتب الرقيق.

قلنا أن الـ (ب ر ء) مفردة قرآنية وردت في 31 موضعاً من القرآن الكريم، لا تخرج في دلالتها عن أحد معنيين، الأول الخلق على غير مثال، والثاني الخلو من العيوب والشوائب والتهم. ويتفرع عن هذا الثاني فرعان: الأول الشفاء من المرض والثاني إعلان قطع الصلة بشيء بعينه أو شخص بعينه إنكاراً أو استنكاراً، وقلنا أن بحثنا يدور هنا حول هذا المعنى الأخير، الذي ورد في 17 موضعاً من التنزيل الحكيم، نلاحظ أن التبرؤ فيها له محل مذكور صراحة:

·         {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إني براء مما تعبدون} الزخرف 43. ومحل التبرؤ في الآية هو عبادة الأصنام.

·         {فلما أفلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون} الأنعام 78، ومحل التبرؤ في الآية هو الشرك.

·         {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان أكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين} الحشر 16، ومحل التبرؤ هنا هو الكفر وعدم الخوف من الله رب العالمين.

·         {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} يونس 41. ومحل التبرؤ هنا هو العمل.

في هذه الزاوية بالذات نجد أن البراء يشبه الولاء، فكلاهما له محل لابد من ذكره وتوضيحه. والقول بوجوب وجود محل يتجلى فيه الولاء أو البراء يقودنا بالتالي لزوماً إلى القول بعدم وجود ولاء مطلق أو براء مطلق.

ثمة زوايا أخرى يشبه فيها البراء الولاء، هي أن كليهما قديم في المجتمعات العربية باديها وحاضرها، وأن كليهما تتغير دلالته بتغير الروابط التي تربط الجماعات من أسرية وعشائرية وقبلية وقومية وشعبية.

يقول الحارث بن حلّزة اليشكري في معلقته:

أم جنابا بني عتيق فإنا منكم إن غدرتم لَبَراءُ

روى الجاحظ في البيان والتبيين (ج2 ص 56) أن معاوية بن أبي سفيان قعد بالكوفة يبايع الناس على البراءة من علي بن أبي طالب، فجاءه رجل من بني تميم فأراده على ذلك فقال الرجل: يا أمير المؤمنين نطيع أحياءكم ولانتبرأ من موتاكم. فالتفت معاوية إلى المغيرة فقال: هذا رجل فاستوص به خيراً.

وروى المؤرخ ابن عبد الحكم (187 – 257 هـ) في سيرة عمر بن عبد العزيز، أن عمر بعث إلى شوذب الحروري وأصحابه حين خرجوا بالجزيرة، فجاؤوه برجلين من الخوارج، أحدهما شيباني والثاني حبشي اسمه عاصم وهو أشر الرجلين حجة ولساناً. فلما دخلا قالا: السلام عليكم. ثم جلسا، فقال عمر: أخبراني ما أخرجكما مخرجكما هذا، وأي شيء نقمتم علينا؟ قال عاصم: والله مانقمنا عليك في سيرتك فإنك لتجري العدل والإحسان، ولكن بيننا وبينك أمراً إن أعطيتناه فأنت منا ونحن منك، قال عمر: وما هو؟ قال: رأيناك قد خالفت أعمال أهل بيتك وسميت أعمالهم مظالم، فإن زعمت أنك على هدى وأنهم على ضلال فابرأ منهم والعنهم، فهذا الذي يجمع بيننا أو يفرّق. قال عمر: قد عرفت أنكم لم تخرجوا لطلب الدنيا، وأنكم أردتم الآخرة فأخطأتم سبيلها، وإني سائلكم عن أمر، فبالله لتصدقاني عنه فيما بلغه علمكما. قالا: نفعل، قال: أرأيتم أبا بكر وعمر؟ أليسا من أسلافكم وممن تتولون وتشهدون لهم بالجنة؟ قالا: بلى. قال: فهل تعلمون أن العرب ارتدت بعد رسول الله وقاتلهم أبو بكر فسفك الدماء وسبى الذراري؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل تعلمون أن عمر لما قام بعده رد السبايا إلى عشائرهم؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل بريء أبو بكر من عمر أو عمر من أبي بكر؟ قالا: لا.

قال عمر: فأخبراني عن أهل النهروان، أليسوا من أسلافكم وممن تتولون وتشهدون لهم بالجنة؟ قالا: بلى. قال: فهل تعلمون أن أهل الكوفة حين خرجوا إليهم كفوا أيديهم عنهم فلم يخيفوا آمناً ولم يسفكوا دما؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل تعلمون أن أهل البصرة حين خرجوا إليهم مع عبد الله بن وهب استعرضوا الناس فقتلوهم وفيهم عبد الله بن خباب – صاحب رسول الله – وجاريته، ثم قتلوا النساء وألقوا بالولدان في قدور تفور بهم؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل بريء أهل الكوفة من أهل البصرة أو أهل البصرة من أهل الكوفة؟ قالا: لا.

قال عمر: أخبراني أرأيتم الدين واحداً أم اثنين؟ قالا: بل واحداً. قال: فكيف وسعكم هذا الدين إن توليتم أبا بكر وعمر ووسع أهل الكوفة أن تولّوا أهل البصرة، ولايسعني هو عينه إلا أن العن أهل بيتي وابرأ منهم؟ فإن كان لعن أهل الذنوب فريضة مفروضة، فمتى كان آخر عهد كما يلعن فرعون وثمود؟ قالا: مانذكر متى لعناهم. قال: فكيف يسعكما ترك لعن فرعون ولايسعني في زعمكما إلا لعن أهل بيتي؟ ويحكم. أنتم قوم جُهّال. هل علمتم أن رسول الله بعث إلى الناس وهم عبدة أوثان فدعاهم إلى خلعها، وغلى شهادة أن لا إله إلا الله، فهل فعل حقن دمه وأمن عنده؟ قالا: نعم. قال: أفلستم اليوم تبرأون ممن خلع الأوثان وشهد أن لا إله إلا الله وتلعنونه وتستحلون دمه، وتلقون من لم يفعل ذلك من سائر اليهود والنصارى فتحرمون دمه ويأمن عندكم؟ فقال عاصم: مارأيت حجة أبين ولا اقرب مأخذاً من حجتك. أما أنا فأشهد أنك على الحق وأني بريء ممن خالفك، فقال عمر للشيباني: وأنت؟ قال: ما أحسن ماقلت، ولكني أكره أن أفتئت على المسلمين بأمر لاأدري ماحجتهم فيه حتى أرجع إليهم فلعل لديهم حجة لا أعرفها، فقال عمر: فأنا أعلم بشأن نفسك.

وروى صاحب العقد الفريد (ج 5 ص 54) أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج في أسرى يوم الجماجم أن يعرضهم على السيف “فمن أقر منهم بالكفر بخروجه علينا فخلّ سبيله، ومن زعم أنه مؤمن فاضرب عنقه¨، ففعل. ثم أُتيَ بعامر الشعبي ومطرف بن عبد الله بن الشخيّر وسعيد بن جبير، وكان الشعبي ومطرف يريان التقية وكان سعيد بن جبير لايرى ذلك، فلما قدّم له الشعبي قال له: أكافر أنت أم مؤمن؟ قال: أصلح الله الأمير، نبا بنا المنزل وأجدب بنا الجناب واستحلسنا الخوف واكتحلنا السهر، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء، فقال الحجاج: صدق والله، مايروا بخروجهم علينا ولا قووا، خلوا عنه. ثم قدم غليه مطرف بن عبد الله فقال له الحجاج: أمؤمن أنت أم كافر؟ قال: أصلح الله الأمير، إن من شق عصا الطاعة، ونكث البيعة وفارق الجماعة، وأخاف المسلمين، لجدير بالكفر. فقال: صدق، خلوا عنه. ثم أتى بسعيد بن جبير فقال له الحجاج: أنت سعيد بن جبير؟ قال: نعم. قال: لا، أنت شقي بن كسير. قال: أمي أعلم باسمي منك. قال الحجاج: شقيتَ وشقيتْ أمك. قال: الشقاء لأهل النار. قال: أكافر أنت أم مؤمن؟ قال: ماكفرت بالله منذ آمنت به. قال: اضربوا عنقه.

لقد عرفت المجتمعات العربية قبل الإسلام الولاء والبراء على المستوى الأسري. أما الولاء فكان يتم عن أحد طريقين: الأول: بالتبني، والثاني بالإلحاق بالنسب. وأما البراء فيتم بالخلع. كان الرجل في الجاهلية إذا غلبه ابنه أو من هو منه بسبيل جاء به إلى الموسم ثم نادى “يا أيها الناس هذا إبني فلان وقد خلعته، فإن جرّ لم أضمن وإن جُرّ عليه لم أطلب¨ يريد قد تبرأت منه (أنظر أساس البلاغة للزمخشري ص 118).

كما عرف العرب قبل الإسلام الولاء والبراء على المستوى القبلي. أما الولاء للقبيلة، التي هي مجموعة عشائر تربط بين أفرادها وشائج قربى بالعصب أو بالرحم، فهو كالولاء للأسرة والعشيرة تماماً، يضاف إليه شكل من أشكال الولاء لانجده في الأسرة ولا في العشيرة هو الولاء بالانتساب أو بالتحالف، يغدو معه المنتسب أو الحليف وكأنه من القبيلة نسباً ودماً، عدا العبيد فهؤلاء لايملكون الحق في انتساب أو تحالف مع غير مالكهم. وأما البراء فهو كالبراء في الأسرة والعشيرة، إذ ربما خلعت القبيلة أحد أفرادها وتبرأت منه إن هو خرج على بعض مبادئها أو خالف عرفاً من أعرافها أو ترك عبادة معبوداتها أو أهمل الالتزام بمثلها العليا.

يبقى أن نذكّر بما سبق أن قلناه من أن الرسالات السماوية عموماً، والرسالة المحمدية خصوصاً، جاءت لتضيف ولاءً جديداً هو الولاء العقائدي ولتضعه في رأس سلم أولوية الولاءات جميعاً دون أن يلغيها أو يتعارض معها. بدليل قوله تعالى {إنما المؤمنون إخوة..} الحجرات 10، وقوله: (ص) إن صح: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه¨ (رواه البخاري في صحيحه) وبدليل قوله تعالى {..واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} النساء 1.

لم نكن ونحن نضع التعريفات للولاء والبراء، ونفرق فيها بين الواحد والآخر في المعنى والدلالة، من شواهدها القرآنية والنبوية والتراثية كما فهمناها، غافلين عن أن الولاء – باعتباره من مفردات الأضداد عند أهل اللسان – بما يحمله في أحد وجهيه من معاني الترك والإعراض إنما هو في حقيقة الأمر براء. وعن أن البراء بما يحمله من إنكار واستنكار لشخص أو لمعتقد إنما هو في الحقيقة ولاء لشخص آخر أو لمعتقد آخر. ومن هنا، لم يكن غريباً – من الناحية اللغوية على الأقل – أن يقترن الولاء بالبراء، والبراء بالولاء، ليشكلا مصطلحاً ذا وجهين أشبه بالطرة والنقش في قطعة النقد الواحدة.

ولم نكن نشرح معنى الولاء ومعنى البراء في المواضع التي وردا فيها من التنزيل الحكيم والحديث النبوي، غافلين عن أن هذا المعنى لم يبق على حاله كما ورد في التنزيل الحكيم، بل دخلت عليه معان لم تكن موجودة فيه من قبل، وتم تحميله بفعل الأحداث والوقائع والمتغيرات التاريخية معاني إضافية أخرجته عن مضمونه القرآني والنبوي الأول، وهذا هو “تحريف الكلم عن مواضعه¨ الذي أشار إليه تعالى في الآية 46 من سورة النساء والآية 13 من سورة المائدة، والذي طال مفردات كثيرة كالعصمة والشفاعة والجهاد في سبيل الله والهجرة، لعلنا نفرد لكل منها بحثاً خاصاً بها في غير هذا المكان.

والسؤال الآن: ماهي المعاني المضافة الدخيلة على الولاء والبراء؟ وهل ثمة أحداث ووقائع أسهمت في إيجادها؟ وأين نجد الشواهد اللازمة لإثباتها وتأكيدها؟

إذا نحن عدنا – للإجابة على هذه الأسئلة – إلى ما اقتطفناه من شواهد الأخبار عند الجاحظ وابن عبد الحكم وابن عبد ربه الأندلسي، نلاحظ فيها بروز ولاء سلطوي سياسي ثمة من يرى أنه لم يكن موجوداً عند عرب ماقبل الإسلام ولا عند أهل العصر النبوي في شبه الجزيرة العربية، بل هو وافد جديد حمله معهم الداخلون في الإسلام من بلاد مصر واليمن وبلاد الروم وفارس، وهناك من يرى أنه كان موجوداً إلا أن زخم الولاء العقائدي لم يكن يسمح له بالظهور، وسواء أكان الناظر الدارس في التاريخ الإسلامي من أنصار هذا الرأي أو ذاك، فهو لايؤثر – من حيث النتائج المستخلصة – على أن هذا الولاء السلطوي السياسي بدأ بالبروز منذ يوم السقيفة وقبل أن يوارى النبي (ص) في مثواه الأخير، ممزوجاً حيناً بالولاء الأسري، وحيناً بالولاء العشائري والقبلي، وحيناً بالولاء القومي، ومتسربلاً بعباءة الولاء العقائدي في كل الأحيان حيث تم مباشرة إزاحة الأنصار من إمكانية تولي رئاسة الدولة وحصرها مبدئياً في قريش. ولا نرى هذا غريباً أبداً، إذ تم تدعيم هذا السلوك بحديث مزعوم عن أسماء العشرة المبشرين بالجنة وكلهم من قريش ولا يوجد واحد من الأنصار منهم. وإني لأتصور إن حدث هذا وروى رسول الله (ص) أسماء هؤلاء وسمعه الأنصار ما هو تعليقهم على ذلك وكيف سيواجههم، والعشرة المبشرون بالجنة تظهر أمراً هاماً جداً وهو أن الله سبحانه وتعالى تعصب لقريش كما لو أنه إلههم الخاص بهم. وكان من نتائج هذا الولاء على المستوى السياسي:

1 – حروب الردة – كما يسميها أهل الأخبار – التي قادها الخليفة الأول أبو بكر الصديق، واختلطت فيها الدوافع الاقتصادية بالولاءات القبلية والعقائدية، وجاءت سابقة خطيرة أجازت القتال بين المسلمين المؤمنين.

2 – الفتنة الكبرى – كما يسميها الدكتور طه حسين في كتاب له يحمل هذا الاسم – التي كان أحد أبرز أسبابها تنازع الولاء الأسري والعشائري بين بني عبد مناف من هاشميين وبني أمية بعد أن أزيحت بقية بطون قريش.

3 – الاغتيالات السياسية والتصفيات الجسدية التي طالت الخلفاء الراشدين الأربعة، على يد المنافقين والمتطرفين والخوارج.

4 – معركة الجمل التي قتل فيها عشرة آلاف من أهل البصرة وخمسة آلاف من أهل الكوفة، حسب مارواه الطبري في تاريخه ج4 ص 539، أي أكثر من عشرة أضعاف مجموع من قتل في غزوات ومعارك العصر النبوي كلها. والتي جرت بقيادة أم المؤمنين عائشة في جانب، والإمام علي في جانب آخر، وكان السبب الظاهر المعلن لها هو الثأر لمقتل عثمان.

5 – معركة صفين التي قاد جيش الشام فيها معاوية بن أبي سفيان، وقاد جيش الخلافة الإمام علي بن أبي طالب، وكان سببها المعلن الظاهر أيضاً هو الثأر لمقتل عثمان. والعجيب أن الطبري لم يذكر في تاريخه رقماً لعدد القتلى فيها، كما فعل في معركة الجمل، إلا أن المؤرخين المعاصرين يقدرون العدد بـ 50 – 60 ألفاً.

6 – ظهور الخوارج الذين رأوا في قبول الإمام علي بالتحكيم تساهلاً يصل إلى حد التخاذل، ووضعاً للأمور في غير موضعها.

وكذلك نرى بالنسبة للخوارج أنهم عاصروا علياً ومعاوية، أي أن فيهم عدداً من الصحابة، والباقون من التابعين، فهل يؤتم من قبلهم بعد أن يسمع قول رسول الله إن صح (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم). ونرى أن كثيراً من الأحاديث التي تعبق منها رائحة السياسة ساهمت في إفساد العقيدة الإسلامية وقتل عدد كبير من المسلمين المؤمنين لأهداف سياسية بحتة.

وكان من نتائجه على المستوى الفكري:

1 – اقتران الولاية بالحكم والسلطنة في الذهن العربي، فالوالي والولي والمولى لم يعد الهادي والراعي والكفيل حسب قوله تعالى {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} البقرة 257. وقوله تعالى {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} المائدة 55. بل أصبح الوالي هو الحاكم، وأصبح ولاة الأمور الذين أمر تعالى بطاعتهم في آية النساء 59 هم الأمراء والسلاطين.

2 – ارتقاء الولاء السلطوي في سلم الأولويات إلى المرتبة الأولى، فلم يعد للولاء العقائدي موقعه الأول الذي خصه له الوحي الإلهي نظرياً، والذي أرساه فيه التطبيق النبوي عملياً.

3 – تحولت ولاية النبي (ص) للمؤمنين، التي نصت عليها الآية 6 من سورة الأحزاب، من وعظ وتذكير {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} وإرشاد وهداية ورأفة ورحمة ورقة قلب إلى مرتبة سلطوية حاكمة يمكن انتقالها بالإرث إلى الأولاد والأحفاد، ويمكن سحبها على الزوجات والأصحاب…

وقد عُرف الخوارج بهذا الاسم عند شيعة علي بن أبي طالب، لخروجهم على حكم الإمام وسلطان الولي، وعُرفوا بذات الاسم عند أنصار حكام بني أمية لخروجهم عن طاعة أولي الأمر.

4 – ظهور مفردات السب والشتم واللعن والتكفير كتوابع للبراء عند كل طرفين متخاصمين أياً ماكان سبب الخصومة: أنصار ومهاجرين، طالبيين وسفيانيين، أمويين وعباسيين، عرب وعجم، أهل العقل وأهل النقل.

5 – تحول نظام الحكم من خلافة بالانتخاب والشورى بالمفهوم التاريخي للكلمة، إلى ملك وراثي يحكمه النسب، حيث أخذ التاريخ مجراه الطبيعي بنشأة الدولة الامبراطورية التي تشبه الدول السائدة في ذلك العصر.

إن من الطبيعي في ضوء ماذكرناه أن نجد مصطلح الولاء والبراء اليوم، بما يحمله من معان ألحقها به توالي الأحداث ومن دلالات رسمت خطاً معيناً لمسيرة التاريخ، عند أهل الشيعة الرافضة، وأهل السنة الناصبة على حد سواء، دون أن تتكلف مشقة إثبات من أين كانت البداية، وأي الطرفين كان البيضة وأيهما كان الدجاجة، فالقصد ليس البحث عن مشجب نعلق عليه ثيابنا المهترئة القذرة، بقدر ما هو محاولة للعودة بهذا المصطلح إلى معانيه ودلالاته القرآنية والنبوية.

وإذا كان أهل البيت – بالمعنى التاريخي وليس بالمعنى القرآني – قد تمسكوا ومازالوا يتمسكون حتى اليوم بهذا المصطلح، وجعلوه المحور الأصل في عقيدتهم، والمعيار الذي يفرقون به بين كفر للكافر وإيمان للمؤمن، رغم مانزل بهم من ويلات ومالاقوه من أهوال، وإذا كانوا قد أخفوا ذلك تحت شعار التقية في أزمان المحن وعصور الفتن، فإن لهم عندنا بعض العذر، إلا من غلا منهم بولائه وتطرفه فانزلق بما لا يجوز لمؤمن بالله ورسوله أن ينزلق إليه.

لكن العجب من ولاءٍ وبراءٍ شاع مؤخراً في بلد إسلامي يمتاز بخصوصية تجعله في موضع القلب من باقي البلدان الإسلامية الأخرى، وقام على الغلو والتشدد، وانطلق القائلون به من ثنائية لاقسمة فيها تقسم الأشياء إلى أبيض وأسود، بدءاً من التوحيد المتمثل بشهادة أن لا إله إلا الله، مروراً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وانتهاء بإماطة الأذى عن الطريق. ولم يكتف أصحابه بجعل منهجهم هذا مذهباً فكرياً قابلاً للحوار مع المذاهب الفكرية الأخرى، بل انزلقوا إلى ما انزلقت إليه الشوافعة والحنابلة والأحناف والمالكية عبر التاريخ من تكفير للآخرين – كل الآخرين – والاستعانة عليهم بالقمع السلطوي كلما سنحت الفرصة وواتت الظروف، رغم علمهم بأن التكفير سلاح ذو حدين، وإن أنت استخدمته ضد الآخرين فلن تعدم من يستخدمه ضدك، ورغم علمهم بأن الاحتكام للقمع السلطوي في مجال الفكر هو أيضاً سلاح ذو حدين، لأن السلطة في كتاب الله من المتغيرات التي ينظمها قوله تعالى {وتلك الأيام نداولها بين الناس} آل عمران 140. وقد أورد ياقوت الحموي مثالاً على التصفية الجسدية في مدينة الرّي بين الشوافعة والأحناف من طرف، والشيعة من طرف آخر، ثم بين الشافعية والأحناف حتى أصبحت البلد كلها خراباً.

إن المتأمل فيما أرسيناه من تعاريف للولاء والبراء. ومافهمناه من معان لهاتين المفردتين في آيات التنزيل الحكيم، وفيما استشهد به من أخبار تراثية تشير إلى انحراف في دلالة هاتين المفردتين عن دلالتهما القرآنية الأصلية، يثير عند المتأمل المنصف كثيراً من التساؤلات، ويقود إلى عدد من الاستنتاجات، ويضع مايظنه البعض من المسلّمات على طاولة البحث لإعادة النظر إليها بعين التحفظ والحذر. ولعل أكبر واهم هذه التساؤلات هو: هل مصطلح الولاء والبراء المتداول اليوم عند بعض أهل الشيعة وبعض أهل السنة والجماعة هو ذات الولاء الوارد في قوله تعالى {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} المائدة 55، 56؟ وهل هو ذات البراء الوارد في قوله تعالى {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله..} التوبة 3؟ للجواب على هذا السؤال ننظر في الفقرات التالية:

1 – “لما كانت أصل الموالاة: الحب، وأصل المعاداة: البغض. وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح مايدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد والهجرة ونحو ذلك، فإن الولاء والبراء من لوازم لا إله إلا الله وأدلة ذلك كثيرة في الكتاب والسنة¨ أ هـ.

2 – “لما قام رسول الله (ص) ينذر المشركين عن الشرك ويأمرهم بضده وهو التوحيد لم يكرهوا واستحسنوا وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرّح بسبّ دينهم وتجهيل علمائهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة. فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لايستقيم له إسلام – ولو وحّد الله وترك الشرك – إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض كما قال تعالى في الآية 22 من سورة المجادلة، فإذا فهمت هذا جيداً عرفت أن كثيراً من الذين يدّعون الدين لا يعرفونها – أي لا إله إلا الله – وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر والعذاب والأسر، والهجرة إلى الحبشة، مع أنه (ص) أرحم الناس ولو وجد لهم رخصة لرخص لهم¨ أ هـ (انظر مجموعة التوحيد لابن تيمية وابن عبد الوهاب وغيرهم، نشر دار الفكر بالقاهرة ص 19).

3 – “إن انزلاق هؤلاء العلماء (يقصد عبد الرحمن الكواكبي والشيخ محمد عبده وعباس محمود العقاد وطه حسين) وغيرهم في قضية موالاة الكفار والتساهل معهم في بعض الأمور بغير دليل شرعي أمر يرفضه الإسلام ويأباه، لأن موضع القدوة لنا هو رسول الله (ص) وصحابته الأجلاء وسلفنا الصالح وكفى¨ أ هـ. (انظر الولاء والبراء في الإسلام لمحمد بن سعيد القحطاني ص 399).

4 – “الهجرة مرتبطة بالولاء والبراء بل هي من أهم تكاليفهما، والحديث فيها متشعب ولذلك سأقسمها إلى قسمين:

آ – إقامة في دار الكفر.

ب – هجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام.

قال: (ص): أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. وقال: لاتنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولاتنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها.

وقال الحسن بن صالح كما في أحكام القرآن للجصاص: إذا لحق الرجل بدار الحرب ولم يرتد عن الإسلام فهو مرتد بتركه دار الإسلام.¨ أ هـ (انظر المرجع السابق ص 270 ومابعدها).

أما في الفقرة الأولى، فنحن أمام قفزة ثلاثية على الصعيد اللغوي في مجال الدلالة، وعلى صعيد الاستنباط الفقهي في مجال تفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، تنتهي إلى الجزم بأن الولاء والبراء من لوازم التوحيد، انطلاقاً من قوله تعالى {لايتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء..} آل عمران 28، وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم والله لايهدي القوم الظالمين} المائدة 51. وانطلاقاً من جملة أحاديث نبوية، أولها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله (ص) بايعه على أن “تنصح لكل مسلم وتبرأ من الكافر. والثاني ما أخرجه الطبراني في المعجم الصغير عن عبد الله بن مسعود، وفي المعجم الأوسط عن أبي سعيد الخدري، وفي المعجم الكبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص) لأبي ذر: أي عرى الإيمان أوثق؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله.

