jeudi 15 juillet 2021

قواعد في النحو والإعراب




القواعد في النحو والإعراب

النحو لغة واصطلاحا

النحو في اللغة : هو القصد

وفي الاصطلاح : هو علم يبحث فيه عن أحوال أواخر الكلم اعرابا وبناء

فائدته : معرفة صواب الكلام من خطئه ليحترز به عن الخطأ في اللسان 0

غايته:الاستعانة على فهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الموصلين الى خير الدنيا والآخرة 0

الكلام في اصطلاح النحويين

الكلام في اصطلاح النحويين :هو اللفظ المركب المفيد فائدة يحسن السكوت عليها ،كقام زيد ،وعمرو منطلق 0

قال في ملحة الاعراب :

حد الكلام ما أفاد المستمع ..................نحو سعى زيد وعمرو متبع

الكلم :هو ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر ،ولو لم يحسن السكوت عليه .

مثل :ان قام زيد :سينجح المجتهد .

الكلمة :هي اللفظ الموضوع لمعنى مفرد :كزيد ومسجد .

أنواع الكلام

أنواع الكلام التي يبنى منها ثلاثة : اسم ،وفعل ،وحرف دل على معنى .

قال في ملحة الاعراب :

ونوعه الذي عليه يبنى ...............اسم وفعل ثم حرف معنى

الاسم

الاسم : هو ما دل على معنى في نفسه ولم يقترن بزمان مثل :رجل ،بيت ،فرس ،جبل شجرة

الفعل

الفعل هو ما دل معنى في نفسه واقترن بزمان :كقام ،ويقوم ، وقم .

الحرف

الحرف :هو ما دل على معنى في غيره ولم يقترن بزمان :كهل ،وقد ،ومن .

علامات الاسم :

للاسم خمس علامات : النداء ،والتنوين ، والجر ،والألف اللام ،والاسناد .

-مثال النداء :يا زيد

-مثال التنوين :بيت

-مثال الجر مررت بمحمد

-مثال الألف واللام :المسجد

-مثال الاسناد مجتهد

قال ابن مالك :

بالجر والتنوين والنداء وأل ..............ومسند للاسم تميز حصل

علامات الفعل :

للفعل خمس علامات :قد ، والسين ، وسوف ، وتاء التأنيث الساكنة ،وتاء الفاعل ،والدلالة على الأمر اذا كان مشتقا .

-أما (قد) فتدخل على الماضي والمضارع نحو :قد قام ،وقد يقوم .

وأما (السين ) و(سوف) فيختصان بالمضارع نحو :سيقوم ،وسوف يقوم .

-وأما (تاء التأنيث الساكنة ) و(تاء الفاعل ) فيختصان بالفعل الماضي نحو :قامت - وقمت ، ضربت -ضربت .

وأما الدلالة على الأمر اذا كان مشتقا فيختصان بفعل الأمر نحو :كل -واقرأ -وتعلم .

قال في ملحة الاعراب :

والفعل ما يدخل قـــد الســــــين ...................عليـــه مثـــــــــل بــــان أو يبــــــين

أو لحقتــــــه تـــــاء من يحدث ......................كقولهم في ليــــــس لست أنفـــــــث

أو كان أمرا ذا اشتقاق نحو قل........................ومثله ادخل وانبسط واشرب وكل

فائدته

-قد حرف تحقيق - والسين حرف تنفيس - وسوف حرف تسويف .

-تاء الفاعل تكون مضمومة أو مكسورة أو مفتوحة

فالمضمومة للمتكلم - والمفتوحة للمخاطب - والمكسورة للمخاطبة

علامات الحرف

الحرف ليس له علامة وعلامته عدم قبول العلامة :فكل كلمة لم تقبل علامات الاسم ولا الفعل فهي حرف

قال في ملحة الاعراب

والحرف ما ليس له علامة.............. فقس على قولي تكــــــن علامة

مثالــــــه حتى ولا وثمـــا ......................وهل وبل ولو ولم ولمـــــا

فائدته

حتى :حرف جر ويكون حرف عطف

لا :حرف نفي وتكون حرف نهي

بل :حرف اضراب

لما ولم :حرفا نفي وجزم

ثم :حرف عطف

هل :حرف استفهام

لو :حرف امتناع لامتناع

أقسام الاسم

ينقسم الاسم الى قسمين :نكرة ومعرفة

فالنكرة هي :كل اسم لم يوضع لمعين ،كرجل وكتاب ،ومسجد

وعلامته دخول (رب ) عليه نحو :رب رجل رأيته - ورب مسجد دخلته - ورب كتاب قرأت فيه .

قال في ملحة الاعراب :

والاسم ضربان فضرب نكرة ............والاخر المعرفة الشتهرة

فكل مـــا رب عليــــه تدخـــــل............. فإنــــه منكــــر يـا رجــل

نحو غــــلام وكتاب وطبـــــق .............كقولهم رب غلام لي أبـــق

والمعرفة :هي كل اسم موضوع لمعين وتنقسم إلى ستة أقسام :

الأول :أسماء الأعلام :كأحمد وسعيد وزيد .

الثاني :المعرف بالألف واللام :كالرجل والغلام .ا

الثالث : أسماء الضمائر :كأنا -وأنت -وأنت -وأنتما - وأنتم - وأنتن .

الرابع أسماء الإشارة :كهذا -وهذه - وهذان -وهاتان -وهؤلاء .

الخامس :الأسماء الموصولة :كالذي -والتي -والذين - واللتين - والذين واللاتي - والائي .

السادس :الأسماء المضافة إلى أحد المعارف السابقة :كغلام زيد - وصاحب الدار -وصاحب الذي أكرمته - وصاحب هذا

قال في ملحة الإعراب :

وما عدا ذلك فهو معرفة ...........لا يمتري فيه الصحيح االمعرفة

مثالـه الدار وزيد وأنــــا............ وذا وتلك والـــذي وذو الغــــنى

الجملة

هي اللفظ المركب تركيب إسناد :كخرج عمرو -وسعيد جالس .

-ولا يشترط فيها حصول الفائدة

قال الإمام نور الدين السالمي:

جملتهم لفــــظ أتى مركبـــا ...........تركيب اسناد كإن زيد أبى

وهي من الكلام مطلق أعم ...........فخالفا لمـن ترافــا زعــــــم

فجملة الجزاء في التحقيق........... ليس كلاما لاكتسا التعليــــــق


أقسام الجملة :

تنقسم الجملة إلى قسمين :جملة اسمية وجملة فعلية .

فالجملة الاسمية :هي المتألفة من جزأين أصليين هما :المبتدأ والخبر.

مثل :العلم نافع - إن عليا مجتهد .

والجملة الفعلية :هي المتألفة من جزأين أصليين هما الفعل والفاعل :

مثل نجح المجتهد -ورسب الكسلان .


قال الإمام نور الدين السالمي :

اسمية إن بدأت باسم سوى ..........كان صريحا أو مؤولا حوى

وإن بفعل بــــدأت تعزلـــــه ............وإن يكـــن مـؤولاكيالـــــه

أنواع المفرد :

-المفرد في باب الإعراب :هو الاسم الذي ليس بمثنى ولا جمع :كزيد -ورجل -ومسجد .

-والمفرد في باب الخبر :هو الذي ليس بجملة ولا شبه جملة

-والمفرد في باب لا النافية للجنس وفي باب المنادى :هو الذي ليس بمضاف ولا شبيها بالمضاف .

-والمفرد في باب العلم :هو الذي ليس بمركب تركيب إسناد ولا تركيب إضافة ولا تركيب مزج .


الأفعال

الأفعال :ماضي -مضارع -أمر .

الماضي :وهو ما دل على حدث مضى وانقضى .

وعلامته - أن يقبل تاء التأنيث الساكنة مثل :صلت هند .

-أن يقبل تاء الفاعل مثل :صليت أنا .

المضارع :وهو ما دل علىحدث يقبل الحال والاستقبال .

وعلامته :-أن يقبل السين وسوف ولم مثل :سيجاهد -سوف يجاهد -لم يجاهد .

-وهو أيضا ما كان أوله أحد الزوائد الأربع وهي :النون والهمزة والياء والتاء .

ويجمعها قولك :(نأيت )، وتسمى أحرف المضارعة .

الأمر :وهو ما دل على حدث في الاستقبال

وعلامته :أن يقبل ياء المؤنثة المخاطبة مثل تحجبي

قال في ملحة الإعراب :

وإن أردت قسمة الأفعال.................. لينجلى عنك صدى الإشكال

فهي ثلاث ما لهن رابع.................ماض وفعل الأمر والمضارع

الإعراب

الإعراب في اللغة :هو الإظهار والإبانة .

وفي الاصطلاح :هو تغير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظا أو تقديرا .

ويكون الإعراب مقدرا في مواضع منها :

1-الاسم النقوص .

2-الاسم المقصور .

3-المضاف الى ياء المتكلم .

4-الفعل المضارع المعتل الأخر .

أنواع الإعراب :

أنواع الإعراب : الرفع -النصب - الجر -الجزم .

فللافعال من ذلك :الرفع والنصب والجزم ولا جر فيها .

وللأسماء من ذلك :الرفع والنصب والجر ولا جزم فيها .

قال في ملحة الإعراب :

وإن ترد أن تعرف الإعرابا .........لتقتفي في نطــقك الصوابــــــــا

فإنه با لرفــــــع ثم الجـــــر...........والنصب والجزم جميعا يجري

فالرفع والنصب بلا ممانع .........قددخلا في الاسم والمضـــــارع

والجر يستأثر بالأسماء ............والجزم بـــــالفعل بــــلا امــتراء

جمع التكسير

جمع التكسير هو:لفظ دل على أكثر من اثنين أواثنتين مع تغير في بناء مفرده كمساجد ومدارس وأقلام وكتب ورسل ورجال .

حكمه :أن يرفع بالضمة وينصب بالفتحة ويجر بالكسرة .

فال في ملحة الإعراب :

فكل ما كســـر في الجــموع .........كالأسد والأبيات والربوع

فهو نظير الفرد في الإعراب .......فاسمع مقالي واتبع صوابي

جمع المؤنث السالم

جمع المؤنث السالم :هو لفظ دل على أكثر من اثنتثين بزيادة ألف وتاء على مفرده كمسلمات وصالحات وفاطمات .

حكمه :أن يرفع بالضمة وينصب بالكسرة ويجر بالكسرة .

قال في ملحة الإعراب :

وكل جمع فيه تاء زائدة ..........فارفعه بالضم كرفع حامده

ونصبه وجره بالكسر ..........نحو كفيت المسلمات شــري

المثنى

المثنى هو :لفظ دل على اثنتين بزيادة ألف ونون على مفرده في حالة الرفع كالزيدان أو ياء ونون في حالتي النصب والجر كالزيدين .

