dimanche 27 septembre 2015

الصافي سعيد :الحبيب بورقيبة – سنوات الصبا من البراءة الى القلق



الحبيب بورقيبة – سنوات الصبا من البراءة الى القلق

بقلم : الصافي سعيد
ولد الصبي الحبيب ، مع بزوغ القرن العشرين. و إذ سمع صراخ الحبيب و هو يرتطم بالأرض معلنا عن قدومه وسط الخجل و الانكسار ، فإن القرن العشرين قد كشف هو الآخر عن وجهه البشع من خلال تلك المجاعات التي ضربت الكرة الأرضية من الصين إلى إفريقيا ، و تلك المجازر و المذابح التي اقترفت في حق شعوب كثيرة من روسيا إلى أرمينيا ، و من الجزائر إلى الهند. سار القرن العشرون على جثث كثيرة و هو يتغذى بالمجازر و الخيانات و الدناءة ، باحثا عن المجد و القوة ، و متخطيا الأرض و االفضاء و الزمن و الأبعاد. أما الحبيب الصغير ، فقد راح يحدق في الأفق و هو لا يعرف إلى أين ستقوده خطواته الصغيرة.
كان ثامن إخوته. و كان أصغرهم. و إذ جاء إلى الحياة حين بلغ أبوه من العمر أرذله ، فقد قوبل بتململ واضح. و قد ظن الناس أن أخته التي ولدت قبل سبع سنوات ، هي خاتمة العنقود ، فإذا بالوالدة " فطومة " بنت خفشة الأربعنية تحبل به. و لأن فطومة قد أصبحت في مصاف الجدات لأن البنات كن يتزوجن في سن مبكرة ، و هي التي يبلغ ابنها لا يسمع صياحها بدافع الخجل و الحياء.
حين عرف الأخ الأكبر محمد أن المولود ذكر و ليس أنثى ، قال بصوت عال و خشن و هو يهنئ نفسه : " الحمد لله ، لم يكن المولود أنثى ". و حين سمع الصبي الحبيب تلك الرواية ، لاذ بصمت عميق ، ما لبث أن تطور إلى مساءلة في سنوات النضج عن وضعية المرأة عموما. لما حدثته فطومة لاحقا " بأن الغيرة و الأحقاد كانت أحشاء و قلوب زوجات أعمامه ، لأنها قد أكثرت من إنجاب الذكور أدرك الصبي الحبيب مبكرا أن الإناث محتقرات !.
تطور الخصام بين السلفات. لم تكن والدة الحبيب " فطومة " امرأة مطيعة أو لينة رغم مرضها. فأم لذكور غالبا ما تكون صاحبة سطوة على زوجها. و لذلك فقد قررت أن ترحل من بيت الجد الذي أصبح مقرا لشجار متواصل طوال النهار. و حين وضعت زوجة العم محمد كمية كبيرة من الملح في إناء فطومة ثم عمدت زوجة العم حسن إلى وضع كمية من الرماد في قصعة الكسكسي ، كان على الأب علي و قبل أن يأتي الطفل الحبيب إلى الحياة ، أن يهرب بأبنائه و زوجته إلى دار أخرى خوفا من الفضائح.
كانت " حومة الطرابلسية " التي توجد بها دار جد الحبيب ، الحاج محمد بن علي الأشقر ، عبارة عن مجموعة أزقة متشابكة و مزدحمة بالوافدين و النازحين إلى قرية المنستير منذ أكثر من قرن. لم يولد الصبي الحبيب كبقية أخوته في تلك الدار التي تجمع أبناء الحاج محمد و زوجاتهم ، و إنما ولد بدار أخرى في حي " القرايعية " خارج حومة " الطرابلسية " بعد أن اكتراها والده مفضلا الانسحاب من الشجار و الخصومات. و سوف تبقى " دار الجد " الحاج بورقيبة الأشقر حظيرة للبقر و البهائم بعد أن تركها الجميع تباعا ، إلى أن تتحول إلى مزار بعد أن أصبح الحبيب رئيسا للبلاد التونسية.
كانت هذه الدار ، و كما وقع ترميمها فسيحة و بها ثلاث غرف ، الأولى على اليسار لعم الحبيب سي محمد و هو رجل يكبر علي بحوالي 20 عاما. و قد كان كفيفا و لم ينجب إلا ولدا معتوها. و الثانية تقع في صدر الدار و كان يسكنها عمه سي حسن الذي لم ينجب إلا ثلاث بنات. أما الغرفة التي تقع على اليمين و هي الغرفة التي كان أحد جدرانها مطلا على الشارع فقد شهدت ميلاد أخوة الحبيب جميعا.
و إذ يصعب تحديد السنة التي ولد فيها الحبيب على وجه الدقة ، فإن التاريخ الذي اختاره بورقيبة قد حدد سنة 1903. بيد أن العودة إلى أوراقه المدرسية و تاريخ حصوله على الشهادة الإبتدائية قد يرجح أنه ولد في العام 1901 . و ليس ثمة أن الحبيب قد ولد في الصيف شهر آب / أغسطس ، إلا حبه لبرج الأسد ، إذ اختار أن يسجل نفسه تحت مواليد ذلك البرج. و حين جاء الحبيب إلى الحياة كان أصغر إخوته فتاة تبلغ من العمر حوالي 7 سنوات ، و هذا يعني أن جميعهم ولدوا قبل حلول القرن العشرين. و لو افترضنا أن والده قد تزوج في العام 1880 ، أي قبل بدء الحماية بعام واحد و أن أخاه الأكبر محمد يكبره بـ 21 عاما كما يقول بورقيبة نفسه ، فالأرجح أن يكون الحبيب قد وضع قدميه على الأرض في العام 1901 و ليس في العام 1903. و حين نضيف أن تاريخ حصوله على الشهادة الإبتدائية هو العام 1913 ، يكون من المؤكد أن الولادة حدثت في العام 1901 بحيث إنه حصل على الشهادة و هو في سن الثانية عشرة. و هو عمر مناسب أكثر من عمر الـ 10 سنين ، زيادة على أن رقم 21 سيكون رقما سحريا في حياة هذا الرجل كما سنرى لاحقا!.
***
لم يعرف الصبي الحبيب لا حارات الحومة الطرابلسية و لا صبيتها. فقد ولد و تربي بعيدا عنها ثم ما لبث أن غادر المنستير بصحبة أخيه الأكبر ليتابع دراسته الابتدائية. و حين كبر أدرك أنه نزع بالقوة من تلك الأجواء التي عادت تخيم عليه كحنين جارف جعله سجينا لذكريات ملونة مرة و غائمة أو مشوشة مرة أخرى. كانت تلك الحومة يسكنها القادمون مع جيش الباي حمودة باشا الذي سافر عبر ليبيا نحو تركيا للمشاركة في حرب القرم ، كذلك الهاربون من عسف حكم عائلة القرامنللي على إيالة طرابلس الغرب ، و الباحثون عن عمل موسمي في حقول الزيتون بالساحل و الناجون من المذابح و المجاعات ، بالإضافة إلى بعض العائلات اليهودية الخائفة و الباحثة عن الأمن.
و سيظل بورقيبة مثقلا إلى سن متقدمة بهمّ البحث عن جذوره البعيدة. سوف لن يتنكر أبدا لجذوره الليبية و هو ما ردده مرارا و تكرارا في تونس و طرابلس ، من أن لعائلته قدمت من ليبيا ، بل هو سيقبض على نفسه و هو مورط بالبحث عن عائلته في مصراتة ، حين كان يتابع رحلته إلى المشرق في الأربعينيات ، و لكن ما لم يؤكده أحد بما في ذلك بورقيبة نفسه ، هو ما إذا كانت تلك العائلة ( عائلة بورقيبة ، هي عائلة ليبية – مصراتية أم هي عائلة وافدة على مصراتة في حدود الربع الأول من القرن التاسع عشر ).
تتيح مقارنة الأسماء هنا التأكيد أن اسم بورقيبة مركب على النحو الذي تركب به بعض أسماء العائلات الليبية مثل بورجيلة و بوعوينة و بوسنينة و و بوكريشة و بوذينة و بورويس و بوخشيم ، و هي صيغ تصغيرية. هذه الألقاب بهذه الصيغة التصغيرية غالبا ما تطلق على الوافدين ، لا على الأهالي ، ذلك أن الذي لا يعرف اسم جده أو اسم عائلته ، يصبح ملقبا بما هو بارز منه عضويا أو حتى سلوكيا. فالذي ليملك كرشا صغيرا يصبح بوكريشة ، و الذي يملك رجلا صغيرة ، يعرف تحت اسم بورجيلة. و إذا كانت رقبة أحدهم صغيرة أو قصيرة يصبح حاملا لقب أبو رقيبة.
يأخذنا ذلك التأويل المتارن إلى أن عائلة بورقيبة وافدة على مصراتة التي ظلت إلى منتصف القرن العشرين من أهم موانئ التجارة و الاختلاط البشري. و ما يؤكد ذلك أن عائلة بورقيبة هذه قد انتشرت بعد ذلك في طرابلس ثم في جربة ، حين كانت تحت حكم القرامنللي و منها إلى الساحل في المنستير. و إذ يبدو مسجد بورقيبة بطرابلس كشاهد على أن أحد أفراد هذه العائلة قد مر من هناك ، فإن عائلة بورقيبة بجزيرة جربة تبدو هي الأكبر حجما و عددا من عائلة بورقيبة التي سكنت المنستير مما يرجح خط رحلتها ( مصراتة – طرابلس – جربة – المنستير ). و لكن إذا لم تكن عائلة بورقيبة من أهالي مصراتة القدماء ، فمن أين تكون قد وفدت ؟.
تذهب بعض القراءات بعيدا فتؤكد أن جذور هذه العائلة ألبانية ( 1 ). فيما يؤكد آخرون أنها من أصل يوناني من جزيرة سالونيك ( 2 ). إن بورقيبة نفسه الذي لطالما تغنى بعيونه الزرق " التي لا يمكن أن تنتمي إلى عيون العرب السوداء ( 3 ) " كثيرا ما سوف يتساءل ما إذا كان من أصل عربي أو من أصل أوروبي. و لا تتوقف الأسئلة حول أصل هذا الرجل صاحب العيون الزرق ، بل ستشمل كذلك ديانة هذا الرجل العلماني الجاف الذي أثار كثيرا من المتاعب لرجال الدين الإسلامي حين أصبح رئيسا.
ثمة من يعتقد أن اسم بورقيبة يعني " السجين ( 4 ) " ، و في هذه الحالة سيكون من الأرجح أن يكون المعنى هو الرجل الذي عتق رقبته. و على ذلك الأساس ، فإن التفسير يقوم على أن الجد بورقيبة ، قد عتق عن طريق الهرب عبر البحر إلى مصراتة ، أي إلى ديار الإسلام!.
ثمة كذلك من يعتقد أن بورقيبة من سالونيك ( * ) و من أصل يهودي. و قد اضطر إلى اعتناق الإسلام حين هرب إلى مصراتة ، الأمر الذي يجعل الافتراض الذي يقول أن جامع طرابلس المسمى بجامع بورقيبة قد بني على زاوية قديمة كانت تعرف بزاوية بورقيبة تنعما على روح الشيخ بورقيبة الذي اعتنق الإسلام في سن متقدمة.
و ستظل " يهودية بورقيبة " من الأشياء الغامضة تماما مثل غموض أصله اليوناني أو الألباني ، كذلك مثل غموض تاريخ قدوم جده الأول إلى مصراتة ، و قدوم جده الأخير إلى تونس.
و ثمة افتراض عام من شأنه أن يضع حدا لذلك الغموض و التأويل المتشابك ، هو أن بورقيبة من عائلة تنتمي إلى الكون العثماني سواء كان من سالونيك أو من ألبانيا ، و أنه ينتمي إلى عائلة مسلمة منذ أصبحت نزيلة ديار الإسلام على شاطئ مصراتة. كما أن جده الحاج محمد بن علي الأشقر قد قدم إلى المنستير في حدود عام 1855 أي حين كان عمر والد بورقيبة علي 5 سنوات. فهذا الأب الذي توفي في العام 1926 و عمره يناهز الـ 76 سنة ، و كان قد تزوج و عمره نحو 30 سنة في العام 1880 ، لم يولد في المنستير ، بل من المرجح أن يكون قد ولد إما في جربة قبل أن ينتقل جده إلى المنستير أو في مصراتة.
كان الحاج محمد بورقيبة الذي يلقب بالأشقر قد استقر في حومة الطرابلسية ، مثل الذين سبقوه إليها في موجات متعددة من الهجرة. لا أحد يعرف متى حل الحاج بورقيبة الأشقر ( 5 ) بتلك الحومة ، و لكن الحكايات التي نسجت بعد أن أصبح حفيده رئيسا للبلاد التونسية تبدو مكتنزة بكرم هذا الرجل و شجاعته و غناه. و تبدأ تلك الحكايات في العام 1795 ، حين قرر الحاج الهجرة من مصراتة على إثر قلاقل اجتاحت ولايات الإمبراطورية العثمانية. نزل في البداية في جربة مع أبنائه و عبيده الأربعين و حيواناته و كذلك طبيبه الخاص !. و بعد سنين طويلة انتقل إلى المنستير . و إذ تتكرر الأسماء نفسها في عائلة بورقيبة ، فإن الحقائق كثيرا ما تتداخل ، حتى لا نعود نعرف متى حل بالضبط بالمنستير ، و من الذي حل بالمنستير من جدود الحبيب ، هل هو الحاج محمد الأول الملقب بالكبير أو الحاج محمد الثاني الملقب بالأشقر ؟ كما لا نعرف ما إذا كان الحاج محمد واحدا فقط يلقب مرة بالأشقر و أخرى بالكبير ، أو اثنين ؟ و لكن هناك واقعة مهمة تثبت أن والد الحبيب حين انفجرت ثورة علي بن غذاهم في وجه حكم الحسينيين في العام 1864 ( 6 ) ، كان يبلغ من العمر 14 سنة فقط. أثناء تلك الانتفاضة ، وضعت أملاك الحاج بورقيبة تحت مراقبة جند الجنرال زروق ، كما وضع الحاج محمد في السجن و كان على العائلة أن تجمع ما تملك من ذهب و فضة لتدفعها كفدية لإطلاق سراح الحاج محمد. تلك الفدية سيحملها إلى إدارة الجند المراهق علي والد الحبيب. و حين وقف المراهق مضطربا أمام أحد مساعدي الجنرال زروق ، استبقاه ليقدم نفسه ( 7 ). و في الحين لمح الجنرال عيون المراهق علي الزرق ، فقال له مداعبا : " أنت من أبناء الباب العالي ، فلماذا لا تعمل في الجندية ؟". ثم قام الجنرال ليأذن بإطلاق سراح الأب الحاج محمد. عاد الحاج محمد إلى بيته لينام من التعب ، فإذا بالنوم يأخذه إلى القبر ، أما الابن علي ، فقد أعجبته الفكرة و أصبح من جند الجنرال زروق. أمضى " علي " حوالي 19 عاما في خدمة الباي، و حين ترك تلك الخدمة كان عمره نحو 33 سنة فقط حصل على رتبة رقيب مع خطة تقاعدية قدرت بـ 11 فرنك كل ثلاثة أشهر.