يبدأ الشيخ عبد اللطيف قفزته الثلاثية بخطوة تنقل الولاء إلى موالاة، أي تنقل الاسم إلى مصدر، تمهيداً للخطة والثانية التي تنقل البراء إلى معاداة. لتأتي بعدهما خطوة ثالثة تنقل الموالاة إلى حب والمعاداة إلى بغض، يخلص بعدها محمد القحطاني في ضوء هذا الدليل الباهر إلى أن الولاء والبراء من لوازم شهادة لا إله إلا الله. وهذا إن جاز في ملاعب الرياضة بمباريات القفز الطويل والثلاثي، فهو لا يجوز قطعاً في حقول الدين والعقائد. يجوز أن يتحول الولاء إلى موالاة، لأنه لايخرج في الحالتين عن معنى النصرة والاتباع. ويجوز أن يتحول العداء إلى معاداة وإلى عدوان واعتداء، لأنه لايخرج فيها جميعاً عن معنى تجاوز حدود العلاقات الطبيعية الودية إلى علاقات عدوانية عدائية، لكن الذي لا يجوز هو أن يتحول البراء إلى معاداة، فيخرج بذلك عن شرطي البراء المذكورين سالفاً في تفسير قوله تعالى {وماكان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} التوبة 114، وهما الرحمة والحلم، وكلاهما خلاف العدوان والاعتداء.

كما لا يجوز أيضاً أن يتحول الولاء حسب مدلوله القرآني – إلى حب، وأن يتحول البراء – حسب مدلوله القرآني – إلى بغض، لأن الولاء والبراء من تكاليف الإيمان التي فرضها تعالى على العقلاء من خلقه، أما الحب والبغض فمن المشاعر العاطفية التي لايصح أن تكون معياراً للتكليف بدلالة قوله تعالى {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لاتعلمون} البقرة 216، وقوله تعالى {فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} النساء 19.

قد يقول قائل محتجاً: لقد ورد الحب والبغض في الحديث النبوي الشريف عند الطبراني، نقول: الحكم في مسائل العقيدة عندنا هو التنزيل الحكيم، فإن تعارض حديث نبوي مع نص قرآني ضربنا بالحديث عرض الحائط لعلمنا المؤكد أن النبي (ص) لا يحدث بما يتعارض مع ما نزل به الوحي الأمين، وهذه واحدة، ثم أن علماء اللغة تركوا الاستشهاد بالحديث النبوي في كتبهم لأسباب فصلوها في مظانها، فلا جناح علينا إن نحن تركنا الاحتكام إليها في مسائل العقيدة، وهذه ثانية. ولقد نظرنا في كلمة البغض التي وردت في الحديث فوجدناها وردت في خمسة مواضع من التنزيل الحكيم بلفظ (البغضاء) ووصفت في أحد المواضع بأنها من عمل الشيطان {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء..} المائدة 91. وفي الثاني من عمل الكفار والمشركين {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ماعنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} آل عمران 118، وفي الثالث بأنها عقاب لمن نسي ميثاقه من النصارى {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به فأرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} المائدة 14. ولا يعقل أن يكون البغض بعد ذلك كله هو أوثق عرى الإيمان عند النبي (ص) وهذه ثالثة. والرابعة والأخيرة هي أن الله وصف نبيه الكريم – من مقام الرسالة والنبوة – فقال: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} الأنبياء 107، وقال: {وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيرا} الفرقان 56. ووضعه من مقام البشرية الإنسانية فقال: {وإنك لعلى خلق عظيم} القلم 4، وقال: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} آل عمران 159. ووصفه من مقام الرسالة فقال: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم * فإن توالوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت..} التوبة 128، 129. والبغض خلاف ذلك كله، فهو يحجب الرحمة ويقتل الرأفة ويغلق أبواب الدعوة إلى الهدى عند الآخرين ويغرس بذور الفظاظة وغلظة القلب عند صاحبه. فإن صاح بنا مكابر مستنكراً: تلك صفاته في التعامل مع المؤمنين حصراً، أما من عداهم فليس لهم إلا العداوة والبغض، قلنا له: فانظر معنا في آية التوبة 129، أليس واو الجماعة في قوله {فإن تولوا} عائدة على المشركين المعرضين عن الهدى؟ وهل في الآية أمر ببغضهم وبعداوتهم وبإعلان هذه العداوة وذلك البغض صراحة؟ والجواب في الآية هو {فقل حسبي الله}.

وأما في الفقرة الثانية فنحن أمام جملة مسائل. أولها أن المشركين لم يكرهوا إنذار رسول الله (ص) لهم بترك الشرك، بل استحسنوا ذلك وحدثوا أنفسهم بالدخول فيما يدعوهم إليه. ونحن لا ندري من أين استقى صاحب الفقرة معلومته الغريبة هذه، الذي ندريه أن المشركين كرهوا دعوة النبي (ص) لهم وإنذاره إياهم منذ أول يوم اعتلى فيه الصفا وراح ينادي بيوتات قريش كلاً باسمه، ولم نعلم أن أحداً منهم حدّث نفسه بالدخول فيما يدعو إليه هذا الصابئ الخارج على معتقدات أسلافه ومعبوداتهم، وانظر في خبر أبي طالب كما تورده كتب السيرة وكتب التاريخ حين دعاه النبي (ص) إلى الهدى فقال: يا ابن أخي إني لا أستطيع أن أفارق ديني ودين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما حييت. أ هـ. وإذا كان موقف أبر الناس بالنبي (ص) وأشدهم نصرة له، فما بالك بغيره. ثانيها أنهم ظلوا على استحسانهم هذا إلى أن صرّح النبي (ص) بسبب دينهم وتجهيل علمائهم. ومرة أخرى نقر بجهلنا وبأننا لا ندري من أين جاء قائل العبارة بهذه المعلومة الخطيرة التي نرفضها أياً كان مصدرها، لكونها تتهم النبي (ص) بأنه كان البادئ بسب دينهم وتجهيل علمائهم فكان ذلك سبباً دافعاً لأن يشمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة. إن أول من نسب السب والشتم إلى النبي (ص) هم المشركون في خبرٍ أوردته كتب السيرة من أن رجالاً من أشراف قريش مشوا إلى أبي طالب وفيهم أبو جهل بن هشام فقالوا: إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا. ثم مشوا إليه مرة أخرى فقالوا: إنا والله لا نصبر على شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا. ولعل الكاتب قصد هذا في عبارته، إنما فاته أن يشير إليه بعبارة واضحة لا تقبل اللبس. ثالثها قوله إن الإنسان لا يستقيم له إسلام – ولو وحد الله وترك الشرك – إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض كما قال تعالى في الآية 22 من سورة المجادلة. نقول: أولاً هذا الحكم – في أحسن أحواله – حكم فقيه اجتهد فأخطأ فله أجر على اجتهاده رغم خطئه، لكنه ليس حكماً قرآنيا. فالإسلام في القرآن يستقيم للإنسان مهما كانت ملته بثلاث:

1 – الإسلام بوحدانية الله إيماناً يستدعي لزوماً ترك الشرك..

2 – الاعتقاد بأن اليوم الآخر آت لاريب فيه.

3 – ثم يعمل صالحاً يجسد هذا الاعتقاد وذلك الإيمان..

بدلالة قوله تعالى {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون} البقرة 62.

ثانياً، لقد نظرنا في آية المجادلة 22 فوجدناها تقول: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} وبحثنا عن الأمر بالتصريح بعداوة المشركين وبغضهم – الذي لا يستقيم إسلام بدونه حسب زعم صاحب العبارة – فلم نجده. إننا نفهم من الآية أن الله تعالى ينهى المؤمنين به – بصيغة الإخبار – عن تبادل الود مع كل من يحارب الله ورسوله حتى ولو كان من أقرب المقربين. ونفهم أن تبادل المودة مع هؤلاء شيء – وعداوتهم وبغضهم شيء ثان، والتصريح بهذه العداوة والبغضاء بداية وقبل أي حوار شيء ثالث، ونفهم أنه لا علاقة تربط بين هذه الأشياء جميعاً.

إن مبادهة الآخرين بالعداوة والبغضاء سلوك يتعارض عمودياً مع قوله تعالى {أدع إلى سبيل ربك بالحكمة ولموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} النحل 125. وهذا أمر إلهي موجه في ظاهره للنبي (ص) لكنه يشمل كل أفراد أمته والمؤمنين به في كل زمان ومكان.

أما في الفقرة الثالثة، فهي امتداد للنقطة الثانية في مسألة العداوة والبغضاء التي انتقلت – كمنطلق عقائدي يرسم السلوك – من الأساتذة الأئمة إلى طلابهم ومريديهم، واتسعت حتى لم تعد مقصورة على الكفار بل تعدتهم إلى الموالين لهم من أبناء الأمة ورجالاتها. ويستوقفنا في الفقرة أمران، الأول يتلخص في عدة أسئلة، منها: ما هو المعيار المعتمد في تصنيف إنسان ما في حقل الموالين للكفار؟ وهل التساهل مع الكفار يدخل تحت عنوان الموالاة؟ وهل هناك تساهل مسموح به بدليل شرعي، وتساهل مرفوض في الإسلام إن لم يدعمه دليل شرعي؟ وهل عدم التصريح علناً بعداوة الكفار والمشركين وبغضهم يعتبر موالاة لهم؟ والثاني هو قول الكاتب: إن موضع القدوة لنا هو رسول الله (ص) وصحابته الأجلاء وسلفنا الصالح وكفى. ونسي هنا أن يخبرنا أيضاً أن تارك الصلاة وهو من أتباع محمد (ص) هو كافر ولو كان يعيش بيننا، ويمكن أن يكون أماً أو أباً أو ابناً أو فماذا نفعل معه؟ وما هو أصلاً تعريف الكافر؟ ومن هو؟

هل لابد لنا من الإجابة على أسئلة الأمر الأول؟ أم أن الإجابة واضحة عند كل متأمل منصف؟ ففي ضوء ما قلناه من أن مسألة العداوة والبغضاء مسألة فقهية لا أصل لها في التنزيل الحكيم، ولا اثر لها في السلوك النبوي. وفي ضوء مافصلناه من أن الولاء والبراء – كمصطلح يضم تحته السب والشتم واللعن والتكفير على المنابر – لم يسمع بهما النبي (ص) في حياته المباركة كلها، بل وُلِدا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وترعرعت بذرتهما لتصبح شجرة زقوم يذبح تحتها قوله تعالى {..وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} الحجرات 13. لانجد حاجة للإجابة.

لقد خطر لنا أن نستشهد في هذه المسألة بقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى عليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا.} النساء 94. لولا أن أحد الفضلاء نصحنا ألا نفعل، فإن للإمام محمد بن عبد الوهاب رداً على هذا الشاهد أورده على ص 40 من كتابه “كشف الشبهات¨ يقول فيه: “معلوم أن الرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه مايخالف ذلك كما قال تعالى في آية النساء 94، أي فتثبتوا. فدلت الآية على وجوب الكف حتى يتثبت منه، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله تعالى: {فتبينوا} ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبيت معنى. وأيضاً أمره (ص) بقتل الخوارج (صحيح مسلم حديث 1064) “أينما لقيتموهم فاقتلوهم، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد¨ مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلاً وتسبيحاً حتى أن الصحابة يحقرون صلاتهم عندهم، وقد تعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم (لا غلبة إلا لله) ولا كثرة العبادة ولا إدعاء الإسلام لما ظهر منهم من مخالفة الشريعة¨ أ هـ.

وبعد الإطلاع قررنا أن نضع الشاهد والرد بين يدي القارئ ليرى فيه رأيه.

1 – في الآية أمر ونهي. أما الأمر فقوله تعالى {فتبينوا}، وأما النهي فقوله تعالى {ولا تقولوا}، والإمام نظر في الأمر ولم ينظر في النهي،.

2 – الضرب في سبيل الله يكون – كما قال عدد من المفسرين أحدهم الرازي في التفسير الكبير – إما للتجارة إن كان الضرب في سبيل الله رزق ، أو للجهاد إن كان الضرب في سبيل إعلاء كلمة الله ونشر دينه. وفي كلا الحالين لا علاقة للآية بقتال ولا بقتل انطلق الإمام منهما في فهم الآية حين اعتبرها آية في القتال. ونحن نرجح أن الضرب في سبيل الله في الآية هو للسفر والتجارة بدلالة أنه سبحانه استعمل الأداة (إذا)، ولو كان يقصد القتال لاستعمل كلمة (إن) باعتبار أنه عارض قد يحصل وقد لا يحصل.

3 – السّلَم في الآية هو السلام، بدلالة أنه قرئ كذلك عند البعض. وللسلام عند المفسرين معنيان: الأول بمعنى التحية، والثاني بمعنى المسالمة، لكنه في كلا الحالين لا علاقة له بالإسلام الذي ذهب عليه الإمام.

4 – ثمة ترابط لزومي باللفظ والمعنى بين الأمر بالتبيين والتثبت وبين النهي عن قول لست مؤمناً في الآية. تمثله واو المعية العاطفة في عبارة {ولا تقولوا}، التي تربط بين المعطوف والمعطوف عليه برباط المعية فلا ينفصل أحدهما عن الآخر في القصد والدلالة، والتي لم يقف عندها الإمام حين نظر في الأمر وترك النظر في النهي.

5 – الآية تنهى – كما فهمناها – عن تصنيف الخلق بحسب عقائدهم، ثم اعتماد هذا التصنيف معياراً في التعامل معهم، وهذا – في رأينا – ما دفع الإمام إلى تجاهل النهي في الآية، لأنه لو فعل لتهاوت دعوته إلى إعلان العداوة والتصريح بالبغضاء كمحور رئيسي عنده.

فإن نحن انتقلنا على النصف الثاني من الفقرة، أي إلى مسألة الخوارج والأمر النبوي الوارد في صحيح مسلم بقتلهم أينما كانوا استوقفتنا فيه عدة أمور. أولها أن الخوارج عند الإمام هم مخالفو الشريعة، وهذا كلام غائم فضفاض يدخل تحت عنوانه أشياء وأشياء، ثانيها أنه لا يفرق بين الخوارج على علي بن أبي طالب في مسألة التحكيم وبين الخوارج على الأمويين في مسألة جواز قتال السلطان الجائر، ولاندري إن كان يعتبر – في فقرته هذه على الأقل – عائشة والزبير وطلحة وسعيد بن جبير من الخوارج، كما أنه لا يفرق أيضاً بين الشريعة النبوية والشريعة العلوية والشريعة الأموية والعباسية، وبين كل من هذه وتلك خلافات واختلافات علمها من علم وجهلها من جهل. ثالثها أنه يعتبر قتل المخالفين في الرأي منهجاً نبوياً وهذا يتعارض مع عشرات الآيات القرآنية التي ذكرنا بعضها آنفاً فلا نعيد. رابعها أنه لا يفرق بين علم النبوة وعلم الغيب. فالإنذار بيوم القيامة – مثلاً – من علوم النبوة الموحاة، أما العلم بما سيقع من أحداث بتفاصيلها وأسماء أصحابها فهو من علوم الغيب التي نفاها سبحانه عن نبيه الكريم في قوله {..ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ومامسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} الأعراف 188. والأرجح عندنا أن هذا الحديث من وضع الوضاعين بعد العصر النبوي لتبرير ماكان يقوم به أمثال الحجاج بن يوسف الثقفي وواليه على مكة خالد بن عبد الله القسري كما تم وضع أسماء العشرة المبشرين بالجنة وأصحابي كالنجوم.

وأما في الفقرة الرابعة، فيجري تكريس مسألة التصريح بعداوة المشركين والكفار وبغضهم على المستوى الجغرافي حين يقسم الفقهاء الكون إلى دارين: دار حرب وكفر، ودار إسلام وسلام. والقائل بالمسألة الأولى لابد له لزوماً من القول بهذا التقسيم.

إن أهم وأبرز مايستوقف المتأمل في هذه الفقرة هو حشر مسألة الهجرة فيها، والاستشهاد بأحاديث نبوية متعارضة في ظاهرها إلى حد لايمكن معه التوفيق بينها، والاستناد إلى أحكام فقهية تعتبر المهاجر مرتداً وإن لم يرتد في عقيدته عن الإسلام. نقول: إن من المفروغ منه بلا خلاف أن الأمر بالهجرة في حال وقوع الظلم والاضطهاد في النفس والمال والعقيدة نزل قبل الأمر بالقتال، بدليل أمره (ص) أصحابه بالهجرة إلى الحبشة. تلك هي الهجرة العامة التي أشار إليها قوله تعالى {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} النساء 97. والتي تستوي فيها أرض المهجر إسلامية كانت أم غير ذلك.

ثم بعد عشر سنوات من البعثة، نزل الأمر بالهجرة من مكة إلى المدينة، وتلك هي الهجرة الخاصة التي انتهت دوافعها وأسبابها بفتح مكة، من هنا فإن كل حديث نبوي يمنع الهجرة أو يقيدها، كقوله: (ص): لاهجرة بعد الفتح، إنما يعني الهجرة الخاصة من مكة إلى المدينة، لكنه لايعني مطلقاً الهجرة العامة، وبهذا يرتفع التعارض الظاهري بين الأحاديث النبوية. وإذا صح مانقول – وهو عندنا صحيح – سقط قول من يقول إن الهجرة من أهم تكاليف الولاء والبراء وسقط معه قول من يقول إن المهاجر إلى دار الكفر مرتد لتركه دار الإسلام.

إننا لاندري في ضوء هذا الحصار، ماذا يفعل المظلوم المقموع المصادر في ظل أنظمة تقتل وتنهب وتغتال الحريات، فلا هو يستطيع الصبر، ولا هو يستطيع الهجرة، أمامه أمران أحلاهما مر، إما أن يسكت فيتحول إلى شيطان أخرس أو يموت حزناً وقهراً، أو يموت أو أن يصرخ فيتحول إلى خارجي كافر لا حول له ولا قوة إلا بالله.

ونحن لانستغرب كتابات محمد بن عبد الوهاب حول الولاء والبراء لأنه عاش في القرن الثامن عشر وكان في منطقة نجد وهي منطقة شبه معزولة عن العالم في ذاك الوقت. ولو أراد أن يكتب حول الولاء والبراء الآن لغيّر كثيراً من آرائه.

كيف نفهم الولاء والبراء الآن؟

على ضوء ماذكرنا آنفاً حول الآراء التي تطورت حول الولاء والبراء، وكيف تحولت من مصطلح في التنزيل الحكيم له دلالاته، إلى مصطلح فقهي سياسي مختلف تماماً عما ورد في التنزيل الحكيم.

وبما أن الولاء والبراء هو من صفات المجتمعات الإنسانية الواعية، فهذه التجمعات تحمل المصطلحات التالية: الأسرة – العشيرة – القبيلة – الأمة – القومية – الشعب – المذهب – الطائفة – الحزب السياسي – الطبقة.

ولكن نؤكد أولاً المصطلحات التي يشترك بها معظم سكان الأرض بغض النظر عن القومية والأمة والشعب وهي: الأسرة – الأمة – القومية – الشعب.

1 – الأسرة: فنرى أن الولاء والبراء في الأسرة هو التراحم والتعاطف والود بين أفرادها ومساعدة بعضهم بعضاً بغض النظر عن انتماءاتهم المذهبية والسياسية. والبراء هو الدفاع عن أفراد الأسرة عندما تتعرض لظلم أو عدوان من قبل الآخرين والدفاع بحسب الوسائل المتاحة في الصحافة والقضاء والكلمة الطيبة حتى السب والشتم، وكذلك تقديم المساعدات المادية لأفراد الأسرة بعضهم لبعض، وهو ما نسميه بصلة الرحم. حتى إبراهيم (ع) لم يمنعه التبرؤ من أبيه من الحزن عليه والحفاظ على علاقات الود معه. في الولاء الأسري يتساوى الناس جميعاً.

2 – الأمة: لقد عرفنا الأمة بأنها مجموعة من الناس لهم سلوك موحد، لذا فإن المسلمين المؤمنين هم أمة محمد. والولاء والبراء في الإيمان وأركانه لله ولرسوله وللذين آمنوا. وبالنسبة للإيمان وأركانه فإن المؤمنين ملة، واليهود ملة، والنصارى ملة. وفي أمور الإيمان (لن ترض عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم).

ولكن في أركان الإسلام والمثل العليا ففيها الشيء المشترك الكثير بين المؤمنين ومعظم سكان الأرض، لأنها قيم إنسانية عامة. والغريب أن المثل العليا والعمل الصالح من أركان الإسلام الحقيقية، لايوجد فيها قيم إنسانية أو أخلاق، مما جعلنا أمة معزولة عن العالم والقيم الإنسانية..

والأمة هي وحدة السلوك – كما عرفناها سابقاً – التي تجمع مجموعة من الناس بعضهم إلى بعض، فأتباع محمد (ص) هم أمة محمد لهم قبلة واحدة. وكل شيء يخص أتباع محمد (ص) بالسلوك يدخل ضمن مفهوم الأمة، ونرى الحُجاج ومقيمي الصلاة ومؤدي الزكاة، وصلاة الجنازة هي من مقومات سلوك أمة محمد التي تميزها عن غيرها. وفيها الولاية لله ورسوله والمؤمنين، ولا يوجد فيه أي ولاية للآخرين، ولا علاقة للحكام بذلك لذا قال تعالى {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}. حتى المؤمنون الذين يعيشون في أمريكا وأوربا والصين وروسيا ولايتهم في أمور الإيمان لله ورسوله والذين آمنوا. وفي المفهوم الواسع الآن هي الثقافة بشكل عام. ونرى أنه يمكن للأمة أن تعيش في دولة واحدة أو في عدة دول. فأمة محمد (ص) تعيش في 57 دولة اسمها الدول الإسلامية. وفي دول أخرى، أيضاً هناك مجموعات تنتسب إلى أمة محمد (ص)، وأينما وجدت فولاؤها في أركان الإيمان لله ورسوله والذين آمنوا، ولا علاقة لأي سلطة بهذا الولاء والبراء لأنه لايصطدم مع أية سلطة، إلا إذا كانت سلطة غايتها تفكيك الدين بما فيه الشعائر. أما الولاء في حقل العمل الصالح فهو لمن يقوم به من أمة محمد (ص) أم من غيرهم. فولاؤها في العمل لمن يتقن عمله ولا يمارس الغش كائناً من كان. وولاؤنا في القضاء للقضاء النزيه بغض النظر من هو القاضي، وكذلك ولاؤنا للطب للطبيب الكفؤ كائناً من كان ومن أي ملة كان.

ويمكن أن تكون في بعض الحالات العلاقات بين الأمم علاقات غير ودية، ولكن ليس بالضرورة عدائية أو عدوانية كالبراءة من المشركين.

القومية: كما عرفناها سابقاً هي مجموعة من الناس العاقلين تجمعهم وحدة اللسان، كأن تقول القومية العربية، أي أن العربية لسان بغض النظر من أية أمة كان منتسبوها فهناك مؤمنون عرب ونصارى عرب ومؤمنون أتراك ومؤمنون فرس، وهكذا والولاء للقومية هي أولاً الاعتناء باللسان القومي ونشر الثقافة فيه وترجمة الكتب من لغات أخرى إلى اللغة الأم. أي أن القومية لا تتعارض مع الأمة. فالأمة الواحدة فيها قوميات والقومية الواحدة فيها أمم، والولاء فيها لا يتعارض مع مفهوم الولاء في الأمة، إذ أن لكل واحد منهما حقله الخاص به ومفهومه الإيجابي الخاص به. والولاء في القومية يحفظ اللغة من الانقراض. والعلاقات بين القوميات هي علاقات تبادل ثقافي، لا علاقات فرض لغة على أخرى. والولاء أيضاً هو نشر المراكز الثقافية والمدارس التي تعلم اللغات المختلفة.

الشعب: وقد شرحناه في الصفحات السابقة وهو التجمع الذي يقوم على أساس تجمع مصالح في نظام سياسي، بمساحة يعيش فيها هي الوطن. ونرى أن الشعب هو مصطلح ورد في التنزيل الحكيم مع محمد (ص) حيث وصلت البشرية إلى مرحلة تشكيل الشعب. ولم يرد مصطلح الشعب في التنزيل الحكيم قبل محمد (ص).

والشعب هو التجمع الإنساني الأكثر رقياً إذ يأتي في مرتبة فوق الأمة وفوق القومية والفرد فيه هو المواطن. وأول مرة تشكل شعب في شبه جزيرة العرب هو بعد الهجرة النبوية. فعندما وصل الرسول (ص) إلى يثرب كتب الصحيفة مع اليهود وكتب فيها أولاً أن المؤمنين أمة، واليهود أمة وأنهم متساوون في الحقوق والواجبات وأن السلطة فيها للنبي وللمؤمنين.

هنا نلاحظ أمراً مهماً جداً هو أنه سمى أتباعه أمة وسمى اليهود أمة، وهم يعيشون في مكان واحد هو يثرب وسوى بينهم في الحقوق والواجبات، لذا فقد تشكل أول شعب في بقعة هي يثرب، وقد تم معاقبة اليهود هذا العقاب الشديد لأنهم خانوا الوطن والمواطَنَة وتآمروا على الوطن، فأُخرجوا من أوطانهم، بينما هذا العهد لم يكن بين المؤمنين والمشركين من قريش، بل كانت هناك هدنة فقط.

ونرى أن مفهوم الشعب والمواطنة لا يتناقض مع مفهوم الأمة والقومية والأسرة.

لنأخذ مثالاً سكان الولايات المتحدة الأمريكية.