حكمه :يرفع بالألف نيابة عن الضمة وينصب بالياء نيابة عن الفتحة ويجر بالياء نيابة عن الكسرة .

قال في ملحة الإعراب :

ورفع ما ثنيته بالألف .........كقولك الزيدان كانا مألفي

ونصبه وجـــره بالياء ..........بغير إشكـال ولا مـــراء

تقول زيد لابس بردين ........وخـالد منطــلق اليـــــدين

وتلحق النون بما قد ثني .......من المفاريد لجبر الوهـن

جمع المذكر السالم

جمع المذكر السالم هو:لفظ دل على أكثر من اثنين بزيادة واو ونون على مفرده في حالة .الرفع كالزيدون أوياء ونون في حالة النصب والجر كالزيدين .

حكمه :يرفع بالواو نيابة عن الضمة وينصب يالياء نيابة عن الفتحة ويجر بالياء نيابة عن الكسرة .

قال في ملحة الإعراب :

وكل جمع صح فيه واحدة ..........ثم أتى بعــد التنــــاهي زائــــدة

فرفعه بالواو والنون تبع ...........نحو شجاني الخاطبون في الجمع

ونصبه وجــره باليـــــاء ............عند جميـــع العـــــرب العربـــاء

تقول حي النازلين في منى ............وسل عن الزيدين هل كانوا هنا

الأسماء السته

مما يعرب نيابة عن الحركات الإعرابية الأسماء السته وهي :

(أب -أخ - حم - فو - ذو - (بمعنى صاحب ) - وهن ) .

حكمها : أن ترفع بالواو نيابة عن الضمة وتنصب بالألف نيابة عن الفتحة وتجر بالياء نيابة عن الكسرة .

شروط إعراب هذه الأسماء بالحروف أربعة شروط هي :

1- أن تكون مضافة .

2- أن تكون مفردة .

3- أن تكون إضافتها إلى غير ياء المتكلم .

4- أن تكون مكبرة ويشترط في (فم ) زوال الميم منه وفي (ذو ) أن تكون بمعنى صاحب .

قال في ملحة الإعراب :

وستـــــة ترفعـــها بـــالــــواو ..........في قــول كـــل عـــالم وراوي

والنصب فيها يا أخي بالألف .........وجرها بالياء فاعرف واعترف

وهي أخوك وأبو عمـــرانــــا ........... وذو وفـوك وحمــو عثمانـــــا

ثم هنوك ســادس الأسمـــــاء ........... فاحفظ مقالي حفظ ذي الذكــــاء

الأفعال الخمسة

الأفعل الخمسة هي :كل فعل مضارع اتصل به ألف الاثنين :كتفعلان ويفعلان أو واو الجماعة كتفعلون ويفعلون أو ياء الخاطبة كتفعلين .

حكمها :أنها ترفع بثبوت النون وتنصب وتجزم بحذفها .

قال ابن مالك :

واجعل لنحو يفعلان النونــــا ......... رفعا كتدعين وتسـالونــا

وحذفها للجزم وللنصب سمة ........ كلم تكوني لترومي مظلمة

المنقوص

المنقوص هو :الاسم المعرب الذي آخره ياء لازمة قبلها كسر .كالقاضي -والداعي .

حكمه : أن يقدر فيه الإعراب في حالتي الرفع والجر ويظهر في حالة النصب .

فيرفع بالضمة المقدرة على الياء ويجر بالكسرة المقدرة على الياء وينصب بالفتحة الظاهرة في آخره .

قال في ملحة الإعراب :

والياء في القاضي وفي المستشري .........ساكنة في رفعها والجر

وتفتــــح اليــــاء إذا مـــا نصبـــــا .......... نحو لقيت القاضي الهذبا

المقصور

المقصور هو :الاسم الذي آخره ألف لازمة قبلها فتحة مثل موسى وعيسى والمستشفى .

حكمه :أن يقدر فيه الإعراب في حالة الرفع والنصب والجر .

فيرفع بالضمة المقدرة على الألف وينصب بالفتحة المقدرة على الألف ويجر بالكسرة المقدرة على الألف .

قال في ملحة الإعراب :

وليس للإعراب فيما قد قصر ....... من الأســــامي أثــر إذا ذكـر

مثاله يحي وموسى والعصا ......... أو كحيا أو كرحى أو كحصى

فـــهذه آخرهــــا لا يختلــــف ........على تصاريف الكلام المؤتلف

المضاف إلى ياء المتكلم

المضاف إلى ياء المتكلم مثل غلامي -كتابي - أخي .

حكمه :أن يقدر فيه الإعراب في حالات الرفع والنصب والجر .

فيرفع بالفتحة المدرة على ما قبل ياء المتكلم وينصب بالفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم ويجر بالكسرة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة للياء وهي الكسرة .

الفعل المضارع المعتل الآخر

الفعل المضارع المعتل الآخر هو :كل فعل مضارع آخره ألف أو واو أو ياء :كيرضى ويسعى ويقضي ويرمي ويدعو ويسمو .

حكمه :يرفع بالضمة المدرة على الألف والواو والياء .

ينصب بالفتحة المقدرة على الألف والظاهرة في الواو والياء ويجزم بحذف الألف والواو والياء .

قال ابن مالك :

وأي فعل آخـــر منه ألـــف ......... أو واو أو ياء فمعتلا عرف

فالألف انو فيه غير الجزم ........ وأبدا نصب ما كيدعو يرمــي

والرفع فيهما انو واحذف جازما ....... ثلاثهن تقص حكما لازما

 

ما النظرية ..نظرية الثورة العربية …الدكتور عصمت سيف الدولة


الكتاب الأول

في المنهج

 

-1-

مشكلة المنهج

 

1- ما النظرية

 

عندما اثبتت هزيمة يونيو ( حزيران ) 1967 جسامة المخاطر التي ينطوي عليها الاسلوب التجريبي أصبح مسلماً أن مواجهة المستقبل العربي بغير ” نظرية ” حماقة خرقاء . فقد كنا صادفنا النجاح الذي تصادفه التجربة احياناً فأغرانا نجاحنا العرضي بالإصرار على عدم الالتزام العقائدي ، وألهانا عن المخاطر التي كانت تنتظر مسيرتنا ، فإذا بنا نتبين ، في أسوأ الظروف ملاءمة للتراجع ، أنه كان نجاحاً مؤقتاً ومحدوداً وأن الحساب الختامي للمسيرة غير العقائدية كان خسارة فادحة .

وهكذا اصبح من الممكن أن يدور حوار بناء بين كثير من المشغولين بالمستقبل العربي انطلاقاً من مسلمة أولى هي ضرورة ” النظرية ” لمواجهة مشكلات الواقع العربي ومستقبله . غير أن هذه البداية المشتركة تستدعي مباشرة أدق الأسئلة وأكثرها غموضاً . ذلك هو السؤال : ما النظرية التي نريد ؟

وهو سؤال مبرر علمياً وتاريخياً .

ذلك لأن كلمة ” نظرية ” كلمة مضللة ، إذ هي تطلق على مفاهيم جد مختلفة ، من أول المقولات الميتافيزيقية المجردة إلى آخر الاساليب الفنية في التطبيق . إن مقولة ” الخط المستقيم هو اقصر مسافة بين نقطتين ” بدهية ” يعرفها تلاميذ المدارس الثانوية . وهي ايضاً ” نظرية ” أساسية في الهندسة . ومع هذا فهي لا تعني شيئاً في النضال العربي . والذين يدرسون القانون يعرفون ” نظرية الحق ” و ” نظرية السبب ” و ” نظرية البطلان ” و ” نظرية سلطان الارادة ” و ” نظرية السيادة ” و ” نظرية فصل السلطات ” … الخ . وفي الاقتصاد ” نظرية السوق ” و ” نظرية القيمة ” و ” نظرية الريع ” و ” نظرية السكان ” و ” نظرية المنفعة ” … الخ . وعلى مستوى النظم هناك النظرية الرأسمالية والنظرية الاشتراكية ، وكل منهما تتضمن عشرات النظريات المتميزة . وعلى مستوى مناهج المعرفة هناك ” نظرية المنطق ” لأرسطو ، و” نظرية الجدل ”  لهيجل ، وثمة نظرية القانون الطبيعي والنظرية الوضعية والنظرية الرياضية والنظرية الاحصائية والنظرية التاريخية ونظرية المادية الجدلية … الخ . ومع أن النظريات في المنهج بعض من نظريات الفلسفة إلا في الفلسفة حشداً اكبر من النظريات التي تنسب الى اصحابها أو إلى مضمونها كالمادية والمثالية والوجودية … الخ .

وكلها نظريات .

فبأي مفهوم ” للنظرية ” تكون النظرية التي نريد ؟

إن إحدى العقبات الاساسية ، التي تعترض الحوار الفكري وتحول دون وصوله الى الالتقاء على ” نظرية ” ، هي ان مفهوم ” النظرية ” التي يراد الاتفاق عليها غير متفق عليه بين المتحاورين . وهذي عقية لايمكن تجاوزها إلا بالإفلات من التضليل التي تثيره كلمة ” نظرية ” بغير تحديد ، وذلك بتحديد مفهوم ” النظرية ” التي يدور حولها كل حوار على حدة ، حتى لاتختلط في اذهان المتحاورين دلالات مختلفة لكلمة ” نظرية ” وهم يتحدثون عن ” نظرية الثورة العربية ” مثلاً . إن هذا التحديد لازم لأي حوار غايته أن يؤدي الى اتفاق .