كانت الحماية الفرنسية قد انتصبت على تونس منذ سنتين ، حين غادر الرقيب علي الخدمة العسكرية. كان يبلغ من العمر نحو 33 سنة ، و كان قد تزوج من فطومة بنت خفشة قبل عام فقط من اتفاق قصر السعيد في العام 1881 الذي شرع لتلك الحماية الفرنسية.
و بعملية حسابية نجد أن الوالد علي قد ولد في العام 1850 إذ كان قد توفي في العام 1926 عن عمر يناهز 1976 سنة. و هو ما يؤكد أن هذا الوالد علي قد ولد إما في جربة قبل وصول الحاج محمد إلى المنستير في العام 1955 أو ولد في مصراتة.
لم تعد عائلة الحاج بورقيبة غنية ، أو بالأحرى لم تكن كذلك. فالدار التي كان يسكنها الأولاد ، علي و حسن و محمد لا تحتوي على أكثر من ثلاث غرف. خرجت الأخت آمنة لتتزوج أحمد سقا ثم غادرت الأخت عيشوشة لتتزوج من الحاج يوسف زوتين. و هذان الصهران ينتميان إلى أعيان البلدة. أما الأخوة الذكور فقد اقتسموا البيت ، حيث سيعيش كل واحد منهم مع زوجته و بناته في غرفة ، إلى حين يغادر الأخ علي بيت الوالد إلى دار أخرى خارج حومة الطرابلسية ، قرب القرايعية حيث سيلد الابن الحبيب.
كانت أم الحبيب فطومة ابنة للسيدة خدوجة مزالي. و هذه الأخيرة ، التي تنحدر من " سوس المغرب " ( بربر ) غنية إلى حد يضعها في صف أعيان المنستير. و هي التي رتبت زواج بنتها بعلي والد الحبيب ، كما هي التي ساعدت صهرها – علي – على اكتراء منزل آخر تنتقل إليه ابنتها و أحفادها هربا من الشجار مع السلفات. و إذا عرفنا الآن أن جد الحبيب قادم من مصراتة ( ليبيا ) و يرمي بجذوره البعيدة إلى سالونيك أو ألبانيا ، و أن جدة الحبيب خدوجة مزالي قادمة من بلاد السوس البربرية في المغرب ، يصبح آنذاك من السهل مغامرة الاستنتاج أن الحبيب لم يكن من أصول تونسية لا من جهة الأب و لا من جهة الأم. أما أصوله العربية فستظل في حاجة إلى تأكيد.
إذا كانت الأم فطومة قد ورثت من آل خفشة السمرة و من آل مزالي المثابرة و القوة و الجاه ، و ورث الأب عن جده الأشقر عيونه الزرق و قامته الممشوقة ، فإن الحبيب ، و هو الابن الأخير بعد محمد و أحمد و محمد و محمود و نجية و عايشة ( عيشوشة ) و يونس ( الذي توفي بعد ثلاثة أشهر فقط من ولادته ) سوف يرث من والده زرقة العيون و بياض البشرة و من والدته قوة التصميم و المثابرة. أما قامته القصيرة (  متر و 64 سنتمترا ) و التي كثيرا ما كانت محل تهكم لدى أخوته الكبار كقولهم : " البيضة الفاسدة هي دائما البيضة الصغيرة " أو " من قرب إلى الأرض كثر شره " ، أو " حبة العنقود الأخيرة غالبا ما تكون صغيرة و صفراء " ، فسوف تجعل منه رجلا قلقا و طموحا إلى أبعد حد. و إلى درجة أنه سيكتشف مبكرا أن القامة تزداد طولا كلما صعد صاحبها إلى الفوق ، فوق المنابر أو فوق الأعناق.
و بالرغم من أن الابن سيتربى على احتقار الثكنات و العسكر ، إلا أن والده كان من عساكر الباي. و سوف نعرف أنه ربما الـ 19 سنة التي قضاها والده في خدمة الباي و هو يحمل " البردعة " على ظهره هي التي شحنته بذلك العداء الصارخ لكل ما هو عسكري ، بيد أن والده حين تقدم به العمر لم يجد ما يسد حاجاته غير تلك " الخطة التقاعدية " التي أصبح بمقتضاها يتلقى منحة كل ثلاثة أشهر ، بعد أن عزل من منصب شيخ حومة الطرابلسية. إن البردعة التي كان يحملها الوالد هي التي أرهبت الحبيب و جعلته معاديا للعسكر ، أما السيف الذي ورثه أبوه الرقيب فسوف يبقى رمزا للمجد في نظر الحبيب.
كان الأب علي في البداية قد دخل كجندي عادي في صفوف التريس ( المشاة ) ثم أصبح فيما بعد رقيبا تحت أمرة يوزباشي المنطقة. و سوف لن يتذكر الابن الحبيب من خدمة والده ، سوى حكايات بسيطة يسمعها من الوالد الذي غادر جند الباي قبل مجيئه إلى الحياة بحوالي 21 سنة. كما سوف لن يرث من مجد أبيه سوى ذلك السيف المعلق على جدار السقيفة " بدار القويج " حيث ولد الحبيب ، كرمز للمثابرة و الشرف العائلي و البأس إذ كثيرا ما أدخل الرعب في قلب الصبي ، حين كان يحاول النهوض برجولته لإخراجها من معتقل الدار و الزقاق الضيق و المراهقة المشاغبة. و لأن الأب قد أصبح شيخا بعمر يناهز الـ 58 عاما و بصحة عليلة و هو على خوف كبير من ضياع آخر العنقود ، فقد اختار أن يرسل ذلك الصبي الحبيب بسنواته الست إلى أخيه محمد الذي كان يسكن تونس العاصمة و يعمل كمترجم في الإدارة الفرنسية. هناك سيدخل الطفل الحبيب عالم الخشونة مبكرا. سيعرف حرمان الأم و قسوة زوج الأخ ، و صرامة الأخ الأكبر. سيعرف حرية كانت أقرب إلى الإهمال و الحرمان. كما سيتوزع نهاره بين المدرسة و الشوارع محدقا في بنايات ضخمة و أناس جدد ناشطين.  كل ذلك سيغرس في الصبي الحبيب ميزة التأمل الجارح و الوعي المقارن. و إذ كثيرا ما عوقب من قبل زوجة أخيه التي كانت تنظر إليه كولد شقي و نزق و وسخ ، فإنه لطالما أحزنه الأمر و هو يقارن نفسه بأقرانه تلاميذ الصادقية، فلا يجد في قدمه غير حذاء مثقوب ، و على قامته القصيرة و النحيفة لباسا رثا يفي بداخله حبا فاجعا لأمه و كراهية مقيتة لتلك المرأة القاسية " التي تسكن بيت أخيه ( 8 ) " ، و بعض الحقد على زملاء له أكثروا من التفاخر و الفخفخة. 
مضى الآن أكثر من ربع قرن على نظام الحماية الفرنسية : خطا الصبي الحبيب أولى خطواته في تونس العاصمة نحو الدرس و الاجتهاد و هو مثقل بنصيحة الوالد " عليك بالاجتهاد حتى لا تحمل البردعة " ، و إذ سأله و هو يودعه : و ما البردعة يا أبي ؟ أجابه : " إنها الكساء الذي يوضع على ظهر الحمار. و قد حملها أبوك على كتفيه سنين طويلة أثناء تنقله مع جيش الباي من منطقة إلى أخرى ( 9 ) ". اجتاحت تونس موجة من الغضب دفعت بها أمواج الساحل الشرقي ، حين قذفت بأخبار مظاهرات القاهرة ضد الاحتلال البريطاني ، و لم يتأخر ذلك الغضب حتى كشف عن مجموعة من " الشباب " تحت قيادة علي باش حانبة ، و قد تحمسوا لمقاومة الحماية. و خلف ذلك القلق الكثيف ، خلف محمد الناصر باي ابن عمه الذي كثيرا ما وصف بالباي الشهم ( محمد الهادي باي ).
و لأن " الناصر باي " قد برز كرجل قوي داخل قصر قد أصبح مثقلا بالذنوب و محاصرا بالكراهية و كذلك بالشروط المذلة ، فقد افتتح عهده بتحد سيسجل في تاريخه كنقطة مضيئة. لقد تم إصدار مجلة " العقود و الالتزامات " التي اعتبرت أول عهد للقانون المدني التونسي الحديث. بعد ذلك أدخل هذا الباي لأول مرة نوابا عربا تونسيين في مجلس " الشورى " المشرف على توزيع ميزانية الحكومة و التي كانت فيما مضى تحت قبضة الفرنسيين المطلقة ، ثم أحدث ما أصبح يعرف بقانون " الحالة المدنية " لتسجيل الولادات و الوفيات بالمجلس البلدي. و هذا كله ما أعطى للأهالي بعض الفرص للظهور في معظم قطاعات الحياة.
كانت مدرسة الصادقية من إنجازات " الصادق باي " المشعة و التي ستخفف عنه ذنوب توقيعه على معاهدة الحماية. و قد أقيم ذلك البناء في العام 1875 ، أي قبل انتصاب الحماية بنحو ست سنوات بأمر من " الصادق باي " و تحت إشراف المصلح " خير الدين باشا ". و إذ أطل عليها الصبي المنستيري الحبيب في العام 1907 ( 10 ) ، فقد شاعت شهرتها على نحو أقبل فيه أعيان البورجوازية العقارية و العسكرية و الزراعية ، يتنافسون على إرسال أبنائهم إليها. كان الجيل الذي أصبح يتزعم منظمة " الشباب التونسي " هو الجيل الأول لتلك المدرسة. فعلي باش حانبة و علي بوشوشة و بشير صفر و محمد الأصرم ، هم رموز بداية المقاومة ، كذلك هم أبناء رموز الأرستقراطية التونسية الذين أعدوا خصيصا لخدمة العائلة الحسينية.
إذا كانت الصادقية قد بدأت تعطي ثمارها لتحديث المجتمع في ذلك الوقت ، فإن مدرسة الخلدونية التي تأسست في العام 1896 ، قد جاءت لتحديث تعليم جامعة الزيتونة. كانت الفكرة قد ولدت في أحضان مجموعة من المثقفين تعرفوا إلى الشيخ " محمد عبده " لدى زيارته لتونس ( 11 ). و لأن الخلدونية قد أصبحت هي أيضا منارة للعلوم الحديثة ، فقد تحمس المحامي باش حانبة و الصحافي علي بوشوشة نحو بعث جمعية قدماء الصادقية. تلك الجمعية ستكون بمثابة المصهر الثقافي الجديد لتونس العاصمة و أبناء أحياء باب الجديد و باب سويقة و الحلفاوين و باب الفلة. لم تكن السياسة بعيدة عن هموم أولئك الشباب الطازج و المتعطش للمعرفة و الحرية. و إذ أعجب المحامي باش حانبة و رفاقه بأفكار محمد عبده المصري و أفكار " تركيا الفتاة " ، فقد اختار لتلك الجمعية التي تطورت فأصبحت حزبا سياسيا ، " تونس الفتاة " أو " الشباب التونسي ". و منذ كانون الثاني / يناير 1907 ، سيصدر االشباب التونسي جريدة عرفت " بالتونسي " ناطقة بلسانهم و حاملة لمطالب إصلاحية تذهب إلى حد المطالبة ببرلمان تونسي.
كان الطفل الحبيب قد اندمج في الصادقية دون أن ينسى أبدا أنه قادم من الضواحي. و لذلك فقد تعلم الحذر مبكرا إلى جانب التحدي. ظل يلبس الجبة و الشاشية الحمراء إلى صف الشهادة الإبتدائية ، و لطالما أعجب بالسراويل الإفرنجية و الأحذية اللماعة التي كان يرتديها بعض أقرانه من أبناء الموسرين ، لكنه لم يجد لا الشجاعة و لا الحماسة لكي يطلب من أخيه محمد شراء بعض الملابس الجديدة. كانت المرأة التي تعمل ببيت أخيه الكائن بتربة الباي – قرب مقبرة البايات – تدعى " ضاوية ". لم تكن " بلدية " أي من أصيلي تونس المدينة ، و لكنها تعلمت كل شيء لكي تخفي أصولها الريفية جيدا. هذه المرأة ستغرق الطفل الحبيب في الشعور بالعار و حتى باليتم. و لأنه لا يجد من يشكو إليه غطرسة تلك المرأة التي جعلت منه خادما صغيرا ، و قد ترك أمه و والده في المنستير ، فقد دفن رأسه في الكتب و راح يهيئ نفسه للنجاح. لم يكن ذكيا جدا ، و لكن كان مجتهدا. كذلك لم يكن كسولا في دروسه و لكنه كان مشاغبا. ففي إحدى زيارات والده " الشيخ علي " للمدرسة ، انتحى به المقيم العام للمدرسة ليقول له : " إن الحبيب مهتم بدروسه جديا ، لكنه من النوع المشاغب رغم ما يبدو عليه من إنطوائية ( 12 ) ". لم يعلق الأب علي آنذاك على كلام ناظر المدرسة ، و لكن الابن الذي أصبح فيما بعد رئيسا قال و هو يروي عذاباته : " لقد فهمت منذ تلك اللحظة أن كل شيء قد يكون مسموحا إذا كنا ناجحين ( 13 )".
في الصيف ، كان الحبيب يترك بيت أخيه محمد المترجم ليذهب إلى المنستير. و هناك ينغمس في محيط مليء بالنساء. و بين أمه " فطومة " و جدته و أختيه عيشوشة و نجية سيتعلم الحبيب الطبخ الذي سيتقنه حين يصبح طالبا في باريس أو منفيا في بورج البوف أو حتى رئيسا في قصر قرطاج. كان صبيا شرها رغم نحافته ، و لطالما تلقى عدة توبيخات حين كان يقبض عليه و هو يمد يده في الخفاء لصحن البقلاوة أو و هو يختلي بقصعة الكسكسي المعدة للضيوف كأي قط جائع. و لكن أيام العطلة الصيفية سرعان ما تنتهي حين يرغمه أخوه محمد على مصاحبته و العودة به إلى تونس لحفظ القرآن في الكتاتيب.