1 – هناك مجموعة من المسلمين المؤمنين هم من أمة محمد وليهم في أركان الإيمان الله ورسوله والذين آمنوا.

2 – جزء من هؤلاء قوميتهم عربية، ويتكلم العربية في بيته، والإنكليزية في عمله، ولا تعارض في ذلك. وولاؤه في البيت للغته الأم. وجزء آخر تركي وآخر فارسي.

3 – هؤلاء جميعهم مواطنون في أمريكا وهم جزء من الشعب الأمريكي، وولاؤهم السياسي والمصلحي للولايات المتحدة الأمريكية، لأن مصلحة شعب أمريكا عندهم فوق مصلحة أي شعب آخر. ونرى أنه لا تناقض أبداً بين هذه الولاءات الثلاثة. وقس على هذا في كل دولة من دول العالم.

إن العلاقات بين الشعوب هي علاقات مصالح، والولاء فيها للمصالح. والبراء من هذه المصالح. وليس بالضرورة أن يكون عدوانياً، حيث يمكن أن تكون هناك علاقات غير ودية وقد تكون هذه العلاقات غير الودية بين شعوب تنتسب إلى أمة واحدة، لكن أساس العلاقات بين الشعوب هي المصالح المتبادلة والسلام والحرب هي حالة شاذة وليست قاعدة للعلاقات.

نأتي الآن إلى بعض أنواع الولاء الضيق الفكر، وهو الولاء للطائفة أو المذهب أو الحزب. فهذا النوع موجود في الدول المتخلفة وهو ولاء متخلف جداً استئصالي. والعلاقات بين هذه الولاءات غير ودية، وقد تكون حالات عدوانية وقد حصل هذا تاريخياً ومازال. ففي هذه الحالة تصبح الطائفة أو المذهب فوق القومية وفوق الشعب. ومن أسوأ أنواع الولاء سوءاً في الأرض هو عندما يجتمع الولاء للمذهب والحزب معاً أي مذهبي وسياسي (كالإخوان المسلمون عند السنة وحزب الله عند الشيعة). هذا الولاء لا ينتج عنه – إن وصل للسلطة – إلا دولة اقصائية استبدادية بامتياز.

وكذلك عرف التاريخ الولاء للطبقة وهو ولاء استئصالي بحت. فالاتحاد السوفياتي قام على أساس الولاء الطبقي، فركب السلطة أشخاص باسم طبقة العمال والفلاحين، ولكن عملياً أصبحوا الأغنياء الجدد، فالولاء الطبقي هو أن تحل طبقة مكان أخرى في الامتيازات، ولا علاقة لشعار المساواة بذلك. فكل الحركات التي سمت نفسها ثورية في القرن العشرين تحت اسم الطبقة لم يكن هدفها المساواة إطلاقاً، وإن كان هناك مساواة فعلاً فهي المساواة في الفقر والاضطهاد، والحقيقة أن مجموعة حلّت في السلطة مكان مجموعة، لذا فهي بالضرورة استبدادية بامتياز. وقد أعطت لنفسها الصفة العالمية على أساس أن في العالم كله يوجد عمال وفلاحون.

لذا فإننا نرى أن أسوأ أنواع الولاء والبراء هو في الحركات الدينية السياسية، وفي الحركات الطبقية التي تسمي نفسها ثورية، لأنها تشترك في صفة أساسية هي إدعاء تمثيل الناس بالقوة رغم أنوفهم حيث تعرض الوصاية عليهم باسم الشرعية الثورية أو باسم حاكمية الله، استبدادية بطبيعة إيديولوجيتها.

خاتمة

بعد أن انتهى بحث الولاء والبراء يتم طرح سؤال هام جداً وهو: الجهاد والقتال، ما هو مفهوم الجهاد والقتال في مصطلح الأمة وفي مصطلح القومية وفي مصطلح الشعب؟؟

أي متى يجاهد الإنسان على أنه فرد من أمة؟ ومتى يجاهد على أنه فرد في قومية؟ ومتى يجاهد على أنه فرد من شعب؟ وهذا ما أسميه العقيدة القتالية للأفراد.

ومتى يقاتل الناس في مجموعات تشكل الجيش أي ما نسميه العقيدة القتالية للجيوش؟

وهل هناك بالضرورة تطابق بين العقيدة الفردية والعقيدة الجماعية في الجهاد والقتال؟ أي في عقيدة الأفراد وعقيدة الجيوش؟

لقد أجبنا على هذه الأسئلة في الفصل الثالث (الجهاد والقتال).

الفصل السادس: مسألة الردة

الراء والدال والدال (ر د د) أصل صحيح في اللسان، ومفردة قرآنية وردت مشتقاتها في تسعة وخمسين موضعاً في التنزيل الحكيم تحمل عدداً من المعاني، أورد الزمخشري في أساس البلاغة أكثر من عشرين وجهاً من وجوه معانيها على الحقيقة وأكثر من عشرة وجوه على المجاز، رأينا أنها تدور حول بضعة محاور لا تتعداها، سواء في مواضعها من التنزيل أو في وجوه معانيها عند أهل اللسان، ما يهمنا في بحثنا هذا محوران:

1 – الرد بمعنى الإرجاع والإعادة، كما في قوله تعالى:

·         {فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن} القصص 13.

·         {ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردوكم من بعد إيمانكم كفاراً} البقرة 109.

·         {ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم} يوسف 65.

2 – الرد بمعنى المنع والصد والإحجام، كما في قوله تعالى:

·         {بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولاهم ينظرون} الأنبياء 40.

·         {وإن يردك بخير فلا راد لفضله} يونس 107.

·         {وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له} الرعد 11.

·         {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين} المائدة 21.

ونقف عند آيتين تحديداً من التنزيل الحكيم هما:

آ – {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ..} البقرة 217.

ب – {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ..} المائدة 54.

ونبدأ بتعريف الردة – كما وردت في الآيتين – بأنها سلوك وعمل. تماماً كما عرّفنا الإيمان بأنه سلوك وعمل، وكما عرّفنا الكفر والشرك بأنه موقف وسلوك وعمل. ولما كانت السلوكيات والأعمال هي المعيار الذي يتقرر على أساسه الثواب والعقاب يوم الحساب، بدلالة قوله تعالى في سورة الزلزلة: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْرًا يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ شَرّا يَرَه (8)}، فإن الردة عن الدين أحد هذه الأعمال التي يختارها الإنسان لنفسه ويتقرر مصيره على أساسها إلى الثواب أم إلى العقاب.

ننتقل الآن إلى تعريف موضوع الردة إذ لابد للردة والارتداد من موضوع ومحل تتجلى فيه، جواباً على سؤال منطقي هو: الارتداد عن ماذا؟ والجواب في كلتا الآيتين هو: الدين. والدين هو المنهج السلوكي العام بدءاً من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر والعمل الصالح، والحد الأدنى هو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح إذ يكفي هذا الحد الأدنى للدخول في الإسلام، مروراً بالإئتمار بأوامر الله تعالى والانتهاء عن نواهيه، ثم القيام بأداء أركان الإيمان من صلاة وزكاة وصوم وحج، وذلك تحت عنوانين رئيسيين: الأول شهادة أن لا إله إلا الله وهي رأس الإسلام، والثاني شهادة أن محمداً رسول الله وهي رأس الإيمان. ثم الالتزام خلال ذلك كله بالمثل العليا والأخلاق الحسنة المحمودة.

تلك هي الردة عن الدين كما ترسمها آيتا البقرة 217 والمائدة 54. ورأس الدين هو الشهادة الأولى وصاحبها مسلم، والشهادة الثانية وصاحبها مؤمن من أتباع محمد (ص) وهي الملة الحنيفية الإبراهيمية، واليهودية والنصرانية هي ملل وليست أدياناً، إذ لا يوجد إلا دين واحد. والسؤال الآن: ماهي العقوبة التي قررها سبحانه في كتابه العزيز لمرتكب الردة، في ضوء ما نراه من عقوبات وحدود، كحد القتل، وحد الزنا، وحد السرقة، وحد رمي المحصنات علماً بأن الحدود في التنزيل الحكيم هي الحدود العليا للعقوبة؟ والجواب:

آ – عقوبة المرتد في آية البقرة 217 هي حبوط عمله وبطلانه في الدنيا والآخرة.

ب – عقوبة المرتدين في آية المائدة 54 هي أن الله سيستبدلهم بقوم يحبهم ويحبونه.

بعبارة أخرى، ليس في كتاب الله حد شرعي للمرتد سوى ما نصت عليه آيتا البقرة 217 والمائدة 54. وليس في هذا ما يثير العجب أو الاستنكار بل العكس هو الصحيح، لأن الإيمان موقف فكري واعً يختاره الإنسان العاقل دون إكراه ولهذا يحاسبه الله عليه يوم الحساب، وقل مثل ذلك في الكفر والشرك والردة بدلالة قوله تعالى {قُلْ يَا أَيّهَا النّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقّ مِنْ رَبّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلّ فَإِنّمَا يَضِلّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} يونس 108، وقوله تعالى عن الإنسان {إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا} الإنسان 3.

فإذا كان ذلك كذلك – وهو كذلك فعلاً بلا ريب – فمن أين جاء تفسير المفسرين وفقه الفقهاء عن المرتد “إن يقتل عند الظفر به، ويقاتل إلى أن يظفر به، ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصراً ولا ثناءً حسناً، وتبين زوجته منه، ولا يستحق الميراث من المسلمين¨ (أنظر التفسير الكبير للرازي ج6 ص33)؟ ومن أين جاؤوا بقولهم “أن أهل الردة كانوا إحدى عشرة فرقة، ثلاث في عهد رسول الله (ص):

1 – بنو مدلج قوم الأسود العنسي.

2 – بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب.

3 – بنو أسد قوم طليحة بن خويلد.

وسبع في عهد أبي بكر:

4 – فزارة قوم عيينة بن حصن.

5 – غطفان قوم قرة بن سلمة القشيري.

6 – بنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل.

7 – بنو يربوع قوم مالك بن نويرة.

8 – بعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر.

9 – كندة قوم الأشعث بن قيس.

10 – بكر بن وائل بالبحرين قوم الخطم بن زيد.

وفرقة واحدة في عهد عمر بن الخطاب هي:

11 – غسان قوم جبلة بن الأيهم

(أنظر تفسير الكشاف للزمخشري ج1 ص 620)

والجواب: تلك حكايا أهل الأخبار ورواة قصص الأحداث، تمت أسلمتها تحت عنوان معصومية الصحابة وقدسية التراث فتحولت إلى تشريع لا أصل له في أحكام التنزيل الحكيم، وكان من خطر ذلك أن أصبح لدينا “إسلام تاريخي¨ بدلاً من “تاريخ إسلامي¨، وأصبحت لدينا نصوص تراثية لها من السلطة والسلطان ما لا يستطيع معه رجل كالزمخشري إلا أن يأخذ بها دون تفكر ولا تدبر ودون تحليل ولا تمحيص ودون زيادة أو نقصان(1).

لقد نظر فقهاء سلاطين الاستبداد في التنزيل الحكيم بحثاً عن الردة يبررون به التصفيات الجسدية التي يمارسها سلاطينهم ضد خصومهم، ويشددون به من إحكام قبضتهم على أعناق الناس باسم الحفاظ على الدين، فلم يجدوا. ونظروا في السنة النبوية العملية بحثاً عن مرتد قتله النبي (ص) بتهمة الردة فلم يجدوا أيضاً، رغم ما تحفل به كتب السيرة من أخبار مرتدين. فزعموا أن النبي (ص) في سنته القولية أمر بقتال بني مدلج وقتل رأسهم في الردة الأسود العنسي، وبقتال بني حنيفة وقتل مسيلمة الكذاب، وبقتال بين أسد وقتل طليحة بن خويلد. وزعموا أن النبي (ص) قال: “من بدل دينه فاقتلوه¨، وأن أبا بكر وعمر سارا بعده على خط سنته القولية تلك. ونقف بالتحليل والتأمل عند هذين الزعمين:

1 – أخرج البخاري وأبو داوود والنسائي وابن ماجة الترمذي وابن حيان والحاكم وأحمد وأبو يعلى والبيهقي والدارقطني والطبراني وابن أبي شيبة عن عكرمة (واللفظ للترمذي) أن علياً حرق قوماً ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لقتلتهم لقول رسول الله (ص): من بدّل دينه فاقتلوه. ولم أكن لأحرقهم لقول رسول الله (ص): لا تعذبوا بعذاب الله. فبلغ ذلك علياً فقال: صدق ابن عباس. وقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث صحيح حسن، والعمل عليه عند أهل العلم في المرتد، واختلفوا في المرأة إذا ارتدت. فقالت طائفة: تقتل. وهو قول الأوزاعي وأحمد، وقالت طائفة: تحبس ولا تقتل وهو قول سفيان وغيره من أهل الكوفة. أهـ.

وأخرج الإمام مالك في موطئه عن زيد بن أسلم أن رسول الله (ص) قال: من غيّر دينه فاضربوا عنقه. مرسل عند جميع الرواة. ومعنى قول النبي (ص) فيما نرى والله أعلم أن من خرج من الإسلام إلى غيره مثل الزنادقة وأشباههم فأولئك إذا أظهروا ذلك قتلوا ولم يستتابوا، وأما من خرج من الإسلام إلى غيره ولم يظهر ذلك يستتاب فإن تاب وإلا قتل. ولم يعن النبي (ص) بذلك فيما نرى والله أعلم من خرج من اليهودية إلى النصرانية ولا من النصرانية إلى اليهودية أو إلى غيرها. أهـ. مع أن اليهودية والنصرانية هي ملل تنتهي إلى الدين الإسلامي.

ونفهم مما قاله الإمام مالك ثلاثة أمور. الأول، أن حديث زيد بن أسلم عن النبي (ص) صحيح عنده، بدليل أنه أورده في موطئه. والثاني، أن للحديث دلالة على خلاف ظاهره، فالنبي (ص) – عند مالك – يتحدث عن حكم المسلم الذي يغير دينه إلى النصرانية أو اليهودية أو غيرهما من الأديان ولا يتحدث عمن يغير دينه مطلقاً، وإلا فالحديث على ظاهره يشمل اليهودي والنصراني وغيرهما إن هما اعتنقا الإسلام وهذا محال. والثالث وهو الأهم، أنه جعل من ظهار المرتد لردته والإصرار عليها شرطاً لنفاذ حكم القتل فيه.

كما نفهم مما قاله الإمام أبو عيسى الترمذي ثلاثة أمور. الأول، أن حديث عكرمة عن ابن عباس عن النبي (ص) صحيح عنده حسبما صرح حرفياً. الثاني، ثبوت صحة الحكم في الحديث عن الرجل المرتد، الثالث وهو الأهم، استثناء المرأة المرتدة من حكم القتل عند طائفة منهم سفيان الثوري، رغم أن الاسم الموصول (من) في الحديث يشمل الرجل والمرأة لزوماً.

وإذا كان الحديث بروايته الأولى (من بدل دينه فاقتلوه) قد صح عند البخاري والترمذي وغيرهما من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد والمستدركات والمصنفات، وإذا كان الحديث بروايته الثانية (من غير دينه فاضربوا عنقه) قد صح عند مالك في موطئه، فإن الحديث بروايتيه لم يصح عند الإمام مسلم، تماماً مثلما لم يصح عندنا.

وإذا كانت حجة الإمام مسلم في رفضه لهذا الحديث غير معروفة، فإن حجتنا في رفضه هي التالية:

آ – خروجه عن عقوبة المرتد المنصوص عنها في آيتي البقرة 217 والمائدة 54.

ب – تعارضه مع التنزيل الحكيم نصاً وروحاً في عشرات الآيات، منها: {لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنّهُمْ ظَالِمُونَ} آل عمران 128، و{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} النحل 125، و{وَلَوْ شَاءَ رَبّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} يونس 99، و {فَذَكّرْ إِنّمَا أَنْتَ مُذَكّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلّا مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذّبُهُ اللّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24)} الغاشية 21 – 24.

ج – تعارضه مع أحاديث نبوية أخرى، منها ما رواه البخاري عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله. ومنها ما رواه أبو داوود وابن ماجه في سنتهما عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه.

د – يلاحظ المتأمل أن حديث (من بدل دينه فاقتلوه) ورد عن عكرمة عن ابن عباس في معرض تعليقه على تحريق الإمام علي لفرقة من الزط اتخذوا لأنفسهم أصناماً يعبدونها مرتدين عن عبادة الله. وهذه حادثة – إن صحت – فالأرجح أنها وقعت في خلافة الإمام علي، أي بعد عام 35 هـ. والسؤال الآن: أين كان هذا الحديث النبوي المزعوم حين اعترض عمر بن الخطاب على أبي بكر في قتال أهل الردة، فقال له أبو بكر: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله (ص) لقاتلتهم على منعه)؟ لو كان هذا الحديث صحيحاً ومعروفاً لاحتج به أبو بكر فكانت حجته أقوى وأوضح، ولا يحتاج معها إلى الاجتهاد.

هـ – هذا الحديث بروايتيه، لم يجر تطبيقه عملياً لافي العصر النبوي على يد الرسول (ص) ولا في العصر الراشدي على يد أي من الخلفاء الأربعة.

صحيح أن النبي (ص) أمر بقتال وقتل ذي الخمار عبهلة بن كعب المشهور باسم الأسود العنسي مع من انضم إليه من عوام مذحج، وأمر بقتال وقتل طليحة بن خويلد مع من انضم إليه من بني أسد، وأمر بقتال وقتل مسيلمة بن حبيب مع من ناصره من بني حنيفة، إلا أن صدور مثل تلك الأوامر بالقتال والقتل عن النبي (ص) في أواخر السنة العاشرة للهجرة كانت لها أسباب موجبة ولا علاقة لها بالردة عن الدين لا من قريب ولا من بعيد، سنعرض لها بالتفصيل في الفقرة التالية ونحن نقف بالتأمل والتحليل أمام الزعم الثاني.

2 – يبدأ ذكر الردة عن أهل التفسير بآيتي البقرة 217 والمائدة 54، ويبدأ فقه فقهاء الردة بهما أيضاً، تماماً كما يبدأ ذكرها عند أهل الأخبار وأصحاب كتب السير والتراجم في أواخر السنة العاشرة للهجرة أي بعد حجة الوداع. والسؤال الآن: ألم تكن هناك ردة ومرتدون قبلها؟ والجواب: بلى، لكنها كانت تأتي تحت عنوان آخر هو النفاق. (يروي الفخر الرازي في تفسيره الكبير (ج12 ص 18) عن أم المؤمنين عائشة قولها: مات رسول الله (ص) وارتدت العرب وأُشهر النفاق).

والإمام الزمخشري حين يعدد في تفسيره الفرق المرتدة الإحدى عشرة، ومثله باقي المفسرين كالفخر الرازي، يبدأها بثلاث في عهد النبي (ص)، ثم بسبع في عهد أبي بكر، وينتهي بواحدة أخيرة في عهد عمر. والسؤال الآن: ألم تحصل ردات بعد عهد الخليفة الثاني عمر؟ والجواب: بلى، لكنها صارت تحمل عناوين فقهية أخرى كالحرابة والصيال ونقض البيعة والخروج عن الجماعة والزندقة ورفض طاعة أولي الأمر وغيرها. ولقد شرحنا فيما سبق ما رأيناه في قول الإمام الزمخشري من مآخذ فلا نعيد. بقي أن نشير إلى أن لقائمة الفرق المرتدة عند الزمخشري فائدة واحدة رغم مالها من مآخذ، هي أن الردة عنده لا تكون إلا جماعية.

فإذا نحن نظرنا في هذه الفرق كلها على ضوء:

آ – الإظهار عند الإمام مالك..

ب – الإشهار عند الرازي نقلاً عن عائشة (رض)..

ج – الجماعية عند الزمخشري. وجدناها تحمل جميعها هذه الصفات الثلاثة. إضافة إلى صفة رابعة أهم من ذلك كله، هي أنها جميعاً حركات انفصالية معارضة تعلن العصيان المسلح على الحكومة المركزية.

يقول الطبري في تاريخه (ج3 ص 229 وما بعدها) عن الأسود العنسي: “ثم توجه إلى نجران حتى أخذها في عشر لمخرجه، وطابقه عوام مذحج، ثم قتل شهر بن باذام (أحد عمال رسول الله (ص) على اليمن بعد موت أبيه) وهزم الأنباء وغلب على صنعاء، وغلب الأسود على ما بين صهيد – مفازة حضرموت – إلى البحرين قبل عدن، وطابقت عليه اليمن، وجعل يستطير استطارة الحريق. وكان معه يوم لقي شهراً سبعمئة فارس سوى الركبان، وكان خليفته في مذحج عمرو بن معد يكرب الزبيدي، (وكان قد كتب كتاباً لمن جاء لقتاله قال فيه: أيها المتوردون علينا أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا فنحن أولى به) أهـ”.

ويقول عن طليحة بن خويلد (المرجع نفسه ص 253 وما بعدها) “..لما أرزت عبس وذيبان ولفها إلى بُزاخة (ماء لبني أسد أقام عنده طليحة وأنصاره قادمين من سميراء) أرسل طليحة إلى جديلة والغوث أن ينضموا إليهم فتعجل إليه أناس من الحيين. وكانت خيل طيء تلقى خيل أسد وفزارة فلا يقتتلون، فتقول أسد وفزارة: لا والله لا نبايع أبا الفصيل أبداً (يعنون أبا بكر تحقيراً) فتقول طيء: نشهد ليقاتلنكم حتى تكنوه أبا الفحل الأكبر¨ أهـ .

مرة أخرى نجد أن المسألة مسألة بيعة لرجل من أفناء الناس بالمعيار القبلي استقرت في سقيفة بني ساعدة، ولا علاقة لها بالردة عن الدين من قريب ولا من بعيد. ولعل أفضل من عبّر عن استياء المعارضين ومخاوفهم هو جرول بن أوس (الحطيئة) في أبيات نسبها إليه صاحب الأغاني:

أطعنا رسول الله ماكان بيننا فيا لعباد الله ما لأبي بكر

أيورثها بكراً إذا مات بعده وتلك لعمر الله قاصمة الظهر

فهلا رددتم رفدنا بزمانه وهلا خشيتم حس راغية البكر

ومرة أخرى نجد أن الحديث النبوي المزعوم بروايتيه (من بدل دينه فاقتلوه) و(من غير دينه فاضربوا عنقه) لم يتم تطبيقه والعمل به في العصر النبوي ولا في عهد أبي بكر وعمر، بدليل أننا نجد في تاريخ الطبري عشرات الأسماء لأشخاص لم يقتلوا رغم اشتراكهم في العصيان المسلح وفي قتال جيوش الحكومة المركزية، وفيهم مشهورون وردت أخبارهم في كتب الأخبار والتراجم. نذكر منهم:

الأشعث بن قيس، الزبرقان بن بدر، جرول بن أوس (الحطيئة)، عوف بن سنان، علقمة بن علاثة، عيينة بن حصن، زُميل بن قطبة القيني.

يقول العسقلاني في كتاب “الإصابة في تمييز الصحابة¨ تحت رقم 205: “الأشعث بن قيس بن معد يكرب الكندي، كنيته أبو محمد، وفد على النبي (ص) في سبعين راكباً من كنده. وكان من ملوك كندة، وهو صاحب مرباع حضرموت روى عنه البخاري ومسلم في صحيحهما، وكان قد ارتد فيمن ارتد من الكنديين وأسر، فلما جيء به إلى أبي بكر أطلق وثاقه وزوجه أخته، فاخترط سيفه ودخل سوق الإبل فجعل لا يرى جملاً ولا ناقة إلا عرقبه، فصاح الناس: كفر الأشعث. فلما فرغ طرح سيفه وقال: إني والله ما كفرت، ولكن هذا الرجل زوجني أخته ولو كنا في بلادنا لكانت وليمة غير هذه، يا أهل المدينة كلوا، ويا أصحاب الإبل تعالوا فخذوا شرواها. شهد اليرموك والقادسية وشهد صفين مع علي، ومات سنة اثنتين وأربعين بعد مقتل علي¨ أهـ.

يقول في المرجع نفسه تحت رقم 6151: “عيينة بن حصن بن حذيفة الفزاري، كنيته أبو مالك، كان من المؤلفة قلوبهم، له صحبة ولم تصح له رواية. أسلم قبل الفتح وشهد فتح مكة وحنيناً والطائف، ثم كان ممن ارتد في عهد أبي بكر ومال إلى طليحة فبايعه، وكان فيه جفاء سكان البوادي. قال إبراهيم النخعي: جاء عيينة بن حصن إلى النبي (ص) وعنده عائشة فقال: من هذه الجالسة إلى جانبك؟ قال: عائشة. قال: أفلا أنزل لك عن خير منها؟ يعني امرأته أم البنين. وقرأت في كتاب الأم للشافعي أن عمر بن الخطاب قتل عيينة بن حصن على الردة ولم ار من ذكر ذلك غيره، فقد عاش عيينة إلى خلافة عثمان¨ أهـ.

أما بالنسبة للزبرقان بن بدر، فلم يذكر صاحب الإصابة شيئاً عن ردته التي ذكرها الطبري في تاريخه، إلا أنه عده في المعمرين، فقد عاش إلى خلافة معاوية، بدليل ما ذكره الجاحظ في البيان والتبيين من أن الزبرقان دخل على زياد بن أبيه وقد كف بصره فسلّم خفيفاً، فأدناه زياد وأجلسه معه وقال: يا أبا عباس إن القوم يضحكون من جفائك. فقال: وإن ضحكوا، والله إن رجلاً إلا يود أني أبوه لغيّةٍ أو لرشدةٍ.