والسؤال : ما النظرية ؟ … مبرر تاريخياً . ذلك لآن الانجازات التي حققها الماركسيون خلال أكثر من نصف قرن في أماكن كثيرة من العالم ، وعلى وجه خاص في ” اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية ” قد رشحت ” الماركسية ” نموذجاً لنظرية النضال الثوري في المجتمعات المختلفة . ولا شك في أن كثيراً من الشباب العربي يلتمسون ” نظرية ” لمواجهة مشكلات الواقع العربي ومستقبله ويتحدثون عن ضرورة ” النظرية ” وفي اذهانهم نموذج من الماركسية . إن هذا لايصدق على غير الماركسيين فقط بل وعلى الذين يرفضون بعض او كل المضامين الفكرية الماركسية . أولئك يبهرهم ما يبدو من شمول الفكر الماركسي وإحكام مقولاته ولغته الثورية فيبحثون عن نظرية غير ماركسية ولكن على الطراز الماركسي . وقد أدى هذا التأثر ” السلبي ” بالفكر الماركسي إلى أن صد بعض الشباب العربي أنفسهم عن كثير من الاجتهادات الفكرية ، لا لآنها غير صحيحة ، أو لآنها لاتصلح أساساً للنضال العربي أو حتى لمراحله الملحة الأولى ، بل لأنها ليست ، أو لاتبدو لهم ، في مثل شمول واحكام وثورية الفكر الماركسي . وهكذا انقلب الأمر عندهم من محاولة استكمال الأسس الفكرية للنضال العربي الى تحريض على الدخول في ” مباراة ” فكرية مع الماركسيين . وقد دخل كثير من المفكرين العرب ” المباراة ” حتى منتصف الشوط ، أي حتى على مستوى نقد الفكر الماركسي . وكان ذاك سلباً لا عطاء فيه . غير ان من المفكرين في الوطن العربي من اجتهد فطرح وجهات نظر أو نظريات غايتها خدمة النضال العربي وليس مجرد نقد الفكر الماركسي ، وإن كانت قد تضمنت نقداً لا مفر منه للماركسية . والواقع ان الفكر الماركسي على قدر من الجدية والتأثير في الواقع بحيث  لا يمكن لمفكر جاد يستهدف خدمة نضال مؤثر في المستقبل العربي أن يتجاهله . ومن هنا، فانه بصرف النظر عن مدى التوفيق فيما طرح من وجهات نظر أو من نظريات ، فان طرحه كان يعني أن نقد الفكر الماركسي الذي صاحبه كان جزءاً من عملية بناء فكري ايجابي وليس مجرد عملية هدم للفكر الماركسي . إلا ان رد فعل كثير من الماركسيين، ومنتحلي الماركسية ، في الوطن العربي كان متطرفأ وغير موضوعي وغير علمي معأ . فقد رفض كل الاجتهادات الفكرية غير الماركسية، وأدان الاجتهاد ذاته ، لا لأن حصيلته غير صحيحة أو لأنها غير صالحة كأساس للنضال الاشتراكي في الوطن العربي ، بل لمجرد انها تضمنت نقداً للماركسية. وقد كان هذا يعني تجميد الفكر الماركسي وهروبأ من المباراة الفكرية على وجه بدا فيه الأمر كما لو كنا أمام خيار لا مخرج منه : إما أن نقبل الفكر الماركسي نظرية للستقبل العربي وإما ألا نفكر على الاطلاق . وعندما يكون الأمر كذلك نكون قد غادرنا جميعا ميدان الحوار العلمي .

أيأ ما كان الأمر فما يزال مستقراً في أذهان بعض الشباب العربي انهم في حاجة الى ” نظرية ” ثورية على طراز الماركسية. وانهم لا يقبلون الحركة بغير هذا المنطلق . فيقطعون الحوار على وجه يبدو منه كما لو كانوا لا يبحثون عن نظرية للنضال العربي بل يبحثون عن مهرب من متاعب النضال العربي بحجة البحث عن نظرية . ولو كان الأمر على غير هذا لاكتشفوا بأنفسهم أن الفكر العربي ، الذي استفاد بكل ما هو متاح من الفكر الانساني بما فيه الفكر الماركسي ، يقدم إليهم ما يفي بحاجتهم لمواجهة مشكلات الواقع العربي ومستقبله ، وما يتجاوز الفكر الماركسي ذاته . وانهم ليسوا في حاجة حقأ إلا إلى أن يتعبوا أنفسهم قليلأ في الإحاطة به واستيعابه. ولو اتعبوا انفسهم أكثر قليلأ في الاحاطة بالفكر الماركسي واستيعابه لتبينوا بيسر أن مايسمونه ” النظرية الماركسية ” غير قائم إلا في أذهانهم .

فالواقع انه، في حدود البحث عن مفهوم ” للنظرية ” يصلح محوراً يلتقي عليه المناضلون العرب، لا يصح الاحتجاج بما يسمى ” النظرية ” الماركسية . لأن ما يسمى بالماركسية ليس نظرية واحدة بل عديداً من النظريات والأفكار التي لا تصل الى مستوى النظرية . فأسس الماركسية التقليدية (ماركسية ماركس و انجلز) تتضمن ثلاث نظريات متميزة . أولاها ” النظرية المادية ” في الفلسفة، تلك التي تجيب عن السؤال : أيهما وجد أولأ الفكر أم المادة ؟ .. والثانية ”  نظرية المادية الجدلية ” في المعرفة، تلك التي تتضمن ” نظرية الحتمية ” و” نظرية الضرورة ” و” نظرية التناقض” و” نظرية الطفرة “… الخ . والثالثة ” نظرية المادية التاريخية ” في التطور، تلك التي تتناول ” نظرية الصراع الطبقي” و “نظرية الثورة ” و” نظرية اضمحلال الدولة” و ” نظرية الشيوعية “.. ا لخ .

وقد ازداد الأمر ثراء وتعدداً وتعقيداً معاً بدخول الماركسية مرحلة التطبيق فأصبحت منذئذ ” ماركسية- لينينية “. ولينين لم يكن مجرد ماركسي يصنع الثورة على ما قال استاذه ، بل كان فيلسوفاً منظراً للثورة وقائداً لها . وقد بدأ مسيرته الثورية بابداع فكري أصيل برر به الثورة الاشتراكية في مجتمع متخلف لا تتوافر فيه الظروف الموضوعية للثورة كما قال بها الاستاذ . ولم تكن تلك إلا بداية ” وجاءت اللينينية متضمنة مجموعة متميزة من ” النظريات ” او ” الآراء ” في الدولة وفي الثورة وفي الديكتاتورية وفي الاشتراكية… الخ ابدعها لينين خلال الممارسة الثورية. ونذكر انه لمدة ثلاثين عامأ تقريبأ كانت الماركسية تقدم الى الناس مصوغة بقلم ستالين . وكان اسمها حينئذ ” الماركسية- اللينينية- الستالينية” ، لتتميز عن اجتهادات الماركسي تروتسكي التي أطلق عليها اسم ” التروتسكية ” وأدانها ستالين بخروجها على اسس ” الماركسية- اللينينية ” . ثم اعلن بعد وفاة ستالين أن كثيراً من النظريات التي صاغها لم تكن من الماركسية في شيء وأن ” الستالينية ” افكار خاصة بستالين . يقول الذين يدافعون عنها انها “نظريات” ابدعها ستالين الماركسي خلال تجربة بناء الاشتراكية في دولة واحدة محاصرة بالعداء الامبريالي فهي الماركسية منظوراً اليها في ظروفها التاريخية. ويقول الذين يرفضونها انها مناقضة ” للماركسية – اللينينية ” فهي غير مقبولة او هي غير مبررة . وقبل ان يموت ستالين كانت “عصبة الشيوعيين اليوغسلاف ” تناضل تحت لواء نظرية ماركسية قيل حينئذ انها تحريف للماركسية ويقال اليوم انها تطوير للماركسية . ومنذ وفاة ستالين وإدانة ” الجمود الستاليني ” لم يكف الماركسيون في جميع انحاء العالم عن ابداع  نظريات ” ماركسية ” ايضاً وان كانت متعددة ومتميزة ومختلفة ومثيرة للصراع في بعض الاوقات بين المدارس الماركسية.

ولعل النظرية الوحيدة الباقية بدون مراجعة فكرية شاملة هي ” المادية الجدلية “. وأغلب الماركسيين، في الوطن العربي خاصة، يعتبرون أنفسهم ماركسيين لمجرد انهم يقبلون ” المادية الجدلية ” دليلاً في الممارسة ولولم يلتزموا كثيراً غيرها من النظريات الماركسية . وقد يكون هذا كافيأ ليكون الانسان ماركسيأ على المستوى الفكري ، ولكنه ليس كافيأ لتمييز الموقف الماركسي في الممارسة . ذلك لأن الممارسة- كما سنرى- تجري في كل مكان ، وفي الوطن العربي خاصة ، على غير قوانين المادية الجدلية . نعني ممارسة الماركسيين  قبل غيرهم . وهكذا لم نعد امام ” نظرية ماركسية ” تحتذى بل نحن أمام تراث ماركسي بالغ الخصوبة والثراء . وقد كان يمكن ان يقال للشباب العربي المنبهر بالتراث الماركسي  ان عليهم ان يصبروا على أنفسهم وعلى التاريخ حتى يصبح لهم تراث خاص خصيب وثري ليكتمل لهم النموذج الماركسي . ولكنه قول غير لازم وغير مفيد بل هو قول ضار . ذلك لأن للشباب العربي تراثأ فكرياً عربيأ لا تنقصه الخصوبة ، ولهم في الوقت ذاته تراث فكري انساني لا ينقصه الثراء، ثم ان لهم التراث الفكري الماركسي ذاته كواحد من أخصب وأثرى مصادر المعرفة والثقافة. والعبرة بكيفية الاستفادة من كل هذا وليس بمحاولة تقليده . 

على أي حال يبدو غير واقعي وغير علمي القياس على نموذج يقال له ” النظرية الماركسية “.  وان كان ما يزال قابلأ للفهم تحديد النموذج الماركسي الذي يعنيه كل متحدث أو يريد اتخاذه طرازاً لنظرية  الثورة العربية. تحديد مستواه من النظريات الماركسية التقليدية . وتحديد مضمونه من المقولات الماركسية المتعددة . وتحديد موقعه من المدارس الماركسية المعاصرة . اما الدخول في الحوار “بالماركسية” هكذا بدون تحديد فانه لم يعد كافياً للالتقاء الفكري او الثوري . وهو كفيل بأن يقطع الحوار دون غايته. وهو يقطعه كل يوم حتى بين الماركسيين أنفسهم .

من أين نبدأ الحديث إذن؟

الحديث الذي يكون مدخلأ الى تحقيق الوحدة الفكرية بين الشباب العربي كمقدمة لازمة لوحدة حركية قادرة على مواجهة مشكلات الواقع ومستقبله .

من ابسط المنطلقات. أو حتى من البدهيات. المهم أن تكون بداية غير منكورة. والبداية البسيطة، البدهية ، التي لا نعتقد أن أحداً قادراً- بحق- على انكارها هـي أننا نبحث عن نظرية ” لتغيير” الواقع العربي . ان هذي تبدو بداية مجردة . هـي كذلك . ولكنها بداية سنرى كيف تكسب مضمونها الحي من خلال الحوار ذاته . والحوار يعني أن باب الاجتهاد لم يغلق . وهل يملك أحد حق اغلاقه؟… وان لكل محاور مجتهد ان يقدم ما يراه  نظرية لتغيير الواقع فيحدد لنا : المنطلق والغاية والاسلوب . إذ تلك هي العناصر الثلاثة لنظرية تغيير الواقع .

من هنا نبدأ.



 

https://nadhariya.wordpress.com/2016/08/28/%d9%85%d8%b4%d9%83%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d9%85%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%9f

القومية والاسلام الدكتور عصمت سيف الدولة


 

القومية والاسلام :


 

الاسلام دين مشترك بين كثير من الأمم والشعوب والجماعات الانسانية . وهكذا يقع تحديد العلاقة بين القومية والاسلام في نطاق علاقة الأمة بالمجتمعات الانسانية خارجها . وكثيراً ما طرحت الرابطة الاسلامية كبديل عن القومية . وهو خطأ جسيم راجع إلى قصور مضاعف في المعرفة الصحيحة بالاسلام وبالقومية كليهما.