كان الحبيب لم يبلغ بعد العاشرة حين أصبح بالقسم الرابع ابتدائي. في تلك السنة سيمر الحبيب بالصدفة أو بالعادة من طريق " باب منارة " ليشاهد الحادث الذي سيؤرخ لمقاومة الاستعمار الفرنسي. كانت أحياء القصبة تعج بالجنود الذين يضعون على رؤوسهم ما يشبه الشاشية التي يخرج من وسطها خيط طويل فينتهي بخيوط قصيرة متشابكة ذات شكل كروي تنزل إلى أسفل العنق. و سأل الصبي الحبيب عن تلك الحشود فقيل له : " إن حادثة مؤلمة وقعت في مقبرة الزلاج".
لقد كانت هذه المقبرة من أحباس العائلات التونسية المسلمة ، و لكن السلطات الفرنسية أرادت أن تضمها إلى البلدية و تنهي أمر الوقف الذي يقال إنه كان لأحد أعيان القيروان. و لأن التونسيين المسلمين قد رأوا في ذلك تدنيسا لمقدساتهم رافضين أن يدفن أموات المسيحيين إلى جانب الأموات الإسلاميين ، فقد عرضت المسألة للتحكيم. و لكن أثناء ذلك وقع صدام بين بعض الأهالي و بعض الأجانب الأمر الذي أدى إلى قتل بعض الإيطاليين ، و هو ما سوف يتطور إلى صدام مسلح مع الجنود الحارسين للمقبرة أدى إلى مقتل بعض التونسيين.
سال الدم على نحو أفزع الجميع. و إذ استمرت تفاعلات ذلك الصدام نحو سنة ، فقد لحق بها حادث آخر شارك في تشكيل ما يمكن أن يسمى بجنين الوعي القادم. ففي اللحظة التي ضغطت فيها المقصلة على أعناق المحكوم عليهم بالإعدام لمشاركتهم في انتفاضة الزلاج و فصلت رؤوسهم عن أجسادهم ، جاء قرار المقيم العام الفرنسي " لابتيت " بإبعاد قيادات " الشباب التونسي " إلى المنفى : علي باش حانبة و عبد العزيز الثعالبي و محمد نعمان تم نفيهم إلى مرسيليا. حسن القلاتي نفي إلى الجزائر. أما الصادق الزمرلي و الشاذلي درغوث فقد أبعدا إغلى تطاوين بالجنوب الفرنسي ، حيث تعتبر من مشمولات الحاكم الفرنسي العسكري.
سوف لن يهتم كثيرا التلميذ الحبيب بورقيبة إن توقف " الترامواي " عن السير ، لأنه قد تعود السير على قدميه الغارقتين في حذاء واسع و مثقوب. و لكن حادثة دوس طفل تونسي تحت عربات " ترامواي " يسوقه أحد الإيطاليين ، سيثير فتنة التساؤلات في رأسه. و قد أجابه أخوه محمد عن ذلك " بأن التونسيين يمتنعون عن ركوب الترامواي لأنهم يريدون معاقبة الإدارة الفرنسية ، و أن ذلك هو ما يسمى بالعصيان المدني". لقد كان أغلب سائقي هذه العربات من الإيطاليين أو التونسيين المتجنسين. فالجالية الإيطالية التي كانت تسكن في تونس كانت أكثر عددا من الجالية الفرنسية. و منذ ذلك الحادث ، أجمع سكان تونس الأهليون على مقاطعة عربات الترامواي إذ قالوا جميعا : " نمشي على أقدامنا أو نركب العربات التي تجرها الخيول و لا نمتطي هذه الآلة القاتلة ( 14 ) ". و فيما ظلت عربات الترامواي تسير فارغة بين القصبة و باب منارة و انتهاء بباب سويقة عبر باب الجديد ، امتلأت صدور السلطات الفرنسية  بالغضب الذي انفجر عندما تم ترحيل قادة " الشباب الفرنسي " إلى المنفى.
تحسس الحبيب و هو مراهق صغير اتجاهه نحو المدرسة مرة اخرى و هو يشعر بفقدانه لدفء والدته. و إذ عرف أن المدينة التي يشقها صباحا و مساء قد أصبحت ساحة لاحتكاك الغرائز ، فقد تساءل طويلا عما يمكن أن يعيد تلك الغرائز إلى سكينتها ؟ لقد حلت الكراهية محلّ التسامح و غطت البشاعة ممارسات السلطات الفرنسية ، حين اتجهت إلى إطلاق النار على الأهالي في المقابر.
انتهى المقام بـ " علي باش حانبة " إلى اسطمنبول ليموت هناك. أما البشير صفر فسوف يتوفى بين أهله. فهذا الوطني الكبير الذي اشتغل بالتدريس في الخلدونية ، و عمل – كقائد – على مدينة سوسة ، فسوف يودع إلى مثواه الأخير بجنازة طويلة جدا أثارت أكثر الأحاسيس اضطراما ، في نفوس الأهالي ، و كادت أن تتحول إلى مذبحة بسبب تدخلات السلطات الفرنسية لتنظيمها. و إذ عارض الأهالي ذلك التدخل البشع ، رأى المراهق الحبيب بورقيبة والده يذرف الدمع على روح الفقيد " صفر " إلى حد ظن فيه بعض الناس أنه من أقارب الميت. تلك الجنازة و معها حادثة مقبرة الزلاج ، و حوادث مقاطعة الترامواي إلى جانب احتجاج الأهالي على اجتياح الطليان لطرابلس عام 1911 ، سوف تحفر علاماتها في لحم المراهق الحبيب بورقيبة. أما أسماء البشير صفر و باش حانبة و الثعالبي ، فسوف تكون علامات مضيئة على طريقه الطويل و الشاق.
و لم تنته جنازة الأستاذ بشير صفر ، حتى قامت جنازة الأم " فطومة ". و رغم أن المسافة بين تونس العاصمة و المنستير طويلة ، سيتمكن الحبيب من حضور مراسم الدفن و هو يبكي كما لم يبك أبدا. و حينما يدخل على جثمانها و هي مسجاة في إحدى الغرف و يقترب منها ليقبلها القبلة الأخيرة سيحس ، لأول مرة أن أجساد الميتين باردة ، الأمر الذي زعزع كيانه فيما بعد و جعله رغم تجاوزه الثمانين يبكي كالطفل و يرتجف كلما تذكر أمه أو وقف أمام قبرها إلى حد يشعر فيه المرء بالتلاشي.
لقد قاست الأم فطومة الكثير كبنات جيلها. كانت رضيعة عندما طلق والدها أحمد خفشة أمها خدوج مزالي لأسباب تافهة ، و هي أنها تكثر من الشخير حين تنام و أحيانا تقدم له الأكل باردا. و سوف تبقى الابنة فطومة بلا زواج إلى حين بلغت الـ 18 ، و هي سن متقدمة حسب عادات ذلك الزمن. و حين تقدم إليها الرقيب علي بن الحاج محمد بورقيبة العائد من الجندية بقليل من الأنفة و بسيف و مرتب تقاعدي ، قبلت به في الحين. و لم تكد هذه الأم أن تفرغ من الولادة و هي تشارف الخمسين حتى توفيت فتركت سبعة أبناء أصغرهم الحبيب البالغ من العمر نحو 12 سنة و زوجا شيخا قد أصبح مدمنا لعب الورق و حكايات عنترة بن شداد. فحين تصل القصة إلى وقوع عنترة في الأسر ، يدهم الشيخ علي نعاس ثقيل فيحمل أشلاءه و يعود إلى داره متوجعا على شبابه و أبنائه البعيدين و خصوصا ابنه الحبيب الذي كان لا يزال مراهقا طريا.
عاد ذلك المراهق إلى تونس و قد زرعت الفاجعة بداخله بذرة النضج. و لم تمض سنة حتى حصل على الشهادة الابتدائية. و لكن ماذا سيفعل به الأخوة بعد أن توفيت الأم و أشرف الأب على الشيخوخة الرذيلة ؟ أحدهم و هو محمد كان فظا معه و أحيانا كان يجنح إلى ضربه ضربا مبرحا ، قال : " ليذهب يتعلم صنعة يعيش منها ذات يوم ". الأخ الثاني و هو أحمد فكر في إرساله إلى المنستير ليبحث عن عمل و يساعد الوالد الشيخ. أما أخوه محمد فقد وقف إلى جانبه فاستدعاه إلى قرية " تالة" في وسط البلاد ليقضي معه وقتا ريثما تتدبر الأمور و ينتعش جسمه الذي راح السل ينهشه.
و في الحقيقة لا أحد من أخوته كان يريد للحبيب أن يواصل تعليمه ، باستثناء أخيه محمود الذي يعمل هو الآخر كمترجم بوزارة العدل. إن محمود الذي يكبره بنحو 15 سنة هو الذي سينتشل أخاه الحبيب من الضياع و يدفع به إلى التسجيل في معهد كارنو ، حيث سيدرس اللغة الفرنسية على يدي أساتذة مهرة و كذلك الرياضيات و التاريخ و بعض الخطوط العريضة للفلسفة الوضعية. و من ثمة سينغمس الحبيب في قراءات لهيغو و جان جاك روسو و برغسون. و بعد أن امتلأ رأسه بعدة أفكار و عدة أسماء و رموز ، سيبدأ المراهق الحبيب في الكشف شيئا فشيئا عن نضج بالغ الحساسية.
الهوامش :
1 – يذكر كتاب صوفي بسيس ( سهير بلحسن ) في جزئه الأول عن بورقيبة منشورات جون أفريك عام 1988 أن بورقيبة تعني – السجين – باللغة الألبانية. لكنها لا تذكر أكثر من ذلك.
2 – يعتقد أحد المثقفين الليبيين أن عائلة بورقيبة أصلها من سالونيك و هو ينقل ذلك عن حكايات توارثتها عائلات مصراتة. و قد تحدث ( المؤلف ) في ذلك مع الدكتور علي فهيم خشيم االذي هو على دراية واسعة بالألقاب و الأسماء. و قد أكد أن عائلة بورقيبة هي عائلة مصراتية ، لكنه لا يستطيع أن يؤكد ما إذا كانت أصيلة ليبيا أو وافدة من فضاء الدولة العثمانية ، خصوصا أن مصراتة مرفأ تجاري و نقطة عبور إلى الساحل التونسي.
أما ما يؤكده الأستاذ إبراهيم أحمد أبو القاسم في أطروحته التي نال بها درجة الدكتوراة من الجامعة التونسية و التي نشرت في كتاب " المهاجرون الليبيون بالبلاد التونسية " – منشورات عبدالكريم بن عبدالله – عام 1992 ، فإن عائلة بورقيبة من العائلات المعروفة حتى الآن في مدينة " مصراتة " و هي تنتمي إلى قبيلة ( الدرادفة ) التي بلغ مجموع أفرادها سنة 1917 حوالي ( 1300 نسمة ). و تتكون هذه القبيلة من الملحمات الآتية : النواصف – الرضاونة – المعاتقة ، أولاد رجب – السقائف.
3 -  قال ذلك بورقيبة للسيدة التي أصبحت زوجته الأولى فيما بعد : " ماتيلد " و التي أصبحت تعرف فيما بعد بمفيدة بورقيبة. كما أن كثيرا من زملاء بورقيبة و وزرائه يؤكدون تكراره لذلك القول.
4 – كتاب صوفي بسيس ( سهير بلحسن ) منشورات جون أفريك – عام 1988 .
5 – إن لقب " ألأشقر " هو صفة أو كنية أطلقت على الجد بورقيبة و هذا يؤكد انتماءه إلى " الجالية الشقراء " أي القادمين من فضاءات البلقان في الدولة العثمانية.
6 – ثورة علي بن غذاهم ، كانت انتفاضة لمزراعي الوسط الشرقي ( تونس ) الذين تم تفقيرهم بزيادة الضرائب و تصاعد الجباية. و قد انتهت مساومة بين زعمائها ، ( و هم مجموعة من رؤساء القبائل ) و بين البايات ، و ذلك بعد حملة قمع رهيبة استعمل فيها الجنرال زروق أبناء الساحل ضد أبناء الوسط.
7 – ذكر ذلك بورقيبة أثناء محاضراته التي ألقاها على طلبة معهد الصحافة في كلية الآداب بتونس عام 1973 .
8 -  المصدر نفسه ، و هي محاضرات طبعت في كتاب عام 1974 حمل عنوان محاضرات في تاريخ الحركة الوطنية ( حياتي – آرائي – جهادي ).
9 – المصدر نفسه.
10 – دخول الحبيب إلى المدرسة الصادقية عام 1907 كما هو موثق ، يفيد مرة أخرى أنه مولود عام 1901 أو 1900 و ليس عام 1903 ، إذ ليس من المعقول أن يصبح تلميذا و هو لم يبلغ الرابعة.
11 – زار الشيخ محمد عبده تونس مرتين ، الأولى في آخر القرن التاسع عشر ، و الثانية في بداية القرن العشرين. و قد التقى بالعديد من وجوه النحبة التونسية في ذلك الوقت. فكان محرضا كبيرا على النضال و الوطنية للشباب التونسي.
12 – كتاب ( حياتي – آرائي – جهادي ) مجموعة محاضرات من إصدارات الحزب الحاكم عام 1974 .
13 – من محاضرة لبورقيبة في العام 1973 أمام معهد الصحافة و علوم الأخبار – نشرت في كتاب تحت عنوان حياتي ، آرائي ، جهادي.
14 – المصدر نفسه.
* نقلا عن  مجلة ألف :
يعتقد بهذا الخصوص أن الذهنية التي كانت تقف وراء مصطفى كمال أتاتورك ( مؤسس تركيا الحديثة ) هي نفس الذهنية التي تقف وراء الحبيب بورقيبة. كانت الخلفيات و المؤثرات التي اشتركت في رسم حدود الشخصيتين متطابقة ، لا سيما من الناحية الجدلية للدين و الدولة . و يعتقد أن كليهما كان عضوا في الماسونية أو الروتارية الدولية. ثم إنهما من سالونيك بالولادة ، إذا صح الافتراض. بإيجاز كانت الاتجاهات نصف الدستورية في تونس و تركيا تلعب على وتر العلمانية و الاستقلال و القطيعة مع الماضي ، و لكن الأنظمة الثورية التي اجتاحت سوريا و مصر ، كانت على العكس ، لا تتمسك بغير البند الثالث مما سبق مع إضافة بنود أخرى أساسية أهمها الحزب القائد وبعض من صفات رومنسية الغاية منها التجسيم و المبالغة ، و هو نفس الخط الذي وضع أسسه المارشال تيتو، كنسخة استشراقية من عظماء الغرب أمثال غاريبالدي أو نابليون ،  إلخ
...



vendredi 25 septembre 2015

vendredi 18 septembre 2015

مفتي السعودية: المظاهرات المؤيدة لغزة غوغائية لا خير منها

  1. وطن للأنباءوصف مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ في تصريحات نقلتها صحيفة "عكاظ" السعودية. التظاهرات التي انطلقت في العديد من الدول العربية والإسلامية لنصرة الفلسطينيين في قطاع غزة في ما عرف "بيوم الغضب"، بأنها "أعمال غوغائية وضوضاء لا خير منها".
  2. وهذا ثاني تصريح لرجل دين سعودي يفتي فيه بتحريم التظاهرات لنصرة الفلسطينيين بعد تصريح رئيس مجلس القضاء الاعلى الشيخ صالح اللحيدان الأسبوع الماضي الذي وصف فيه ايضا التظاهرات بانها "استنكار غوغائي"، معتبرا أنها من "باب الفساد في الأرض حيث تشهد أعمال فوضى وتخريب".
  3. وقال اللحيدان "حتى إذا لم تشهد المظاهرات أعمالًا تخريبية فهي تصد الناس عن ذكر الله، وربما اضطروا إلى أن يحصل منهم عمل تخريبي لم يقصدوه"، وحث فقط على "الدعاء للفلسطينيين بظهر الغيب".
  4. وردا على سؤال عن ما هو أنفع للفلسطينيين المتضررين، قال المفتي "الغوغائية لا تنفع بشيء وإنما هي مجرد ترهات ولكن بذل المال والمساعدات هي التي تنفع فالمظاهرات لا خير فيها ولا مصلحة منها وانما غوغاء وضوضاء لا خير منها".
  5. وأشاد في هذا الصدد بحملة خادم الحرمين الشريفين الشعبية لإغاثة وعون المتضررين الفلسطينيين جراء العدوان الإسرائيلي، معتبرا أن الحملة تمثل "منطلق الإيمان والمحبة الإيمانية الصادقة في نجدة المسلمين ورحمتهم والإحسان إليهم وأن هذه الحملة المباركة عمل إسلامي قبل كل شيء".
  6. وحث مفتي عام المملكة جميع المواطنين والمقيمين في المملكة على مواصلة تقديم "ما تجود به أنفسهم لإخوانهم المتضررين الفلسطينيين ماديا وعينيا كل بحسب قدرته وطاقته".
  7.  
  8.  
  9.  
  10.  http://www.wattan.tv/ar/news/100649.html
  11.  
  12.  

السلفي :عبد المالك رمضاني يفتي بتحريم المظاهرات

  1.  

     

    سلفية بني وي وي: عبد المالك رمضاني يفتي بتحريم المظاهرات




  2. الجزائر (رويترز) – حث عبد المالك رمضاني الزعيم الروحي للحركة السلفية ذات النفوذ في الجزائر في فتوى تقع في 48 صفحة تحت عنوان (حكم المظاهرات) المسلمين لتجاهل دعوات التغيير وقال ان الديمقراطية مخالفة للاسلام.

    وتأتي فتوى رمضاني المقيم في السعودية في وقت مناسب للرئيس عبد العزيز بوتفليقة فيما يراقب الجزائريون الاحتجاجات في دول عربية اخرى لطرح مطالب سياسية واقتصادية.

    وكتب رمضاني في الفتوي التي اطلعت عليها رويترز “ما دام الحاكم مسلما فلابد من الاستماع اليه. فان المجتمعين ضده قصدهم منازعته في منصبه واحلال غيره محله وقد حرم النبي منازعة السلطان في امارته مادام مسلما.”

    وقال رمضاني الذي يزعم ان اتباعه هنا بمئات الالاف “اختلاط الرجال بالنساء اثناء المظاهرات حرام.”

    ومنذ يناير كانون الثاني هزت الجزائر موجة من الاحتجاجات بسبب أسعار الغذاء وقامت المعارضة بعدة محاولات لتنظيم مسيرات في العاصمة الجزائر للمطالبة بالديمقراطية والشفافية وتغيير القيادة.

    وفي اطار حرصها على الحيلولة دون امتداد الانتفاضات الشعبية التي يشهدها العالم العربي الى الجزائر الغت الحكومة حالة الطواريء المعلنة منذ 19 عاما وفتحت وسائل الاعلام التابعة للدولة امام شخصيات معارضة.

    كما انها تدفع مبالغ ضخمة على هيئة دعم ورفعت الاجور وتقدم قروضا بدون فائدة لتهدئة حالة عدم الرضا.

    وكتب رمضاني الذي انتقل الى السعودية عقب تهديدات من اسلاميين متطرفين ان المسلم التقي يلجأ “للصلاة والصبر” لمواجهة حاكم غير مرغوب.

    وكتب “ان العلماء قد تكلموا عن هذه الوسيلة (المظاهرات) التي استحدثها النظام الديمقراطي المخالف للاسلام وبينوا فسادها” مكررا تصريحات مناهضة للاحتجاجات صادرة عن رجال دين سعوديين في الاونة الاخيرة.

    والسلفيون اقلية في الجزائر حيث يتبع الاغلبية تيارات اسلامية معتدلة. ولكن يتمتعون بنفوذ في المجتمع الجزائري ويحددون كيف تدار الاعمال والتعامل مع الدولة.

    ويعتبر السلفيون بوتفليقة حليفا لهم وتعاونوا معه لاقناع المتشددين بالقاء السلاح. وانهت الجزائر صراعا من متطرفين اسلاميين استمر اكثر من عقدين وراح ضحيته أكثر من 200 ألف شخص.

    ولم يشارك معظم السلفيين في الجزائر في اعمال العنف التي اجتاحت البلاد منذ بداية التسعينات ولكنها تراجعت بشكل حاد في السنوات الاخيرة.

    ومقابل موقفهم السياسي غض بوتفليقة الطرف عن النشاط الديني للسلفيين.

    وقال محمد مولودي ناشر الكتب الاسلامية المعارض للحركة السلفية ان فتوى رمضاني تعني ان حركته تدافع عن الديكتاتورية.

    ولكنه أضاف “الديكتاتورية لا تتفق مع الاسلام” وهو اقرب للديمقراطية مما يتصور رمضاني.

    وتابع “ليس هذا نوع الدعم السياسة الذي ساسعى اليه للبقاء في السلطة. النموذج السعودي ليس النموذج الذي يصلح للتطبيق في الجزائر.”
  3. لمين شيخي
http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE72E0VR20110315?sp=true

jeudi 17 septembre 2015

طلعت رضوان :الجمل وصفين وبحور الدم



الجمل وصفين وبحور الدم

بدأتْ أحداث الفتنة بين العرب بمقتل الخليفة عثمان بأسلوب يخلو من أية مشاعر إنسانية على النحو الوارد فى كل كتب التراث العربى/ الإسلامى، بغض النظر عن فساد حكمه وانحيازه لأقاربه الخ، ثم كانت الحلقة الثانية المُطالبة بالثأر من القتلة، وتكون قمة التراجيديا / العبثية أنّ بعض من كفــّروه طالبوا بالثأر، مثل عائشة. 


أما الحلقة الثالثة من هذا المسلسل الدموى فهى الصراع على السلطة، ومن هنا كان مغزى وهدف موقعة الجمل التى دارتْ بين طلحة والزبير وعائشة من جانب ضد على بن أبى طالب. 



ومع ملاحظة أنه عقب وفاة عثمان فإنّ طلحة والزبير بايعا على بن أبى طالب، وبعد المبايعة ((تلكأ طلحة)) ولكن أحد أتباع على (مالك الأشتر) سلّ سيفه وقال ((والله لتبايعنّ أو لأضربنّ به ما بين عينيك)) فقال طلحة ((وأين المهرب عنه فبايعه وبايعه الزبير. 


وسأل طلحة والزبير أنْ يؤمّرهما على الكوفة والبصرة فقال تكونان عندى فأتحمّل بكما فإنى وحش لفراقكما)) (تاريخ الأمم والملوك – للإمام أبى جعفر محمد بن جرير الطبرى- مؤسسة الأعلمى للمطبوعات- بيروت- لبنان- ج3- من ص450- 452) أى أنّ (على) رفض طلبهما بأسلوب مهذب.


 فهل سيستسلمان للأمر الواقع، خاصة مع التهديد بالقتل كما فعل الأشتر مع طلحة؟ ولذلك فإنّ مبايعتهما لعلى (كانت كــُرهًا) كما قالا فيما بعد خاصة طلحة الذى قال ((بايعتُ والسيف فوق رأسى)) مرّتْ خمسة أيام دون حسم الولاية لصالح على، ولأنّ العرب لا يعرفون آلية الانتخاب الحر المباشر، قال كثيرون من أهل المدينة ((فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلنّ غدًا عليًا وطلحة والزبير وإناسًا كثيرًا)) وبعد المبايعة لعلى قال الزبير ((بايعتُ واللج على عنقى)) (المصدر السابق- ص456، 457) 
وبعد أنْ انتهتْ معركة الجمل انتقل العرب/ العرب/ المسلمون/ المسلمون إلى معركة صفين، ونظرًا لتتابع المعركتيْن، ونظرًا لأنّ (على) كان طرفـًا فى المعركتين، ونظرًا لما ترسّخ فى عقلى (منذ شبابى) من كراهية لشخصية معاوية بن أبى سفيان، وميل (ساذج ورومانسى) لعلى، ونظرًا للتشابهات العديدة فى المعركتيْن : 1- غياب أى آلية ديمقراطية لانتخاب الحاكم 2- الاحتكام إلى السيف لحسم أى خلاف 3- أطراف المعركة مسلمون موحدون يقتلون مسلمين موحدين مثلهم 4- القتال كان لأغراض دنيوية بحتة (فى الأولى رغبة طلحة الزبير فى حكم الكوفة والبصرة وفى الثانية الصراع على الخلافة بين على ومعاوية) أى أنّ الصراع لم يكن لأية أهداف إنسانية نبيلة ولا حتى لصالح الجماهير 5- آلاف القتلى والمصابين وبحور الدم فى المعركتيْن 6- أنّ المعركتيْن لصالح العرب/ المسلمين ضد الشعوب التى تمّ غزو أراضيها واحتلالها (الشام والعراق) لكل تلك العوامل اختلط علىّ أمر المعركتيْن فى مقالى السابق، وأنا أقر وأعترف بهذا الخطأ وأشكر كل من نبّهنى إليه، سواء من كتب بأدب وبأسلوب مهذب وموضوعى، أو من كتب شامتــًا شاتمًا قادحـًا مُستخدمًا أسلوب الهجاء العربى الشهير. 


وفى كل الأحوال فقد استفدتُ من ملاحظات الفريقيْن (الفريق الموضوعى المهذب وفريق الشتــّـامين) وكان أهم مكسب أننى آليتُ على نفسى أنْ لا أعتمد على ذاكرتى من ناحية، وأتجنــّب ما رسخ فى عقلى ووجدانى من انطباعات عن قراءاتى فى مرحلة شبابى.

 ولكن بعد أنْ عاتبتُ نفسى على هذا الخطأ، انتبه عقلى لشىء غاية فى الأهمية، وهو أنّ فريق الشتــّـامين اهتموا بالخطأ الذى وقعتُ فيه بسبب خلطى بين معركتىْ الجمل وصفين، ولكنهم تغاضوا تمامًا عن المذابح التى تمّتْ فى هاتيْن المعركتيْن، ولم يهتموا بأنّ القتلة والمقتولين من المسلمين، ولم يهتموا بالشخصيات الرئيسة التى حرّكتْ الصراع، فمع استثناء (معاوية الداهية) يبقى أربعة حصلوا على تأشيرة ربانية/ محمدية بدخول الجنة : على وطلحة والزبير، أما عائشة فهى زوجة النبى فى الجنة كما كانت زوجته فى الدنيا، كما قال على بن أبى طالب بعد انتهاء معركة الجمل والصلح بينهما، ولا يُعقل أنْ تدخل (الحميراء) النار بعد أنْ أوصى النبى المسلمين أنْ يأخذوا نصف دينهم عنها. 

كل هذا غاب عن فريق الشتــّـامين، وهو ما يؤكد أنّ الأصوليين المُـدافعين عن الإسلام أجساد بلا عقول أو عقول محنـّطة أو عقول فى قوالب ولذلك يرفضون أى نقد للتراث العربى/ الإسلامى حتى ولو كان العلاج ببول البعير. 

كان من بين أسباب الخلط الذى وقعتْ فيه قول ابن عباس لعلى ((تعلم أنّ معاوية وأصحابه أهل دنيا فمتى تــُـثبتهم لا يُبالون بمن وُلىَ هذا الأمر. 

ومتى تعزلهم يقولوا (وردتْ هكذا) أخذ الأمر بعير شورى ويؤلبون عليك فينقض عليك أهل الشام وأهل العراق الخ. 

ولأنّ ابن عباس أحد أبناء ذلك المجتمع الصحراوى أضاف ((أما عمال عثمان فو الله لا أولى منهم أحدًا أبدًا فإنْ أقبلوا فذلك خير لهم وإنْ أدبروا بذلتَ لهم السيف)) فقال له على ((سر إلى الشام فقد وليتها لك)) فقال ابن عباس ((ما هذا برأى معاوية وهو ابن عم عثمان وعامله على الشام ولستُ آمن أنْ يضرب عنقى لعثمان.. خاصة وأنّ عمر بن الخطاب قد ولى معاوية الشام كلها)) فقال على ((لا والله لا أستعمل معاوية يوميْن أبدًا ولا أعطيه إلاّ السيف)) (الطبرى- من460، 462) وكان من أسباب الخلط الذى وقعتُ فيه أنّ معاوية بعد مقتل عثمان أعلن صراحة أنه ضد خلافة على (الطبرى- 548) وأكثر من ذلك كما ذكر الطبرى ((خرج أمير المؤمنين (على) إلى أهل الجمل فكان أثقل خلق الله على معاوية بن أبى سفيان لقربه من الشام أنْ يُقبل إليه على)) (551) وأنّ معاوية (الخليفة) اختلق كتابًا نسبه إلى قيس بن سعد مضمونه أنه بايع معاوية (وهذا لم يحدث والخطاب طويل ورد فى ص554) وكان من بين الخلط الذى وقعتُ فيه أنّ معاوية وهو فى الشام أتاه خبر مقتل طلحة والزبير فى معركة الجمل وأنّ معاوية لا يريد مبايعة على ويُعظم من شأن قتلة عثمان ويُحرّض على الطلب بدمه. 

وأنّ أهل الشام يحضون معاوية على الطلب بدم عثمان (559، 560) ويبدو أنّ كثرة الدم وأنّ السيف هو الحكم (فى المعركتيْن) أوقعنى فى هذا الخلط.

 وعند الطبرى وغيره يتردّ لفظ السيف كثيرًا من ذلك على سبيل المثال أنّ الناس سألوا زياد بن حنظلة التميمى وهو يجرى : ما وراءك ؟ قال ((السيف يا قوم)) (465) 


من المهم فى تلك التراجيديا تكثيف التقابل الذى حدث ما بين كلمات عائشة ورد على عليها، اتهمتْ عائشة ((الغوغاء من أهل الأمصار وعبيد أهل المدينة. 


وفسكوا الدم الحرام واستحلوا البلد الحرام والمال الحرام فى الشهر الحرام وأنّ إصبع عثمان خير من طباق الأرض.. فاطلبوا دم عثمان تعزوا الإسلام)) (468، 469) فردّ عليها على بأسلوب مهذب فيه تعميم دون أنْ يذكر اسمها ((زعمتم إنما خرج السفهاء والغوغاء بينما كان بيننا العابد المجتهد ويعسوب القوم.. الخ))

 (يعسوب : رئيس القوم وأيضًا ملكة النحل) وعن فلان عن فلان قال عمار بن ياسر لعائشة يا أم المؤمنين ما أبعد هذا المسير من العهد الذى عهد إليك.

 قالت أبو يقظان قال نعم.

 قالت والله ما علمتُ قوال بالحق.

 قال الحمد لله الذى قضى على لسانك)) (542، 548) 
أما الزبير (أحد العشرة الذين نالوا تأشيرة دخول الجنة) فإنّ (يعلى بن أمية أعانه بأربعمائة ألف وحمل سبعين رجلا من قريش وحمل عائشة على جمل يُقال له عسكر بثمانين دينارًا)) 



وأنّ طلحة والزبير ظهرا فى مكة بعد مقتل عثمان بأربعة أشهر.

 وقدم يعلى بن أمية المال الكثير وزيادة على أربعمائة بعير، واجتمعوا فى بيت عائشة فأرادوا الرأى وقالوا نسير إلى على لقتاله. 

فقال بعضهم ليس لكم طاقة بأهل المدينة ولكنا نسير حتى ندخل البصرة والكوفة. 

ولطلحة بالكوفة شيعة وهوى وللزبير بالبصرة هوى ومعونة.

 وأعطاهم عبد الله بن عامر مالا كثيرًا وإبلا فخرجوا فى سبعمائة رجل من أهل المدينة ومكة ولحقهم الناس حتى كانوا ثلاثة آلاف رجل (470، 471) وقال على لابنه الحسن ((جئتَ تحن حنين الجارية. فقال أجل. 

قال أمّرتكَ فعصيتنى فأنت اليوم تـُقتل بمصبعة (وردتْ هكذا) لا ناصر لك. 

قال حدِثْ القوم بما أمرتنى به. قال أمرتك حين سار الناس إلى عثمان ألاّ تـُبسط يدك ببيعة حتى تجول جائلة العرب فإنهم لن يقطعوا أمرًا دونك فأبين علىّ. 

 وأمرتك حين سارتْ هذه المرأة (عائشة) وصنع هؤلاء القوم ما صنعوا أنْ تلزم المدينة وتـُرسل إلىّ من استجاب لك من شيعتك..

 والله يا بنى ما كنتُ لأكون كالضبع وتستمع للدم إنّ النبى قــُبض وما أرى أحدًا أحق بهذا الأمر منى، فبايع الناس أبا بكر، فبايعتُ كما بايعوا ثم إنّ أبا بكر هلك وما أرى أحدًا أحق بهذا الأمر منى، فبايع الناس عمر، فبايعتُ كما بايعوا ثم إنّ عمر هلك وما أرى أحدًا أحق بهذا الأمر منى، فجعلنى سهمًا من ستة أسهم فبايع الناس عثمان فبايعتُ كما بايعوا ثم سار الناس إلى عثمان فقتلوه ثم أتونى فبايعونى طائعين غير مُــكرهين فأنا مُــقاتل من خالفنى)) (476) فهذا الحديث الطويل يدل دلالة قاطعة على أنّ على يشعر بالغبن الذى وقع عليه عقب وفاة محمد، وأنّ الخلافة كانت يجب أنْ تؤول إليه وليس إلى إبى بكر ولا إلى عمر ولا إلى عثمان، وإذا كان هؤلاء الثلاثة نعموا بالاستقرار منذ البداية (باستثناء عثمان فى أيامه الأخيرة) فإنّ على كان من سوء حظه عدم الاستقرار، خاصة مع معارضة معاوية ثم موقف طلحة والزير وعائشة التى قال عنها (امرأة) ولم يقل أم المؤمنين.


 والخلاصة أنّ هذا الحديث يدل على أنّ على – مثله مثل أى طامع فى السلطة – لم يكن يهتم بنشر الدعوة الإسلامية ولم يتحسّب لنتائج القتال (سواء فى معركته الأولى – الجمل – أو فى معركته الثانية – صفين) تلك النتائج اتى ترتـّب عليها قتل الآلاف غير المصابين. 



وعلى الجانب الآخر فإنّ عائشة كانت مثل على تمامًا فلم تتحسّب لنتائج المعركة واشعال فتيل الخصومة خاصة عندما ردّدتْ ما قاله معاوية وكل أبناء بنى أمية الذين استفادوا من فترة حكم عثمان فقالت ((والله قتـُل عثمان مظلومًا.. والله لأطلبنّ بدمه. فقال لها ابن أم كلاب ولمَ ؟ فو الله إنّ أول من أمال حرفه لأنتِ ولقد كنتِ تقولين اقتلوا نعثلا فقد كفر. 


قالت إنهم استتابوه ثم قتلوه. 


وقد قلتُ وقالوا وقولى الأخير خير من قولى الأول.


 فقال لها ابن أم كلاب ((منكِ البداءُ ومنكِ الغِـيَرْ / ومنكِ الرياح ومنكَ المطر/ وأنتِ أمرتِ بقتل الإمام/ وقلتِ لنا إنه قد كفر)) (477) 


ومع ذلك أصرّتْ على رأيها فى ضرورة قتال على بحجة (أخذ دم عثمان) لذلك قال عثمان بن حنيف ((دارتْ رحى الإسلام ورب الكعبة فانظروا بأى زيفان تزيّف)) (480)


 أى أنّ الفريقيْن على ضلال وزيف ومعركتهما ليست لصالح الإسلام.


 وكان عثمان بن حنيف مع جيش على، لذلك فإنّ أتباعه انقسموا فريقيْن : فريق ظلّ معه وفريق انضم لعائشة.

 أما (جارية بن قدامة السعدى) فقال لعائشة ((يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان بن عفان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح.

 إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكتِ سترك وأبحتِ حرمتكِ. 

إنّ من رأى قتالك فإنه قتلك)) ثم خرج غلام من بنى سعد وواجه طلحة والزبير وقال لهما ((أما أنت يا زبير فحوارىّ الرسول.

 وأنت يا طلحة فوقيتَ الرسول بيدك وأرى أمكما معكما (يقصد عائشة) فهل جئتما بنسائكما؟ قالا لا.

 قال فما أنا منكما فى شيىء واعتزل)) وقال غلام آخر من جهينة ((دم عثمان ثلاثة أثلاث : ثلث على صاحبة الهودج (عائشة) وثلث على صاحب الجمل الأحمر يعنى طلحة.

 وثلث على ابن أبى طالب ثم أنشد شعرًا قال فيه ((سألتُ ابن طلحة عن هالك/ بجوف المدينة لم يقبر/ فقال ثلاثة رهط هُمُ / أماتوا ابن عفان واستعبر/ فثلث على تلك فى خدرها / وثلث على راكب الأحمر/ وثلث على ابن أبى طالب/ ونحن بدوية فرفر)) (من 480- 483) إذن كانت هناك بعض الأصوات العاقلة التى رفضتْ تلك المعركة المجنونة.


وصل الجنون لدرجة أنْ دار قتال داخل أحد المساجد، وكان الهدف الوصول إلى عثمان بن حنيف فلما قبضوا عليه توطؤوه (أى داسوا عليه) وما بقيتْ فى وجهه شعرة.

 ولما أرسلوا إلى عائشة يستشيرونها فى أمره قالت اقتلوه.

 فلما ناشدتها إحدى السيدات الرأفة به، قالت عائشة احبسوه ولا تقتلوه.

 فقام (مجاشع بن مسعود) وقال لرجاله : اضربوه وانتفوا شعر رأسه ولحيته فضربوه أربعين سوطــًا ونتفوا شعر لحيته ورأسه وحاجبيه وأشفار عينيه وحبسوه (485) أى أننا إزاء مسلخة مثل التى كتب عنها المؤرخون عن معتقلات النازى.


 وعندما أنكر طلحة التحريض على قتل عثمان وقال ((إنما أردنا أنْ يستعب ولم نرد قتله)) فقال له الناس ((يا أبا محمد قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا)) أما عن غياب أدنى أشكال الديمقراطية فقد لخصها رجل آخر قال (يا معشر المهاجرين أنتم أول من أجاب رسول الله فكان لكم بذلك فضل ثم دخل الناس فى الإسلام كما دخلتم فلما توفى الرسول بايعتم رجلا منكم والله ما استأمرتمونا فى شىء من ذلك فرضينا واتبعناكم فجعل الله للمسلمين فى إمارته بركة ثم مات واستخلف عليكم رجلا منكم فلم تشاورونا فى ذلك فرضينا وسلمنا فلما توفى الأمير جعل الأمر إلى ستة نفر فاخترتم عثمان وبايعتموه عن غير مشورة منا ثم أنكرتم من ذلك الرجل شيئـًا فقتلتموه عن غير مشورة منا ثم بايعتم عليًا عن غير مشورة منا فما الذى نقمتم عليه فنـُقاتله ؟ 

هل استأثر بفيىء أو عمل بغير الحق أو عمل شيئـًا تنكرونه فنكون معكم عليه)) فكان مصير هذا الرجل القتل (نتيجة صراحته) وقتلوا معه سبعين رجلا من عشيرته (486) وواضح من كلام الرجل أنه من الأنصار رغم أنّ الطبرى لم يذكر ذلك صراحة واكتفى بأنّ حديثه كان موجهًا للمهاجرين. 

ووصل الأمر لدرجة أنْ اقترح بعض أتباع على أنْ يأخذوا عائشة رهينة، وإنْ كان الطبرى لم يذكر التفاصيل (488) 


وعن الرجال الذين حاربوا فى جيش عائشة فإنّ الزبير أراد أنْ يعطى الناس أرزافهم ويُقسّم ما فى بيت المال فقال عبد الله ابنه ((إنْ ارتزق الناس تفرّقوا)) (490) أى أننا إزاء (مرتزقة) بكل ما يحمله هذا المصطلح من دلالات، وعلى رأسها أنهم يُـحاربون بالأجر، وليس لهم رأى فى الصراع الناشب بين الفريقيْن. 


أما الإنسان صاحب الرأى فكان مثاله (زيد بن صوحان) إذْ أنّ عائشة كتبتْ إليه (((من عائشة بنت أبى بكر أم المؤمنين حبيبة رسول الله إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان أما بعد فإذا أتاك كتابى هذا فاقدم وانصرنا على أمرنا هذا فإنْ لم تفعل فخذل الناس عن على)) فكتب إليها ((من زيد بن صوحان إلى عائشة ابنة أبى بكر حبيبة رسول الله.

 أما بعد فأنا ابنك الخالص إنْ اعتزلتِ هذا الأمر ورجعتِ إلى بيتك وإلاّ فأنا أول من نابذك)) (492) فهذا إنسان صاحب رأى ولم ينخدع بالكلمات المعسولة مثل (ابنى الخالص) 
ولأنّ العرب لديهم ولع بما يُسمى الشعر، لذلك خاطب على بن أبى طالب جيشه قائلا ((سيروا أبابيل وحثوا السيرا / إذْ عزم السير وقولوا خيرا / حتى يُلاقوا وتـُلاقوا خيرا / نغزو بها طلحة والزبيرا)) ولأنّ عمار بن ياسر ذكــّر على بحديث محمد عن الفتنة القادمة وأنّ القاعد فيها خير من القائم، قام رجل من بنى تميم وعيّره بالعبودية وقال ((اسكت أيها العبد أنت أمس مع الغوغاء واليوم تـُسافه أميرنا)) فقال عمار ((هذا ابن عم رسول الله يستنفركم إلى زوجة رسول الله.

 وإنى أشهد أنها زوجته فى الدنيا والآخرة فانظروا ثم انظروا فى الحق فقاتلوا معه)) فقال الحسن بن على (أكفف عنا يا عمار فإنّ للاصلاح أهلا)) (499) ويدخل الدين فى شئون الحرب والغدر بعثمان ثم المطالبة بدمه. 

وأنّ من ((ترك الأمر كان تركــًا للقرآن. وإنْ عمل به كان احياءً للقرآن)) ووصل الأمر لدرجة أنّ كثيرين كرهوا عائشة عندما علموا بمشاركتها فى قتال على بينما رأى آخرون قتل على ((ونـُلحقه بعثمان)) والسبب أنّ أهالى البصرة يقولون أنّ على لو انتصر فى تلك المعركة فسوف ((يقتل رجالنا ويسبى نساءنا)) فقال على ((ما مثلى يخاف هذا وهل يحل هذا إلاّ ممن تولى وكفر)) ولأنّ التهمة السائدة كانت (التكفير) لذلك قال عبد الرحمن بن سليمان التميمى ((لم أر كاليوم أخا إخوان/ أعجبُ من مُـكفـّر الإيمان/ بالعتق فى معصية الرحمن)) 

وذكر الطبرى أنّ جيش على كان مكوّن من عشرين ألف رجل وأنّ أهل البصرة انقسموا فريقيْن : فريق مع على وفريق مع طلحة والزبير. 

وقال أهل الكوفة إنّ (على) سوف يسفك الدماء ويستحل الحرمة. 

بينما قال على ((علمتُ أنّ طلحة والزبير غير منتهييْن حتى يسفكا الدماء ويستحلا الحرمة)) (من 505- 518) 
وكان من بين أسباب الخلط أنه تم استخدام المصحف فى معركة الجمل كما سيحدث بعد ذلك فى معركة صفين، فبعد أنْ قال على للزبير ((أتطلب منى دم عثمان وأنت قتلته.



 وبعد أنْ قال لطلحة ((أما بايعتنى)) فردّ عليه ((بايعتك واللج على عنقى)) فقال على لأصحابه أيكم يعرض عليهم هذا المصحف وما فيه. 

وطاف علىّ على أصحابه يعرض ذلك عليهم فلم يقبله إلاّ فتى وقال له على اعرض عليهم هذا وقل هو بيننا وبينكم. 

فحمل الفتى وفى يده المصحف فقـُطعتْ يداه فأخذه بأسنانه حتى قتل فقالت أم الفتى ((لا هُمّ إنّ مسلمًا دعاهم/ كتاب الله لا يخشاهم/ وأمهم قائمة تراهم/ يأتمرون الغى لا تنهاهم/ قد خُـضّــبتْ من علق لحاهم)) (522) 


فقال على قد طاب لكم الضراب فقاتلوهم فقتل يومها سبعون رجلا كلهم يأخذ بخطام الجمل فلما عقر الجمل وهزم الناس أصابتْ طلحة رمية فقتله مروان ابن عبد الحكم.


 ولما انهزم جيش عائشة قالت لعلى ((يا ابن ابى طالب ملكتَ فاسجع)) فسرحها على وأرسل معها جماعة من رجال ونساء وجهزها وأمر لها بإثنى عشر ألفـًا من المال)) وهكذا كانت تـُوزع الأموال المنهوبة من عرق فلاحى العراق والشام ومصر. 



ورغم أنّ الزبير حارب على فإنّ قاتل الزبير (ابن جرموز) عندما طلب مقابلة على قال على لخادمه ((ائذن له وبشره بالنار)) (520) عقلية عجيبة : قاتل الزبير كان يعمل فى جيش على، والزبير يُحارب على، فلماذا قال على ما قال؟ هل لمجرد أنّ الزبير أحد العشرة الذين فازوا بتأشيرة دخول الجنة ؟ فتكون النتيجة أنّ قاتله يدخل النار؟ فيا لعجائب الميتافيزيقا!! وكما طلبتْ هند كبد حمزة بن عبد المطلب قال رجل من بنى ليث ((سائل بنا يوم لقينا الأزدا / والخيل تعدو أشقرًا ووردا / لما قطعنا كبدهم والزندا / سُحقــًا لهم فى رأيهم وبُعدا)) وقال شاعر آخر ((جرّدتُ سيفى فى رجال الأزد/ أضرب فى كهولهم والمُرْد)) وكما طلب على الاحتكام للقرآن كذلك فعلتْ عائشة.


  فكان مصير الشخص الذى حمل المصحف أنْ ((رشقوه رشقــًا واحدًا فقتلوه ورموا عائشة فى هودجها. فعلا صوتها : الله. الله. العنوا قتلة عثمان وأشياعهم)) (523) 

 وعندما قام رجل من عبد القيس وقال ((ندعوكم إلى كتاب الله. قالوا وكيف يدعونا إلى كتاب الله من لا يُقيم حدود الله؟)) ونظرًا لكثرة الجرحى

 نقل الطبرى رأى من شهد تلك المذبحة فقال (( ما رأيتُ وقعة قط قبلها (رأيتُ) يدًا مقطوعة ورجلا مقطوعة لا يدرى من صاحبها)) 

ورغم ذلك قال رجل يدّعى الشعر ((نحن بنو ضبة أصحاب الجمل/ ننعى ابن عفان بأطراف الأسل/ الموت أحلى عندما من العسل/ ردوا علينا شيخنا ثم بَجَلْ))

 ولذلك ردّ عليه شاعر آخر ((كيف نرد شيخكم وقد قحل/ نحن ضربنا صدره حتى انجفل)) (أى طلب المستحيل كما فعلت اليمامة بعد مقتل كليب) وقال (شاعر) آخر ((نحن بنو ضبة لا نفر/ حتى نرى جماجمًا تخر)) وعندما فتح محمد بن أبى بكر أخو عائشة هودجها ليطمئن عليها قالت من أنت ويلك ؟

 فقال أبغض أهلك إليكِ قالت ابن الخثعمية قال نعم)) ويبدو أنّ الخثعمية اسم أمه.

 ورغم الدماء التى أريقتْ فى تلك المعركة إذا ((برجال من الأزد يأخذون بعر الجمل ويشمونه ويقولون بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك)) ونظرًا لكثرة القتلى ((صرخ صارخ اعقروا الجمل فضربه بجير بن دجلة. فقيل له : لمَ عقرته ؟ فقال : رأيتُ قومى يُقتلون فخفتُ أنْ يفنوا)) ورغم ذلك قال أحدهم ((شفى السيف من زيد وهند نفوسنا / شفاءً ومن عينى عدى بن حاتم/ صبرنا لهم يومًا إلى الليل كله/ بُصمّ القنا والمرهقات الصوارم)) 


وعندما اقترب عمار بن ياسر من عائشة وقال لها ((كيف رأيتِ ضرب بنيك يا أم؟ قالت من أنت قال أنا ابنك البار عمار. قالت لستُ لك بأم. وقالت فخرتم إنْ ظفرتم )) وجاء (أعين بن ضبيعة المجاشعى) حتى اطلع على الهودج فقالت عائشة إليك لعنك الله.

 فقال والله ما أرى إلا حميراء. قالت هلك الله سترك وقطع يدك وأبدى عورتك)) 

وذكر الطبرى أنّ عدد قتلى معركة الجمل بلغ عشرة آلاف نصفهم من أصحاب على ونصفهم من أصحاب عائشة.


 وكانت فتاة اسمها صفية قد سبّتْ على واتهمته بقتل الأحبة، فسأله أحد الرجال : من أمضُ لك شتيمة من صفية ؟ قال : ويحك لعلها عائشة.

 فقال الرجل ((جُزيتِ عنا أمنا عقوقــًا)) وقال آخر ((يا أمنا توبى فقد خطئتِ)) فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب فأقبل بمن كان عليه فأحالوا على الرجليْن فقال : اضرب أعناقهما ولكنه أمر بضربهما ألف جلدة وأخرجهما من ثيابهما. 

وبعد انتهاء المعركة رجع على فنظر فى بيت المال فإذا به ستمائة ألف وزيادة فقسّمها على من شهد معه فأصاب كل رجل خمسمائة.. الخ أى (القتال بأجر) ورغم وقوف عائشة ضده فإنه خصّص لها أربعين امرأة لخدمتها (من العبيد) وقال عنها ((يا أيها الناس صدقتْ والله وبرتْ ما كان بينى وبينها إلا ذلك وإنها لزوجة نبيكم فى الدنيا وفى الاخرة)) (من 523- 547) 


ذلك هو تاريخ معركة الجمل التى مات فيها عشرة آلاف إنسان كما ذكر الطبرى (غير الجرحى ومنزوعى الأطراف فى مشهد شبيه بما حدث بعد أكثر من ألف سنة فى أفغانستان على يد طلبة الشريعة (طالبان) ثم فى سوريا والعراق على يد الدواعش.

 فهل يكون تركيز أعداء العقل المدافعين عن الإسلام على الخطأ بأنّ الحرب كانت بين جيش على ومعاوية بينما المعركة كانت بين عائشة وطلحة والزبير من جهة وعلى بن أبى طالب من جهة ؟ 

وهل تـُوجّه سهام النقد لهذا الخطأ ؟ (وهو شيىء مذموم ومرفوض فى أية كتابة تاريخية) أم يكون (النقد) بهدف تحليل تلك المذبحة والدروس المُستفادة منها؟ وعلى رأس تلك الدروس أنّ مسلمين موحدين قتلوا مسلمين موحدين مثلهم، وأنّ أربعة من الذين أراقوا الدماء (من أجل السلطة) حصلوا (مسبقــًا) على تأشيرة ربانية/ محمدية بدخول الجنة؟!


( ندم عائشة بعد حرب الجمل )

عدد الروايات : ( 17 )

أحمد بن حنبل - زهد - زهد عائشة
 
920 - حدثنا : عبد الله ، حدثنا : أبي ، حدثنا : عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، حدثنا : من سمع عائشة تقرأ : وقرن في بيوتكن ، فتبكي حتى تبل خمارها.


مستدرك الحاكم - كتاب معرفة الصحابة (ر) - لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة - رقم الحديث : ( 4667 )
4586 - حدثنا : الحسن بن يعقوب العدل ، ثنا : محمد بن عبد الوهاب ، ثنا : جعفر بن عون أبا إسماعيل بن أبي خالد ، عن هشام ، و قيس ، عن عائشة  قالت : وددت أني كنت ثكلت عشرة مثل الحارث بن هشام ، وأني لم أسر مسيري مع إبن الزبير.

الرابط :



تفسير القرطبي - الجامع لأحكام القرآن - سورة الأحزاب - قوله تعالى : وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى -
الجزء : ( 14 ) - رقم الصفحة : ( 164 )

[ النص طويل لذا إستقطع منه موضع الشاهد ]

- ذكر الثعلبي وغيره : أن عائشة (ر) كانت إذا قرأت هذه الآية تبكي حتى تبل خمارها ، وذكر أن سودة قيل لها : لم لا تحجين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك ؟ ، فقالت : قد حججت وإعتمرت ، وأمرني الله أن أقر في بيتي ، قال الراوي : فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها رضوان الله عليها.

- قال إبن عطية : بكاء عائشة (ر) : أنما كان بسبب سفرها أيام الجمل ، وحينئذ قال لها عمار : إن الله : قد أمرك أن تقري في بيتك.  
 
الرابط :



الذهبي - سير أعلام النبلاء - الصحابة رضوان الله عليهم - عائشة أم المؤمنين - الجزء : ( 2 ) - رقم الصفحة : ( 177 )

[ النص طويل لذا إستقطع منه موضع الشاهد ]

- ولا ريب أن عائشة ندمت ندامة كلية على مسيرها إلى البصرة وحضورهما يوم الجمل ، وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ ، فعن عمارة بن عمير ، عمن سمع عائشة : إذا قرأت : وقرن في بيوتكن ، ( الأحزاب : 33 ) بكت حتى تبل خمارها.

الرابط :



إبن أبي شيبه - كتاب الجمل - كتاب الجمل وصفين والخوارج
 
37144 - حدثنا : يعلي بن عبيد ، قال : ، أخبرنا : إسماعيل بن أبي خالد ، عن علي بن عمرو الثقفي ، قال : قالت عائشة : لأن أكون جلست عن مسيري ، كان أحب إلي : من أن يكون لي عشرة من رسول الله مثل ولد الحارث بن هشام.



إبن أبي شيبه - كتاب الجمل - كتاب الجمل وصفين والخوارج
 
37151 - حدثنا : وكيع ، عن جرير بن حازم ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، قال : قالت عائشة : وددت أني كنت غصناً رطباً ولم أسر مسيري هذا.



حلية الأولياء - عائشة زوج الرسوال ص
 
1515 - قال : وحدثني : من ، سمع عائشة (ر) تقرأ : وقرن في بيوتكن ، فتبكي حتى تبل خمارها .



البيهقي - دلائل النبوة - جماع أبواب غزوة تبوك
 
2713 - أخبرنا : محمد بن عبد الله الحافظ ، أخبرنا : الحسن بن يعقوب العدل ، حدثنا : محمد بن عبد الوهاب العبدي ، حدثنا : جعفر بن عون ، أخبرنا : إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن عائشة ، قالت : وددت أني ثكلت عشرة مثل ولد الحارث بن هشام ، وأني لم أسر مسيري الذي سرت.
 


محمد بن سعد - الطبقات الكبرى - الجزء : ( 8 ) - رقم الصفحة : ( 81 )

9695 - أخبرنا : محمد بن عمر ، حدثنا : سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير قال : ، حدثني : من سمع عائشة (ع) إذا قرأت هذه الآية : وقرن في بيوتكن ، بكت حتى تبل خمارها.



إبن أبي الدنيا - المتمنين
 
67 - حدثنا : إسحاق بن إسماعيل ، حدثنا : أبو معاوية ، حدثنا : إسماعيل ، عن قيس ، قال : قالت عائشة (ر) : لوددت أني كنت ثكلت عشرة كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وأني لم أسر مسيري الذي سرت.



إبن أبي الدنيا - المتمنين
 
68 - حدثنا : إسحاق ، حدثنا : يعلي بن عبيد ، حدثنا : إسماعيل بن أبي خالد ، عن علي بن عمرو الثقفي ، قال : قالت عائشة (ر) : لأن أكون جلست عن مسيري ، أحب إلي : من أن يكون لي عشرة من رسول الله (ص) ، مثل ولد الحارث بن هشام.



البيهقي - الإعتقاد - باب إستخلاف أبي الحسن (ع)
 
[ النص طويل لذا إستقطع منه موضع الشاهد ]
 
359 - ثنا : الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان إملاءً ، أنا : أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن علي الدقاق ، أنا : عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن المديني ، ثنا : إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، في مسنده ، ثنا : عبدة بن سليمان ، ثنا : سالم المرادي أبو العلاء ، قال : سمعت الحسن ، يقول : .... وروي أنها ما ذكرت مسيرها قط إلاّ بكت حتى تبل خمارها ، وتقول : يا ليتني كنت نسياً منسياً.


علي بن الجوزي - المنتظم في التاريخ
 
- أخبرنا : أبو منصور القزاز ، قال :‏ ، أخبرنا : أحمد بن علي بن ثابت قال :‏ ، أخبرنا : أبو عبد الله محمد بن أحمد الدقاق قال :‏ ، أخبرنا : أحمد بن عثمان الأدمي قال :‏ ، حدثنا : محمد بن سويد قال :‏ ، حدثنا : سفيان بن محمد المصيصي قال :‏ ، حدثنا : يوسف بن إسباط قال :‏ ، حدثنا : سفيان الثوري ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال :‏ ما ذكرت عائشة مسيرها قط إلاّ بكت حتى تبل خمارها ، وتقول‏ :‏ ‏‏ ليتني كنت نسياً منسياً ‏‏‏.‏

- أخبرنا : زاهر بن طاهر قال :‏ ، أخبرنا : أحمد بن الحسين البيهقي قال :‏ ، أخبرنا : أبو عبد الله الحاكم قال :‏ ، أخبرني : ليث بن طاهر المنادي قال :‏ ، أخبرنا : محمد ين يعقوب قال :‏ ، حدثنا : محمد بن جعفر الرافعي قال :‏ ، حدثنا : عبد الله بن خلاد قال :‏ ، حدثنا : عبيد الله بن عمر الرقي ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن عائشة (ر) : أنها كانت تقول‏ :‏ لو إستقبلت من أمري ما إستدبرت ولم أكن خرجت على علي (ر) كان أحب إلي : من أن يكون لي : من رسول الله (ص) عشرة كلهم مثل أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام‏.


إسحاق بن راهويه - مسند إبن راهويه - الجزء : ( 2 ) -  رقم الصفحة : ( 34 )
 
[ النص طويل لذا إستقطع منه موضع الشاهد ]
- وكانت (ر) إذا قرأت الآية : وقرن في بيوتكن ... ( الأحزاب : 33 )  بكت حتى تبل دموعها خمارها.

- وجاء عن عائشة (ر) : أنها قالت : إذا مر إبن عمر (ر) فأرونيه ، فلما مر بها قيل لها هذا إبن عمر ، فقالت : يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري ، قال : رأيت رجلاًًً قد غلب عليك يعني إبن الزبير ، فكل هذه الروايات تدل على ندامة عائشة (ر) ندامة كاملة وحتى إعتبرت مسيرها حدثاًً في حياتها ، وكانت من نيتها أولاًً أن تدفن في بيتها ثم إنصرفت ، عن ذلك فقال : أني أحدثت فأوصت أن تدفن في البقيع (ر).

- وكذا كانت إذا قرأت الآية : وقرن في بيوتكن ، بكت بكاء شديداًًً حتى تبل خمارها.



البلاذري - أنساب الأشراف - رقم الصفحة : ( 266 )

[ النص طويل لذا إستقطع منه موضع الشاهد ]

- 345 - حدثنا : محمد بن حاتم بن ميمون ، وروح بن عبد المؤمن ، قالا ، حدثنا : عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى قال : ، حدثني : من سمع عائشة تقرء : وقرن في بيوتكن ، ( الأحزاب : 33  ) فتبكي حتى تبل خمارها.



سعيد أيوب - زوجات النبي (ص) - رقم الصفحة : ( 52 )

[ النص طويل لذا إستقطع منه موضع الشاهد ]

- عن قيس بن أبي حازم قالت عائشة : إني أحدثت بعد رسول الله (ص) حدثاًً ، إدفنوني مع أزواجه ( 1 ).

- وعن عمارة بن عمير قال : كانت عائشة إذا قرأت هذه الآية : وقرن في بيوتكن ، بكت حتى تبل خمارها.

الهامش :
( 1 ) - رواه الحاكم وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، ( المستدرك 6 / 4 ) وإبن سعد ( الطبقات 74 / 7 ). ( 2 ) الطبقات الكبرى 74 / 7. ( 3 ) المصدر السابق 81 / 7 )