والسؤال الآن: هل كان يجوز لأبي بكر أو غيره – إن صح حديث قتل المرتد – أن يأسر مرتداً، أو يعفو عنه ويطلقه من وثاقه، أو يزوجه أخته؟ وهل يجوز – إن صح ما فعله خالد بن الوليد بمالك بن نويرة وقومه – السكوت عن مخازٍ وتجاوزات تكفي اليوم لترسل صاحبها إلى محكمة مجرمي الحرب في لاهاي؟

إننا لا نحاول هنا محاكمة التاريخ وأهله كما صاغه لنا فقهاء عبد الملك بن مروان وأبي جعفر المنصور فـ {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} البقرة 141، لولا أن بدعة القول بالردة وتوظيفها كغطاء شرعي في تصفية خصوم السلطان ومعارضيه، مازالت تمارس دورها حتى اليوم عند أكثر الجماعات الإسلامية إرهاباً. فقد أباح أيمن الظواهري قتل الحكام العرب لأنهم مرتدون، أي نفس السلاح الذي استعمل سابقاً من قبل السلاطين يستعمل الآن كمبرر شرعي لقتل الحكام.

لقد دخلت مسألة الردة في الجانب السياسي من العقل العربي الإسلامي، فأصبح ما حصل في سقيفة بني ساعدة جزءاً من الشرع الإسلامي، وما حصل في حروب الردة في السنتين العاشرة والحادية عشرة للهجرة أصبح معياراً شرعياً مازال الحاكم وغيره من الجماعات السلفية الجهادية حتى اليوم يشهرونه كالسيف فوق رؤوس معارضيهم أفراداً وجماعات. كما دخلت في الجوانب الأخرى الاقتصادية والاجتماعية من الوعي العربي. ولقد أسهم عدد من العوامل والظواهر في تكريس وتثبيت هذه المسألة في الفكر العربي، سواء عند الراعي الحاكم أم عند الرعية المحكومة، والسيف واحد في الحالتين: من غير دينه فاضربوا عنقه.

1 – الفهم التشخيصي العيني، للنص القرآني والنبوي والتاريخي، طبع جانباً من الثقافة العربية الإسلامية، ومازال حتى اليوم مؤثراً في تشكيل هذه الثقافة، ولعل أبرز أمثلة ذلك أن البعض مازال يصر على إخراج زكاة الفطر وصدقات الصيام بشكل قمح، ولا يقتنع بأن النقد يجوز كبديل. مما أسهم في دخول الجانب الخرافي في التاريخ العربي الإسلامي عبر كتب السيرة النبوية وكتب الأخبار والتراجم.

2 – الغلو في احترام التراث والسلف (عدا التنزيل الحكيم فهو ليس تراثاً) ودخوله في الوعي الثقافي كمقدسات لا يجوز المساس بها، جعلنا نتمسك حتى اليوم بذكورية المجتمع، وبفهم قوامة الرجال على النساء، بأنهم مسلطون عليهن بالتأديب والأخذ على اليد لفضلهم عليهن بالعلم والعقل والولاية، مما نتج عنه عدد من التشريعات التي تنص على عدم السماح للمرأة مهما بلغت من العمر والثقافة بالزواج أو السفر دون ولي.

3 – تعاظم أثر التقاليد الاجتماعية إلى حد يعطل أحكام التنزيل الحكيم، ومثاله الإرث والزنا، فالله تعالى يقول: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً} النساء 7. ومع ذلك فما زالت النسبة الغالبة من العرب المسلمين لا تعطي البنت حقها بالإرث. فإذا قال قائل: أولئك جهلة لا يعتد بهم، أجبناه بأن تشريعات (علم الفرائض) المعمول بها، تعتبر الولد الذي يحجب ذكراً، أما الأنثى فلا، وكذلك في الزنا، فرغم أن العقوبة شملت الزانية والزاني في التنزيل الحكيم، فما زالت تقاليدنا تدين المرأة وتفخر بالرجل، ومازالت قوانيننا تمنح الأعذار المحلة من العقوبة للرجل الذي يقتل زوجته بالجرم المشهود، ولا تمنحها للمرأة التي تقتل زوجها بالجرم المشهود.

4 – الغلو المتطرف في التعصب المذهبي، طبع بدوره جانباً آخر من ثقافتنا، مثاله ابن عابدين من أئمة الأحناف الذي يقول في حاشيته: إن أفتى أصحابنا بما يخالف كتاب الله، أخذنا بما أفتى به أصحابنا. ومثاله ما نراه اليوم سائداً من تكفير بعضنا بعضاً، منطلقين من أن كل من لا يقول بما نقول فهو كافر.

5 – حرية الاختيار لدى الإنسان، بدءاً من اختيار العقيدة التي يريد وانتهاءً بلون الملابس التي يرتدي، غير موجودة أصلاً لافي ثقافتنا السابقة ولا في ثقافتنا الحالية، فهي ليست بذات أهمية إن سلبت. فبوسع أي نظام عرفي اعتقال الآلاف من المواطنين في يوم واحد دون أن يخاف من عصيان مدني. لكنه يخاف أن ينزع الحجاب عن عشر نساء في الطريق لأن هذا يؤدي إلى إشكالات لا يؤدي الاعتقال إليها.

6 – الحياة أيضاً ليست ذات قيمة في ثقافتنا، فالأعمار مكتوبة سلفاً، والأطباء تعامل المرضى كما يعامل عامل المخبر فئران التجارب، إن ماتت فالمكتوب أنها ستموت بهذه اللحظة. أما السادة المشايخ فيؤنبوننا يومياً على حبنا للحياة وحرصنا عليها، علماً أن حب الحياة وكره الموت فطرة فطر الله كل مخلوقاته عليها عاقلة وغير عاقلة. لذا فلا عجب مما نراه من استهتار بالحياة الإنسانية ونحن نرى إنساناً يقتل نفسه مع آخرين لا يعرفهم أصلاً فيهم النساء والشيوخ والأطفال. والإنسان الذي يفعل ذلك يحمل ثقافة مريضة.

ثمة الكثير الكثير من الأمثلة عن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية من ثقافتنا العربية الإسلامية، نكتفي بما أوردناه منها، لنعود إلى الجانب الذي يعني بحثنا هنا، وهو الجانب السياسي.

قلنا إن وفاة الرسول الأعظم (ص) لم تخلق فراغاً دينياً، لا على المستوى العقائدي ولا على المستوى الشعائري أو القيمي أو التشريعي، وهذا ما نفهمه من قوله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} المائدة 3. ولكنها تركت فراغاً سياسياً لأنه كان المؤسس فقط ولم يكن لحظة واحدة ملكاً ولا رئيس دولة بل كان نبياً ورسولاً، فالدولة بحاجة إلى من يقودها ويديرها. وقلنا إن الإجراءات التي تم اتخاذها في اجتماع السقيفة كانت خطوات سياسية بحتة لا علاقة لها بالإسلام ولا بالإيمان، ومع ذلك فقد دخلت وعينا السياسي، بذاتها وبما أحدثته من آثار لاحقة، كأحكام شرعية يقاس عليها، منطلقين في ذلك من مفهومين: عصمة الأئمة وعدالة الصحابة، ثم تلا ذلك حروب الردة، تبعتها الحروب الأهلية في الجمل وصفين، ليبدأ بعدها ترسيخ الحكم الوراثي على يد معاوية، مؤسس حكم الأسرة السفيانية في العصر الأموي. وكانت هذه المرحلة الانتقالية من العهد النبوي إلى الدولة الإمبراطورية المتناغمة والمنسجمة مع الدول في العالم في ذلك الوقت.

نعود لنتأمل في مصطلح الردة، وكيف نشأ في العصر الراشدي، وكيف تحدد هذا المفهوم ودخل ثقافتنا ووعينا السياسي والديني، ومازال إلى يومنا هذا، سلاحاً أساسياً للقضاء على المعارضة بكل أنواعها وأشكالها.

ونعود لنتساءل: ما هي الردة؟ ومن هو المرتد؟ ولماذا نجد المرتدين في التنزيل الحكيم يوصفون بالخاسرين الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة دون تحديد معين للعقوبة الدنيوية؟ وهل نفهم أن الله تعالى قصد بذلك أن يترك أمر تحديد العقوبة للسلطان الإمام بحسب معطيات الحالة وظروفها الزمانية والمكانية؟ وهل كان الحكم النبوي على المرتد بالقتل يدخل ضمن هذا القصد الإلهي؟ وهل يشمل مفهوم الردة الخروج على الجماعة إطلاقاً أياً كانت هذه الجماعة، والخروج على السلطان الحاكم؟ وهل الارتداد عن البيعة ارتداد عن الدين؟ وما علاقة الردة بحرية الاختيار؟

إن القراءة المتأنية للتاريخ العربي الإسلامي تجعلنا نعترف بأن مفهوم الردة قد اصطبغ بصباغات شتى، وأن حدود هذا المصطلح كانت هلامية مطاطة، أساء البعض الاتكاء عليه أكثر من مرة، ولن ندعي هنا الإجابة على كل هذه الأسئلة، وغيرها كثير، وتوضيح العديد من الأحداث التي وقعت تحت شعار الردة في التاريخ العربي الإسلامي، فالكل يعلم أن الحجاج حين قتل سعيد بن جبير، لم يقتله لأنه ارتد عن دينه، بل قتله لأنه بايع الزبير على الخلافة، أي أن الحجاج رأى في ذلك ردة سياسية تستوجب القتل، والكل يعلم أن بيعة الزبير تمت قبل بيعة مروان بن الحكم وابنه عبد الملك، ومع ذلك لم يقتلا بتهمة الردة، والعجيب أن الذي حصل هو العكس تماماً.

هناك إذاً ردة عقائدية هي الارتداد عن الدين، وهناك ردة سياسية لا علاقة لها بدين ولا بإسلام ولا بإيمان، وقد اختلطت هاتان في الوعي العربي الإسلامي الثقافي والسياسي، حتى كأنهما عنده شيء واحد.

الردة عن الإسلام:

لقد قلنا بأن الإسلام هو الإيمان بالله واليوم الآخر كحد أدنى، كمسألة غير قابلة للنقاش، وهو العمل الصالح والقيم العليا (القانون الأخلاقي) التي بدأت بنوح حتى اكتملت وتمت بمحمد (ص)، وهو دين الفطرة الوحيد الذي ارتضاه الله للناس، وهو الدين الذي أغلق المحرمات، فلا محرمات بعده، حيث يأتي بعده أمر ونهي حسب ما يراه المجتمع في مؤسساته التشريعية والمدنية، وهو المنتشر اليوم بين معظم أهل الأرض، ولهذا فنحن ننظر إلى الردة عن الإسلام بالمستويات التالية:

آ – المستوى العقائدي: وهو الإيمان بالله واليوم الآخر. الذي يتحول بالارتداد عنه إلى مجرم قاطع لصلته بالله منكر اليوم الآخر وهو ما نقول عنه الملحد، أو دخل في دين آخر وثني غير توحيدي، أي خرج عن شهادة أن لا إله إلا الله، ولا يهم بعدها أشَهِد أن محمداً رسول الله أم لم يشهد. في هذا المستوى للإنسان مطلق الحرية بأن يكون مسلماً أو مجرماً (ملحداً) ولا سبيل لأحد عليه بإكراهه لأنه مستوى شخصي بحت لا يحمل الصفة الاجتماعية. وله الحق أن يعلن عن ذلك بالوسائل السلمية المتاحة.

ب – المستوى العملي: وهو العمل الصالح والقانون الأخلاقي، الذي تعتبر الردة عنه مستحيلة، إذ لا يمكن لإنسان أن يضرب والديه، ويمارس الفاحشة العلنية، ويدعو مجتمعه إلى الغش في المواصفات وشهادة الزور وإشاعة والغيبة والنميمة والتجسس، فإن حصل ذلك، قام أفراد المجتمع أنفسهم بغض النظر عن ملتهم وديانتهم بتوقيفه وإيداعه المشفى على أنه مجنون أو مجرم بحق المجتمع. وفي هذا المستوى يجب أن يقوم التعاون بين المؤمنين وبقية العالم.

من هنا . من اعتبار أن الإسلام مثل عليا تنظم العلاقات الاجتماعية الإنسانية تعتبر حقوق الإنسان جزءا ًمنها، يتفق عليها الرأي والرأي الآخر، نقول أن الردة عن الإسلام، وبعبارة أخرى أن الردة العملية مستحيلة.

ج – المستوى التشريعي: حيث أن التشريع الإسلامي تشريع مدني إنساني ضمن حدود الله، فكلما زادت الأمم تحضراً زادت اقتراباً من التشريع الحدودي الذي يمثل حنيفية الإسلام، والدول البرلمانية الحقيقية تتمثل في قوانينها حنيفية الإسلام.

الردة عن الإيمان:

حين كتبنا عن الإسلام والإيمان، أوضحنا أن رأس أركان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وأن رأس أركان الإيمان شهادة أن محمد رسول الله، وانطلقنا من آيات التنزيل الحكيم التي تسمي نوحا وإبراهيم ويعقوب وموسى وعيسى وأتباعهم المسلمين، وتسمي أتباع محمد (ص) المؤمنين. ففي التنزيل الحكيم سور كاملة تتحدث عن المؤمنين حصراً كسورة محمد وسورة الأنفال. لذا قلنا أن اليهودية والنصرانية هي ملل وليست أدياناً في قوله تعالى {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} البقرة 120 والذي يتحول من التبعية لمحمد (ص) أي من الملة الحنيفية إلى ملل أخرى وهي اليهودية والنصرانية فقد خرج من الإيمان فقط. إذا بقي على التوحيد وهذا حقه أيضاً ونلاحظ هذا في قوله تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلّا نَعْبُدَ إِلّا اللّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ} آل عمران 64.

لدينا الإستنتاجات التالية:

آ – الخطاب لأهل الكتاب اليهود والنصارى وفي عهد رسول الله.

ب – اشترط التوحيد على نفسه وعليهم.

ج – عدم اتخاذ الربوبية بعضهم لبعض.

د – إن لم يرضوا بذلك فطلب منهم أن يشهدوا بأنه النبي وبأنهم مسلمون.

السؤال: لماذا طلب منهم أن يشهدوا بأنه مسلم وهل هو بحاجة إلى شهادتهم؟ الجواب لأنه يعتقد بأنهم مسلمون وأنه مسلم مثلهم وطلب منهم الدخول في الإيمان والمحافظة على التوحيد.

فإذا نظرنا إلى الدعوة المحمدية من الزاوية السياسية المجردة، نجد أن محمداً (ص) إضافة إلى دوره كرسول يبلّغ وحي ربه، استطاع كنبي أن يؤسس بمساعدة أتباعه من المؤمنين به، دولة مركزية عاصمتها يثرب، تضم بين مواطنيها المؤمنين والنصارى واليهود وغيرهم، وقد كانت قفزة في التاريخ فرضت سلطانها على ما حولها من مناطق وقبائل، بشكل لم يعرفه العرب في تاريخهم من قبل، وكان من الطبيعي أن تبقى زعامة وقيادة وإمارة هذه الدولة محصورة بأيدي من أقامها، ومن هنا نشأ مصطلح أمير المؤمنين بعد العصر النبوي ونشأ معه مصطلح بيت مال المسلمين، فالإمارة في الدولة للمؤمنين أتباع محمد (ص)، أما الخزينة العامة وبيت المال فهي لجميع المواطنين على حد سواء وهذا ما يبين من أن العرب منذ بداية الدعوة النبوية لم يفرقوا بين الملك والنبوة، فمحمد (ص) كان نبياً ولم يكن ملكاً إطلاقاً، للمزيد من التفاصيل في هذا الموضوع راجع كتاب الخلافة الإسلامية للمستشار محمد سعيد عشماوي حيث شرح هذا الموضوع بشكل علمي ودقيق.

ضمن هذا المفهوم، نقرأ في التراث خبر الإمام علي (رض) وهو يعطي النصراني واليهودي من بيت المال، ونقرأ خبر أبي ذر الغفاري يعارض معاوية حين حاول إطلاق تسمية جديدة “مال الله¨ بدلاً من “مال المسلمين¨ على الخزينة العامة.

وضمن هذا المفهوم نرى اليوم في بريطانيا مثلاً، أن إمارة الدولة بيد حزب العمال برئاسة توني بلير، بينما الخزينة العامة لكل الشعب البريطاني من محافظين وعمال وغيرهم.

فالطريقة الوحيدة في البلاد الديموقراطية، اليوم، لاستلام الحكم والإمارة، هي الانضمام إلى أحد الأحزاب في البلاد، ثم استلام رئاسته، ثم النجاح في الانتخابات، أما الطريقة الوحيدة التي دخلت الوعي السياسي العربي الإسلامي خلال العصر النبوي وبعده، فهي ادعاء النبوة والاستقلال المالي بالدخل والإنفاق، تمهيدا للانسلاخ عن الدولة المركزية القائمة، وهذا بالضبط ما حصل في حروب الردة أيام أبي بكر الصديق (ر).

من هنا نشأ الفهم التاريخي للجزية التي كان يدفعها مواطنو الدولة من غير المؤمنين، حيث أن دخل هذه الدولة (الميزانية) كان يجمع من المواطنين المؤمنين وغير المؤمنين، فالمؤمنون يدفعون الصدقات، أما المواطنون من غير المؤمنين، كانوا يدفعون مقابل هذه الصدقات الجزية لبيت مال المسلمين.

وجاء اسم أمير المؤمنين، باعتباره أعلى سلطة تنفيذية وتشريعية، في سلطة الدولة، واضحاً على أن المؤمنين أتباع محمد (ص) هم الذين وقع على عاتقهم تأسيس وقيام الدولة، بينما بيت مال المسلمين كان يجمع ويصرف على جميع المواطنين، مؤمنين وغير مؤمنين ، لذا جاءت تسميته معممة بالمسلمين وليست مخصصة بالمؤمنين ، ويمكننا أن نلاحظ اليوم بأن ميزانية الدولة تجمع من قبل مواطني الدولة بالتساوي (حسب قانون الضرائب) أما الصدقات التي يدفعها المؤمنون من مواطني هذه الدولة، يمكنهم أن يدفعوها وفق قناعاتهم الخاصة، وكذلك فإن مواطني الدولة من غير المؤمنين، يقومون بأعمال الخير والبر والإحسان، حسب قناعاتهم، لذا فإن مفهوم الجزية، لغير المؤمنين، عبارة عن مفهوم تاريخي بحت، لا توظيف له اليوم، حيث أن الضرائب التي تفرض على المواطنين جميعاً حلت محل مفهوم الصدقات والجزية التاريخيين التي كانت تشرف عليهما الدولة.

لذا فإن كل من يطالب اليوم بدفع الجزية، لغير المسلمين المؤمنين في أي دولة، إنما يطرح وهماً، لأن شكل وبناء الدخل القومي للدولة تغير كلياً، وإحدى نتائجه الهامة فصل الصدقات عن هذا الدخل، وبالمقابل فإنه لا مبرر لمطالبة المسلمين من غير المؤمنين بدفع الجزية، لأن الجزية المطلوبة اليوم عبارة عن دال تاريخي فقد مدلوله، وأخذ مدلولاً آخر في قانون الضرائب العامة، وإن أي دعوة لتكريس هذا المفهوم وتعميقه وفرضه، لن يؤدي إلا إلى طريق مسدود وسفك دماء لامعنى لها.

كان المؤمنون من أتباع محمد (ص) سياسياً عبارة عن حزب سياسي برئاسة النبي (ص)، يحمل كل الأبعاد الايبستمولوجية والأيديولوجية المتقدمة على كل ما كان سائداً آنذاك، وكان رؤوس المهاجرين والأنصار يشكلون نواة هذا الحزب بحسب قدمهم وأولوياتهم في الدخول بالإيمان بمحمد (ص)، وأصبحت هذه الأقدمية التنظيمية عاملاً مهماً فيما بعد في استلام المناصب وتوزيع الغنائم. وهذا يعتبر اختراقاً كبيراً جداً في مجتمع يقوم على القبلية والعشيرة سرعان ما تم إلغاؤه بعد وفاة النبي (ص).

في ضوء هذا كله، نجد أن الوعي العربي الإسلامي السياسي قام على أمرين: الأول أن كل إنسان يريد أن يؤسس دولة يرأسها، كما فعل محمد (ص)، عليه أن يكون نبياً أولاً، والثاني كل من يريد إمارة المؤمنين، عليه أن ينتظر ذهاب الرعيل الأول الذين قامت الدولة على أكتافهم أول مرة. وهذان الأمران حصلا في التاريخ العربي الإسلامي.

فأخبار الأسود العنسي وطلحة ومسيلمة، توضح لنا الأمر الأول، وكيف أن إدعاء النبوة طريقة لاقتسام السلطة وتقسيم الدولة، وكيف أن الموضوع برمته ليس أكثر من ردة سياسية انفصالية، لم يملك الرسول (ص) وأبو بكر بعده، إلا الأمر بالقتل والقتال.

أما فيما يخص الأمر الثاني، فقد قام المؤمنون الأولون برئاسة محمد (ص) بتأسيس دولة في يثرب، استطاعت أن تفتح مكة، مركز قوى المعارضة، وكما يحصل في كل حزب يستلم السلطة ويقضي على المعارضة، فقد توافد الانتهازيون قبيل فتح مكة بقليل وبعد الدخول في دين الحزب الجديد، كأبي سفيان وعمرو بن العاص وغيرهم، لكن وجود الرعيل الأول ذي الأقدمية والسبق التنظيمي لم يكن يسمح للأعضاء الجدد بالوصول إلى ما يصبون إليه، ولهذا رأينا أن هذا الأمر لم يستتب لمعاوية إلا بعد ذهاب رؤوس الرعيل الأول من الراشدين الأربعة. من هنا فنحن نذهب إلى القول بأن الردة العملية مستحيلة، وإن حصلت على الصعيد الفردي فعقوبتها ليست القتل، وإن الردة الوحيدة التي تستوجب القتل والقتال هي الردة السياسية التي تستهدف بالفعل المادي شق الصفوف والإنفراد بالحكم، والانفصال عن الدولة وتهديد وحدة الأراضي.

وإن هذا المفهوم السياسي للردة، والذي ينتج عنه سفك للدماء موجود عبر الزمان والمكان، وليس في الدولة العربية المركزية الأولى، فعندما قرر الجنوب الانفصال عن الشمال، في الولايات المتحدة الأمريكية، لم تسمح به الحكومة المركزية برئاسة لنكولن، حيث حصلت الحرب الأهلية التي ذهب ضحيتها مليون قتيل أمريكي، مبرر هؤلاء جميعاً، أن الدولة لن تسمح بوقوع ردة سياسية، يسلخ من خلالها جزء من جسم الدولة، من أجل قيام دولة أخرى، أما حين يؤمن نصراني ما في أمريكا، فلا تتدخل الدولة بأمره أبداً، في حين أنه إذا اجتمع المسلمون المؤمنون أتباع محمد (ص) في ولاية من الولايات الأمريكية، وقرروا الانفصال عن الدولة المركزية، فسوف تمنع الدولة ذلك بالقوة، كذلك إذا أراد إنسان ما، تحت أي شعار، أن يفصل حلب عن جسم الدولة في القطر العربي السوري، فإن قتله وقتاله واجب، لأنه يخلق ردة سياسية، هذه الردة ستؤدي إلى انفصال أراضي الدولة وتجزئتها، وقد حدث الانفصال بين سوريا ومصر عام 1961، وكان ردة سياسية، لا علاقة لهذا الانفصال بالدين لا من قريب ولا من بعيد ، والردة السياسية قد تستوجب التدخل بالقوة لمنعها وقد تنجح القوة بمنعها وقد لا تنجح، وكان من حق الرئيس عبد الناصر أن يتدخل لمنع الانفصال ولكنه لم يفعل ونجح الانفصال. وتدخل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بالقوة لمنع انفصال جنوب اليمن عن شماله، وهو ردة سياسية بامتياز، ونجح بمنع الانفصال. والغريب أن ما يسري الآن هو رأي عمر بن الخطاب حيث المرتدون من مانعي الزكاة امتنعوا عن دفع الزكاة للدولة المركزية (المدنية) وقالوا أننا سندفعها لأهلنا وقبيلتنا، وتم إعلان النبوة لترسيخ الانفصال السياسي بعد الانفصال المالي، فحصل قتل وقتال. والآن لا تتدخل الدولة في الزكاة، لوجود الضرائب، والناس تدفعها لمن تشاء من الجمعيات الخيرية وأولي القربى.

أما ما يذهب إليه البعض اليوم، من توسيع مصطلح الردة، إلى حد فاحش يشمل قتل تارك الصلاة عمداً، وقتل كل من يقول جديداً لم يقل به التراث يعارض من يعتبرون أنفسهم أوصياء على عقول الناس ومصائرهم، فهذا عندنا ليس من الإسلام والإيمان في شيء، ولا يزيد برأينا عن امتداد لديوان الزندقة عند أبي جعفر المنصور وعند المأمون بن الرشيد الذي تم تحت عناوين الزندقة والردة قطع عشرات الألوف من الرؤوس المعارضة. ومع الأسف يستعمل هذا المصطلح الآن من قبل أكثر الناس قتلاً وفتكاً من الذين يقتلون الشيوخ والنساء والأطفال حتى دون أن يعرفوهم من هم، وحتى الآن لانرى من يتجرأ على إعادة النظر في المصطلحات الفقهية ومنها مصطلح الردة.