فالاسلام دين ولكنه متفرد بمميزات خاصة مثله في هذا كمثل أي دين آخر . وقد عرفنا أن كل أمة معينة تنفرد بمميزات خاصة مثلها كمثل أية أمة أخرى . فالبحث في ” الرابطة الاسلامية ” وعلاقتها بالقومية على ضوء نظرية مجردة في الدين إطلاقاً أو في الأمم إطلاقاً أول خطأ يقع فيه الباحثون ، لأنه يتجاهل خصائص كل دين وخصائص كل أمة . وقد أدى هذا إلى خطأ أكثر جسامة ذلك هو تجاهل العلاقة التاريخية ” الخاصة ” بين الاسلام والأمة العربية . وهي علاقة لا مثيل لها – فيما نعرف من تاريخ الأديان والأمم – بين أي دين وأية أمة .

في الأصل كان ” الدين ” عنصراً من عناصر التكوينات الاجتماعية المختلفة التي كانت وحدة   ” الأصل ” محور تكوينها ” الأسر والعشائر والقبائل ” . وانقلب الأجداد الذين ماتوا إلى آلهة يعبدهم نسلهم من الأحياء ، ويتميزون بهم عن ذوي ” الأجداد – الآلهة ” الأخرى . ثم استقر “الإله” رمزاً مميزاً لكل قبيلة . فكان لكل قبيلة ” الهها ” الخاص ، تختاره طبقاً لظروفها الخاصة وتعبده طبقاً لتقاليدها الخاصة ، وتلتمس منه العون في تحقيق مصيرها الخاص . وإن تعددت مشكلاتها لم يكن ثمة ما يمنع أن تكون لكل قبيلة أو مجتمع صغير مجموعة كبيرة من الآلهة يختص كل منها باسداء العون لعباده في واحدة من تلك المشكلات : الحب ، الحرب ، الزرع ، الملاحة .. الخ .

ولكنها حتى وهي مجموعة ” خاصة ” كانت تقوم بالوظيفة المشتركة للآلهة في المجتمعات القبلية وما دونها : رمز يجسد الوجود الاجتماعي المستقل لكل جماعة ويميزها عن غيرها . وكل هذا لايزال قائماً في المجتمعات البدائية والقبلية المعاصرة … ثم جاء الاسلام متميزاً قبل كل شيء بالتوحيد  .( لا إله إلا الله  لاشريك له  .  لم يلد ولم يولد . ) وكان هذا رفضاً اسلامياً قاطعاً لقيام الدين مميزاً للمجتمعات الانسانية بعضها عن بعض لأنه رفض قاطع لاختصاص كل جماعة من الناس بدين خاص يميزهم عن غيرهم . ولم يكن ” التوحيد ” ليكتمل إلا إذا قدّم الاسلام ذاته إلى كل الجماعات الانسانية كبديل مشترك ، ووحيد عن اديانها المتعددة . إن الدين عند الله الاسلام . وهكذا جاء الاسلام – كما هو – خطاباً للناس كافة . لكل البشر في كل زمان وفي كل مكان . نقول الاسلام ” كما هو ” احتكاماً للاسلام ذاته . وحكمه في هذا ملزم للمسلمين الذين يقفون من القومية موقفاً مضاداً باسم الاسلام . ومضمون الحكم أن الاسلام في جوهره دين ” وحدة انسانية ” ومما يتنافى مع جوهره هذا أن يكون ديناً “خاصاً ” بجماعة أو جماعات انسانية دون البشر أجمعين .

وليس للمسلم أن يكون له إله كإله بني إسرائيل . ومن هنا ندرك كم هو جسيم ذلك الخطأ الذي يقع فيه بعض المسلمين عندما يدعون إلى ” مجتمع إسلامي ” مقصور على المسلمين ومحدد لعلاقتهم بغيرهم من المجتمعات . وينسون أن مثل هذه الرابطة ان كانت قد تجمع بين المجتمعات المسلمة فإنها – في الوقت ذاته – تعزل الاسلام عن باقي البشر وتحيله الى دين “خاص ” ببعض الناس وهو للناس كافة . ان هذا ” الاستئثار ” بالاسلام مميزاً لبعض المجتمعات الانسانية ليس من الاسلام في شيء بل هو يتنافى – قطعاً – مع طبيعة الاسلام كدين لكل بني الانسان بدون تمييز والذين يقدّمون الاسلام بديلاً عن ” القومية ” ينزلون بالاسلام من مكانه فوق الأمم جميعاً ليحصروه في أمة أو في بعض الأمم ، وهو رابطة انسانية ولا يمكن أن يكون أقل من رابطة إنسانية ، وبالتالي لا يقع على مستوى واحد من القومية فيكون بديلاً عنها أو تكون بديلة عنه ، بل هو يجاوزها إلى المجتمع الانساني كله الذي يشمل كل الأمم والشعوب والجماعات .

غير أن الاسلام لم يكن ديناً فحسب ، بل كان ثورة اجتماعية ذات مضامين حضارية . وتلك هي إحدى خصائصه المميزة . وهي هي التي أنشأت بينه وبين الأمة العربية علاقة تاريخية متميزة. ذلك ان الاسلام كثورة اجتماعية قد لعب دوراً أساسياً في تكوين الأمة العربية .

ففي خلال أحقاب طويلة من الهجرة والصراع سابقة على ثورة الاسلام كانت قد استقرت مجتمعات قبلية متجاورة في رقعة من الأرض التي يحصرها من الشمال البحر الأبيض المتوسط وجبال طوروس ، ومن الشرق إيران والخليج العربي ، ومن الجنوب المحيط الهندي فهضبة الحبشة فالصحراء الأفريقية الكبرى ، ومن الغرب المحيط الأطلسي . وكانت تلك المجتمعات القبلية متميزة بعضها بما ورثته عن العهد القبلي أي بالأصل الخاص واللغة الخاصة وبتراث خاص من الثقافة والعقائد والتقاليد والطور الحضاري . وعندما استقرت كل منها في مكانها اصبحت شعوباً ودخلت كل منها منفردة – مرحلة التكوين القومي . ولو طال بها الاستقرار لتطورت أمماً متميزة . غير أن الاستقرار لم يطل بأية جماعة منها حتى تكوّن أمة . ولم يطل بها جميعاً حتى تتكون أمماً متجاورة . فقد اجتاحتها موجات متعاقبة كاسحة من الغزو الخارجي إما من وسط آسيا أو من وسط أفريقيا أو من أوروبا . كما أن موجات الهجرة الداخلية – السلمية والمقاتلة – لم تنقطع عابرة بها ومستقرة فيها وكانت فترات الغزو تعطل نموّها وتعوق تكونها القومي بما تسببه من انقطاع في اختصاص كل شعب بأرض معينة ، وما ان ينحسر الغزاة ، أو يستقروا ، لينشط التكوين القومي حتى تدهمها كلها أو بعضها – موجة غازية أخرى . واستمر هذا الوضع : فترات من الاستقرار فالاضطراب فالغزو بالاحتلال ، تحبس نمو تلك الشعوب والجماعات عن اكتمال الوجود القومي حتى ظهر الاسلام ثورة : فكرية واجتماعية معاً .

وعندما ظهر الاسلام لم تكن أية جماعة من تلك الجماعات قد تكونت أمة ، وإن كان أغلبها في طور التكوين . فقد كانت السيطرة الفارسية والاغريقية والرومانية قد عطلت نمو كل الجماعات التي تقيم في النصف الشمالي من تلك المنطقة الجغرافية ، التي لم تكن ، تحت السيطرة ، أكثر من مجتمعات من العبيد لا يختصون بأرضهم دون سادتهم ولا يتفاعلون معها أو فيما بينهم تفاعلاً حراً . وكانت الجماعات الأخرى في قلب الجزيرة العربية أو مشارف صحراء أفريقيا ما تزال في مرحلة قبلية متخلفة . وقد بدأ المسلمون بناء تاريخهم من أكثر البقاع تحرراً من السيطرة الأجنبية أي أكثرها قابلية للتطور والنمو . وقد وفر الاسلام للمجتمعات القبلية المستقرة في وسط الجزيرة العربية ، رابطة اجتماعية مشتركة تجاوزت بها التمييز القبلي ودخلت بها طور التكوين القومي . وجمعت مشكلة نشر الدعوة الاسلامية تلك القبائل في نواة قومية اندفعت غازية ما جاورها من قبائل وأقاليم وأمم . وعندما توقف المد الاسلامي كان قد ضم إليه مجتمعات مختلفة في درجة تكوينها الاجتماعي . كانت منها أمم أدركها الاسلام وهي مكتملة التكوين مثل فارس . وكانت من بينها جماعات ومجتمعات وشعوب ماتزال في طور التكوين لم تستو أمماً . وقد كان أثر الاسلام بالنسبة الى كل من تلك المجتمعات مختلفاً .

فالأمم التي أدركها الاسلام وقد اكتمل وجودها القومي كان الاسلام بالنسبة إليها إضافة إلى حضارتها القومية ولكنه لم يلغ وجودها القومي فظلت أمماً مسلمة . أما المجتمعات التي أدركها الإسلام وهي في الطور القبلي أو وهي شعوب في طور التكوين القومي لم تصبح أمماً بعد ، فقد أكمل الاسلام تكوينها أمة واحدة . أزال الحواجز فيما بينها ووفر لها الأمن الكافي لتتفاعل وتلتحم فتصبح شعباً واحداً ، وقدم لها اللغة الواحدة فتجاوزت العزلة التي تسبق وحدة اللغة ، وحصرها في نظام اجتماعي واحد فوّحد في اسلوب حياتها ، ثم رفع عنها العبودية فالتقت على أرضها المشتركة تتفاعل معها تفاعلاً حراً . وهكذا صنعت في ظله تاريخها الواحد .. فأصبحت بهذا كله أمة عربية واحدة .

بهذا تميزت الأمة العربية عن الأمم الأخرى المسلمة . تميزت باللغة العربية ( لغة القرآن ) عن الأمة الفارسية والأمة التركية والأمة الأفغانية .. الخ حتى عندما كانت دولة الاسلام تشملها جميعاً . وتميزت بوحدة الأرض التي امتدت إلى حدود فارس وحدود تركيا وحدود اسبانيا وحصرتها الصحراء والبحار من الجهات الأخرى حتى عندما كانت تلك الأرض ومعها فارس وتركيا واسبانيا والصحراء ذاتها أجزاء من دولة المسلمين . وصنعت من أرضها ، وبلغتها ، أنماطاً من الفكر والمذاهب ، والتقاليد والحضارة كانت ” تراثاً ” عربياً خالصاً حتى عندما كان الاسلام يطبع حضارتها وحضارات أمم أخرى بطابع اسلامي متميز . ولن نلبث أن نرى أثر هذا عندما تتفكك الدولة الاسلامية فيسفر العالم الاسلامي عن تلك الأمم التي دخلها الاسلام وهي أمم مكتملة التكوين فإذا بها هي هي كما كانت أمماً متميزة بلغتها الخاصة وحضارتها القومية الخاصة وإن كان الاسلام قد أضاف إليها ( الحروف العربية في لغة فارس وتركيا مثلاً ) . ولكنه يسفر عن تلك الجماعات والمجتمعات والشعوب العربية ، التي كان لكل منها لغة خاصة وثقافة خاصة عندما دخلها الاسلام لأول مرة ، فإذا بها شعب واحد يعيش على أرض خاصة ومشتركة ولغة واحدة وثقافة واحدة ، إذا بها قد اكتملت في خلال القرون التي قضتها معاً في ظل الاسلام أمة عربية واحدة .