نحن نرى أن بوسع أي إنسان مسيحي في أمريكا أو فرنسا، أن يعلن إيمانه وارتداده عنه عقائدياً، دون أن يمس أحد شعرة في رأسه، طالما أنه لم يخرج في سلوكه وعلاقاته مع الناس والدولة عن الخطوط العامة المرسومة في قانون البلد الذي هو فيه، وعن الولاء للوطن الذي يعيش فيه، وبالمقابل فنحن لا نرى أي حرج في أن يعلن أحد أتباع محمد (ص) تحوله إلى المسيحية ليصبح من أتباع عيسى (ع)، انطلاقاً من قوله تعالى {لا إكراه في الدين} ومن قوله تعالى {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} يونس 99، طالما أنه يلتزم بالمثل والقيم الإنسانية العليا، ولا يخرج في علاقاته بفعل مادي عن حدود المقاييس والأطر التي وضعها مجتمعه، ولكنه يستطيع ويحق له أن يعلن عن عدم موافقته على كثير من العادات والتقاليد في مجتمعه ولكنه لا يستطيع أن يخرج عن القيم الإنسانية العليا والممثلة في الوصايا. وهناك من ارتد دينياً في زمن الرسول (ص) ولم يتخذ الرسول (ص) أي إجراء ضدهم.

إن ما حصل بعد وفاة الرسول (ص) هو انقسام سياسي بحت بين المؤمنين أنفسهم، ثم تحول الانقسام إلى كتل سياسية مختلفة كانت الأساس إلى تشكل كتل دينية عقائدية مختلفة، فالخلاف بداية لم يقم أبداً على أركان الإسلام ولا على أركان الإيمان، ولكن ما حصل بعد ذلك أن أركان الإيمان تم تقديمها على أركان الإسلام.

ومن هنا فنحن نرى أن التنادي إلى التركيز على إنسانية الإسلام، هو اتجاه عالمي، وليس اتجاهاً حزبياً ضيقاً! فحقيقة الإسلام ليست حقيقة رأسمالية أو اشتراكية، وليست حقيقة عمالية أو محافظة، بل هي حقيقة إنسانية قبل أي شيء آخر، إذ ليس ثمة بالأساس حقائق مخصصة، وكما أنه لا يوجد حقيقة طبقية كذلك لا يوجد حقيقة فقهية ولا حقيقة صحابية أو تراثية، فالحقيقة لا تكون إلا إنسانية، وكذلك القانون الأخلاقي لا يمكن إلا أن يكون إنسانياً فليس هناك أخلاق عربية وأخرى عجمية وإنما هي عادات فقط يمكن تجاوزها ولكن بصعوبة ومع الزمن.

ونصل أخيراً إلى مسألة الصراع بين الحداثة والسلفية في الخطاب المعاصر، فنرى فيها صراعاً بين شكل تاريخي سياسي، وأسلوب تاريخي معاصر للسياسة كفن لإدارة المصالح المتنازعة، وبين شكل حقوقي فقهي كانت دالاته متطابقة مع مدلولاتها في زمنها، ثم غابت المدلولات خلال مسيرة التاريخ، وبقيت الدالات بدون مدلولات في عالم الواقع. وأصبحت المصطلحات الفقهية الإسلامية تدور في العدم لأنها تاريخية بحتة.

هذا الصراع يدور بين قطبين:

·         المعاصرة: وهي إيجاد مدلولات معاصرة في العالم القائم لدالات موجودة في التنزيل الحكيم، تحقيقاً للانسجام بين الدال والمدلول وهذا ما نطلق عليه التأويل والاجتهاد ونقد الواقع.

·         السلفية: وهي إيجاد مدلولات قسرية أو وهمية للدالات الموجودة في كتب الفقه والتراث، ولهذا فإن الطرح السلفي الآن لا يمكن إلا أن يكون مستبداً، ويمكن أن يمارس العنف عندما تسنح له الفرصة بذلك، والسبب أن معظم طروحاته السياسية تنتمي إلى عالم الوهم أو عالم الذاكرة التاريخية أكثر مما تنتمي إلى عالم الواقع. والطرح السلفي هو المرحلة الأولى في غسيل دماغ الشباب لإرسالهم إلى حتفهم لقتل أنفسهم والآخرين دون تمييز.

الفصل السابع: مقاصد الشريعة

خلال القرون الطويلة لتطور الفقه الإسلامي، وتعبيراً عن الأرضية المعرفية والاجتماعية والاقتصادية، وضع الفقهاء مصطلحاً هو “مقاصد الشريعة¨ يرسم خطاً لتطور التشريع الإسلامي التاريخي، وينم عن الثقافة التاريخية للأمة، وزعموا أن هذه المقاصد هي الحفاظ على خمس:

·         الحفاظ على النفس (الحياة)

·         الحفاظ على الدين

·         الحفاظ على العقل

·         الحفاظ على المال

·         الحفاظ على النسب

ومنهم من أضاف إليها سادسة هي: الحفاظ على العرض.

إننا نريد في بحثنا هذا أن نناقش المقصود بمقاصد الشريعة، وأن نحدد المسؤول المكلف عن هذا “الحفاظ¨، أهو الفرد، أم هو الجماعة عن طريق الوجدان والضمير الإنساني، أم هو الدولة عن طريق السلطة؟ وهل مهمة السلطة الحفاظ على الدين؟ وعلى أي دين نريدها أن تحافظ؟ أليس جعل الحفاظ على دين بعينه من مهام السلطة أمراً لا يتناسب مع حرية الأديان في قوله تعالى {لا إكراه في الدين} البقرة 256؟

·         الحفاظ على النفس (الحياة):

لقد أرسى الفقهاء علماء العقيدة أن عمر الإنسان محتوم ورزقه مقسوم وعمله مرسوم، مكتوب عليه وهو في بطن أمه شقي أم سعيد، وأنه لو اجتمعت الإنس والجن على أن يزيدوا في عمر زيد دقيقة واحدة، أو على أن ينقصوا من عمر أحمد دقيقة واحدة ما استطاعوا.

وطبقاً لهذه الأطروحة ينتج لدينا أن جميع من قضى نحبه في هيروشيما وناكازاكي، من أطفال ونساء وشيوخ يزيد عددهم على مئتي ألف إنسان بسبب القصف الذري لهاتين المدينتين من قبل الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، إنما ماتوا لأن أجلهم انتهى. وأن جميع من شوّهه هذا القصف هناك، ممن يزيد عددهم على مئات الألوف، إنما كان مكتوباً عليهم منذ الولادة، وهذا لا يقبله عاقل من جانب، ولا يتناسب مع ما جاء في التنزيل الحكيم من جانب آخر.

يقول تعالى: {ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً} آل عمران 145، هذه الآية من المتشابهات وليس من المحكمات لعدم وجود أمر أو نهي فيها. أي أنها من القرآن، كتاب علوم النبوة الذي يضم نواميس الكون وقوانين الوجود، وإنما سمى سبحانه الموت فيها (كتاباً مؤجلاً) لأن كتاب الموت فيه الشروط الموضوعية التي يتأجل حدوث الموت لحين اكتمالها. وكما أن للموت كتاباً، كذلك لكل شيء في الكون كتاب، فللمطر كتاب وللزلازل كتاب، وللبراكين كتاب، وهذا معنى قوله تعالى {لكل أجل كتاب} الرعد 38، وقوله تعالى {وكل شيء أحصيناه كتابا} النبأ. أي أن الوقوع الحتمي لأي حدث طبيعي أو إنساني لابد وأن يسبقه اكتمال الشروط الموضوعية التي يضمها كتابه.

إن عدم ثبات الأعمار، التي يزعم ثباتها السادة الفقهاء، يوضح لنا عدالة الحكم على القاتل بالقتل، ويبين لنا سبب المكانة الرفيعة التي أعطاها الله للذين دفعوا مابقي من عمرهم ثمناً لأداء شهادتهم إن كانت حقاً وصدقاً حتى ولو كانت على عقد بيع حيث أنهم أخذوا لقب شهيد وهم أحياء لابموتهم.

هذا عن الأعمار، أما عن الأرزاق فالله تعالى يقول {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيّا} الزخرف 32. هذه الآية تبين لنا قواعد التنظيم الاجتماعي المتحضر، وتوضح لنا أن الإنسان يمارس عملاً واحداً في معاشه فيعمل في الزراعة وغيره يعمل في الصناعة وغيرهما يعمل في التجارة أو في الخدمات. ثم تشير إلى مفهوم التسخير في قوله {ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً} هذا المفهوم الذي يعني التكافل والتكامل بين أفراد الجماعة، فالمزارع مسخر لإطعام العامل في المصانع، والطبيب مسخر لعلاج هذا وذاك، والمعلم مسخر لتعليم أبناء هؤلاء جميعاً، والآية لا علاقة لها بالتحديد المسبق لأرزاق الأفراد كلاً على حدة.

لقد قرأ السادة الفقهاء قوله تعالى {وفي السماء رزقكم وما توعدون} الذاريات 22، فظنوا أن أرزاق الناس ـ جماعات وأفراداً ـ محددة سلفاً. وهذا صحيح على صعيد الجماعات الإنسانية إن نحن فهمنا الآية بمعنى الجمع الكلي، لكنه غير صحيح على صعيد الأفراد، لأن الآية تتحدث عن الجماعة الإنسانية بمعنى الجمع وتبين أن أرزاق الناس لها مصدران تأتي منهما: الأول خيرات الطبيعة من نبات وحيوان ومعادن، والثاني العمل. أما خيرات الطبيعة من طعام وشراب وأنعام فأساسها الماء، ولهذا سمى سبحانه المطر في هذه الآية رزقاً، وهو يأتي من السحاب في السماء الدنيا تماماً كما في قوله تعالى {وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها} الجاثية 5.

وأما عن الأعمال وأنها ـ بحسب السادة الفقهاء ـ مرسومة محتومة لامناص للإنسان إلا أن يفعلها، فالقول بهذا يجرح العدل الإلهي حين يعاقب رجلاً على ارتكاب إثم مكتوب عليه بالأصل، ولايبقى معه معنى ليوم الحساب بما فيه من ثواب وعقاب، ولايتناسب مع عشرات الآيات في التنزيل التي تربط مصير الإنسان في الآخرة بأعماله في الدنيا، وهذا لايكون إن كان (المكتوب على الجبين لازم تشوفو العين} الذي ترسخ في عقول الناس وعلى ألسنتهم.

يقول تعالى {كل امرئ بما كسب رهين} الطور 21، ويقول {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشورا * إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} الإسراء 13 ـ 14 ويقول سبحانه {من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وماربك بظلام للعبيد} فصلت 46.

الكسب في آية الطور 21 هو العمل، أو إن شئت الدقة هو عائد العمل وناتجه ومردوده. والطائر في آية الإسراء 13 هو ماتجاوز من عمل الإنسان إلى الآخر. والكتاب فيها هو سجل الأعمال التي اختارها الإنسان الواعي لنفسه في الحياة الدنيا. والقارئ المتأمل لايحتاج إلى إجازة في علم التجويد ولا إلى دكتوراه في علم أسباب النزول ليفهم أن الله تعالى حين ترفع الأقلام وتجف الصحف يجبر عباده على فعل ماكتبت الأقلام في الصحف وليس مايختارونه هم ثم يثيبهم أو يعاقبهم يكون ظالماً ولايبقى معنى للعبارة في آية فصلت 46(1).

وقد عزا بعض الفقهاء والمفسرين هذا المكتوب سلفاً إلى علم الله الكامل وأن للعلم صفة إخبار لاصفة جبر، نقول هذا صحيح ولكن كمال علم الله يجبر الإنسان على فعل ماهو مكتوب، وإلا فإن الله يكون ناقص المعرفة. والصحيح أن في علم الله كلية الاحتمالات الممكنة ولا يوجد في علم الله ترجيح في احتمال على آخر، وهذا يتناقض مع كمال علم الله وإنما يوجد ترجيح في أوامره للإنسان أن يفعل الخير ويترك الشرك (إن الله لايأمر بالفحشاء). وبنفس الوقت يكون الإنسان حراً تماماً في لحظة اختياره وعندما ينخفض عدد الاحتمالات إلى الواحد فهذه حالة اضطرار أو حالة إكراه وفي كلتا الحالتين لا يوجد حساب.

إننا نرى في ضوء ماسلف أن الصحيح في مسألة الحفاظ على الحياة أن تكون من مهمات الدولة والمجتمع وليس من مقاصد الشريعة. فالدولة بما تقيمه من مراكز للبحوث الطبية التي تسهم في القضاء على الأمراض مما يقلل بالتالي من نسب الوفيات ويرفع من معدل الأعمار، وبما تشرف عليه وتموله من دراسات في كتاب الموت وكتاب الحياة، هي المعنية بهذه المسألة. أضف إلى ذلك أن الحفاظ على الحياة ليس حصراً بأتباع الرسالة المحمدية حتى نقول إنها من مقاصد الشريعة، بل هي محط اهتمام كل الأمم والديانات الأخرى، لابل إننا نرى أن المسلمين المؤمنين أتباع الرسالة المحمدية هم أكثر أمة لاتحترم الحياة ولاتقدسها، وأن الأطباء في العالمين العربي والإسلامي يمارسون الطب بدون أية مسؤولية، ولا يوجد طبيب عنده تأمين ضد الأخطار لأنه لامحاسبة عليه، ونقابات الأطباء مهمتها الدفاع عن الأطباء الذين يرتكبون أخطاء لامعاقبتهم. وهذه المهنة هي أربح مهنة عند المسلمين لأنها تتاجر بسلعة مجانية عند الناس وهي الحياة. والعقيدة الإسلامية بمفهومها التقليدي كما صاغها الفقهاء أكبر معين ومؤيد لهم. وإن الثقافة السائدة لدى مجتمعاتنا هي ثقافة الموت والحزن والأسى، وليس ثقافة الحياة والمرح والسعادة.

وفي قناة فضائية سمعنا السيد الفقيه المتحدث في برنامج اسمه “الإسلام وقضايا المجتمع¨ يسفّـه حقوق الإنسان في ميثاق الأمم المتحدة ويقارنها بحقوق الإنسان في الإسلام، ولم يرف له جفن وهو يقول: “بما أن الله ضمن بأن أعمار الناس ثابتة وأن أرزاقهم مكتوبة سلفاً فإن بند حق الحياة مضمون من قبل الله ولا علاقة للناس ولا للأمم المتحدة به¨. ومرة أخرى لم نسمع أن أحداً من الحاضرين الذين صفقوا له طويلاً قد ناقشه في ذلك. أتراهم لم يسمعوا أن الناس في أمريكا مصابة بالتخمة وأن الناس في أفريقيا تموت من الجوع؟ أتراهم لم يقروؤا أن معدل عمر الإنسان في أفريقية يقل عن 40 سنة وأنه في السويد يزيد عن 80؟

·         الحفاظ على المال:

نحن مع هذا البند الثاني من بنود مقاصد الشريعة أمام خلط عجيب بين الفطرة التكوينية والتكليف التشريعي، وهو خلط يثير الدهشة ويستدعي المرارة والسخرية في آن معاً.

فالمال يدخل تحت بند الأرزاق والممتلكات من جانب، وله علاقة وثيقة ببند الحياة من جانب آخر باعتباره عصب الحياة، ولايستطيع المرء بدونه تأمين مستلزمات حياته من مأكل ومشرب وملبس ومسكن. والحفاظ على الحياة لايكتمل إلا بالمحافظة على المال.

وحب المال فرع من فروع غريزة التملك الفطرية لدى الإنسان، أشار إليه تعالى بقوله {وتحبون المال حباً جما} الفجر 20، وبقوله عن الإنسان {وإنه لحب الخير لشديد} العاديات 8، ومعلوم أن من يحب شيئاً يحافظ عليه. ومن هنا فإن من المضحك أن نكلف الإنسان بالحفاظ على أمر كالحياة والمال، في حين بالأصل يحافظ عليه بحكم طبعه وفطرته، فإن فعلنا كنا كمن يسن تشريعاً للبقر يكلفها فيه بأكل العشب.

فحين يقتل الإنسان نفسه، أي ينتحر، أو يقتل غيره بغير حق (الخروج عن الصراط المستقيم)، فهو لايخرج عن مقاصد الشريعة بل يخرج عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والمنتحر وهو بكامل ملكاته العقلية ـ فيما نرى ـ ليس مجرماً يستحق العقاب لأنه خالف ماوضعه له الفقهاء، بل يستحقها لأنه فرّط وأهدر أغلى نعمة أنعم الله بها على خلقه هي الحياة إلا إن كان مريضاً والله أعلم بذلك. وحين يخرج الإنسان عن فطرته في الحفاظ على المال فيصبح سفيهاً فاقد التوازن العقلي ويجب علاجه والحجر عليه استناداً لقوله تعالى {ولاتأتوا السفهاء أموالكم} والسفيه يحدده الطب النفسي وليس الفقه.

واستنتاجاً لما قلناه فإن السعي نحو حياة أفضل من ناحية والحفاظ على المال العام ومكافحة الفساد من ناحية أخرى يجب أن يكونا من مقاصد الشريعة والدولة والمجتمع والأفراد.

·         الحفاظ على الدين:

مرة أخرى نتساءل: ماهو المقصود بالدين؟ وماالمقصود بالحفاظ عليه؟ ومن هو المسؤول المكلف بهذا الحفاظ؟ وهل قتل المرتد يدخل ضمن بند الحفاظ على الدين؟

إن كان المقصود بالدين، هو ذلك المنهاج التشريعي الراسم للسلوك الإنساني الذي أنزله تعالى وحياً على قلب نبيه المصطفى، فالله تعالى يقول {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها} الإسراء 15، ويقول {ومامحمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين} آل عمران 144. “الشاكرين في الآية هم المؤمنون والشكر ضد الكفر وانظر إن شئت النمل 40 ولقمان 12¨. ولقد اشترط تعالى الرضى تطوعاً واختياراً مع الإيمان، ونهى عن الإكراه في قوله تعالى {لاإكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لاانفصام لها والله سميع عليم} البقرة 256، نلاحظ أن مقابل الإكراه في الدين ذكر الطاغوت، والطاغوت على وزن فاعول كقولنا حاسوب وهو الآلة التي تكرر العملية الحسابية مرات عديدة. والطاغوت الذي يمارس الإكراه. فالذي يؤمن بالله لا يمكن أن يكون طاغوتاً يُكره الناس على الإيمان بالله كرهاً وعلى الصلاة والصوم. وكل من يمارس الإكراه بغير وجه حق فهو طاغوت. وهذا يختلف عن العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، حيث يقبل المواطن التقيد بالقانون، ويقبل مبدأ تطبيق العقوبة. وأشد أنواع الإكراه هو الإكراه في الدين، وهو إكراه الإنسان على تبني عقيدة وإيديولوجيا لايريدها. والنبي (ص) خلق جواً عاماً ضد الأصنام قبل تحطيمها في الأماكن العامة، ولكنه لم يدخل بيت أحد ليبحث ماذا يوجد فيه، ولم يكره أحداً على أداء شعائر الإيمان. وهذه الآية هي من تعاليم الرسالة المحمدية، وضمن للإنسان حريته في اختيار دينه وعقيدته. وهذا لايتعارض مع آيات القتال والسيف حيث تدخل هذه الآيات في القصص القرآني، لافي الرسالة العالمية.

ومن هنا فنحن نقترح استبدال هذا البند ببند آخر بديل هو: الحفاظ على حرية الاختيار عند الإنسان وحمايتها، ثم نرفعه بحيث يصبح هو البند الأول في مقاصد الشريعة.

فالحرية هي القيمة العليا، وهي المقصد الأول من مقاصد الشريعة الذي لايتقدمه ولايعلو عليه أي مقصد آخر، والحرية هي كلمة الله العليا للناس جميعاً، وفيها تتحقق عبادية الناس لله في الحياة الدنيا، وليس عبوديتهم له لأن العبادية هي المطلوبة من الناس وليس العبودية، وذلك في قوله تعالى {وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} الذاريات 56(2). والجهاد في سبيل حرية الاختيار للناس هو الجهاد في سبيل الله الذي يتجلى في أشكال عديدة ويأتي على أنواع كلها مقبولة حسب الشروط الموضوعية لممارستها:

1. حرية الدين وحرية الإنسان في اختيار العقيدة التي يشاء.

2. حرية ممارسة الشعائر الدينية. لذا فإن من مقاصد الشريعة أن يكون هناك مسجد وكنيسة وكنيس ومعبد بوذي أوهندوسي وأي معبد يختاره الناس بملء إرادتهم.

3. حرية الضمير بأن يقول الإنسان مايراه حقاً بلا خوف.

4. حرية التعبير عن الرأي بالطرق السلمية ومنها الصحافة.

5. حرية اختيار العقد الاجتماعي الذي يشاءه بين السلطة والشعب (الدستور ـ النظام الأساسي ـ القانون الأساسي).

6. حرية اختيار شريك الحياة لتكوين أسرة (لانعني هنا حرية الزواج المثلي).

7. حرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي لايقتصر على مطاردة المتخلفين عن تلبية نداء المؤذن للصلاة في الطرقات، وملاحقة النساء اللاتي يكشفن عن أعقابهن في الأسواق، ونرى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشمل مؤسسات المجتمع المدني التي تمارس الرقابة على المؤسسات العامة والخاصة فتأمرها بالمعروف وتنهاها عن المنكر. وأرى أن البرلمانات أو مجالس الشعب أو مجالس النواب أو المجالس الاتحادية هي قمة الهرم في مؤسسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فعلينا تطويرها وزيادة الوعي بأهميتها وفعاليتها. وفي هذا المستوى بالذات فإن سياسة حرق المراحل قد تكون مدمرة تماماً وتعطي عكس النتائج المرجوة. فنرى أن النبي (ص) في التوحيد مارس سياسة حرق المراحل، فهناك شرك وتوحيد، أما مع المرأة والرق فلم يمارس هذه السياسة وتركها للزمن حيث أن النبي (ص) قص الشريط فقط لتحرير المرأة والرق، فلقد انتهى دور الرق عالمياً ماعدا جمهورية موريتانيا الإسلامية فمازالت بقاياه موجودة، وقد يعود بأشكال وأنماط جديدة، ومن هنا يتبين ضرورة وجود منظمات مثل حقوق الإنسان وحقوق الطفل ونقابات العمال، ولكن المرأة حتى الآن لم تتحرر بشكل كامل، ومازال أمامنا الكثير لنفعله بالنسبة لتحرير المرأة. وقد أوردت بحثاً خاصاً في هذا الكتاب حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهنا أورد مثالاً على سياسة حرق المراحل في الانتقال من روسيا القيصرية ومستعمراتها، إلى السلطة السوفياتية. فقد أزيح القيصر في فبراير عام 1917 نتيجة اضطرابات بسبب الجوع وهزيمة الجيش الروسي أمام الألمان، وسادت الفوضى البلاد حيث انتقلت فجأة من سلطة ملكية إقطاعية تؤيدها الكنيسة إلى برلمان (دوما). وكانت القوة الوحيدة المنظمة حينذاك هي الحزب البولشفي حيث بلغ تعداده سبعين ألفاً في مساحة تساوي سدس الكرة الأرضية.

ونظراً لوجود هذه القوة فقد اغتصب البولشفيك السلطة وفرضوا ديكتاتورية دمرت المجتمع الروسي بالتمام والكمال، صحيح أن المجتمع الروسي الآن بعد انهيار السلطة الشيوعية مجتمع مختلف تماماً عنه أثناء الحكم القيصري، ولكن تم دفع ثمن غالٍ جداً لهذا الانتقال. ففي مثل هذه الانتقالات مع حرق المراحل، فإن أي قوة منظمة ولو كانت صغيرة الحجم تستطيع أن تسيطر على السلطة، وتقيم ديكتاتورية قاسية جداً.

وأورد مثالاً آخر على سياسة التدرج بدون حرق المراحل، وهو اليابان. ففي عام 1868 تمت دعوة رجال من الإنكليز للإشراف على بناء السكك الحديدية وتمديد الأسلاك البرجية وتكوين الأسطول، وتمت دعوة مثلهم من الفرنسيين ليعيدوا صياغة القوانين ويدربوا الجيش، وكُلف رجال من الألمان بتنظيم شؤون العيش والصحة العامة، وجاؤوا برجال من إيطاليا ليعلموا الناس النحت والتصوير، ودخلت اليابان نطاق الثورة الصناعية. لقد جاهد الإمبراطور إيتو في إعلان أول دستور عام 1889 حيث كان رأس السلطة التشريعية ورأس الحكومة، ومن ذلك أنه اعتبر الديموقراطية الغربية فيها مفاسد فأنشأ مجلس النواب والأشراف وحصر عدد الناخبين بعدد قدره 460 ألفاً من سكان اليابان البالغ عددهم حوالي 30 مليوناً، ثم توسع هذا العدد حتى بلغ 13 مليوناً عام 1928. (انظر قصة الحضارة ـ وول ديورانت ـ المجلد 5 ـ 6 الطبعة الثالثة ص 168 ـ 170).

لقد أوردت هذين النموذجين لأننا نرى نتائجهما في وقتنا الحاضر.

والفرق الأساسي أن التجربة الروسية قتلت وطردت كل طبقة النبلاء والمثقفين لأن من قادها لايملك أي مهنة إلا التدريب على استلام السلطة ويسمى المحترف الثوري.

والنهضة اليابانية قادها وقام بها طبقة النبلاء التي سادت لمدة قرون ولديها قيم أخلاقية صارمة جعلت الناس تثق بهم. وهكذا نرى نجاح التجربة اليابانية إلى اليوم وفشل التجربة الروسية حيث عاشت 74 سنة.

ونرى أن عدة دول عربية سارت على درب التجربة الروسية، فدمرت شعوبها وتقدمت!! ولكن إلى الوراء!!.

من هنا نرى أن مقاصد الشريعة يجب أن تضمن حرية التعبير السلمي والصحافة ومؤسسات المجتمع المدني الطوعية باعتبارها خير وسيلة توصل إليها الإنسان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أما قولهم أن قتل المرتد هو للحفاظ على الدين، فهي حالة إقصائية تماماً للآخر، ولا يوجد ملة في الأرض سماوية أو غير سماوية تحكم بالموت على الخارج منها، إلا في الفقه الإسلامي الموروث.

·         الحفاظ على العقل:

ومرة أخرى تدعونا مقاصد الشريعة المزعومة إلى الحفاظ على العقل، ومرة أخرى نتساءل: أي عقل هذا الذي يأمروننا بالحفاظ عليه؟ وللجواب على هذا السؤال لابد أولاً من التفريق بين عقل فطري مجرد وعقل مكون مكتسب. ولابد ثانياً من إلقاء نظرة على تعريف العقل في التنزيل الحكيم، وعلى تعريفه في كتب الحديث النبوي، وعلى تعريفه عند الحكماء في كتب الأخبار، وعلى تعريفه عند الفقهاء في كتب الفقه، وعلى تعريفه عند المتصوفة في كتب التصوف.

أما عن وجوب التفريق بين العقل الفطري والعقل المكتسب، فقد أخذناه من قول من قال: “العقل ضربان: عقل الطبيعة وعقل التجربة وكل منهما محتاج للآخر فلا تكمل المنفعة إلا باجتماعهما معاً وأخذناه من قول سحبان وائل أحد حكماء العرب “العقل بالتجارب لأن عقل الغريزة سلم إلى عقل التجربة¨ وإنما نعني بالعقل الفطري ملكة الإدراك الأولى التي تولد مع الإنسان، فيميز معها البديهيات التي لايحتاج في تمييزها إلى خبرات طويلة وتجارب معقدة كالتمييز بين التمرة والجمرة، ونعني به الإدراك الفؤادي أي الإدراك المشخص وإزالة التناقض بين الاسم والمسمى (PERCEPTUAL COMPREHENSION). ونعني بالعقل المكوّن المكتسب هو ذلك الجانب الذي صقلته الخبرات وشحذته التجارب وصار أداة صالحة لاستنباط النتائج من المقدمات (التحليل والتركيب والاستنتاج). فإن غاب جانب العقل الفطري عند الإنسان صار معاقاً معزولاً عن العالم الخارجي أو مجنوناً، وإن غاب جانب العقل المكوّن المكتسب عنه صار غبياً أحمق.

وأما عن إلقائنا نظرة على تعريف العقل في مختلف الكتب، فلقد اخترنا تجنباً للإطالة فصل “العقل¨ من كتاب الياقوتة في العلم والأدب من العقد الفريد لقاضي قضاة الأندلس أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي القرطبي (246 ـ 328 هـ) وانتقينا منه مايفيد في بحثنا هذا.

إن الباحث عن لفظة “العقل¨ في التنزيل الحكيم لايجدها، بل يجد محلها عدة ألفاظ بديلة أولها اللب، فأولو الألباب في الوحي الإلهي ـ أي أصحاب العقول ـ ورد في ستة عشر موضعاً، ثمانية منها في مكة المكرمة وثمانية في المدينة المنورة. ونرى في الآيات الست عشرة أن اللب الوارد في التنزيل الحكيم هو محل التقوى ومحل الهدى، وهو أداة التذكر والاعتبار وهذه صفات كلها من صفات الدماغ.

ثانيها القلب الذي ورد بصيغة المفرد والمثنى والجمع في 132 موضعاً من التنزيل الحكيم، منها قوله تعالى {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} آل عمران 159، قوله تعالى {ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لايفقهون بها ولهم أعين لايبصرون بها ولهم آذان لايسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل..} الأعراف 179. أما آية آل عمران فغلظة القلب تعني بلادة الذهن، وأما آية الأعراف فالقلوب فيها أدوات الفقه مثلما أن الأعين أدوات الإبصار والأعين أدوات السمع، والفقه مفردة قرآنية تعني الفهم والتفكر والتدبر، وتعني شق الأشياء لكشف ماخفي منها وما غمض، وهذه كلها صفات للدماغ، حيث أن القلب بمفهوم العضلة القلبية التي تضخ الدم لم يذكر ولا مرة واحدة في التنزيل الحكيم، فهو شأنه شأن الرئتين والمعدة .. إلخ، فلو عنى بقوله تعالى {بل قست قلوبهم} العضلة القلبية فهذا يعني أن يصابوا بتصلب الشرايين. وسمعت الداعية حنان القطان في قناة (إقرأ) تتحدث في عدة حلقات عن القلب ورسمت خلفها صورة العضلة القلبية، وأوردت كل آيات التنزيل الحكيم التي ذكر فيها القلب على أنه العضلة القلبية وذكرت كل صفات هذه العضلة القلبية ـ والتي هي صفة الدماغ ـ إلا صفة واحدة غفلت عنها تماماً وهي ضخ الدم!!.

ثالثها الحجر، بكسر الحاء وسكون الجيم، الذي ورد مرة واحدة في قوله تعالى {هل في ذلك قسم لذي حجر} الفجر 5. والحجر هو الحضن وهو الصفة المانعة من الحمق والضلالة وهي من صفات الدماغ. أما أصحاب الحجر المذكورون في الآية 80 من سورة الحجر فهم أهل مدائن صالح من ثمود، ولا علاقة لهذا الاسم بالعقل من بعيد ولا من قريب.

رابعها الفؤاد، الذي ذكره سبحانه في كتابه العزيز ست عشرة مرة، مفرداً كما في قوله تعالى {ولاتقف ماليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً} الإسراء 36، ومجموعاً كما في قوله تعلى {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} النحل 78، فالفؤاد في الآيات هو الإدراك المشخص بالحواس وعلى رأسها السمع والبصر وهو وعاء المادة الخام للفكر والعقل (PERCEPTUAL COMPREHENSION).

هذا عن العقل كما يراه التنزيل الحكيم، فماذا عن العقل كما يراه النبي العربي (ص)؟ العبارات التالية من فصل العقل عند ابن عبد ربه، ينسبها إلى النبي (ص) إن صحت:

1. لا تقتدوا بمن ليس له عقدة ( أي عقل)، (قارن هذا القول مع قوله تعالى {ومن شر النفاثات في العقد}.

2. ما خلق الله خلقاً أحب إليه من العقل.

3. إن كان لك عقل فلك فضل.

4. كرم الرجل دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه.

5. العقل نور في القلب نفرق به بين الحق والباطل (لاحظ القلب هنا هو الدماغ).

6. بالعقل عرف الحلال والحرام وعرفت شرائع الإسلام. (في الوصايا نرى {ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون})، فالله يعبد بالعقل (الوصايا) ويُحَبّ بالوجدان (الصلاة).

7. قوام المرء عقله، ولادين لمن لاعقل له.

8. العاقل يحلم عمن ظلم، ويتواضع لمن هو دونه، ويسابق إلى البر من هو فوقه.

إن المتأمل، الذي يحكم بصحة الحديث النبوي من موافقته وتطابقه مع آيات التنزيل الحكيم وقبوله إنسانياً قبل قبوله إيمانياً، ويحكم بعدم صحته من مخالفته لمقاصدها ومعانيها، يرى بوضوح أن قائل هذه العبارات يغرف من النبع القرآني دون ضرورة للبحث عن السند حتى ولو كان موضوعاً فهو من الحكمة الإنسانية. لكنه يقف متحفظاً بشدة قبل قبوله بصحة الأحاديث التالية، بعيداً عن سلسلة رواتها:

ذكر ابن عبد ربه الأندلسي في كتابه (العقد الفريد ـ كتاب الياقوتة في العلم والأدب ـ المجلد الثاني ـ ص 244 ـ 245) مايلي:

1. لما خلق الله العقل قال له: أقبل، فأقبل. ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ماخلقت خلقاً أحب إلي منك ولا وضعتك إلا في أحب الناس إلي. ولما خلق الحمق قال له: أقبل، فأدبر. ثم قال له: أدبر، فأقبل. فقال: وعزتي وجلالي ماخلقت خلقاً أبغض إلي منك، ولا وضعتك إلا في أبغض الناس إلي.

2. لما أهبط الله آدم إلى الأرض، أتاه جبريل فقال له: ياآدم، إن الله قد حباك بثلاث خصال لتختار منها واحدة وتتخلى عن اثنتين. قال: وماهن؟ قال: الحياء والدين والعقل. قال آدم: اللهم إني اخترت العقل. فقال جبريل للحياء والدين: ارتفعا. قالا: لن نرتفع. قال جبريل: أعصيتما؟ قالا: لا، ولكنا أمرنا أن لانفارق العقل حيث كان.

3. وكّـل الله الحرمان بالعقل، ووكل الرزق بالجهل، ليعتبر العاقل فيعلم أن ليس له في الرزق حيلة.

ففي الحديث الأول، الذي يزعمون أنه قدسي، أمور لايقبلها عقل ولايسيغها لب ولا فؤاد. أولها، هذا التشخيص الممجوج للعقل. ثانيها، هذا المشهد التصويري السخيف الذي يذكرنا بعروض الأزياء في يومنا هذا. ثالثها، قول الله تعالى للعقل: ماوضعتك إلا في أحب الناس إلي، وقوله للحمق: ماوضعتك إلا في أبغض الناس إلي. فالعقل الفطري التكويني أوجده الله تعالى في جميع الناس حين خلق سبحانه البشر من تراب ثم سواهم ثم عدلهم ثم نفخ فيهم من روحه فكان العقل الفطري. أما أن نزعم أن الله تعالى وضع العقل في خلق له عشوائياً لا على التعيين، ثم أدخلهم الجنة لأنهم عرفوه بالعقل، ووضع الحمق في آخرين ثم أدخلهم النار لأنهم لم يتفكروا بآياته، فهذا يجرح العدل الإلهي والمساواة بين الناس بهبة العقل، وتبدو معه مسألة الخلق لعبة الإنسان فيها كعرائس الخيطان لا دور له لا قرار ولا اختيار ـ سبحانه تعالى عما يصفون ـ وهذا يتعارض عمودياً مع قوله تعالى {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} الكهف 29، ومع صريح قوله تعالى {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين * لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} الأنبياء 16، 17.

وفي الحديث الثاني، أيضاً، أمور لاتقل عجباً من الحديث الأول. أولها، أنه يتعارض مع قصة الخلق كما وردت في آيات التنزيل الحكيم، ومع قصة الخلق التي رواها المفسرون أخذاً من كتب الأثر المليئة بالإسرائيليات، ولقد أشرنا إلى القصة القرآنية في معرض نقد الحديث الأول فلا نعيد. ثانيها، بزعمه أن الله أهبط آدم إلى الأرض، فإن سأله سائل: فأين كان آدم قبلها؟ قال “في جنة الخلد، وهذا ما أقره القرآن الكريم¨. ناسياً أن جنة الخلد لم تكن موجودة في زمن الخلق الأول، ولا في زمن نزول الآيات، ولا الآن، لأن الجنة والنار مرتبطتان وجوداً بيوم القيامة، بدليل قوله تعالى من أول سورة التكوير في وصف ماسيحصل من تكوير الشمس وانكدار النجوم وتسيير الجبال وحشر الوحوش ونشر الصحف إلى أن يقول {وإذا الجحيم سعرت * وإذا الجنة أزلفت} 13 ـ 14. ثالثها، زعمه أن آدم حين أهبطه الله إلى الأرض ـ بحسب تصوره ـ لم يكن ربه قد حباه بالعقل. ناسياً أن آدم قبل الهبوط إلى الأرض مرّ بتجربة قاسية فشل فيها، وتعرض لامتحان صعب رسب فيه، فعصى أمر ربه وغوى،والسؤال الآن: هل كان آدم خلال ذلك كله بلا عقل؟ رابعها، إن كان آدم بلا عقل قبل أن يأتيه جبريل. فكيف صح عنده أن العقل هو أفضل الخصال الثلاث المعروضة عليه؟

أما الحديث الثالث فهو إما من تأليف جبري جاهل، أو من وضع مغرض خبيث عالم، ولايقل أحدهما عن الآخر إضراراً بالفكر وإضلالاً للخلق. فأول الحديث افتراء على الله، ووسطه حضّ على الأخذ بالجهل، وآخره دعوة وقحة إلى ترك العمل. وهو بجملته كافٍ ـ إن تم تطبيقه عملياً ـ لإهلاك وتدمير ألف أمة وأمة.

يزعم قائل الحديث أن الله سبحانه قرن الحرمان من الرزق بالعقل وجعل العقلاء محرومين، وقرن سعة الرزق بالجهل وجعل الجهلة مرزوقين، فأوكل هذا بهذا وذاك بذاك، ثم بين أن القصد الإلهي من ذلك هو تعليم العقلاء، أن لاحيلة لهم في الرزق لأن الرزق مقسوم كما هو شائع عند الجبريين من العوام في قولهم: “لو تجري جري الوحوش غير رزقك ماتحوش¨.

والسؤال الآن: من أين استقى قائل الحديث هذه المعلومة الخطيرة في أهميتها؟ لقد نظرنا في التنزيل الحكيم كتاباً وقرآناً، وتأملنا في آياته المحكمات والمتشابهات، فلم نجد ظلاً لهذا الافتراء. بل على العكس تماماً، وجدناه سبحانه في عشرات المواضع يرفع من شأن العمل ويأمر به، ووجدناه يحط من شأن الجهل ويذم الذين لايعملون.

يقول تعالى: {كل امرئ بما كسب رهين} الطور 21، والكسب هو مردود العمل. ويقول تعالى {لايكلف الله نفساً إلا وسعها لها ماكسبت وعليها ما اكتسبت} البقرة 286، أي لها أجر ماعملت من عمل صالح مفيد منتج، وعليها عقاب ماعملت من عمل طالح ضار هدام. ويقول تعالى {ربنا وآتنا ماوعدتنا على رسلك ولاتخزنا يوم القيامة إنك لاتخلف الميعاد * فاستجاب لهم ربهم إني لاأضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} آل عمران 194، 195.

الأهم من ذلك كله أن الله تعالى يربط الدخول إلى الجنة بالعمل فيقول {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} النحل 32. ويقول {ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب} غافر 40. وقوله تعالى {وتلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} الأعراف. هذه الآيات تدحض مااعتاد السادة العلماء من ترديده على مسامعنا في دروسهم وندواتهم وبرامجهم ليل نهار على شاشات الفضائيات من أن الإنسان لايدخل الجنة إلا برحمة الله، وكأن مهمة النبي (ص) عندهم أن يُكَذّبَ الله ورسوله.

أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عوف أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: لن يُدخِل أحداً عمله الجنة. قالوا ولاأنت يارسول الله؟ قال: لا، ولا نا. إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة فسددوا وقاربوا ولايتمنين أحدكم الموت إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً وإما مسيئاً فلعله أن يستعتب¨ أهـ (البخاري ـ باب المرضى حديث رقم 5241 العالمية).

وأخرج الترمذي في سننه حديثاً سبقنا إلى تحليله الزميل سامر اسلامبولي في كتابه “علم الله وحرية الإنسان¨ ص 96، 97:

عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله (ص) وفي يديه كتابان فقال: أتدرون ماهذان الكتابان؟ فقلنا: لا يارسول الله إلا أن تخبرنا، فقال للذي بيده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، أجملهم عن آخرهم فلا يزاد فيهم ولاينقص منهم أبداً. ثم قال للذي في شماله: وهذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، أجملهم على آخرهم فلا يزاد فيهم ولاينقص منهم أبداً. فقال أصحابه: ففيم العمل إن كان أمراً قد فُرغ منه؟ فقال: سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل. ثم قال رسول الله (ص) بيديه فنبذهما ثم قال: فرغ ربكم من العباد (فريق في الجنة وفريق في السعير). أهـ.

هذان نموذجان على سبيل المثال لا الحصر، اخترناهما من بين عشرات الأحاديث في كتب الصحاح والمسانيد والموطآت والسنن، التي تدور حول محور إلغاء دور العمل في تحديد مصير الإنسان، تارة تحت عنوان “رحمة الله¨ وتارة تحت عنوان “جفت الأقلام وطويت الصحف¨. أما الحديث الأول عند البخاري فالمشكلة فيه نقلية، بمعنى أنه يتعارض عمودياً مع آيات التنزيل الحكيم التي ذكرنا بعضها آنفاً فلا نعيد، ويتعارض عمودياً أيضاً مع كثير من الأحاديث النبوية الأخرى التي تأمر بالعمل وتحض عليه. وأما الحديث الثاني عند الترمذي فالمشكلة فيه عقلية، إذ هو يحكي أولاً عن كتابين من رب العالمين فيهما أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، وأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، لايزاد فيهم ولاينقص منهم.

فإن فرضنا أن قياس الكتاب 25625 سم، وأن ورقة في مثل رقة ورق السجائر، وأن كل ورقة تتسع على الوجهين لـ 400 اسم. وتركنا أسماء من عاشوا قبل القرن السابع الميلادي وأسماء من سيأتون بعد القرن العشرين، مكتفين بما عاشوا خلال 14 قرناً ميلادياً، رغم أن المعنى العام للحديث يشير إلى أن المقصود هو أهل الجنة والنار من أول الخلق إلى أن تقوم الساعة. وفرضنا أن متوسط عمر الجيل هو 50 عاماً مع أنه أقل من ذلك إن نحن توخينا الدقة، ثم فرضنا أخيراً أن عدد سكان الأرض في العصر النبوي لايزيد عن 200 مليون وأن عددهم في نهاية القرن العشرين لايزيد عن خمسة مليارات إن نحن اعتمدنا أدنى الإحصائيات الموثقة. ينتج لدينا المعادلات التالية:

1400 سنة 50 ¯ 80 جيلاً.

5 مليارات ـ 200 مليون ¯ 8،4 مليار مقدار زيادة عدد السكان خلال 14 قرناً

8،4 مليار 28 ¯ 170 مليون مقدار الزيادة في كل جيل.

وهذا يعني أن عدد سكان الأرض في نهاية الجيل الأول هو 370 مليون، خلفهم أبناء الجيل الثاني مع الزيادة ليصبحوا 540 مليون، ثم ذهب هؤلاء ليحل محلهم جيل ثالث عدده بعد الزيادة 710 مليون. وهكذا إلى آخر الأجيال الـ 28. وبعملية جمع بسيطة ينتج أن عدد من تعاقبوا على الأرض من الخلق منذ العصر النبوي وحتى نهاية القرن العشرين هو 86،69 مليار إنسان تحتاج أسماؤهم إلى 000،465،17 ورقة. فإذا علمنا أن كل 1000 ورقة من ورق السجائر تبلغ سماكتها 5 سم، نتج لدينا أن الكتابين اللذين خرج بهما رسول الله (ص) على أصحابه ـ كما يزعم الحديث ـ تبلغ سماكة الواحد منهما أكثر من 42 كم. وإذا علمنا أن وزن المتر المربع من ورق السجائر هو 20 غراماً، نتج لدينا أن وزن الكتاب الواحد لايقل عن 13 طناً، وهذا ماعنيناه بقولنا إن المشكلة في هذا الحديث مشكلة عقلية، فهناك استحالة عقلية تطبيقية تمنع صحة الحديث(3).

ثمة نوع آخر من الأحاديث المنسوبة إلى النبي (ص)، يرسخ الأساطير والخرافات، ويروي غرائب الأخبار وعجائب الأحداث مايذهل عقول العوام وألباب أنصاف المثقفين. ولقد أشرنا في موضع آخر إلى مثال منها هو حديث المعراج. وهانحن نقف أمام مثال ثانٍ هو حديث الجساسة. (انظر صحيح مسلم ـ كتاب الفتن وأشراط الساعة ـ انظر نص الحديث في نهاية هذا الفصل).

ونقف قبل التعليق على هذا الحديث لتعريف بعض ما ورد فيه. أما تميم، فهو تميم بن أوس بن حارثة الداري، روى عنه النبي (ص) قصة الجساسة والدجال وعدّ ذلك من مناقبه. كان راهب أهل عصره وعابد أهل فلسطين، وأما الجساسة فهي دابة في جزائر البحر تتجسس الأخبار وتأتي بها إلى الدجال وهي إحدى عشر علامات تسبق قيام الساعة، وهي دابة عظيمة تخرج من صدع في الصفا، وهي المذكورة في قوله تعالى {وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم} النمل 82. وأما بيسان ـ بفتح ثم سكون وسين مهملة ونون ـ فهي مدينة بالأردن بالغور الشامي بين حوران وفلسطين، وهي موضع في جهة خيبر من المدينة المنورة، وهي موضع معروف بأرض اليمامة، وهي قرية من قرى الموصل، وهي أخيراً قرية من قرى مرو الشاهجان (انظر معجم البلدان لياقوت ج1 ص 527، 528). وأما زغر ـ بضم ثم فتح وراء معجمة على وزن زفر ـ فهي قرية بمشارف الشام. وأما عين زغر فهي نبع في طرف البحيرة المنتنة من ناحية الحجاز بينها وبين البيت المقدس ثلاثة أيام (انظر معجم البلدان لياقوت ج2 ص 142، 143). وأما الدجال، فهو المسيح المزيف، الذي يخرج ـ بحسب زعم رواة أخباره ـ قبل نزول عيسى بن مريم على المئذنة البيضاء الشرقية للجامع الأموي الكبير بدمشق، ليملأ الدنيا عدلاً بعد أن امتلأت جوراً.

والعجيب أولاً، أن أصحاب كتب الحديث بموطآتها وصحاحها ومسانيدها وسننها، وأصحاب كتب السيرة، وأصحاب كتب التراجم والأخبار، قد اختلفوا حول كل صغيرة وكبيرة في كتبهم، بدءاً من عدد السنين التي عاشها النبي (ص). مروراً بلون رايته في الحرب. وباسم أخت مارية أم المؤمنين، وباسم الصحابي الذي أهداها له النبي (ص)، وانتهاء بدعاء التشهد في قعود الصلاة الأخير الذي أحصوا له تسع صيغ. إلا أنهم جميعاً أفردوا عشرات الصفحات في كتبهم لرواية قصة الجساسة والدجال ويأجوج ومأجوج التي غدت قاسماً مشتركاً بينهم تزيد تفاصيلها عند أحدهم وتنقص عند آخر.

والعجيب ثانياً، هذه الأوصاف التي وصفوا بها الدجال في أحاديث نسبوها للنبي (ص). فهو في صحيح مسلم / كتاب الفتن:

1. أعور العين اليمنى (الحديث رقم 100).

2. مكتوب بين عينيه كافر (الحديث 102).

3. أعور العين اليسرى (الحديث 104).

4. جُفال الشعر أي كثيره (الحديث 104).

5. معه نهران يجريان نهر ماء، ونهر نار، فالماء نار والنار ماء (الحديث 105).

6. ممسوح العين عليها ظفرة غليظة (الحديث 105)

7. مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب (الحديث 105)

8. يجيء ومعه مثل الجنة والنار (الحديث 109).

9. شاب قطط أي شديد جعودة الشعر (الحديث 110).

10.                 يخرج من أرض صخرية بين الشام والعراق (الحديث 110).

11.                 سريع في الأرض كالغيث إذا استدبرته الريح (الحديث 110).

12.                 يأمر السماء فتمطر ويأمر الأرض فتنبت (الحديث 110).

13.                 يدعو رجلاً فيقطعه بالسيف نصفين ثم يدعوه فيأتي ضاحكاً (الحديث 110).

14.                 يمر بالخرائب فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (الحديث 110).

15.                 محرّم عليه أن يدخل المدينة المنورة (الحديث 112).

16.                 عن المغيرة بن شعبة قال: ما سأل أحد النبي (ص) عن الدجال أكثر مما سألت، فقال لي النبي (ص): وماينصبك منه؟ إنه لايضرك. قلت: يارسول الله إنهم يقولون إن معه الطعام والأنهار. قال: هو أهون على الله من ذلك (الحديث 114).

والعجب من هذه الأوصاف أنه مرة أعور بالعين اليمنى ومرة أعور بالعين اليسرى، ولو صح الحديثان لكان الدجال أعمى، وأنه مكتوب بين عينيه كافر يقرأها كل مؤمن يحسن القراءة والكتابة، والعجب هو أن الأميين يقرؤونها أيضاً ولاندري كيف؟ والأعجب أنه ينَزّل المطر وينبت النبات ويميت ثم يحيي، وهذه كلها صفات لانعرف أحداً اتصف بها غير الله تعالى. فإن صحت هذه الأحاديث فنحن أمام إله معبود بكل معنى الكلمة وليس أمام دجال. لكنها حسب حديث المغيرة مجرد أقاويل شاعت بين الناس لانصيب لها من الصحة، بدليل عبارة (إنهم يقولون) التي لم ينكرها النبي (ص) في الخبر، بل جاء جوابه عليها حاسماً بقوله: هو أهون على الله من ذلك.