تلك هي العلاقة التاريخية ” الخاصة ” بين الاسلام والأمة العربية . وهي علاقة جدلية ، انتهت إلى خلق جديد . فكانت الأمة العربية ثمرة تفاعل الاسلام مع تلك الشعوب والمجتمعات والجماعات ، وتفاعلها فيما بينها في ظل الاسلام وحمايته ، تفاعلاً انتهى إلى أن تكون شعباً عربياً واحداً بدلاً من شعوب متفرقة ، ووطناً عربياً واحداً بدلاً من أقاليم متعددة . واستمدت اسمها من تلك النواة التي بدأ بها التكوين القومي في الجزيرة العربية ، وحملت راية الاسلام إلى باقي الوطن العربي ، وقادت حركة التفاعل الخلاق الذي انتهى إلى أن نكون كما نحن أمة عربية . وما كان هذا ليحدث لولا إلتقاء أمرين في مرحلة تاريخية واحدة : الاسلام كثورة حضارية قادرة على التطوير والخلق ، والشعوب التي لم تكتمل أمماً فهي قابلة لأن تتطور وتخلق من جديد . ولم يكن أي الأمرين بمفرده بقادر على ان يخلق ” الأمة العربية ” وهكذا أسهم الاسلام في تكوين الأمة العربية . ولكن عندما تكونت كانت وجوداً ذا خصائص متميزة عن العناصر التي التحمت معها فكونتها . فهي ” أمة عربية ” وليست جماعة مسلمة من ناحية . وهي أمة عربية وليست امتداداً نامياً لأي شعب من الشعوب التي كانت من قبل ولا حتى لتلك النواة التي بدأت بها مرحلة التكوين القومي منذ ثلاثة عشر قرناً في قلب الجزيرة العربية .

يتضح من هذا أنه لايمكن الاحتجاج بالاسلام لانكار الوجود القومي العربي ، أو الاستناد إليه في موقف مضاد للقومية العربية إلا إذا انكرنا على الاسلام مضمونه الثوري الحضاري الذي اسهم في تكوين الأمة العربية . ومن ناحية أخرى لايمكن اسناد الوجود القومي العربي إلى الاسلام وحده لأن الأمة العربية كانت ثمرة تفاعل حضاري اسهمت فيه كل الشعوب والجماعات السابقة على دخول الاسلام ، وفي ظله، بكل من فيها من مسلمين وغير مسلمين .

 

الاستبداد وقضايا الهوية في تونس سمير محمد حمدي





انفجر سؤال الهوية من جديد إثر نجاح الثورة التونسية (يناير 2011) في إطاحة نظام الاستبداد وفتحها المجال للحريات. ورغم مرور عقود على الاستقلال ظل سؤال من نحن؟ ينتظر إجابة ممكنة، وما كشف حدة الصراع وتجذّره في الوعي السياسي التونسي هو ما يجري اليوم من نقاشات ومساجلات حول تغيير بعض التشريعات الإسلامية حيث تصر بعض الفئات الأقل عددا والأعلى صوتا على رفض الإسلام كمكوّن مركزي لهوية الدولة في تونس فما بالك أن يكون مصدرا للتشريع، وليس هذا النقاش غريبا في ذاته وإنما يعود هذا النمط من الصراع إلى ما يمكن تسميته بفشل التحديث القسري الذي عمدت إليه الدولة منذ عقود ضدا لهوية الشعب ومقدساته. وكان لهذا التوجه ركائز إيديولوجية منوعة قد لا ترقى إلى مستوى فلسفة نظرية بقدر ما هي ممارسة سياسية وضع جذورها الحبيب بورقيبة باعتباره من حاول ترسيخ تصور معين للحداثة بوصفها قطيعة مطلقة مع ماضيها الحضاري والثقافي ومحاولة لتبيئة قراءة غربية لنمط التحول الاجتماعي ولكن وخلافا للنموذج الغربي الذي جاء في سياق تطور طبيعي كانت المحاولة البورقيبية تتنزل ضمن سياسة قسرية منتزعة من سياقاتها الحضارية والثقافية. فكيف تتحدد أهم ملامح هذا التحديث البورقيبي القسري وما هي انعكاساته الثقافية والسياسية على المجتمع والدولة و ما هو مستقبل حضوره بين الفئات الشعبية المختلفة في ظل ديمقراطية ما بعد الثورة ؟

يمكن اختزال أهم ملامح التحديث القسري البورقيبي في جملة من العناوين العامة التي قد لا يسمح ضيق المجال لتفصيلها ويمكن اختصارها في ما يلي :

أولا : مقولة الأمة التونسية : ركز بورقيبة بعد الاستقلال وانفراده بالحكم على محاولة إرساء نموذج لأمة تونسية ذات فرادة وخصوصية تأسيا بالمفهوم الغربي لمعنى الأمة التي تجمع بين الانتماء القومي والوحدة السياسية في ظل دولة واحدة وبالرغم أن هذا المفهوم تمت مجاوزته في الفكر الغربي غير أن بورقيبة حاول أن يركز على ما يسميه الخصوصية التونسية باحثا عن حوادث تاريخية مجتزئة لتزكية تصوره العام لمعنى الأمة حيث يقول في أحد خطاباته ” تونس منذ أقدم العصور .. كانت دائما شديدة الحفاظ على شخصيتها حتى في العهود التي تُفرض عليها لغة جديدة وتٌحمل على اعتناق دين الدخلاء[i]. وربما الخطير في ما فعله بورقيبة أنه لم يكن مُنظّرا أو كاتبا وإنما رجل سياسة ذا حكم مطلق حاول أن يضع معتقداته الغير ممنهجة موضع التنفيذ ولعل هذا ما يفسر تراجعاته عن قرارات اتخذها وإقدامه على خطوات كان أثرها سلبيا على المجتمع أكثر مما هي نافعة لوحدة الشعب ذاته فقرار إلغاء الصوم  أو محاولة تحويل وجهة الحج  أو السخرية من المقدسات وتحويلها إلى مادة فلكلورية كانت إجراءات في سبيل ضرب المشترك الديني مع باقي أجزاء الأمة العربية والإسلامية وفي ذات الوقت ترسيخ علمانية الدولة التي أصبحت المقدس الجديد في ظل بورقيبة من خلال رفع شعار هيبة الدولة أولا،” فالدولة تتجاوز كونها مؤسسة سياسية لتصبح في التحامها بالأمة عائلة تسودها علاقات عائلية روحية وجب زرعها في أفراد كل الأمة عند ذلك يصبح الرأي المخالف معصية باعتباره عقوقا وتجاوزا للأخلاق والأدب[ii] وخروجا عن طاعة الأب صاحب الفضل على شعب لم يكن قبل مجيء الزعيم سوى “غبارا من الأفراد”.

ثانيا: تكريس عبادة الزعيم : لقد اقترنت محاولة التحديث البورقيبي بفكرة عبادة الشخصية وبناء نوع من البطريركية السياسية التي تحوّل معها “الزعيم الملهم” و”المجاهد الأكبر” و”سيد الأسياد” إلى أب كل الأمة وهو ما يكشف عن تقمص تام للأتاتوركية { أتاتورك /أب الأتراك ، بورقيبة / أب التونسيين} من جهة وإلى هيمنة عقلية الطاغية الذي يغير كل الأشياء بإرادة شبه إلهية ( النموذج الفرعوني في الحكم ” أنا ربكم الأعلى”). فقد كان بورقيبة يؤكد على قيمة الخطاب الذي يوجهه للشعب بوصفه يرتقي إلى مرتبة أعلى من الخطاب العادي (في محاولة للتماهي مع الوحي المقدس ) فإذا كان القرءان الكريم ( الوحي الإلهي ) قد صنع امة فإن الخطاب البورقيبي قد صنع بدوره أمة “ تعرفون طريقتي الخاصة في الكلام ، تلك الطريقة التي كان لها الفضل في تكوين أمة كاملة [iii]، هذا الوهم  جعله يضع نفسه في مقام يساوي أو يفوق الأنبياء[iv] ولكنه نبي علماني يملك قدرات عقلية فذة تمكنه من تشكيل شعبه بالصورة التي يريد ويرغب انطلاقا من اعتقاده انه قد صنع شعبا من الغبار ونفخ فيه من روحه حتى يصبح كيانا قائما بين الأمم.

ثالثا: علمنة التعليم والثقافة: لقد تعوّد أنصار التغريب البورقيبي على الافتخار بأن بورقيبة صانع مجد تونس عبر التعليم والثقافة، والوقائع التاريخية تقول أن الشعب التونسي وقبل مجيء بورقيبة كانت لديه رغبة غير مسبوقة في التعلّم إلى الحد الذي دفع المستشرق الفرنسي لوروا بوليو ( سنة 1897 ) إلى الحديث بإعجاب عن ذلك ” الشعب المتحضر والمهذّب والممجّد للتعليم ” حيث كانت تونس ومنذ القرن 19 احد أهم مراكز النهضة العربية والإسلامية وقد ظل السياق العام للتعليم وانتشار الثقافة في تصاعد حتى في ظل الاستعمار الفرنسي[v] وفي ظل انتشار الصحف الوسيلة الإعلامية الأولى في ذلك الزمان غير أن الانجاز البورقيبي تمثل في أمرين وهما إلغاء كل أشكال التعليم الأهلي وإغلاق مؤسساته بقانون والتركيز على إنشاء مدرسة تونسية جديدة تميزت بهيمنة التمشي التغريبي العلماني عليها فلم تكن تلك المدرسة موجهة لإنتاج العقول المبدعة والمهارات الصناعية { نموذج “ميجي” في اليابان أو نموذج مهاتير محمد في ماليزيا على سبيل المثال} وإنما كانت عبارة عن محاولة لتصفية الحساب مع ثقافة عربية إسلامية لطالما احتقرها بورقيبة ورأى فيها سببا من أسباب التخلف[vi].

والأمر الثاني الذي عمد إليه المشروع البورقيبي هو منع ظهور أي خطاب آخر مناوئ له سواء من الناحية السياسية { تصفية الجناح اليوسفي في الحزب الدستوري وحظر لجنة صوت الطالب الزيتوني[vii] وصولا إلى تركيز نظام الطغيان والحزب الواحد } أو من الناحية الثقافية { قمع كل التوجهات الثقافية المناوئة للمشروع التغريبي عبر التضييق على المساجد وتشريد العلماء ممن يعارضون توجهاته العلمانية بصورة علنية } ولعل هذا ما يفسر إيقاف كل الصحف التي كانت تصدر في زمن الاستعمار وعددها 25 وهو عدد كبير بالنسبة لشعب عدد سكانه لا يتجاوز المليونين حينها ليحافظ على اثنتين من الصحف فحسب يسبّحان بحمده سياسيا وينفذان أهدافه في نشر العلمنة المغلقة ذات الخلفية اليعقوبية ثقافيا.

لقد مكّنت هذه الأسس الثلاثة من بناء نظام سياسي استبدادي يتبنى اشد أشكال العلمنة غلوا وتطرفا ويحتمي بالدولة باعتبارها العمود الفقري لتنفيذ كل مشروع تعليمي أو ثقافي يراد فرضه على الناس فلم تكن الدولة محايدة في نظر بورقيبة ونظامه وإنما هي بالأساس أداة لتنفيذ أهداف الحاكم المستبد حيث لم تكن إرادة الدولة سوى إرادة صاحب السلطة ذاته { لم يكن التعليم يوما محل استشارة شعبية أو نقاش عمومي بين أهل الشأن وذوي الاختصاص وهو ما نراه متجسدا في تكليف محمود المسعدي بتنفيذ سياسات محددة في بناء التعليم العمومي[viii] وعلى ذات المنوال سار زين العابدين بن علي تلميذ بورقيبة النجيب في تكليفه لمحمد الشرفي[ix] بما سُمي تجاوزا بإصلاح التعليم  } وفي المقابل ظل الوجدان الشعبي العام وخاصة لدى جماهير الهامش الاجتماعي تحافظ على حد أدنى من التدين وتعادي بصور مختلفة التوجه العلماني وهو ما خلق فصاما واضحا بين نخبة مُعلمنة ومتغربة تعادي الدين وترفضه وتطالب بإقصائه وجماهير شعبية على اتساعها تناوئ هذا المشروع وترى فيه رديفا للاستبداد وكان أن خلقت هي بدورها مثقفيها ونخبها بل وأحزابها السياسية التي تستجيب لتطلعاتها.

وبعد الثورة وإثر بسط الحريات واتساع مجال التعبير وحصول تغيير بقدر ما في هيكل السلطة انفجر الصراع من جديد، وعلى الرغم من القوة الإعلامية التي يستند إليها العلمانيون فقد وجدوا أنفسهم أيتاما في غياب الدولة التي كانت تمثل رديفا لهم ينصرهم في أي صراع ويحقق لهم غاياتهم بقوة السلطان قبل قوة البرهان وعلى الرغم من محاولات التوافق التي تحرص عليها أطراف مختلفة إسلامية وعلمانية معتدلة فإن قوى الضغط العلماني (بجناحيها الليبرالي واليساري) لازالت ترفض منطق التوافق وترجح منطق المغالبة بصوره المختلفة مستندة في ذلك إلى دعم غربي غير محدود لتوجهاتها الثقافية ليظل صراع الهوية قائما بعد سنوات من الاستقلال ويبقى طموح الشعب بعد الثورة حسم الأسئلة الإستراتيجية الحارقة بعد الإطاحة بالطغيان وهذه الأسئلة تتعلق بالهوية وبالنمط المجتمعي وبالنظام التعليمي ،أسئلة ينبغي حسمها في ظل إطار من التوافق العام ودون إقصاء وفي ذات الوقت لابد من الحفاظ على الثوابت التي تشكل الهوية العامة للوطن حتى لا تستمر أزمة الهوية وتستفحل.

______________________________________________________________________________________________________

[i] من خطاب ألقاه الحبيب بورقيبة سنة 1973، ( مهدي المبروك، هل نحن أمة؟، دار البراق للنشر، تونس1989، ص31).

[ii] م. ن. ص65.

[iii] من خطاب للرئيس الحبيب بورقيبة، م. ن. ص66.

[iv] يورد لطفي حجي في كتابه بورقيبة والإسلام : الإمامة والزعامة ما قاله بورقيبة في إحدى الخطب مقارنا نفسه بالرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول ” إن الرسول اعتمد أسلوب العصا والجزرة وان الرسول الذي عاش في بيئة صحراوية رغب الناس في الأنهار والجواري ، والرسول كان أميا في حين إني استفدت من تراث الحضارة الإنسانية على امتداد أربعة عشر قرنا .. وأما ما قمت به إنا فكان من جهدي الخاص ومن استعمال ” المادة الشخمة ” في حين أن الرسول كان يأتيه الوحي” ( لطفي حجي ، بورقيبة والإسلام : الزعامة والإمامة ، دار الجنوب للنشر، تونس ص189).

[v] لمزيد المعلومات التفصيلية انظر كتاب ” التربية والتحديث في تونس ” تأليف نور الدين عرباوي، دار الصحوة للنشر والتوزيع، تونس 1990.

[vi] بعد رفض التونسيين الاستجابة لطلب بورقيبة الإفطار في رمضان يصف الصافي سعيد المشهد قائلا ” خاب أمل بورقيبة مرة أخرى في الشعب الذي أراد أن يقوده إلى الجنة بالسلاسل وقال لوزيره الأول الباهي الادغم “إن التونسيين يحبون السكن في الماضي” ( بورقيبة : سيرة شبه محرّمة، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، ط 1 ، نوفمبر 2000، ط1، ص229).

[vii] هي أول منظمة طلابية تأسست بتونس  سنة 1950 . قادت التحركات التي خاضها طلبة الجامع الأعظم وفروعه طيلة سنوات الاحتلال وخاضت نضالات من اجل إصلاح التعليم من خلال تطويره مع الحفاظ على مقومات الهوية ( من أشهرها إضراب دام 7 أشهر بين شهري أفريل ونوفمبر 1950 وهو أطول إضراب طلابي في تاريخ تونس )، وقدمت لجنة صوت الطالب الزيتوني شهداء في سبيل الله هما محمد الدهماني حمزة (المهدية) ومحمد بن بلقاسم المرزوقي من نفزاوة (مظاهرات 15 مارس 1954 ). تم حل لجنة صوت الطالب بعد الاستقلال مباشرة .ومن أبرز رموز صوت الطالب الزيتوني الشيخ محمد البدوي العامري الذي حُكم عليه بالإعدام زمن بورقيبة واضطر إلى مغادرة التراب التونسي وأيضا الشيخ عبد العزيز العكرمي الذي نفذ فيه بورقيبة حكم الإعدام بتهمة المشاركة في التخطيط لانقلاب سنة 1962.

[viii] تولى محمود المسعدي وزارة التربية القومية سنة 1958 وقام بتنفيذ برنامج لإصلاح التعليم تم بمقتضاه إلغاء التعليم الزيتوني وإعطاء التعليم العام صبغة علمانية واضحة خاصة مع اعتماد مشروع وضعه خبير فرنسي وعرف باسمه مشروع “جون دوبياس “.

[ix] تولى وزارة التربية والتعليم العالي والبحث العلمي بداية من سنة 1989 وقام بتنفيذ مشروع لهيكلة التعليم ركز فيه على إضفاء المزيد من العلمنة على البرامج التعليمية الرسمية والمعروف أن 

محمد الشرفي هو احد رموز تيار اليسار الماركسي بتونس



. كتبه. سمير محمد حمدي (باحث في الفكر السياسي – تونس)

mercredi 14 juillet 2021

«صباط الظلام» المكان الذي كان يروع فيه بورقيبة معارضيه


 




«صباط الظلام» المكان الذي كان يروع فيه بورقيبة معارضيه

المكان الذي كان يعذب فيه معارضوا النظام البورقيبى


في بيت قديم بـ «صباط الظلام» ، بنهج الباشا، بقلب المدينة العتيقة بالعاصمة، اخضع العديد من أنصار صالح بن يوسف إلى عمليات تعذيب وحشية قضى البعض منهم بسببها.

أكد السيد أحمد بن محمد بن امبارك بن نصير (شهر أحمد التلّيسي) أن كل ما قيل عن «صباط الظلام» عار من الصحة وقال في معرض شهادته التاريخية على منبر مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات أمس السبت «أتحدّى أيّا كان من السياسيين والمؤرخين أنّ يقدّموا اسما وحيدا لشخص تمّ قتله في «صباط الظلام».
ونفى المتحدث في شهادته أي دور لحسين العيّادي في فتح «صباط الظلام» وقال ان الرجل كان أول من اكتشف مؤامرة 1962 قبل حتى المخابرات والأمن وأكد التليسي ان «شعبة الديورات» هي التي فتحت «صباط الظلام» وكان من بينهم سعيد كعبورة وعلي ورق والطيب السحباني.
نعم عذّبت اليوسفيين
ولم ينف المتحدث وجود حالات تعذيب في «صباط الظلام» ولكن تم رفع ملفات كل الموقوفين الى المحكمة، وقال انه لم يقع جلب أي من الطلبة الزيتونيين بصفتهم تلك الى «صباط الظلام» الا من كان من اليوسفيين.
وأضاف التليسي «كنت أنا رئيس مركز يضمّ يوسفيين بـ»بير الطرّاز» (رادس) وكان في عهدتي 3 من اليوسفيين هم: محمد الزراع وعبد الستار بن الهاني ومحسن قديش وتم تقديمهم للمحاكمة بعد استكمال الابحاث معهم.
واعترف التليسي بجرأة كبيرة: «نعم أنا كنت من الناس الذين عذبوا اليوسفيين».
وحول أسباب ذلك قال: «هم كذلك حاولوا قتلي... وخططوا 10 مرات لاغتيالي... وحسن العيادي كذلك أعطى تعليماته باغتيالي لأنني بعت أسراره!! وخنت أمانته... وله الحق في ذلك!!!».
وتحدث التليسي مطولا عن الصراع البورقيبي اليوسفي وقال ان من أكبر أخطاء صالح بن يوسف أنه واجه بورقيبة وفرنسا ما تزال في تونس بالاضافة الى ارتمائه في أحضان القومية العربية.
أسلحة مصرية لليوسفيين
وأكد المتحدث حصول اليوسفيين على السلاح من مصر وقال انه استعمل في عمليات اغتيال وتصفية وقال انه عثر شخصيا على أسلحة مصرية جديدة لدى كل من عبد الوهاب البدوي وعلي بن البشير حاولوا بها قتله هو، كما أنهما بعثا عصابة في الوطن القبلي وقتلوا 3 أشخاص في سليمان.
وقال التليسي إنه عند بدء الخلاف البورقيبي اليوسفي لم يكن في العاصمة أي شخص بورقيبي وكانت كل الولاءات للأمانة العامة وعندما فرغ مقر الديوان السياسي جاء جماعة قصر هلال وبدأوا في العمل وهم من قتلوا علي اسماعيل السائق الشخصي لصالح بن يوسف.
وتحدث صاحب الشهادة عن مظاهر للتخويف والتهديد لليوسفيين منها مسألة «صباط الظلام» للترهيب وكذلك رسائل تهديد شديدة اللهجة تحت امضاء «اليد السوداء» وقد كتب هو شخصيا العديد منها.
وقال ان حسن العيادي اصبح زعيما لما جاءت اليوسفية وبدأت صراعها ضد اتفاقيات الحكم الذاتي وبعد قدوم مونداس فرانس.
وتحدث صاحب الشهادة مطولا عن سيرة الشيخ حسن العيادي ووطنيته الكبيرة وقال ان له مكاسب عديدة للدولة والمجتمع وكان من القادة الكبار في المقاومة وجاء الى تونس هارب من ملاحقة الفرنسيين له في جهة جبنيانة وكان يلاحقه علي بن البشير لفائدة الفرنسيين وكان الشيخ العيادي كتوما جدا. وتحدث التليسي عن المنجي سليم والطيب المهيري وقال انهما من كسّرا شوكة الشيخ العيادي وفي هذا الصدد، قال صاحب الشهادة: المنجي سليم كان يطلب الهدوء... ولكن حسن العيادي رفض ذلك وبتعليمات من بورقيبة مؤكدة...
سطو لتمويل المقاومة
وقال لقد تم تضييق الخناق عليه حتى على مستوى التمويل فاضطر الى تنظيم عملية سطو على خزينة معمل السميد بشارع الجمهورية، وكثرت العمليات ولم يكن المنجي سليم راضيا والعيادي كان يتلقى تعليماته من بورقيبة عن طريق وسيلة وسعيدة وكانت هناك ضربات كبيرة ضد المستعمر والخونة وعندها قرر المنجي سليم التخلص من الشيخ العيادي. وكانت هناك حرب بين مختار عطية (المنجي سليم واللجنة التنفيذية) وحسن العيادي (بورقيبة).
ولما دخل السجن بعث العيادي لصاحب الشهادة موصيا اياه بأن يكون تحت امرة البشير زرق العيون.
وتحدث صاحب الشهادة بإطناب عن حالة المؤامرات داخل الحزب (وحتى داخل الديوان السياسي نفسه) وتحدث كذلك عن بيع الأسرار وكيفية تصفية عدد من المقاومين أمثال الطيب الزلاق الذي كان دستوريا وفي هذا الصدد قال التليسي: «كل ثورة تصفي نفسها من الداخل» وقال: «الطيب المهيري وعلي معاوي والمنجي سليم كانوا كلهم من اليوسفيين!» وفنّد ما ذهب إليه علي معاوي من أن حسن العيادي هو الذي فتح «صبّاط الظلام» وأشار الى أن الحزب هو الذي فتحه الى جانب نادي «الدويرات» الذي تمّت فيه العديد من التصفيات ومظاهر التعذيب.
بعت أسرار العيادي
وقال انه باع أسرار العيادي لما كان هو في السجن.. وانتهى صاحب الشهادة الى التأكيد بأن ملف محاكمة حسن العيادي به كل التفاصيل ودقائق الأمور حول كل ما تمّ في تلك الفترة وتدقيقا حول المؤامرات التي حيكت بين المقاومين والثوار أنفسهم مشيرا الى أن إيقاف الشيخ حسن العيادي كان بقرار من الحزب.
وقال صاحب الشهادة: «العيادي أصدر تعليماته بقتل المحجوب بن علي وعند لقائي بمحجوب أخبرته بذلك فأعلم وسيلة التي بعثت للعيادي وهو في السجن لتوبيخه وعندما علم العيادي أصدر تعليماته باغتيالي حيث تمّت 10 مرات محاولة اغتيالي من اليوسفيين».
محاولة اغتيال بن صالح
كمــــــــا قال التلّيسي إن العيادي أذن باغتيال أحمد بن صالح لما كان أمينا عاما لاتحاد الشغل وأنه شخصيا علم بتفاصيل ذلك والتحق ببن صالح في مكتبه قريبا من الكوليزي بالعاصمة وأجبره على عدم مغادرة مكتبه لافشال مخطط الاغتيال وهو ما تمّ حيث اتصل بن صالح بالباهي الادغم لتأمين السلامة والأمن
صراعات حول حراسة بورقيبة
وحول تعيينه أول حارس شخصي لبورقيبة عند عودته في 1 جوان 1955 قال التليسي ان ذلك تم عن طريق البشير زرق العيون الذي تعرّف عليه في فترة سابقة في باب الفلة حيث كان للبشير متجر للمواد الغذائية.. وقال : «الفرنسيون كانوا في خوف على حياة بورقيبة ولهم معطيات دقيقة عن الوضع وبورقيبة قال لهم نسّقوا مسألة الحراسة مع زرق العيون الذي كان يذهب الى مقر المقيم الفرنسي لتنسيق ذلك... وتم الاتفاق معهم على ان اكون أنا الحارس الشخصي لبورقيبة وكنتُ فعلا انا الوحيد معه وزوجته في الشقة التي نزل بها عند عودته (شقة ابنه الحبيب بورقيبة الابن) في حين كان البقية ومن بينهم محجوب بن علي في الشارع..
وتحدث التليسي عن اجتماع «جامع قرمطو» حيث تم توزيع مهام الحراسة بمناسبة عودة الزعيم بورقيبة، حيث كلف هو وأحمد نعمان وشخص ثالث بالحراسة في «رحبة الغنم» في حين أسندت الحراسة في الميناء إلى «محجوب بن علي» ولكن سرعان ما تغيّرت الأمور حيث كان هناك مخطط لإلغاء حراسة البشير زرق العيون وتعويضها بحراسة للثنائي المحجوب بن علي والطيّب المهيري وحدث أول صراع حول حراسة بورقيبة وقال المتحدث انه كان بصدد القيام بالحراسة لما جاءته مجموعة وانهالوا عليه بالضرب وافتكّوا سلاحه وتم نقله الى المستشفى في إطار إفشال حراسة زرق العيون وقال ان بورقيبة قال له لاحقا «اذهب عند مفيدة»!!
وتحدّث كذلك عن محاولة لاغتيال البشير زرق العيون وتصفيته من الحزب ولكنها فشلت حيث ثم تأهيل علي صنديد للمهمة وهو مساعد المحجوب بن علي بتعلّة ان زرق العيون يتعاون مع المقيم الفرنسي ولكن الشخص كشف كل شيء لزرق العيون عندما سمع بنفسه حديثا بين بورقيبة وزرق العيون حول الاتصالات مع المقيم العام الفرنسي.. وفشل مخطط الاغتيال..
وذكر صاحب الشهادة تفاصيل أخرى وأشار إلى أن «الجرابة» (أهالي جربة) هم أكثر من خدموا المقاومة وأن وشايات من تونسيين للفرنسيين أشارت إلى أنه إذا رغبت فرنسا في تصفية الوطن القبلي فعليها بـ»تازركة» وقال التليسي ان وحيد المسعدي كان رجلا عظيما ويفوق شقيقه محمود بكثير من الخصال.
ومن المعلومات التي أوردها صاحب الشهادة:
ـ بلقاسم المطوي هو الذي «باع» الجماعة التي كانت تتحول من منوبة إلى العاصمة.
ـ تم وضــــــع كل العمليات واسنادها إلى ساسي الأسود وذلك للتخفيف على المقاومة التي كانت تنطلق من جبل برقو وكان هناك شخص اسمه عبد الصمد هو الذي نفخ في صورة الساسي الأسود.
ـ أدعو المؤرخين إلى ضرورة إيلاء الدور الكبير الذي قامت به كل من خديجة الطبال وشاذلية بوزقرو في المقاومة.
ـ تصفية الخونة من العمد والمتعاملين مع فرنسا انطلقت من الساحل.
ـ العديد من المناضلين والمقاومين من داخل الجمهورية وقع تناسي وتجاهل دورهم الكبير في المقاومة في مقابل الجهات الساحلية وصفاقس.
تفاعلا مع شهادات التليسي :
شهود العصر يؤكدون حصول قتل وتعذيب ب " صباط الظلام "
" التليسي لم يكن أول حارس شخصي للزعيم بورقيبة "
تونس - الصباح : أثار المقال الذي نشرته " الصباح " حول الشهادة التاريخية التي أدلى بها السيد أحمد بن نصير ( التليسي ) ردود فعل كثيرة ... حيث اتصل بنا عدد من المناضلين لتفنيد بعض أقواله المتعلقة خاصة بكونه أول حارس شخصي للزعيم بورقيبة .. وبتبرئة " صباط الظلام " من جرائم القتل والتعذيب . وفي هذا الصدد أفادنا المناضل علي المعاوية أن التليسي " لم يكن أول حارس شخصي للزعيم بورقيبة كما قال .. لأن الجميع يعرفون أن الحارس الشخصي الأول لبورقيبة هو محجوب بن علي " ..
وذكر السيد مختار بن سعد المعروف بالمختار الحامي وهو رئيس لجنة المقاومين ببن عروس أن التليسي لم يكن أول حارس شخصي للزعيم .. وقال " لقد كنت شاهدا على نزول الزعيم بورقيبة من الباخرة في حلق الوادي يوم غرة جوان 1955 عائدا إلى تونس .. وأذكر أنه كان في انتظاره عديد المجموعات وهي مجموعة محجوب بن علي والطيب المهيري ومجموعة حسن بن عبد العزيز للحراسة ومجموعة البشير زرق العيون ومجموعة العاصمة وأحوازها وحتى من اطارات الاتحاد العام للشغل وفي مقدمتهم البشير بلاغة وغيرهم . "
وأضاف " عندما استقر بورقيبة بمحل سكناه بمعقل الزعيم في رحبة الغنم كان الذين يحرسونه ويحرسون محل سكناه مجموعة تتركب من عدد من المقاومين هم علي الصنديد وعلي الصغير وعامر كلاتوس وبعض أفراد من مجموعة محجوب بن علي وكان هذا في البداية لأنه لم تكن هناك شرطة .. وكان بورقيبة عندما يزور بعض المدن يذهب معه العديد من المناضلين .. وكان في حراسته في احدى زياراته إلى الوطن القبلي الحبيب الدوقي وقد أطلق عليه أحد عناصر المعارضة النار وقتله .. أي أنه في تلك الفترة لم تكن هناك رتب .. ولا نعرف حارسا أول أو ثانيا أو ثالثا . "
وذكر المختار بن سعد أنه " في سنة 1956 تكونت الحكومة الوطنية وبعث وزير الداخلية الطيب المهيري فرقة بادارة الأمن تعرف بفرقة صيانة رئيس الدولة والشخصيات الرسمية وهي تتكون من مفتشين ورئيس فرقة وكان المحافظ في البداية علي مراد ، وتلاه المحافظ عمران بوخشبة .
" صباط الظلام "
بالإضافة إلى تفنيدهم لأقوال أحمد التليسي المتمثلة في أنه أول حارس شخصي للزعيم بورقيبة ... أكد من تحدث ل " الصباح " حصول جرائم قتل في " صباط الظلام " إلى جانب عمليات التعذيب وبينوا أن الشيخ حسن العيادي وعصابته قتلوا سعيد دبيش والمختار عطية وحسن الحامي وكان هذا الأخير مقاوما في برقو .. كما أنهم ابتزوا العديد من الفلاحين الكبار بسليانة وكان هؤلاء ينفقون بسخاء على المقاومين لما كانوا يرابطون في جبل برقو ويسلمون العيادي أموالا طائلة .. لكن بعد المفاوضات وتسليم السلاح .. واصل الشيخ حسن العيادي وأفراد عصابته طلب المال .. وأصبح الكل يخشاهم فهم على استعداد لقتل أي كان بمقابل ، في صورة التشكيك في أنه يوسفي .
فبمجرد أن يشي أحد الأجوار بجاره بدافع الغيرة أو التنافس على الملكية ينقضون عليه ..
وفي هذا الصدد قال المناضل عبد الستار الهاني وهو زيتوني أصيل سليانة " لقد ساهمت عائلتي مساهمة كبيرة في تموين المقاومين زمن الثورة .. ولكن لاحظنا أن الشيخ العيادي في كل مرة يطلب المزيد .. حتى أنه طلب مرة مقابلتي في مقهى باب الجزيرة بالعاصمة فذهبت إليه ووجدت معه ستة أنفار وكانوا يخفون أسلحتهم تحت جبابهم وسألني يومها على " حمتين " وهو فلاح كبير من سليانة ويقيم بالمرسى واسمه الحقيقي محمد الأخضر بن عطية وذكر أنه يرغب في أن يحصل منه على مبلغ قدره 400 دينارا لاقتناء سيارة .. فأخبرته أنني لا أعرف أين يقيم ونصحته بأن يذهب إلى سليانة فهناك يوجد ابنه الهادي وهو يقيم بالربع قرب برقو وبالامكان أن يساعده .. "
وأضاف الهاني " لقد ساورنا الشك في أن العيادي أصبح يبتزنا لكننا استمرينا في مساعدته وتموينه واعطائه ما يطلب من المال إلى غاية تسليم السلاح .. " وكنا قد التزمنا معه في بداية أيام المقاومة بتموينه .. فقد دعوته بعد أن جاء إلى برقو إلى بيتي وأعطيته قائمة بأسماء من يمكنهم أن يمونوه من أثرياء سليانة بتوصية مني .. "
وقال المناضل عبد الستار الهاني ناشدا من شعره الذي كتبه حول المقاومة :
أحسست المطامع طوقتني
ولم يك منجدي إلا ذكائي
فقلت له أيا حسنا تريث
ودعك من الصرامة والجفاء
وقد تنل الكثير بلا مراء
وتشعر أنه خير العطاء
وذكر الهاني أنه بعد المفاوضات وتسليم السلاح رجع العيادي وبعض من أفراد عصابته إلى العاصمة ونشطوا في " صباط الظلام " وكانت لهم أطماع في الحصول على تسميات في الشرطة لكن المنجي سليم والطيب المهيري كانا للعيادي وجماعته بالمرصاد فأصبح العيادي يبحث عن موارد الرزق بنفسه وكان يذهب من حين إلى آخر إلى الفلاحين بسليانة ويأخذ منهم كميات وفيرة من القمح .
وكان العيادي قد تخاصم مع المختار عطية وقتله الأمر الذي أثار انتقام الطيب المهيري والمنجي سليم فحرماه من التمويل .
وعن سؤال يتعلق بما كان يحدث في " صباط الظلام " أجاب عبد الستار الهاني وقد ذكر التليسي اسمه في شهادته التاريخية .. أنه أمضى ثلاثة أيام في " صباط الظلام " وشاهد وقتها ألوانا من التعذيب والرعب في ذلك المكان المظلم .. وقال " أنا لم يعذبوني هناك .. لكنني شاهدت جماعة حسن العيادي يجلون أناسا وقد بدت عليهم آثار التعذيب .. وسمعت الكثير من الصراخ والأنين .. لقد بقيت مدة قصيرة في هذا المكان وكان معي فيه محمد الزراع والحفناوي عطية وسعيد دبيش .. "
ما كان مصير سعيد دبيش ؟ عن هذا السؤال ، وهو نفس السؤال الذي طرحه المؤرخ محمد ضيف الله على أحمد التليسي فأجابه لا يعرف .. قال الهاني " لقد قتله العيادي " وبين أن " رجلا يدعى ابراهيم وشى به للعيادي .. فقام هذا الأخير بقتله . "
وأضاف " بعد أن دخلت " صباط الظلام " .. حملوني إلى بئر التراز برادس ووجدت هناك أحمد بن نصير ( التليسي ) فقد كان يشرف على هذا المكان الذي يتألف من غرفتين أحداهما فيها مكتب يجلس فيه الشيخ العيادي عندما يأتي لمحاكمة الموقوفين .. وقد عشت الكثير من الرعب لأني كنت أسمع دائما الصراخ جراء الضرب والصفع والجلد وصادف أن رأيت أحد أبناء سليانة وكان شخصية مرموقة في الجهة لكنه أهين وضرب وجلد وسمعت صراخه .. لقد اتهموه ب " اليوسفية " ..
وأضاف الهاني وقد بدا عليه التأثر وهو يتنهد " كنا في بئر التراز ننام على الجليز لأنه لم يكن هناك فراش .. لقد ذقنا المر .. لهذا قال لي العيادي أنه حبسني لحمايتي من أحد أعوانه المتمردين عليه فهو يخطط لقتلي .
وذكر متحدثا عن التليسي " كيف ينكر التليسي عمليات التعذيب في بئر التراز .. لقد كان يمارس علينا الرعب .. وأذكر أنه ذات مرة كان بصدد تنظيف سلاحه وكنت أنا ومحمد الزراع جالسين قربه ومتكئين على الحائط .. فتحرك الزراع قليلا الى اليمين وفعلت نفس الشيء وبعد ثوان سمعنا طلقا ناريا مدويا وانطلقت رصاصة في اتجاه نفس المكان الذي كنا متكئين عليه . "
تحذير
تعقيبا على ما قاله التليسي من أنه يتحدى أيا كان من السياسيين والمؤرخين بان يقدموا دليلا على قتل أي أحد في " صباط الظلام " ..
قال مختار بن سعد " من خلال مسؤولياتي على لجنة الرعاية بتونس العاصمة وأحوازها في الخمسينات أنفي هذه الأقوال . "
وذكر أن الحزب ورغبة في توفير الأمن داخل البلاد قبل الاستقلال للحد من الفوضى والابتزاز والتهريب والقتل قرر بعث لجان رعاية تتكون من مناضلين وشباب دستوري وذلك منذ أفريل 1955.
وأضاف " في هذا الاطار انتقل الشيخ حسن العيادي وجماعته الى " صباط الظلام " وأذكر أنه كان معه الطاهر بوطارة من الحامة وشخص آخر يدعى العيادي داوود من الوطن القبلي وآخر اسمه المحواشي من الشمال الغربي .. وأمر العيادي جماعته في البداية بالهجوم على مصنع السميد والسطو على خزينته وبالسطو على مصاغات اليهود وبالسطو على أموال التجار .. والغريب في الأمر أن التليسي يقول ان العيادي كان ينفذ أوامر بورقيبة لدعم المقاومة .. والزعيم بريء من هذه الأعمال الاجرامية وحذرنا العيادي من عاقبة اعماله .. فانتهج أسلوبا آخر وهو اختطاف أناس ميسورين لابتزاز أموالهم بتهمة الخيانة واليوسفية والقتل لتصفية الحسابات .
وعن عمليات القتل التي حدثت في " صباط الظلام " قال مختار بن سعيد أن التليسي قال " اسألوا عبد الستار الهاني الذي كلفني الشيخ العيادي بحراسته فهو يعرف الحقيقة " .. فعن أي حقيقة يتحدث .. لماذا لم يذكر اسم سعيد دبيش لقد قتل في " صباط الظلام " .. ورغم مساعي زوجته للحصول على جثته فإنها لم تفلح .. واختفت الجثة إلى يوم الناس هذا .. وأرى أن العيادي لم يقتل عبد الستار الهاني لأنه لن يصدقه أي أحد إذا اتهم الهاني بالخيانة لأن الهاني كان مناضلا كبيرا مع المرحوم علي البلهوان وكان يناضل سواء في الحزب أو في الكتلة الزيتونية وصوت الطالب .. وعند اندلاع معركة التحرير سنة 1958 هو من دعم حسن العيادي وجماعته من المقاومين بجبل برقو بماله الخاص أو بجمع مال أثرياء سليانة .
لقد حجزه العيادي إذن لابتزاز ماله إذ أنهم حملوه بعد اخراجه من بئر التراز الذي أمضى فيه 11 يوما إلى منزل علي بن سالم شهر " علي البوليس " بمنوبة وهناك وجد الهاني صهره عبد الستار بن عبد الملك وشقيقه فدفعا لجماعة العيادي 250 ألف فرنك مقابل اطلاق سراحه .
وفي نفس الصدد أكد المناضل عبد الستار الهاني ما جاء على لسان المختار بن سعد .
وأضاف بن سعد أن عصابة الشيخ العيادي استمرت في نشاطها من ربيع 1955 الى جانفي 1956 .. اذ أصبح الحزب أقوى وتصدى لها ثم جاء الاستقلال وتم تكوين الشرطة والحرس والجيش وذابت العصابة وتشتت أفرادها .
وذكر أن التليسي قال " ان العيادي أكبر قادة المقاومة وزعيمهم .. نعم لا أنكر أن للعيادي حسنات ولكن هذا لا يمنع من أن عديد القادة شيدوا جبالا من الحسنات .. لكنهم ارتكبوا أخطاء فهدموا كل ما بنوه ولم يعد التاريخ يذكرهم .. وهذا ما جناه حسن العيادي على نفسه . "

وقال بن سعد معقبا على شهادة التليسي " أراك تعترف باقتراف عمليات تعذيب اليوسفيين .. وهذا يعاقب عليه القانون . "
هذه إذن بعض الشهادات التي قدمها قراء " الصباح " الشاهدون على العصر تعقيبا على شهادة أحمد التليسي وقد رأينا اطلاعكم عليها تعميما للفائدة .
جريدة " الصباح " 16 جويلية 2009 - سعيدة بوهلال