والطريف أن الإمام مسلم يحدثنا في صحيحه عن رجل اسمه ابن صياد تارة وابن صائد تارة أخرى، اعتبر الناس في العصر النبوي ـ لسبب لايعلمه إلا الله ـ أنه الدجال. فأفرد له مسلم خمسة عشر حديثاً في كتاب الفتن وأشراط الساعة (من 85 إلى 99)، اخترنا منها الحديث رقم 91:

“عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا حجاجاً أو عماراً ومعنا ابن صائد، فنزلنا منزلاً، فتفرق الناس وبقيت أنا وهو، فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه، وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي، فقلت: إن الحر شديد، ولو أنك وضعته تحت تلك الشجرة ففعل، فرفعت لنا غنم فجاء بعسٍّ فقال: إشرب أبا سعيد. قلت: إن الحر شديد واللبن حار ـ ومابي إلا أني أكره أن أشرب من يده ـ فقال: ياأبا سعيد، لقد هممت أن آخذ حبلاً فأعلقه بشجرة ثم أختنق مما يقول لي الناس، من خفي عليه حديث رسول الله (ص) ماخفي معشر الأنصار، ألستُ أعلم الناس بحديث رسول الله (ص)؟ أليس قد قال رسول الله (ص) “هو كافر¨، وأنا مسلم؟ أليس قد قال “هو عقيم لايولد له¨ وقد تركت ولدي بالمدينة؟ أوليس قد قال “لايدخل المدينة ولامكة¨ وقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة؟ قال أبو سعيد الخدري: حتى كدت أن أعذره، ثم قال لي: أما والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن. فقلت له: تباً لك سائر اليوم. أهـ.¨.

والعجيب ثالثاً أن السادة الفقهاء الأفاضل لم يكتفوا بأن اعتبروا الخبر حديثاً نبوياً صحيحاً بل جعلوه من مناقب تميم الداري، واستنبطوا منه حكماً فقهياً يجيز للأفضل أن يروي عن المفضول، وللأنبياء أن يرووا عن أصحابهم، وللأصحاب أن يرووا عن تابعيهم، وللتابعين أن يرووا عن عوام الناس.

لقد كان من السهل في القرون الهجرية الأولى أن يشيع هذا الخبر، وأن لاتجد بين سامعيه من يستنكره، باعتبار أن الأرضية المعرفية السائدة يومها مازالت تؤمن بأن الأرض مسطحة، وأن نهاية اليابسة في جبل قاف حيث يقوم درج طويل يصعد عليه الأموات إلى الملكوت الأعلى، وأن نهاية البحر تمتد خلف بحر الظلمات، وأن مضيق جبل طارق هو آخر المعمورة. كان غموض المجهول الذي يلف معظم أنحاء الكرة الأرضية تربة خصبة لأصحاب الخيال الواسع ليصوغوا مايحلوا لهم من خرافات عجيبة، وكان تميم الداري أول هؤلاء القصاصين الذين حملوا معهم أخبار خرافاتهم النصرانية حين دخلوا في الإسلام. لكن هذه الأرضية المعرفية تغيرت فيما بعد، حتى أصبح كل شبر من الكرة الأرضية في برها وبحرها له اسم على الخريطة. وبدأ المستكشفون والرحالة يجزمون الواحد بعد الآخر بعدم وجود جزيرة من أي نوع كان لافي بحر الشام الذي نعرفه اليوم باسم الأبيض المتوسط، ولا في بحر اليمن الذي نعرفه اليوم باسم المحيط الهندي، تسكنها الجساسة ويقبع فيها الدجال راسغاً بأغلاله ينتظر أن يؤذن له بالخروج. ولعل أول من جزم بذلك ـ فيما قرأنا ـ هو ياقوت الحموي (ت 626 هـ)، الذي بعد أن يروي خبر الجساسة والدجال ويأجوج ومأجوج ونزول المسيح في دمشق يقول: ولهذا الخبر مع استحالته في العقل نظائر جمة في كتب الناس، والله أعلم (انظر معجم البلدان ج1 ص 352). والغريب أن إحدى الفضائيات أفردت في شهر رمضان منذ سنتين فقط ثلاثين حلقة حول الساعة وأشراطها تحت عنوان الوعد الحق كله مليء بهذه الخرافات والأساطير حتى أنه عندما قال الشيخ المتحدث: قد يقولون أن الصور الفضائية الآن اكتشفت كل نقطة على سطح المعمورة براً وبحراً وأين هذه جزيرة الجساسة، وعلق قائلاً: هذا لايهمنا فنحن دليلنا الكتاب والسنة!!. ولا أدري عن أي كتاب وأي سنة يتكلم؟ هذه مصادرة كبيرة لعقل السامع.

مرة ثالثة نتساءل: أي عقل هذا الذي يريدنا السادة العلماء الأفاضل أن نحافظ عليه؟ إن المتأمل لايحتاج إلى عناء كبير ليكتشف أن الدعوة للحفاظ على العقل دعوة نظرية صاغوها للتصدير فقط. أما على الصعيد التطبيقي العملي فلهم دعوة أخرى. يقول أحدهم: “أما في الإسلام فلا يعد العقل مصدراً من مصادر الفقه الإسلامي عند فقهاء الشريعة لأنه لايحقق العدالة والمثالية في القانون ذاته، بل ولا الموضوعية الحيادية المجردة أحياناً، لأن العقول البشرية تتفاوت في إدراكها للأمور..¨ أهـ. (أنظر كتاب “تجديد الفقه الإسلامي¨ للشيخ الدكتور وهبة الزحيلي ص 164).

والشيخ بجرة قلم واحدة في بضع سطور يشطب عشرات آيات التنزيل الحكيم التي تأمر بالتفكر والتدبر والنظر، ويدعو كغيره من أصحاب المحابر(4) إلى ترك العقل مطلقاً وهذا محال. إذ بالعقل وحده تدرك الأشياء، ويتم تمييز الخطأ من الصواب، ويمكن التفريق بين الحق والباطل. وبالعقل وحده يصح التكليف وتقوم المساءلة، فالأطفال والمجانين هم وحدهم الذين لايسألون عما يعملون. والشيخ يدعو إلى الأخذ بالنقل مطلقاً وهذا أيضاً محال. لأن في المنقولات من المنكرات والغرائب مالا عين رأت ولا أذن سمعت، ولقد أوردنا آنفاً بعضها فلا نطيل.

إننا نقرأ قوله تعالى: {وماكان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} الأحزاب 36. فهذه الآية في سياقها تتحدث عن حدث بعينه مع الرسول وزينب، فحسب مفهوم السادة العلماء الأفاضل على أساس أن العلماء ورثة الأنبياء بأن يزوجوا من شاؤوا بقرار منهم مستعملين هذه الآية. ومع ذلك فإن زينب أطاعت الأمر كرهاً، وهذا يمكن أن يحدث في حالة خاصة مع رجل وابنته في أي بلد ولكنه ليس تشريعاً وإنما هو قصص، وهو أمر غير وارد أصلاً في كل الشرائع. ونفهم أن العقل كأداة اختيار لامحل له في أحكام الله التي كلف رسوله بإبلاغها للناس. لكننا نفهم أيضاً أن هذه الأحكام بالأصل لاتخرج مطلقاً عن مقتضيات العقل، فالآيات بقوانينها ونواميسها وأوامرها ونواهيها إنما نزلت لقوم يعقلون ويتفكرون. هناك تفاوت في العقول بلا ريب ـ كما يقول الشيخ في عبارته ـ لكن هذا التفاوت لايبرر تعطيلها وإلغاء دورها في التشريع إنشاءً وتطبيقاً.

بعد كل هذا، هل يحق للمشايخ على شاشات الفضائيات بإطلاق أطروحة الإسلام دين العقل تشدقاً ونفاقاً؟ وهل يستحق بعد هذه السخرية والاستهزاء بالعقل الإنساني والإرادة الإلهية أن يطلق لقب إمام على إنسان كالبخاري ومسلم أو غيره، وأن الطامة الكبرى أن يكون احترام العقل عند الزعماء العرب كاحترام العقل عند البخاري ومسلم وغيرهم حيث ساهم هؤلاء جميعاً في استقالة العقل العربي منذ قرون. وإن أحاديث الغيبيات في كل كتب الحديث ـ وماأكثرها ـ تحتقر العقل الإنساني، والإرادة الإلهية لاتنسجم مع العقل الإنساني، وتخريجة هذا القول {إن الله على كل شيء قدير} إنما هي لإسكات الآخر. وقد شرحت أن هذه المقولة هي من باب دخول الشيطان إلى عقول الناس لإسكاتهم وتخديرهم. فالعقل الإنساني لايبحث عن قدرة الله على فعل هذا أو ذاك، بل يبحث عن كيف تمت مشيئة الله في فعل هذا أو ذاك. أي أننا نسأل كيف تمت مشيئة الله في خلق الشمس {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق}، ولانسأل هل الله قادر أن يجعل الشمس مكعبة بدلاً من كرة، لذا فإن الإرادة الإلهية تنسجم مع العقل الإنساني. ومعظم أحاديث الغيبيات في كتب الحديث لاتنسجم مع هذا، لذا فهي أحق بأن تهمل ويرمى بها جانباً وخاصة مايسمى بالأحاديث القدسية المليئة بالبهتان والكذب. ومعظم محتويات كتب الحديث أصلاً لاتستحق أن يوحي بها الله إلى أحد، فالوحي أجَلّ من ذلك بكثير، مما يعني أن هناك وحياً واحداً وهو التنزيل الحكيم، ولا يوجد وَحيَان.

ثمة في منقولات التراث ـ كما سبق أن قلنا ـ مشكلة نقلية هي الأهون يدخل فيها الوضع والتصحيف، ومشكلة عقلية يدخل فيها التحريف والتوظيف. هذه المشكلة تزداد خطورة فتتحول إلى سكين تذبح الفكر والعقل وتجبرهم على الاستقالة في ضوء قولهم: الوحي وحيان، وحي قرآني ووحي حديثي، وفي ضوء تفسيرهم لقوله تعالى {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} النجم 3، 4.

لابد لكي نستجلي أبعاد المشكلة العقلية التي أوجدتها قراءة بعض المفسرين لآيتي النجم 3، 4، ثم اتكأ عليها السادة العلماء بعد ذلك لتكريس وصايتهم على عقول الخلق وسلوكهم، من أن نقف بالتعريف عند عدد من المفردات هي اللفظ والكلام والقول والنطق.

يقول عبد الله جمال الدين بن هشام الأنصاري (708ـ 761 هـ) في كتابه “قطر الندى وبل الصدى¨:

·         الكلمة قول مفرد أو مركب

·         والقول لفظ دال على معنى، وليس كل لفظ قولاً.

·         واللفظ إخراج أصوات تشتمل على حروف سواء دلت على معنى أم لم تدل.

فالكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد، وقد تطلق على الجمل المفيدة كقوله تعالى {كلا إنها كلمة هو قائلها..}

والقول إن كان لفظة واحدة دالة على معنى فهو مفرد كقولك: زيدٌ، خادم، فرس. وإن كان أكثر من لفظة فهو مركب كقولك: غلام زيد، وكقولك: كذلك يضرب الله الأمثال للناس أهـ.

أما النطق فهو البيان عند الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {خلق الإنسان * علمه البيان} الرحمن 3، 4. ومن هنا جاء تعريف أرسطو للإنسان بأنه المخلوق الحي الناطق المبين، ولم يقل إنه المخلوق الصائت أو اللافظ. لأنه إن قال ذلك دخل في التعريف جميع الحيوانات ولم يعد تعريفه مانعاً من دخول الغير فيه، فزقزقة العصافير وزئير السباع ورغاء الأنعام كلها أصوات ملفوظة بلا معانٍ. ومن هنا، نفهم أن الله تعالى حين علّم آدم الأسماء كلها إنما وهبه ونفخ فيه مايمكنه من معرفة (تمييز ـ تقليم) معاني الأصوات ومدلولاتها، أي المطابقة بين الصوت والمدلول بعلاقة طبيعية بداية قبل التجريد. ونفهم أن {ألم} البقرة 1 حروف ومقاطع صوتية قابلة لأن تلفظ، لكنها ليست نطقاً وليست قولاً، لأننا عندما نسمعها لاتتحول في أذهاننا إلى صورة لها دلالة ومعنى. ونفهم أخيراً معنى المنطق في قوله تعالى {وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس عُلّمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء..} النمل 16. ونلاحظ في الآية أن سليمان (ع) تعلم منطق الطير، ولو كان النطق مجرد لفظ بالأصوات لقال: (سمعنا منطق الطير). ونلاحظ أنها تشير إلى عملية تعليمية عقلية تؤكد ماذهبنا إليه من أن المنطق هو اللفظ المسموع المعقول الذي يحمل معنى. فإن استنكر معترض هذا التعريف زاعماً أن الحيوانات عموماً والطيور خصوصاً تصدر أصواتاً لايفهمها الإنسان لأنها غير ذات معنى. قلنا له: إن القرآن نفسه يؤكد تعريفنا وينقض زعمه. وإلا فكيف ضحك سليمان من قول النملة (النمل 19)، وكيف تحاور مع الهدهد وأصدر إليه الأوامر (النمل 27، 28)؟ إن هذه الآيات تدل بوضوح على أن للطيور والحشرات والحيوانات ألسناً يفهم بها بعضهم بعضاً، لاينفي وجودها عدم فهم الإنسان العادي لها. وهذا يذكرنا بما يقوم به العلماء اليوم من اختراع أجهزة استشعار تساعدهم على فهم أصوات الدلافين في البحر، أي فهم منطقها.

ومن هنا نفهم أن النطق هو البيان بطريقة إبلاغ صوتية مباشرة برباط منطقي عقلاني بين الألفاظ، أي بوجود مسند ومسند إليه، وهو مانقول عنه الجانب النحوي (SYNTAX) وأن القول هو المعنى المراد من هذا البيان، وكلاهما لايصدر إلا عن مخلوق قادر على التفكير والتمييز، بدليل أنه تعالى في آية النمل 19 أشار إلى النمل بميم الجمع للعاقل في كلمة (مساكنكم)، وأشار في آية الإسراء 44 إلى المخلوقات التي تسبح في السموات والأرض بالاسم الموصول ( من) المخصص للعاقل، وذلك في قوله تعالى {ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات..} النور 41.

إن التأمل في الحروف المقطعة في أوائل السور، على ضوء ماسلف، وورودها في ألسن أهل الأرض قاطبة كمقاطع صوتية، يجعلنا نفهم حديثه (ص): أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصاراً. فهو يتحدث به عن المفردات (الكلمات) والألفاظ لاعن النطق والقول، ويشير به ـ فيما نرى ـ إلى تلك المقاطع الصوتية في أوائل السور والتي تنطبق مع هذا القول ومع (أوتيت القرآن ومثله معه) وقوله تعالى {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن والعظيم} الحجر 87، ولا علاقة لكتب الحديث والكلام النبوي بذلك مطلقاً، وإذا تصفحنا كل كتب الحديث ودرسناها من حيث المستوى ـ وقد أوردنا بعضاً من هذه الأحاديث ـ وخاصة الغيبيات وعلامات الساعة الصغرى والكبرى فلا نرى فيها أي جوامع كلم، وهي من حيث المستوى المنطقي والبلاغي والجمالي دون الوسط وهي أقرب إلى الحكايات والأساطير وقصص الأطفال، فقصة أليس في بلاد العجائب تنسجم أكثر مع قصة المعراج، فاللفظ آلته اللسان والشفاه والأوتار الصوتية وغايته الإسماع، وهذا يتساوى فيه البشر مع كل الحيوانات الأخرى، النابحة والراغية والعاوية. أما النطق فآلته الألباب والمعاني والربط بين الكلمات برباط منطقي نسميه علم النحو، والقول المعني المراد نقله من المتكلم للسامع وغايته الإفهام. ومن هنا جاء قوله تعالى {فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون} الذاريات 23. إذ لو كان المنطق هو اللفظ لما اكتمل التشبيه في الآية.

وإذا كنا لانعجب أن يخلط السادة العلماء الأفاضل بين اللفظ والكلام والقول والنطق في تفسير آية النجم المذكورة آنفاً، فداء القول بالترادف يقود صاحبه إلى أدهى من هذا، إلا أننا نعجب كثيراً من عدم انتباههم إلى أن الله سبحانه في الآية يقرن بين النطق والعقل وينفي أن يكون نطق رسوله بالآيات صادراً عن الهوى، والهوى هو نقيض العقل وآفته. إننا نفهم أن اللفظ خادم للنطق، وأن النطق خادم للقول. فكلمات الله قوانين نجدها في كتاب النبوة ولانجدها أبداً في كتاب الرسالة، وأقواله نجدها في كتاب الرسالة كمعاني وكتاب النبوة كقوانين (قوله الحق)، ومهمة النطق بيان هذه الأقوال وتلك الكلمات، تارة باللفظ المسموع، وتارة باللفظ المكتوب المفرد، وتارة بالإشارة. ومثال هذه الأخيرة الإيماء بالرأس قبولاً ورفضاً، وبسط الكفين في الدعاء والتعجب وإظهار العجز، وقديماً قال الشاعر فأحسن:

العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة

ثم علينا أن نربط بين القََسَم وهو {والنجم إذا هوى} وجواب القسم {ماضل صاحبكم وماغوى * وماينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى}.

ماهو هذا النجم الذي إذا هوى؟ هل تبرع أحد وقال لنا ماهو هذا النجم الذي إذا هوى يبين لنا أن هناك وحياً، وماعلاقة هذا النجم بأقوال الرسول (ص) وأفعاله؟ لا يمكن أن نرى النجم إذا هوى إلا في التنزيل الحكيم. فالتنزيل جاء منجّماً. فقوله تعالى {والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر} نرى هنا التنجيم أنه الفواصل بين الآيات. فإذا هوى نجم تغير المعنى تماماً. (وقد شرحت مفهوم الطفرات الزمنية والمعرفية في بحث القصص وبني إسرائيل). ونرى هذا في قوله تعالى {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين* ثم جعلناه نطفة في قرار مكين}، إن وجود التنجيم بين هاتين الآيتين يرينا أن الآية الأولى حلقة من التطور، ثم قفزة إلى حلقة متأخرة ولا تليها مباشرة، وهي وجود البويضة في رحم المرأة. فلو هوى هذا النجم بين الآيتين لأصبح الخبر كاذباً. وهذه الخاصية لاتوجد إلا في التنزيل الحكيم لأنه وحي، ولا علاقة لأي قول أو فعل وتقرير جاء من النبي (ص) بهذا المعنى. ولا علاقة لهذه الآية التي يستشهد بها السادة العلماء إلا بالتنزيل الحكيم.

نأتي الآن إلى تعريف (الحديث النبوي) السنة عند السادة الفقهاء على أنها وحي ثانٍ بقولهم إن الله يوحي الفكرة إلى محمد (ص) وهو يصوغها بلغته وبطريقته! هنا نطرح السؤال التالي: إن الطريقة الوحيدة التي شاء الله أن يخاطب بها الناس هي الطريقة اللغوية {حم، عسق، كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم} الشورى 1ـ3، حتى المنامات نراها ضمن آلية لغوية ولو كانت رمزية. فالسؤال: بأي لسان أوحى الله الفكرة إلى النبي (ص)؟ هل أوحاها بالإنكليزية، والنبي (ص) نقلها وصاغها إلى العربية؟ أو هل أوحى له الفكرة باللغة العامية، والنبي (ص) قالها بالفصحى؟ لأن الفكرة بحد ذاتها لا يمكن أن تكون بدون قالب لغوي، وهذا نراه في قوله تعالى {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه..} القصص.

وهكذا نرى تهافت هذا القول. ومن يتبنى هذا القول لايعلم أبجدية الفكر الإنساني ولايعلم لماذا أنزل الله الكتاب عربياً وبلسان عربي مبين. ولو كان سبحانه أوحى الفكرة ذات معنى لتصبح قولاً، فعلينا أن نطلق على كلام النبي (ص): قال الله عوضاً عن: قال رسول الله.

في ضوء هذا كله، نصل إلى الجزم بأن التنزيل الحكيم من قول الله تعالى وحياً، وأن دور الرسول هو النطق به بياناً وليس قولاً، وبهذا نستطيع أن نقول عندما نتلو آيات التنزيل الحكيم: قال الله، نطق رسول الله: {ألم * ذلك الكتاب لاريب فيه}. مثال ذلك سورة الإخلاص. فالله تعالى يأمر نبيه الكريم (ص) {قل هو الله أحد} فينقل النبي (ص) هذا القول ناطقاً به دون زيادة ولا نقص ودون تقديم ولا تأخير، وإن أضاف من عنده أن هذه السورة تعادل ثلث القرآن فهي من عنده ولا علاقة للوحي بها. ولكي نفهم دور الرسول في بيان ماقاله تعالى في تنزيله الحكيم، نقف عند سورة النحل: {وماأرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون * بالبينات والزبر وأرسلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزل إليهم ولعلهم يتفكرون} النحل 43، 44. فأهل الذكر في الآية 43، هم أهل الرسالات السماوية التي أنزلها تعالى وحياً على رسل قبل محمد (ص). والآية تحكي عن وقائع تاريخية من غيب الماضي حين أرسل تعالى رسالات إلى الخلق على يد رجال يوحى إليهم، ثم تأمر من لايعرف شيئاً عن هذه الرسالات سواء عن جهل أم عن تشكيك بسؤال أهل هذه الرسالات عن صدق هذه المعلومة التاريخية. ومن هنا فنحن نعجب حين يطلق السادة العلماء الأفاضل على أنفسهم لقب أهل الذكر، ويطلبون من عباد الله أن يقصدوهم بالسؤال عن كل شاردة وواردة، امتثالاً لآية لا علاقة لهم بها لا من قريب ولا من بعيد. أما الذكر في الآية 44، فهو الصيغة اللغوية للتنزيل الحكيم كما نطقها رسول الله (ص) بعد أن أنزلت إليه وحياً، وهو الذي أمر الله تعالى نبيه ورسوله أن يبينه للناس. والبيان له معنيان: الأول التوضيح والشرح إما شفهياً أو عملياً، وقد عرفنا هذا في الشعائر وخاصة الصلاة والزكاة، لا من أقوال الفقهاء بل من قوله تعالى {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون} النور 56، فقد أمرنا سبحانه أن نتعلم الصلاة والزكاة من الرسول (ص) لأنه أوكل له هذه المهمة، وهي من السنة الرسولية لذا قال: {وأطيعوا الرسول} فلا داعي لإسقاط هذا على تعريف السنة كما عرفه الشافعي حيث يجب علينا نسفه من جذوره، ولنا قول في الصلاة والزكاة فيما بعد. والثاني الإظهار والكشف عكس الكتمان كما في قوله تعالى {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد مابيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} البقرة 159. وعكس الإخفاء كما في قوله تعالى {ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير..} المائدة 15.

فإذا عدنا إلى الآية 43 من سورة النحل في ضوء الآية 15 من سورة المائدة تأكد لدينا ماسبق أن قلناه من أن أهل الذكر هم بنو إسرائيل لأنهم أدرى بما كتموه وما أخفوه وماحرفوه من جانب، ولأن الذكر المنزل على قلب محمد (ص) وحياً موجود في كتبهم وزبورهم قبل إخفائه وتحريفه من جانب ثان، بدليل قوله تعالى واصفاً التنزيل الحكيم {وإن لفي زبر الأولين * أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} الشعراء 196، 197.

لقد قلنا إن التنزيل الحكيم هو قول الله، وأن دور الرسول (ص) هو البيان بالنطق إظهاراً وكشفاً، فما هو دورنا نحن كـ (ناس)؟

ويأتي الجواب واضحاً لايحتمل التأويل في قوله تعالى {ولعلهم يتفكرون} النحل 44. إن الله تعالى أنزل القول بلسان عربي مبين قابل للإدراك الإنساني لبيان التزيل، ودور رسوله الكريم هو البيان بالنطق، ودورنا نحن الناس بالتفكر. ونلاحظ أن هذه الأدوار الثلاثة تدور حول محور واحد هو التنزيل الحكيم، لامحل فيه لرجال الدين ولا لكتب الفقه ولا لكثير مما ورد في كتب الحديث التي يضعها السادة العلماء الأفاضل بمرتبة كتاب الله تعالى، لا بل هي عند بعضهم أعلى مرتبة منه. ومن هنا، فلا عجب إن سمعنا أحدهم يقول: “ إذا تعارض قول لأصحابنا مع القرآن أخذنا بما عليه أصحابنا¨. ولاعجب إن رأينا أن أحكام التكفير التي يطلقها هذا البعض بمباركة من السلطان الحاكم ويقوم جلاوذته على تنفيذها، فينفون هذا بعد تجريده من مناصبه (انظر الحكم الصادر عن الأزهر الشريف بحق الشيخ علي عبد الرازق)، ويحكمون بطلاق هذا من زوجته (انظر الحكم القضائي الصادر بحق نصر حامد أبو زيد). هذه الأمور لاتستند في حيثياتها إلى آية قرآنية ولا إلى سيرة نبوية عملية، بقدر ماتستند إلى كتب تفسير وكتب فقه يزعم أصحابها أنها تمثل ماقاله تعالى في كتابه العزيز، وما فعله النبي (ص) في حياته المباركة. صحيح أن هؤلاء البعض ـ بحسب الظاهر ـ مؤمنون بالله واحداً وبرسله وباليوم الآخر، إلا أنهم مشركون بالقرآن الكريم. ولاعجب أخيراً إن رأيناهم يعطلون العقل ويغتالون التفكر، ويدعون العصمة بوراثتهم للأنبياء، حتى وصلت الوقاحة بأحدهم إلى القول “بأن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن¨!!.

أما قولهم أن تحريم الخمر هو الحفاظ على العقل، فإن السّكر هو رجس الخمر، وكل أهل الأرض يحتقرون السكران ويعاقبونه إن أساء لأحد أو قاد أية آلية. فهذا أمر تعرفه الإنسانية جمعاء.

·         الحفاظ على النسب والعرض:

النسب هو تلك العلاقة المادية من جانب والمعنوية من جانب آخر التي تربط الإنسان الذكر العاقل صعوداً بأبيه وأعمامه وأجداده وبأمه وأخواله وأجداده، وتربطه نزولاً بأبنائه وبناته وأحفاده وأسباطه وبأزواج هؤلاء وأولئك جميعاً. ولعل أوضح مايصف تلك العلاقة هو قوله تعالى {وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديرا} الفرقان 54. والماء في الآية هو الذي أشار إليه تعالى بقوله {فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من ماء دافق * يخرج من بين الصلب والترائب} الطارق 5 ـ 7. أما من فسره وترجمه إلى اللغات الأخرى بأنه ذلك السائل الذي نشرب ونغسل به قمصاننا ونسقي زرعنا فليس عندنا بشيء (انظر الترجمة التقريبية لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنكليزية للشيخ عز الدين الحايك) والبشر في الآية قسمان: ذكور وإناث من الناحية البيولوجية كبشر، وذكور وإناث أيضاً من الناحية الإنسانية في قوله تعالى {ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} نلاحظ عندما قال بشر قال نسباً وصهراً، وعندما قال الناس قال شعوباً وقبائل. أما العلاقة التي تربط الذكر بأسرته وعشيرته فهي صلة الدم التي سماها سبحانه نسباً، وأما علاقة الأنثى بذلك كله فهي صلة الرحم التي سماها صهراً. وهاتان الصلتان: صلة الدم بالنسب وصلة الرحم بالمصاهرة، هما العمدة والأساس في بناء الأسر التي تقوم عليها المجتمعات من الناحية الإنسانية. يبقى أن نشير إلى لطيفة لغوية تتجلى في إطلاقه تعالى على صلة الرحم اسم الصهر. فالصاد والهاء والراء أصل صحيح في اللسان له معنى واحد هو التذويب بالحرارة الشديدة. والصّهر ـ بفتح وسكون ثم راء معجمة ـ في الكيمياء هو تحويل المعادن الجامدة إلى سوائل، أما الصّهر ـ بكسر فسكون ثم راء معجمة ـ فهو صلة قربى بالزواج. وصهر الرجل: زوج ابنته أو ابنة أخيه، أو زوج أخته أو ابنة أخته. وقل مثل ذلك في صهر المرأة، وهذا من المجاز. فكأن رحم المرأة مصهراً (بوتقة) تنصهر فيه البويضات مع المنويات وتذوب فيه مورثات الذكور والأنوثة لتعطي جنيناً يحمل صبغيات والديه.

والنسب نظام اجتماعي يتحدد فيه انتماء الإنسان وولاؤه، قد يتبع الأم الوالدة حيناً، كما كان سائداً في العشائر والقبائل البدائية وكما هو سائد عند اليهود حتى اليوم، وقد يتبع الأب الوالد حيناً، كما كان ـ ومازال ـ سائداً عند العرب. والقرآن الكريم دقيق وهو يتحدث عن مسألة النسب، كما هو دقيق وهو يتحدث عن المسائل الأخرى. ففي آية الأحزاب 40 يقول تعالى {ماكان محمد أبا أحد من رجالكم..} والأب في الآية هو الوالد لأنه قد يكون الأب غير والد. والآية كما نفهمها تتحدث عن شأن خاص يتعلق بزيد بن حارثة وتبني النبي (ص) له، وتخاطب أهل زمن النزول، وعن شأن عام يتعلق بالانتساب لمحمد (ص) برابطة أبوة نفى سبحانه قيمتها وإن صحت ليرسخ بدلاً منها رابطة الإيمان بالرسالة والنبوة، وهذا معنى قوله تعالى في تتمة آية الأحزاب 40 ( ولكن رسول الله وخاتم النبيين..) والمخاطب هنا هم المؤمنون بمحمد (ص) في كل الأزمنة والعصور حتى قيام الساعة. ويقول تعالى {وماجعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم..} الأحزاب 4. والآية كما فهمناها تصحح خطاً شائعاً وتصوّب خلطاً كان سائداً قبل نزولها، هو الظهار. فالزوجة ليست أماً والدة، ولاينطبق عليها ماينطبق على الأم، وقول الزوج لها: أنت حرام علي كظهر أمي، لغـو هو قائله، ولقد أوضح سبحانه ذلك بقوله {الذين يظاهرون منكم من نسائهم ماهن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكراً من القول وزورا..} المجادلة 2. فالزوجة لا يمكن أن تكون أماً والأم لا يمكن أن تكون زوجة، تماماً مثلما أن الأولاد بالتبني لا يمكن أن يكون حكمهم كالأولاد من الأصلاب. نأتي الآن إلى قوله تعالى {..وماجعل أدعياءكم أبناءكم..} الأحزاب 4، فالأدعياء في الآية نوعان: الأول، ابن يدعي أنه لأب والد يرفض الاعتراف به لجملة أسباب اجتماعية، مثاله عنترة بن شداد العبسي الذي رفض أبوه إلحاقه بنسبه بسبب أن أمه سوداء. وزياد بن أبيه الذي أنكره أبو سفيان، كيلا يكون ذلك دليلاً على ارتكابه الزنا. والثاني ولد متبنى يدعي أنه لأب مربّ، مثاله زيد بن حارثة. والأدعياء من النوع الأول أبناء بلا ريب. أما الأدعياء من النوع الثاني فليسوا كذلك. ولهذا أمر تعالى بتصحيح نسبهم وربطهم بالأب الوالد في حال وجوده أو معرفته من هو كحالة زيد بن حارثة الذي كان يعلم بأن له أباً ومن أبوه، وذلك في قوله تعالى {أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله..} الأحزاب 5. المسألة إذن مسألة تصحيح مفاهيم ومسألة وضع النقاط على الحروف، أما من اعتبر آيتي الأحزاب تحريماً للتبني، كما هو شائع عند جميع علمائنا الأفاضل، فنحن ننصحه بإعادة قراءة كتاب الله تعالى، وخصوصاً قوله تعالى {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله..} الأحزاب 37. فالمخاطب في الآية هو النبي (ص) والمشار إليه فيها باسم الإشارة وبضمير المفرد الغائب هو زيد بن حارثة. والآية تتحدث عن جواز نكاح مطلقات وأرامل الأولاد بالتبني، وقد ورد هذا واضحاً في قوله تعالى في النساء 23 في محارم النكاح (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) فهذا هو الحكم الذي يتميز به الابن بالتبني عن الإبن من صلب الرجل. أما الإرث والبر والحرمة والنسب فهو للأب غير الوالد كما هو للأب الوالد. وهذا ينسجم تماماً مع التوضيح الذي بيّنه سبحانه في الآيتين 4 و5 من سورة الأحزاب، ولا يتعارض معه مطلقاً. ولكن ماهو المقصود بعبارة (الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه)؟

في الآية نعمتان: نعمة إلهية، ونعمة محمدية. فإذا كانت النعمة الإلهية على زيد هي أن الله هداه إلى الصراط المستقيم طبقاً لقوله في سورة الفاتحة {صراط الذين أنعمت عليهم} فماهي النعمة المحمدية التي أنعم بها النبي (ص) على زيد؟ لقد بحثنا عن نعمة تتفق وسياق آية الأحزاب 37، فلم نجد إلا أنه احتضنه وتبناه ومنحه نسباً يستعيد به كرامته بين الناس.

إننا حين دعونا إلى اعتماد نظام التبني في أكثر من موضع من كتبنا كحل إنساني لمشكلتين: مشكلة التوق إلى الإنجاب عند أهل العقم والعقر، ومشكلة اللقطاء المنبوذين الذين تغص بهم دور رعاية اللقطاء، قامت قائمة أصحاب المحابر ولم تقعد. وحين نجدد الدعوة إلى ذلك هنا، نستشهد بالتنزيل الحكيم في حكمه بأن التبني نعمة، لكن السادة الفقهاء الأفاضل حين يحرمونه يستشهدون بفقه تراثي وبسلسلة من العنعنات مهما بلغت درجتها من الصحة تبقى دون كتاب عزيز موحى لايأتيه الريب من بين يديه ولا من خلفه. وشتان مابين الشاهدين. أي أن النسب هو للأب الوالد أو الأب المتبني وفي هذا المعنى الأنساب لاتضيع لأن البويضة البيولوجية هي للوالد والوالدة وهي لاتضيع أيضاً في وقتنا الحاضر بوجود تحليل الحمض النووي. أما تحريم التبني فهو مضيعة حقيقية للأنساب وخاصة للقطاء الذين يعيشون بلا نسب وتحت وطأة نظرة المجتمع لهم وخاصة المجتمعات المتخلفة البدائية كمجتمعاتنا.

أما العِرْض، بكسر ثم سكون وضاد منقوطة، فهو كرامة الإنسان وسمعته بين الناس وموضع فخره واعتزازه. يقول الإمام الشافعي:

إذا شئت أن تحيا سليماً من الأذى وحظك موفور وعرضك صيّنُ

لسانك لاتذكر به عورةَ امرئٍ فكُلّـكَ عـورات وللناس ألسنُ

ويقول الشاعر:

إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكـل رداء يرتديه جميـلُ

ويفهم مما ذكرنا لكل متأمل عاقل أن الكذب يخدش العرض وأن إخلاف المواعيد في التجارة والصناعة يجرح عرض فاعله، وقل مثل ذلك في النميمة والغيبة والغش في المواصفات، وفي هذا المفهوم، العرض له معنى إنساني عالمي للذكور والإناث على حد سواء. وله علاقة بخصوصيات الإنسان ذكراً كان أم أنثى، والتي لايرغب بأن يطلع الآخرين عليها وهي ماتسمى بالعورة أيضاً وهي مايستحي المرء من إظهاره.

ونحن لاندري متى بدأ لفظ العرض ينحرف عن معناه الأصلي. ومتى أصبح المساس به يرتبط في الأذهان بالسفاح والاغتصاب الجنسي للنساء. ولاندري متى بدأ السادة الفقهاء الأفاضل يغفرون للرجل قتل أي رجل آخر يراه في وضع شائن مع زوجته أو أخته أو ابنته، ولايغفرون للمرأة إن قتلت زوجها أو أخاها أو ابنها وقد ضبطته متلبساً بالجرم المشهود. ولاندري متى أصبحت المرأة عرض الرجل، ولم يصبح الرجل عرض المرأة وكأن المرأة لاعرض لها، فإن كان، فهو ليس كرامة ولا سمعة بل هو يتجسد في شيء في جسد المرأة نستحي أن نسميه.

خلاصات ونتائج

إن مقاصد الشريعة ـ في ضوء كل ماطرحناه آنفاً ـ تصبح مقوماتها ودلالاتها لدينا كما يلي:

1 ـ الحفاظ على الحياة:

انطلاقاً من أن الأعمار تطول وتقصر، ومن أن الموت كتاب لايتحقق إلا باكتمال شروطه، وقل مثل ذلك في المرض. وإيماناً منا بأن هذا البند يصبح لامعنى له في ضوء القول “رفعت الأقلام وجفت الصحف¨، وفي ضوء مايطرحه السادة العلماء الأفاضل من أن العمر محتوم، والصحيح أن الموت محتوم لامناص منه ولكنه قابل للتأجيل، فإن تحقيق هذا البند لايكون إلا بإنشاء وتوسيع المؤسسات التي تسهم في إطالة الأعمار، فالنظافة والتداوي ـ مثلاً ـ من أهم عوامل الوقاية من الأمراض والأوبئة قبل وقوعها، ومن أهم عوامل علاجها والحد من انتشارها بعد وقوعها. ومن هنا فإن دعم مؤسسات النظافة العامة وتشجيع الدراسات في الطب والصيدلة وافتتاح مستوصفات ومشافٍ ومراكز بحوث طبية وصيدلانية هي حجر الأساس في هذا البند الهام. تبقى في الجانب الآخر ظواهر تقصر الأعمار كالحروب والجرائم وحوادث المرور، إن تم القضاء عليها كان ذلك خطوة كبيرة على طريق إطالة الأعمار.

2 ـ الحفاظ على المال:

إننا نرى في هذا البند سعة وشمولية غفل عنها السادة العلماء الأفاضل وأغفلوها، حين حصروها بالسرقة في مجال المال النقدي وبالاغتصاب في مجال الممتلكات الأخرى، بغض النظر عن المصدر الأساسي لهذا المال. فمصدر الأرزاق للناس جميعاً هو خيرات الطبيعة وعمل الإنسان ومصدر المال هو العمل بأنواعه الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات والإرث والهبة، وكل هذا يقوم به الإنسان من أجل حياة أفضل.

إن الحفظ والحفاظ في هذا البند لايقتصر على وضع الأموال في الخزائن المصفحة والصناديق الحديدية، فالبعد عن الإسراف من وجوه الحفظ، وإخراج الزكوات عن فائض الأموال باب من أبواب الحفاظ عليها، والتماس النافع المفيد من المشاريع الاستثمارية، وترك الربا المحرم والمتاجرة بالمهربات الممنوعة، وخلق فرص العمل باعتباره المصدر الأساسي لكسب المال كما أشرنا، وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص تطبيقاً عملياً وهذا كله من صور الحفاظ على المال.

3 ـ الحفاظ على العقل:

مرة أخرى ندعو للنظر إلى هذا البند بمنظار واسع شامل من جانب، دقيق واضح من جانب آخر. فكما غفل السادة العلماء الأفاضل عن هذه السعة الشمولية في مسألة الحفاظ على المال، كذلك غفلوا عنها وأغفلوها في مسألة الحفاظ على العقل، حين اعتمدوا المفهوم التراثي للعقل وهو الحفظ أو قوة الذاكرة، التي تعتبر جانباً من جوانب العقل وأغفلت جانب الإبداع في العقل.

لقد كانت الذاكرة وحفظ المعلومات عن ظهر قلب هي الوسيلة الوحيدة لاكتساب المعرفة وتلقي العلم نظراً لندرة وسائل التعليم واقتصارها على المشافهة، حتى شاعت أقوال مثل “لاتأخذ العلم من صُحُفي ولا القرآن من مصحفي¨، ودرجت ألقاب مثل “الحافظ¨ كالحافظ ابن كثير والحافظ الذهبي والحافظ البغدادي لاتعطى إلا لكبار العلماء وتوازي لقب “الدكتور¨ في يومنا هذا، لكن هذه الألقاب وتلك الأقوال بقيت تدور حول محور واحد هو الذاكرة. قيل للشيخ الإمام محمد عبده: فلان حفظ صحيح البخاري عن ظهر قلب. فقال: لقد زادت نسخ صحيح البخاري واحدة. كان الشيخ ـ رحمه الله ـ يدرك منذ ذلك الوقت أن الانتشار الواسع للكتب والمخطوطات والوثائق واختراع آلات التسجيل الصوتية والرقمية قد حلّ محل الذاكرة الحفظية في تلقي العلم. فماذا تراه كان يقول لو أنه رأى الحواسيب اليوم، التي تحتزن كل ماقيل في كتب التفسير والحديث والفقه على مدى أربعة عشر قرناً في رقاقة لاتزيد عن حجم علبة الكبريت؟

ثمة عقل آخر غير العقل الحفظي الذي يصر السادة العلماء الأفاضل على دعوتنا للحفاظ عليه هو العقل النقدي، العقل الباحث عن المعرفة والحقيقة بعيداً عما قاله زيد وحكم به عمرو، الذي يصل به الإنسان العاقل الواعي إلى رؤية الأشياء دونما حاجة إلى استعارة عيون الآخرين. هذا العقل النقدي هو الأساس في اكتساب العلوم والمعارف، وبه تتقدم المعرفة الإنسانية في كافة جوانبها. وهذا العقل النقدي هو العقل المستقيل منذ قرون عند العرب والمسلمين.

إننا نفهم سبب فزع مشايخنا من العقل النقدي ومحاربتهم له، ووصول بعضهم أحياناً إلى تكفير صاحبه. ونفهم كيف وظفوا منع الكلام أثناء خطبة الإمام ـ حسب الحديث النبوي إن صح ـ لاغتيال التساؤلات التي يطرحها أصحاب العقل النقدي؟ لماذا؟ وكيف؟ ومتى..؟ فهم يطلبون من سامعيهم في المساجد ومن مريديهم في مجالس العلم ومن طلابهم في الجامعات أن يحنطوا عقولهم ويصيحوا “ آمين¨ خلف كل معلومة يلقونها إليهم دون نقاش ودون استفسار ودون اعتراض، فالنقاش وقاحة، والاستفسار غباء، والاعتراض كفر.

والعقل النقدي عقل مكتسب، وملكة تنمو في ظل شروط موضوعية منذ السنوات الأولى من عمر الإنسان، فإن لم تتوفر لها هذه الشروط ضمرت ثم غرقت تحت ركام من صدأ التقليد، ليتحول صاحبها إلى ببغاء لايتقن سوى ترديد مايقال له دون تفكر ولا تدبر. ومن هنا فإن أول خطوة في طريق الحفاظ على العقل النقدي هي إعادة صياغة المناهج التعليمية والبرامج التربوية بحيث نخرج بها من إطار التلقين الذي دربت الأمة على اعتماده قروناً في مناهجها وبرامجها.

وأهم البنود في الحفاظ على العقل وبث الروح في العقل النقدي هو الخروج من نفق مظلم اسمه الحديث النبوي. ففيه تم اغتيال هذا العقل، ومن خلاله وخلال السيرة النبوية انتقلت الأسطورة ووصلتنا من أوسع أبوابها، فأصبحنا لانفرق بين ماهو ديني وماهو تاريخي وماهو ميثيولوجي وأسطوري. والعقل النقدي من السهل عليه أن يناقش حديث البخاري بأن الله خلق آدم بطول 60 ذراعاً. ونحن نعرف أن الديناصور انقرض منذ 65 مليون سنة ووجدنا هيكله العظمي. وإلى الآن لم يجد علماء الآثار أي هيكل عظمي واحد لهذا القول. إذاً هناك كذب وأسطورة. كذلك الحديث التي يقول أن أجساد الشهداء لاتأكلها الأرض، فإن العقل النقدي يقول: لماذا لانكشف على قبور شهداء أُحُد ومنهم حمزة بن عبد المطلب، وسنكتشف أننا لن نجد شيئاً أكثر من هيكل عظمي ـ هذا إن وجدناه. هذا كذب ووهم!. ومن السيرة نجد أن حادثة شق الصدر للنبي (ص) وهو طفل مجرد وهم لاأكثر.

أي لدينا المعادلة التالية:

كتب الحديث › كتب السيرة ¯ التاريخ › الدين › الأسطورة والخرافة ¯ إلباس الحق بالباطل (إلباس الحقيقة بالوهم).

وهذه الظاهرة ينطبق عليها قوله تعالى: {لاتلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق..}

أما التنزيل الحكيم فتنطبق عليه المعادلة التالية:

التنزيل الحكيم ¯ أحداث الكون وأحداث التاريخ (الحق ـ النبوة) وهي تخضع للتأويل › السلوك الإنساني الواعي الحر (الرسالة} (فرق الحلال عن الحرام) وهي تخضع للاجتهاد.

وإن دراسة التنزيل الحكيم بفرعيه النبوة والرسالة بعقل نقدي يوصلنا إلى نمو المعرفة الإنسانية بالوجود الموضوعي ونمو الضمير الإنساني، مما يجعل من المسلم إنساناً صادقاً حر الضمير قادراً على فهم وصايا الرسالة، ويزيدنا من الله قرباً حركياً، ونمو الضمير الإنساني يزيدنا من الله قرباً سكونياً.

4 ـ الحفاظ على الدين:

لعل هذا البند من بنود مقاصد الشريعة كما أرساها أصحابها هو أخطر هذه البنود، وأكثرها خروجاً على ماقرره تعالى في تنزيله الحكيم، وعلى ماالتزم به النبي الكريم (ص) وطبقه في كل مراحل حياته المباركة.

أما عن التنزيل الحكيم، فالله تعالى يقول {لاإكراه في الدين} البقرة 256، ويقول {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فيكفر..} الكهف 29، ويقول {إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل} الزمر 41. ولايخفى على المتأمل العاقل لهذه الآيات التي أوردناها على سبيل المثال لا الحصر، هذا الاحترام الإلهي للإرادة الإنسانية ولحرية الإنسان في اختيار عقائده ومعتقداته، ثم يرسم سبحانه ـ تطبيقاً لهذا المبدأ الأساس في احترام حرية العقيدة عند الإنسان ـ لنبيه الكريم معالم الخط الذي يتوجب عليه إتباعه في دعوة الناس إلى سبيل ربهم، وفي إبلاغهم رسالة الله إليهم كما نزل بها جبريل الأمين، فيقول {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} الأنبياء 107، ويقول {أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وادلهم بالتي هي حسن..} النحل 125، ويقول {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفرهم وشاورهم في الأمر..} آل عمران 159.

وأما عن النبي (ص) فقد كان التنزيل الحكيم هو النبع الوحيد الذي يستفيء بظلاله ويغرف من زلاله. فأطلق في مكة شعاره المشهور “خلّوا بيني وبين الناس¨. ومرة أخرى لايخفى على المتأمل العاقل مايحمله هذا الشعار من احترام للحوار مع الآخر، وما ينطوي عليه من رفق عقلاني وهو يتوجه بالموعظة الحسنة ليخاطب عقول الآخرين، هذا الرفق الذي لازمه طوال أيام حياته وهو يبلغ الرسالة، علماً بأن هذا الرفق لم يلازمه دائماً وهو يبني دولته.

وأحسن تعبير عن الحفاظ على الدين هو تبني منظومة حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة التي أصبحت منظومة عالمية. والغريب أن العرب والمسلمين هم وحدهم الذين يتحفظون عليها تحت مختلف الذرائع.

ملحق

أخرج مسلم في صحيحه (كتاب الفتن وأشراط الساعة) عن فاطمة بنت قيس قالت:

(سمعت منادي رسول الله (ص) ينادي: الصلاة جامعة. فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله في صف النساء التي تلي ظهور القوم. فلما قضى رسول لله صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: أتدرون لم جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إني والله ماجمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً، فجاء فبايع فأسلم، وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال. حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهراً في البحر، ثم ارفأوا إلى جزيرة حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لايدرون ماقبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلكِ ما أنتِ؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمّت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطانة. قال فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً، وأشده وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه مابين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد. قلنا: ويلك وما أنتَ؟ قال: قد قدرتم على خبري فأخبروني ماأنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهراً ثم أرفأنا على جزيرتك هذه. فجلسنا في أقرها، فدخلنا الجزيرة، فلقينا دابة أهلب كثير الشعر، ولايدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا ويلك ما أنتِ؟ قالت: أنا الجساسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعاً وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة. فقال: أخبروني عن نخل بيسان. قلنا عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال أما إنه يوشك ألا يثمر. قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية. قلنا عن أي شِأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب، قال: أخبروني عن عين زغر، قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين مافعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب، قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم، قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إن ذلك خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة، أو واحداً، منهما استقبلني ملك بيده السيف مصلتاً يصدني عنها. وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها. قالت: قال رسول الله (ص)، وطعن بمخصرته في المنبر: هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة (يعني المدينة) ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ فقال الناس: نعم، فقال: فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن مكة والمدينة. ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق. ماهو من قبل المشرق، ماهو. وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فحفظت هذا من رسول الله (ص) أهـ.

o    /

من المعقول ان الإسلام نصلي ونصوم ونحج ونضيع مسؤليه العقل اي الخلافه لو كانت القضيه صلاه وصيام وحج لألهمنا تسبيحه وصلاته كما الهم الطيور فأين الخلافه في الارض وحمايها من الفساد وصلاحها وكيف سنخشع في الصلاه ونحن نرشي الحكام ونلعب القمار ونأكل أموالنا بيننا بالباطل والطبيب لا يرحم المريض والتاجر يغش زبونه والفلاح يرش الثماربمبيد قاتل ويجني الثمار في نفس اليوم او بعد يومين هجر القرآن يضيع التقوى واذا ضاعت التقوى ستصبح الصلاه شكل بهلواني

 

 

خاتمة الكتاب

بعد عرض مواضيع هذا الكتاب يلاحظ القارئ الكريم أننا حرصنا على احترام عقله أكثر من عواطفه، وإننا بحاجة ماسة إلى إعادة النظر بالثقافة الموروثة.

وبما أن الفقه الإسلامي كما صاغه لنا الفقهاء في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وكذلك علوم القرآن، بحاجة ملحة إلى إعادة النظر وخاصة فيما يسمى بالثوابت أو الأصول. حيث نحن اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة تأصيل الأصول نفسها، وإعادة النظر فيما يسمى بالأحكام الشرعية وأدلتها. والتفكير بصياغة شرعية جديدة بعد شرعية الخلافة، حيث التخبط في نظرية الدولة والسلطة والشرعية السياسية مازال قائماً. وأن وجود دولة وسلطة بعيدة عن المشايخ (السادة العلماء) هو من أكبر نِعَمِ الله تعالى على عباده.

وبالختام أرجو من الله أن يتقبل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم.

والحمد لله رب العالمين…

دمشق كانون أول / ديسمبر 2007.

  

 http://shahrour.org/?page_id=123




 

Aucun commentaire: