jeudi 15 juillet 2021

القومية والاسلام الدكتور عصمت سيف الدولة


 

القومية والاسلام :


 

الاسلام دين مشترك بين كثير من الأمم والشعوب والجماعات الانسانية . وهكذا يقع تحديد العلاقة بين القومية والاسلام في نطاق علاقة الأمة بالمجتمعات الانسانية خارجها . وكثيراً ما طرحت الرابطة الاسلامية كبديل عن القومية . وهو خطأ جسيم راجع إلى قصور مضاعف في المعرفة الصحيحة بالاسلام وبالقومية كليهما.

فالاسلام دين ولكنه متفرد بمميزات خاصة مثله في هذا كمثل أي دين آخر . وقد عرفنا أن كل أمة معينة تنفرد بمميزات خاصة مثلها كمثل أية أمة أخرى . فالبحث في ” الرابطة الاسلامية ” وعلاقتها بالقومية على ضوء نظرية مجردة في الدين إطلاقاً أو في الأمم إطلاقاً أول خطأ يقع فيه الباحثون ، لأنه يتجاهل خصائص كل دين وخصائص كل أمة . وقد أدى هذا إلى خطأ أكثر جسامة ذلك هو تجاهل العلاقة التاريخية ” الخاصة ” بين الاسلام والأمة العربية . وهي علاقة لا مثيل لها – فيما نعرف من تاريخ الأديان والأمم – بين أي دين وأية أمة .

في الأصل كان ” الدين ” عنصراً من عناصر التكوينات الاجتماعية المختلفة التي كانت وحدة   ” الأصل ” محور تكوينها ” الأسر والعشائر والقبائل ” . وانقلب الأجداد الذين ماتوا إلى آلهة يعبدهم نسلهم من الأحياء ، ويتميزون بهم عن ذوي ” الأجداد – الآلهة ” الأخرى . ثم استقر “الإله” رمزاً مميزاً لكل قبيلة . فكان لكل قبيلة ” الهها ” الخاص ، تختاره طبقاً لظروفها الخاصة وتعبده طبقاً لتقاليدها الخاصة ، وتلتمس منه العون في تحقيق مصيرها الخاص . وإن تعددت مشكلاتها لم يكن ثمة ما يمنع أن تكون لكل قبيلة أو مجتمع صغير مجموعة كبيرة من الآلهة يختص كل منها باسداء العون لعباده في واحدة من تلك المشكلات : الحب ، الحرب ، الزرع ، الملاحة .. الخ .

ولكنها حتى وهي مجموعة ” خاصة ” كانت تقوم بالوظيفة المشتركة للآلهة في المجتمعات القبلية وما دونها : رمز يجسد الوجود الاجتماعي المستقل لكل جماعة ويميزها عن غيرها . وكل هذا لايزال قائماً في المجتمعات البدائية والقبلية المعاصرة … ثم جاء الاسلام متميزاً قبل كل شيء بالتوحيد  .( لا إله إلا الله  لاشريك له  .  لم يلد ولم يولد . ) وكان هذا رفضاً اسلامياً قاطعاً لقيام الدين مميزاً للمجتمعات الانسانية بعضها عن بعض لأنه رفض قاطع لاختصاص كل جماعة من الناس بدين خاص يميزهم عن غيرهم . ولم يكن ” التوحيد ” ليكتمل إلا إذا قدّم الاسلام ذاته إلى كل الجماعات الانسانية كبديل مشترك ، ووحيد عن اديانها المتعددة . إن الدين عند الله الاسلام . وهكذا جاء الاسلام – كما هو – خطاباً للناس كافة . لكل البشر في كل زمان وفي كل مكان . نقول الاسلام ” كما هو ” احتكاماً للاسلام ذاته . وحكمه في هذا ملزم للمسلمين الذين يقفون من القومية موقفاً مضاداً باسم الاسلام . ومضمون الحكم أن الاسلام في جوهره دين ” وحدة انسانية ” ومما يتنافى مع جوهره هذا أن يكون ديناً “خاصاً ” بجماعة أو جماعات انسانية دون البشر أجمعين .

وليس للمسلم أن يكون له إله كإله بني إسرائيل . ومن هنا ندرك كم هو جسيم ذلك الخطأ الذي يقع فيه بعض المسلمين عندما يدعون إلى ” مجتمع إسلامي ” مقصور على المسلمين ومحدد لعلاقتهم بغيرهم من المجتمعات . وينسون أن مثل هذه الرابطة ان كانت قد تجمع بين المجتمعات المسلمة فإنها – في الوقت ذاته – تعزل الاسلام عن باقي البشر وتحيله الى دين “خاص ” ببعض الناس وهو للناس كافة . ان هذا ” الاستئثار ” بالاسلام مميزاً لبعض المجتمعات الانسانية ليس من الاسلام في شيء بل هو يتنافى – قطعاً – مع طبيعة الاسلام كدين لكل بني الانسان بدون تمييز والذين يقدّمون الاسلام بديلاً عن ” القومية ” ينزلون بالاسلام من مكانه فوق الأمم جميعاً ليحصروه في أمة أو في بعض الأمم ، وهو رابطة انسانية ولا يمكن أن يكون أقل من رابطة إنسانية ، وبالتالي لا يقع على مستوى واحد من القومية فيكون بديلاً عنها أو تكون بديلة عنه ، بل هو يجاوزها إلى المجتمع الانساني كله الذي يشمل كل الأمم والشعوب والجماعات .

غير أن الاسلام لم يكن ديناً فحسب ، بل كان ثورة اجتماعية ذات مضامين حضارية . وتلك هي إحدى خصائصه المميزة . وهي هي التي أنشأت بينه وبين الأمة العربية علاقة تاريخية متميزة. ذلك ان الاسلام كثورة اجتماعية قد لعب دوراً أساسياً في تكوين الأمة العربية .

ففي خلال أحقاب طويلة من الهجرة والصراع سابقة على ثورة الاسلام كانت قد استقرت مجتمعات قبلية متجاورة في رقعة من الأرض التي يحصرها من الشمال البحر الأبيض المتوسط وجبال طوروس ، ومن الشرق إيران والخليج العربي ، ومن الجنوب المحيط الهندي فهضبة الحبشة فالصحراء الأفريقية الكبرى ، ومن الغرب المحيط الأطلسي . وكانت تلك المجتمعات القبلية متميزة بعضها بما ورثته عن العهد القبلي أي بالأصل الخاص واللغة الخاصة وبتراث خاص من الثقافة والعقائد والتقاليد والطور الحضاري . وعندما استقرت كل منها في مكانها اصبحت شعوباً ودخلت كل منها منفردة – مرحلة التكوين القومي . ولو طال بها الاستقرار لتطورت أمماً متميزة . غير أن الاستقرار لم يطل بأية جماعة منها حتى تكوّن أمة . ولم يطل بها جميعاً حتى تتكون أمماً متجاورة . فقد اجتاحتها موجات متعاقبة كاسحة من الغزو الخارجي إما من وسط آسيا أو من وسط أفريقيا أو من أوروبا . كما أن موجات الهجرة الداخلية – السلمية والمقاتلة – لم تنقطع عابرة بها ومستقرة فيها وكانت فترات الغزو تعطل نموّها وتعوق تكونها القومي بما تسببه من انقطاع في اختصاص كل شعب بأرض معينة ، وما ان ينحسر الغزاة ، أو يستقروا ، لينشط التكوين القومي حتى تدهمها كلها أو بعضها – موجة غازية أخرى . واستمر هذا الوضع : فترات من الاستقرار فالاضطراب فالغزو بالاحتلال ، تحبس نمو تلك الشعوب والجماعات عن اكتمال الوجود القومي حتى ظهر الاسلام ثورة : فكرية واجتماعية معاً .

وعندما ظهر الاسلام لم تكن أية جماعة من تلك الجماعات قد تكونت أمة ، وإن كان أغلبها في طور التكوين . فقد كانت السيطرة الفارسية والاغريقية والرومانية قد عطلت نمو كل الجماعات التي تقيم في النصف الشمالي من تلك المنطقة الجغرافية ، التي لم تكن ، تحت السيطرة ، أكثر من مجتمعات من العبيد لا يختصون بأرضهم دون سادتهم ولا يتفاعلون معها أو فيما بينهم تفاعلاً حراً . وكانت الجماعات الأخرى في قلب الجزيرة العربية أو مشارف صحراء أفريقيا ما تزال في مرحلة قبلية متخلفة . وقد بدأ المسلمون بناء تاريخهم من أكثر البقاع تحرراً من السيطرة الأجنبية أي أكثرها قابلية للتطور والنمو . وقد وفر الاسلام للمجتمعات القبلية المستقرة في وسط الجزيرة العربية ، رابطة اجتماعية مشتركة تجاوزت بها التمييز القبلي ودخلت بها طور التكوين القومي . وجمعت مشكلة نشر الدعوة الاسلامية تلك القبائل في نواة قومية اندفعت غازية ما جاورها من قبائل وأقاليم وأمم . وعندما توقف المد الاسلامي كان قد ضم إليه مجتمعات مختلفة في درجة تكوينها الاجتماعي . كانت منها أمم أدركها الاسلام وهي مكتملة التكوين مثل فارس . وكانت من بينها جماعات ومجتمعات وشعوب ماتزال في طور التكوين لم تستو أمماً . وقد كان أثر الاسلام بالنسبة الى كل من تلك المجتمعات مختلفاً .

فالأمم التي أدركها الاسلام وقد اكتمل وجودها القومي كان الاسلام بالنسبة إليها إضافة إلى حضارتها القومية ولكنه لم يلغ وجودها القومي فظلت أمماً مسلمة . أما المجتمعات التي أدركها الإسلام وهي في الطور القبلي أو وهي شعوب في طور التكوين القومي لم تصبح أمماً بعد ، فقد أكمل الاسلام تكوينها أمة واحدة . أزال الحواجز فيما بينها ووفر لها الأمن الكافي لتتفاعل وتلتحم فتصبح شعباً واحداً ، وقدم لها اللغة الواحدة فتجاوزت العزلة التي تسبق وحدة اللغة ، وحصرها في نظام اجتماعي واحد فوّحد في اسلوب حياتها ، ثم رفع عنها العبودية فالتقت على أرضها المشتركة تتفاعل معها تفاعلاً حراً . وهكذا صنعت في ظله تاريخها الواحد .. فأصبحت بهذا كله أمة عربية واحدة .

بهذا تميزت الأمة العربية عن الأمم الأخرى المسلمة . تميزت باللغة العربية ( لغة القرآن ) عن الأمة الفارسية والأمة التركية والأمة الأفغانية .. الخ حتى عندما كانت دولة الاسلام تشملها جميعاً . وتميزت بوحدة الأرض التي امتدت إلى حدود فارس وحدود تركيا وحدود اسبانيا وحصرتها الصحراء والبحار من الجهات الأخرى حتى عندما كانت تلك الأرض ومعها فارس وتركيا واسبانيا والصحراء ذاتها أجزاء من دولة المسلمين . وصنعت من أرضها ، وبلغتها ، أنماطاً من الفكر والمذاهب ، والتقاليد والحضارة كانت ” تراثاً ” عربياً خالصاً حتى عندما كان الاسلام يطبع حضارتها وحضارات أمم أخرى بطابع اسلامي متميز . ولن نلبث أن نرى أثر هذا عندما تتفكك الدولة الاسلامية فيسفر العالم الاسلامي عن تلك الأمم التي دخلها الاسلام وهي أمم مكتملة التكوين فإذا بها هي هي كما كانت أمماً متميزة بلغتها الخاصة وحضارتها القومية الخاصة وإن كان الاسلام قد أضاف إليها ( الحروف العربية في لغة فارس وتركيا مثلاً ) . ولكنه يسفر عن تلك الجماعات والمجتمعات والشعوب العربية ، التي كان لكل منها لغة خاصة وثقافة خاصة عندما دخلها الاسلام لأول مرة ، فإذا بها شعب واحد يعيش على أرض خاصة ومشتركة ولغة واحدة وثقافة واحدة ، إذا بها قد اكتملت في خلال القرون التي قضتها معاً في ظل الاسلام أمة عربية واحدة .

تلك هي العلاقة التاريخية ” الخاصة ” بين الاسلام والأمة العربية . وهي علاقة جدلية ، انتهت إلى خلق جديد . فكانت الأمة العربية ثمرة تفاعل الاسلام مع تلك الشعوب والمجتمعات والجماعات ، وتفاعلها فيما بينها في ظل الاسلام وحمايته ، تفاعلاً انتهى إلى أن تكون شعباً عربياً واحداً بدلاً من شعوب متفرقة ، ووطناً عربياً واحداً بدلاً من أقاليم متعددة . واستمدت اسمها من تلك النواة التي بدأ بها التكوين القومي في الجزيرة العربية ، وحملت راية الاسلام إلى باقي الوطن العربي ، وقادت حركة التفاعل الخلاق الذي انتهى إلى أن نكون كما نحن أمة عربية . وما كان هذا ليحدث لولا إلتقاء أمرين في مرحلة تاريخية واحدة : الاسلام كثورة حضارية قادرة على التطوير والخلق ، والشعوب التي لم تكتمل أمماً فهي قابلة لأن تتطور وتخلق من جديد . ولم يكن أي الأمرين بمفرده بقادر على ان يخلق ” الأمة العربية ” وهكذا أسهم الاسلام في تكوين الأمة العربية . ولكن عندما تكونت كانت وجوداً ذا خصائص متميزة عن العناصر التي التحمت معها فكونتها . فهي ” أمة عربية ” وليست جماعة مسلمة من ناحية . وهي أمة عربية وليست امتداداً نامياً لأي شعب من الشعوب التي كانت من قبل ولا حتى لتلك النواة التي بدأت بها مرحلة التكوين القومي منذ ثلاثة عشر قرناً في قلب الجزيرة العربية .

يتضح من هذا أنه لايمكن الاحتجاج بالاسلام لانكار الوجود القومي العربي ، أو الاستناد إليه في موقف مضاد للقومية العربية إلا إذا انكرنا على الاسلام مضمونه الثوري الحضاري الذي اسهم في تكوين الأمة العربية . ومن ناحية أخرى لايمكن اسناد الوجود القومي العربي إلى الاسلام وحده لأن الأمة العربية كانت ثمرة تفاعل حضاري اسهمت فيه كل الشعوب والجماعات السابقة على دخول الاسلام ، وفي ظله، بكل من فيها من مسلمين وغير مسلمين .

 

الاستبداد وقضايا الهوية في تونس سمير محمد حمدي





انفجر سؤال الهوية من جديد إثر نجاح الثورة التونسية (يناير 2011) في إطاحة نظام الاستبداد وفتحها المجال للحريات. ورغم مرور عقود على الاستقلال ظل سؤال من نحن؟ ينتظر إجابة ممكنة، وما كشف حدة الصراع وتجذّره في الوعي السياسي التونسي هو ما يجري اليوم من نقاشات ومساجلات حول تغيير بعض التشريعات الإسلامية حيث تصر بعض الفئات الأقل عددا والأعلى صوتا على رفض الإسلام كمكوّن مركزي لهوية الدولة في تونس فما بالك أن يكون مصدرا للتشريع، وليس هذا النقاش غريبا في ذاته وإنما يعود هذا النمط من الصراع إلى ما يمكن تسميته بفشل التحديث القسري الذي عمدت إليه الدولة منذ عقود ضدا لهوية الشعب ومقدساته. وكان لهذا التوجه ركائز إيديولوجية منوعة قد لا ترقى إلى مستوى فلسفة نظرية بقدر ما هي ممارسة سياسية وضع جذورها الحبيب بورقيبة باعتباره من حاول ترسيخ تصور معين للحداثة بوصفها قطيعة مطلقة مع ماضيها الحضاري والثقافي ومحاولة لتبيئة قراءة غربية لنمط التحول الاجتماعي ولكن وخلافا للنموذج الغربي الذي جاء في سياق تطور طبيعي كانت المحاولة البورقيبية تتنزل ضمن سياسة قسرية منتزعة من سياقاتها الحضارية والثقافية. فكيف تتحدد أهم ملامح هذا التحديث البورقيبي القسري وما هي انعكاساته الثقافية والسياسية على المجتمع والدولة و ما هو مستقبل حضوره بين الفئات الشعبية المختلفة في ظل ديمقراطية ما بعد الثورة ؟

يمكن اختزال أهم ملامح التحديث القسري البورقيبي في جملة من العناوين العامة التي قد لا يسمح ضيق المجال لتفصيلها ويمكن اختصارها في ما يلي :

أولا : مقولة الأمة التونسية : ركز بورقيبة بعد الاستقلال وانفراده بالحكم على محاولة إرساء نموذج لأمة تونسية ذات فرادة وخصوصية تأسيا بالمفهوم الغربي لمعنى الأمة التي تجمع بين الانتماء القومي والوحدة السياسية في ظل دولة واحدة وبالرغم أن هذا المفهوم تمت مجاوزته في الفكر الغربي غير أن بورقيبة حاول أن يركز على ما يسميه الخصوصية التونسية باحثا عن حوادث تاريخية مجتزئة لتزكية تصوره العام لمعنى الأمة حيث يقول في أحد خطاباته ” تونس منذ أقدم العصور .. كانت دائما شديدة الحفاظ على شخصيتها حتى في العهود التي تُفرض عليها لغة جديدة وتٌحمل على اعتناق دين الدخلاء“[i]. وربما الخطير في ما فعله بورقيبة أنه لم يكن مُنظّرا أو كاتبا وإنما رجل سياسة ذا حكم مطلق حاول أن يضع معتقداته الغير ممنهجة موضع التنفيذ ولعل هذا ما يفسر تراجعاته عن قرارات اتخذها وإقدامه على خطوات كان أثرها سلبيا على المجتمع أكثر مما هي نافعة لوحدة الشعب ذاته فقرار إلغاء الصوم  أو محاولة تحويل وجهة الحج  أو السخرية من المقدسات وتحويلها إلى مادة فلكلورية كانت إجراءات في سبيل ضرب المشترك الديني مع باقي أجزاء الأمة العربية والإسلامية وفي ذات الوقت ترسيخ علمانية الدولة التي أصبحت المقدس الجديد في ظل بورقيبة من خلال رفع شعار هيبة الدولة أولا،” فالدولة تتجاوز كونها مؤسسة سياسية لتصبح في التحامها بالأمة عائلة تسودها علاقات عائلية روحية وجب زرعها في أفراد كل الأمة عند ذلك يصبح الرأي المخالف معصية باعتباره عقوقا وتجاوزا للأخلاق والأدب“[ii] وخروجا عن طاعة الأب صاحب الفضل على شعب لم يكن قبل مجيء الزعيم سوى “غبارا من الأفراد”.

ثانيا: تكريس عبادة الزعيم : لقد اقترنت محاولة التحديث البورقيبي بفكرة عبادة الشخصية وبناء نوع من البطريركية السياسية التي تحوّل معها “الزعيم الملهم” و”المجاهد الأكبر” و”سيد الأسياد” إلى أب كل الأمة وهو ما يكشف عن تقمص تام للأتاتوركية { أتاتورك /أب الأتراك ، بورقيبة / أب التونسيين} من جهة وإلى هيمنة عقلية الطاغية الذي يغير كل الأشياء بإرادة شبه إلهية ( النموذج الفرعوني في الحكم ” أنا ربكم الأعلى”). فقد كان بورقيبة يؤكد على قيمة الخطاب الذي يوجهه للشعب بوصفه يرتقي إلى مرتبة أعلى من الخطاب العادي (في محاولة للتماهي مع الوحي المقدس ) فإذا كان القرءان الكريم ( الوحي الإلهي ) قد صنع امة فإن الخطاب البورقيبي قد صنع بدوره أمة “ تعرفون طريقتي الخاصة في الكلام ، تلك الطريقة التي كان لها الفضل في تكوين أمة كاملة “[iii]، هذا الوهم  جعله يضع نفسه في مقام يساوي أو يفوق الأنبياء[iv] ولكنه نبي علماني يملك قدرات عقلية فذة تمكنه من تشكيل شعبه بالصورة التي يريد ويرغب انطلاقا من اعتقاده انه قد صنع شعبا من الغبار ونفخ فيه من روحه حتى يصبح كيانا قائما بين الأمم.

ثالثا: علمنة التعليم والثقافة: لقد تعوّد أنصار التغريب البورقيبي على الافتخار بأن بورقيبة صانع مجد تونس عبر التعليم والثقافة، والوقائع التاريخية تقول أن الشعب التونسي وقبل مجيء بورقيبة كانت لديه رغبة غير مسبوقة في التعلّم إلى الحد الذي دفع المستشرق الفرنسي لوروا بوليو ( سنة 1897 ) إلى الحديث بإعجاب عن ذلك ” الشعب المتحضر والمهذّب والممجّد للتعليم ” حيث كانت تونس ومنذ القرن 19 احد أهم مراكز النهضة العربية والإسلامية وقد ظل السياق العام للتعليم وانتشار الثقافة في تصاعد حتى في ظل الاستعمار الفرنسي[v] وفي ظل انتشار الصحف الوسيلة الإعلامية الأولى في ذلك الزمان غير أن الانجاز البورقيبي تمثل في أمرين وهما إلغاء كل أشكال التعليم الأهلي وإغلاق مؤسساته بقانون والتركيز على إنشاء مدرسة تونسية جديدة تميزت بهيمنة التمشي التغريبي العلماني عليها فلم تكن تلك المدرسة موجهة لإنتاج العقول المبدعة والمهارات الصناعية { نموذج “ميجي” في اليابان أو نموذج مهاتير محمد في ماليزيا على سبيل المثال} وإنما كانت عبارة عن محاولة لتصفية الحساب مع ثقافة عربية إسلامية لطالما احتقرها بورقيبة ورأى فيها سببا من أسباب التخلف[vi].

والأمر الثاني الذي عمد إليه المشروع البورقيبي هو منع ظهور أي خطاب آخر مناوئ له سواء من الناحية السياسية { تصفية الجناح اليوسفي في الحزب الدستوري وحظر لجنة صوت الطالب الزيتوني[vii] وصولا إلى تركيز نظام الطغيان والحزب الواحد } أو من الناحية الثقافية { قمع كل التوجهات الثقافية المناوئة للمشروع التغريبي عبر التضييق على المساجد وتشريد العلماء ممن يعارضون توجهاته العلمانية بصورة علنية } ولعل هذا ما يفسر إيقاف كل الصحف التي كانت تصدر في زمن الاستعمار وعددها 25 وهو عدد كبير بالنسبة لشعب عدد سكانه لا يتجاوز المليونين حينها ليحافظ على اثنتين من الصحف فحسب يسبّحان بحمده سياسيا وينفذان أهدافه في نشر العلمنة المغلقة ذات الخلفية اليعقوبية ثقافيا.

لقد مكّنت هذه الأسس الثلاثة من بناء نظام سياسي استبدادي يتبنى اشد أشكال العلمنة غلوا وتطرفا ويحتمي بالدولة باعتبارها العمود الفقري لتنفيذ كل مشروع تعليمي أو ثقافي يراد فرضه على الناس فلم تكن الدولة محايدة في نظر بورقيبة ونظامه وإنما هي بالأساس أداة لتنفيذ أهداف الحاكم المستبد حيث لم تكن إرادة الدولة سوى إرادة صاحب السلطة ذاته { لم يكن التعليم يوما محل استشارة شعبية أو نقاش عمومي بين أهل الشأن وذوي الاختصاص وهو ما نراه متجسدا في تكليف محمود المسعدي بتنفيذ سياسات محددة في بناء التعليم العمومي[viii] وعلى ذات المنوال سار زين العابدين بن علي تلميذ بورقيبة النجيب في تكليفه لمحمد الشرفي[ix] بما سُمي تجاوزا بإصلاح التعليم  } وفي المقابل ظل الوجدان الشعبي العام وخاصة لدى جماهير الهامش الاجتماعي تحافظ على حد أدنى من التدين وتعادي بصور مختلفة التوجه العلماني وهو ما خلق فصاما واضحا بين نخبة مُعلمنة ومتغربة تعادي الدين وترفضه وتطالب بإقصائه وجماهير شعبية على اتساعها تناوئ هذا المشروع وترى فيه رديفا للاستبداد وكان أن خلقت هي بدورها مثقفيها ونخبها بل وأحزابها السياسية التي تستجيب لتطلعاتها.

وبعد الثورة وإثر بسط الحريات واتساع مجال التعبير وحصول تغيير بقدر ما في هيكل السلطة انفجر الصراع من جديد، وعلى الرغم من القوة الإعلامية التي يستند إليها العلمانيون فقد وجدوا أنفسهم أيتاما في غياب الدولة التي كانت تمثل رديفا لهم ينصرهم في أي صراع ويحقق لهم غاياتهم بقوة السلطان قبل قوة البرهان وعلى الرغم من محاولات التوافق التي تحرص عليها أطراف مختلفة إسلامية وعلمانية معتدلة فإن قوى الضغط العلماني (بجناحيها الليبرالي واليساري) لازالت ترفض منطق التوافق وترجح منطق المغالبة بصوره المختلفة مستندة في ذلك إلى دعم غربي غير محدود لتوجهاتها الثقافية ليظل صراع الهوية قائما بعد سنوات من الاستقلال ويبقى طموح الشعب بعد الثورة حسم الأسئلة الإستراتيجية الحارقة بعد الإطاحة بالطغيان وهذه الأسئلة تتعلق بالهوية وبالنمط المجتمعي وبالنظام التعليمي ،أسئلة ينبغي حسمها في ظل إطار من التوافق العام ودون إقصاء وفي ذات الوقت لابد من الحفاظ على الثوابت التي تشكل الهوية العامة للوطن حتى لا تستمر أزمة الهوية وتستفحل.

______________________________________________________________________________________________________

[i] من خطاب ألقاه الحبيب بورقيبة سنة 1973، ( مهدي المبروك، هل نحن أمة؟، دار البراق للنشر، تونس1989، ص31).

[ii] م. ن. ص65.

[iii] من خطاب للرئيس الحبيب بورقيبة، م. ن. ص66.

[iv] يورد لطفي حجي في كتابه بورقيبة والإسلام : الإمامة والزعامة ما قاله بورقيبة في إحدى الخطب مقارنا نفسه بالرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول ” إن الرسول اعتمد أسلوب العصا والجزرة وان الرسول الذي عاش في بيئة صحراوية رغب الناس في الأنهار والجواري ، والرسول كان أميا في حين إني استفدت من تراث الحضارة الإنسانية على امتداد أربعة عشر قرنا .. وأما ما قمت به إنا فكان من جهدي الخاص ومن استعمال ” المادة الشخمة ” في حين أن الرسول كان يأتيه الوحي” ( لطفي حجي ، بورقيبة والإسلام : الزعامة والإمامة ، دار الجنوب للنشر، تونس ص189).

[v] لمزيد المعلومات التفصيلية انظر كتاب ” التربية والتحديث في تونس ” تأليف نور الدين عرباوي، دار الصحوة للنشر والتوزيع، تونس 1990.

[vi] بعد رفض التونسيين الاستجابة لطلب بورقيبة الإفطار في رمضان يصف الصافي سعيد المشهد قائلا ” خاب أمل بورقيبة مرة أخرى في الشعب الذي أراد أن يقوده إلى الجنة بالسلاسل وقال لوزيره الأول الباهي الادغم “إن التونسيين يحبون السكن في الماضي” ( بورقيبة : سيرة شبه محرّمة، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، ط 1 ، نوفمبر 2000، ط1، ص229).

[vii] هي أول منظمة طلابية تأسست بتونس  سنة 1950 . قادت التحركات التي خاضها طلبة الجامع الأعظم وفروعه طيلة سنوات الاحتلال وخاضت نضالات من اجل إصلاح التعليم من خلال تطويره مع الحفاظ على مقومات الهوية ( من أشهرها إضراب دام 7 أشهر بين شهري أفريل ونوفمبر 1950 وهو أطول إضراب طلابي في تاريخ تونس )، وقدمت لجنة صوت الطالب الزيتوني شهداء في سبيل الله هما محمد الدهماني حمزة (المهدية) ومحمد بن بلقاسم المرزوقي من نفزاوة (مظاهرات 15 مارس 1954 ). تم حل لجنة صوت الطالب بعد الاستقلال مباشرة .ومن أبرز رموز صوت الطالب الزيتوني الشيخ محمد البدوي العامري الذي حُكم عليه بالإعدام زمن بورقيبة واضطر إلى مغادرة التراب التونسي وأيضا الشيخ عبد العزيز العكرمي الذي نفذ فيه بورقيبة حكم الإعدام بتهمة المشاركة في التخطيط لانقلاب سنة 1962.

[viii] تولى محمود المسعدي وزارة التربية القومية سنة 1958 وقام بتنفيذ برنامج لإصلاح التعليم تم بمقتضاه إلغاء التعليم الزيتوني وإعطاء التعليم العام صبغة علمانية واضحة خاصة مع اعتماد مشروع وضعه خبير فرنسي وعرف باسمه مشروع “جون دوبياس “.

[ix] تولى وزارة التربية والتعليم العالي والبحث العلمي بداية من سنة 1989 وقام بتنفيذ مشروع لهيكلة التعليم ركز فيه على إضفاء المزيد من العلمنة على البرامج التعليمية الرسمية والمعروف أن 

محمد الشرفي هو احد رموز تيار اليسار الماركسي بتونس



. كتبه. سمير محمد حمدي (باحث في الفكر السياسي – تونس)

mercredi 14 juillet 2021

«صباط الظلام» المكان الذي كان يروع فيه بورقيبة معارضيه


 




«صباط الظلام» المكان الذي كان يروع فيه بورقيبة معارضيه

المكان الذي كان يعذب فيه معارضوا النظام البورقيبى


في بيت قديم بـ «صباط الظلام» ، بنهج الباشا، بقلب المدينة العتيقة بالعاصمة، اخضع العديد من أنصار صالح بن يوسف إلى عمليات تعذيب وحشية قضى البعض منهم بسببها.

أكد السيد أحمد بن محمد بن امبارك بن نصير (شهر أحمد التلّيسي) أن كل ما قيل عن «صباط الظلام» عار من الصحة وقال في معرض شهادته التاريخية على منبر مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات أمس السبت «أتحدّى أيّا كان من السياسيين والمؤرخين أنّ يقدّموا اسما وحيدا لشخص تمّ قتله في «صباط الظلام».
ونفى المتحدث في شهادته أي دور لحسين العيّادي في فتح «صباط الظلام» وقال ان الرجل كان أول من اكتشف مؤامرة 1962 قبل حتى المخابرات والأمن وأكد التليسي ان «شعبة الديورات» هي التي فتحت «صباط الظلام» وكان من بينهم سعيد كعبورة وعلي ورق والطيب السحباني.
نعم عذّبت اليوسفيين
ولم ينف المتحدث وجود حالات تعذيب في «صباط الظلام» ولكن تم رفع ملفات كل الموقوفين الى المحكمة، وقال انه لم يقع جلب أي من الطلبة الزيتونيين بصفتهم تلك الى «صباط الظلام» الا من كان من اليوسفيين.
وأضاف التليسي «كنت أنا رئيس مركز يضمّ يوسفيين بـ»بير الطرّاز» (رادس) وكان في عهدتي 3 من اليوسفيين هم: محمد الزراع وعبد الستار بن الهاني ومحسن قديش وتم تقديمهم للمحاكمة بعد استكمال الابحاث معهم.
واعترف التليسي بجرأة كبيرة: «نعم أنا كنت من الناس الذين عذبوا اليوسفيين».
وحول أسباب ذلك قال: «هم كذلك حاولوا قتلي... وخططوا 10 مرات لاغتيالي... وحسن العيادي كذلك أعطى تعليماته باغتيالي لأنني بعت أسراره!! وخنت أمانته... وله الحق في ذلك!!!».
وتحدث التليسي مطولا عن الصراع البورقيبي اليوسفي وقال ان من أكبر أخطاء صالح بن يوسف أنه واجه بورقيبة وفرنسا ما تزال في تونس بالاضافة الى ارتمائه في أحضان القومية العربية.
أسلحة مصرية لليوسفيين
وأكد المتحدث حصول اليوسفيين على السلاح من مصر وقال انه استعمل في عمليات اغتيال وتصفية وقال انه عثر شخصيا على أسلحة مصرية جديدة لدى كل من عبد الوهاب البدوي وعلي بن البشير حاولوا بها قتله هو، كما أنهما بعثا عصابة في الوطن القبلي وقتلوا 3 أشخاص في سليمان.
وقال التليسي إنه عند بدء الخلاف البورقيبي اليوسفي لم يكن في العاصمة أي شخص بورقيبي وكانت كل الولاءات للأمانة العامة وعندما فرغ مقر الديوان السياسي جاء جماعة قصر هلال وبدأوا في العمل وهم من قتلوا علي اسماعيل السائق الشخصي لصالح بن يوسف.
وتحدث صاحب الشهادة عن مظاهر للتخويف والتهديد لليوسفيين منها مسألة «صباط الظلام» للترهيب وكذلك رسائل تهديد شديدة اللهجة تحت امضاء «اليد السوداء» وقد كتب هو شخصيا العديد منها.
وقال ان حسن العيادي اصبح زعيما لما جاءت اليوسفية وبدأت صراعها ضد اتفاقيات الحكم الذاتي وبعد قدوم مونداس فرانس.
وتحدث صاحب الشهادة مطولا عن سيرة الشيخ حسن العيادي ووطنيته الكبيرة وقال ان له مكاسب عديدة للدولة والمجتمع وكان من القادة الكبار في المقاومة وجاء الى تونس هارب من ملاحقة الفرنسيين له في جهة جبنيانة وكان يلاحقه علي بن البشير لفائدة الفرنسيين وكان الشيخ العيادي كتوما جدا. وتحدث التليسي عن المنجي سليم والطيب المهيري وقال انهما من كسّرا شوكة الشيخ العيادي وفي هذا الصدد، قال صاحب الشهادة: المنجي سليم كان يطلب الهدوء... ولكن حسن العيادي رفض ذلك وبتعليمات من بورقيبة مؤكدة...
سطو لتمويل المقاومة
وقال لقد تم تضييق الخناق عليه حتى على مستوى التمويل فاضطر الى تنظيم عملية سطو على خزينة معمل السميد بشارع الجمهورية، وكثرت العمليات ولم يكن المنجي سليم راضيا والعيادي كان يتلقى تعليماته من بورقيبة عن طريق وسيلة وسعيدة وكانت هناك ضربات كبيرة ضد المستعمر والخونة وعندها قرر المنجي سليم التخلص من الشيخ العيادي. وكانت هناك حرب بين مختار عطية (المنجي سليم واللجنة التنفيذية) وحسن العيادي (بورقيبة).
ولما دخل السجن بعث العيادي لصاحب الشهادة موصيا اياه بأن يكون تحت امرة البشير زرق العيون.
وتحدث صاحب الشهادة بإطناب عن حالة المؤامرات داخل الحزب (وحتى داخل الديوان السياسي نفسه) وتحدث كذلك عن بيع الأسرار وكيفية تصفية عدد من المقاومين أمثال الطيب الزلاق الذي كان دستوريا وفي هذا الصدد قال التليسي: «كل ثورة تصفي نفسها من الداخل» وقال: «الطيب المهيري وعلي معاوي والمنجي سليم كانوا كلهم من اليوسفيين!» وفنّد ما ذهب إليه علي معاوي من أن حسن العيادي هو الذي فتح «صبّاط الظلام» وأشار الى أن الحزب هو الذي فتحه الى جانب نادي «الدويرات» الذي تمّت فيه العديد من التصفيات ومظاهر التعذيب.
بعت أسرار العيادي
وقال انه باع أسرار العيادي لما كان هو في السجن.. وانتهى صاحب الشهادة الى التأكيد بأن ملف محاكمة حسن العيادي به كل التفاصيل ودقائق الأمور حول كل ما تمّ في تلك الفترة وتدقيقا حول المؤامرات التي حيكت بين المقاومين والثوار أنفسهم مشيرا الى أن إيقاف الشيخ حسن العيادي كان بقرار من الحزب.
وقال صاحب الشهادة: «العيادي أصدر تعليماته بقتل المحجوب بن علي وعند لقائي بمحجوب أخبرته بذلك فأعلم وسيلة التي بعثت للعيادي وهو في السجن لتوبيخه وعندما علم العيادي أصدر تعليماته باغتيالي حيث تمّت 10 مرات محاولة اغتيالي من اليوسفيين».
محاولة اغتيال بن صالح
كمــــــــا قال التلّيسي إن العيادي أذن باغتيال أحمد بن صالح لما كان أمينا عاما لاتحاد الشغل وأنه شخصيا علم بتفاصيل ذلك والتحق ببن صالح في مكتبه قريبا من الكوليزي بالعاصمة وأجبره على عدم مغادرة مكتبه لافشال مخطط الاغتيال وهو ما تمّ حيث اتصل بن صالح بالباهي الادغم لتأمين السلامة والأمن
صراعات حول حراسة بورقيبة
وحول تعيينه أول حارس شخصي لبورقيبة عند عودته في 1 جوان 1955 قال التليسي ان ذلك تم عن طريق البشير زرق العيون الذي تعرّف عليه في فترة سابقة في باب الفلة حيث كان للبشير متجر للمواد الغذائية.. وقال : «الفرنسيون كانوا في خوف على حياة بورقيبة ولهم معطيات دقيقة عن الوضع وبورقيبة قال لهم نسّقوا مسألة الحراسة مع زرق العيون الذي كان يذهب الى مقر المقيم الفرنسي لتنسيق ذلك... وتم الاتفاق معهم على ان اكون أنا الحارس الشخصي لبورقيبة وكنتُ فعلا انا الوحيد معه وزوجته في الشقة التي نزل بها عند عودته (شقة ابنه الحبيب بورقيبة الابن) في حين كان البقية ومن بينهم محجوب بن علي في الشارع..
وتحدث التليسي عن اجتماع «جامع قرمطو» حيث تم توزيع مهام الحراسة بمناسبة عودة الزعيم بورقيبة، حيث كلف هو وأحمد نعمان وشخص ثالث بالحراسة في «رحبة الغنم» في حين أسندت الحراسة في الميناء إلى «محجوب بن علي» ولكن سرعان ما تغيّرت الأمور حيث كان هناك مخطط لإلغاء حراسة البشير زرق العيون وتعويضها بحراسة للثنائي المحجوب بن علي والطيّب المهيري وحدث أول صراع حول حراسة بورقيبة وقال المتحدث انه كان بصدد القيام بالحراسة لما جاءته مجموعة وانهالوا عليه بالضرب وافتكّوا سلاحه وتم نقله الى المستشفى في إطار إفشال حراسة زرق العيون وقال ان بورقيبة قال له لاحقا «اذهب عند مفيدة»!!
وتحدّث كذلك عن محاولة لاغتيال البشير زرق العيون وتصفيته من الحزب ولكنها فشلت حيث ثم تأهيل علي صنديد للمهمة وهو مساعد المحجوب بن علي بتعلّة ان زرق العيون يتعاون مع المقيم الفرنسي ولكن الشخص كشف كل شيء لزرق العيون عندما سمع بنفسه حديثا بين بورقيبة وزرق العيون حول الاتصالات مع المقيم العام الفرنسي.. وفشل مخطط الاغتيال..
وذكر صاحب الشهادة تفاصيل أخرى وأشار إلى أن «الجرابة» (أهالي جربة) هم أكثر من خدموا المقاومة وأن وشايات من تونسيين للفرنسيين أشارت إلى أنه إذا رغبت فرنسا في تصفية الوطن القبلي فعليها بـ»تازركة» وقال التليسي ان وحيد المسعدي كان رجلا عظيما ويفوق شقيقه محمود بكثير من الخصال.
ومن المعلومات التي أوردها صاحب الشهادة:
ـ بلقاسم المطوي هو الذي «باع» الجماعة التي كانت تتحول من منوبة إلى العاصمة.
ـ تم وضــــــع كل العمليات واسنادها إلى ساسي الأسود وذلك للتخفيف على المقاومة التي كانت تنطلق من جبل برقو وكان هناك شخص اسمه عبد الصمد هو الذي نفخ في صورة الساسي الأسود.
ـ أدعو المؤرخين إلى ضرورة إيلاء الدور الكبير الذي قامت به كل من خديجة الطبال وشاذلية بوزقرو في المقاومة.
ـ تصفية الخونة من العمد والمتعاملين مع فرنسا انطلقت من الساحل.
ـ العديد من المناضلين والمقاومين من داخل الجمهورية وقع تناسي وتجاهل دورهم الكبير في المقاومة في مقابل الجهات الساحلية وصفاقس.
تفاعلا مع شهادات التليسي :
شهود العصر يؤكدون حصول قتل وتعذيب ب " صباط الظلام "
" التليسي لم يكن أول حارس شخصي للزعيم بورقيبة "
تونس - الصباح : أثار المقال الذي نشرته " الصباح " حول الشهادة التاريخية التي أدلى بها السيد أحمد بن نصير ( التليسي ) ردود فعل كثيرة ... حيث اتصل بنا عدد من المناضلين لتفنيد بعض أقواله المتعلقة خاصة بكونه أول حارس شخصي للزعيم بورقيبة .. وبتبرئة " صباط الظلام " من جرائم القتل والتعذيب . وفي هذا الصدد أفادنا المناضل علي المعاوية أن التليسي " لم يكن أول حارس شخصي للزعيم بورقيبة كما قال .. لأن الجميع يعرفون أن الحارس الشخصي الأول لبورقيبة هو محجوب بن علي " ..
وذكر السيد مختار بن سعد المعروف بالمختار الحامي وهو رئيس لجنة المقاومين ببن عروس أن التليسي لم يكن أول حارس شخصي للزعيم .. وقال " لقد كنت شاهدا على نزول الزعيم بورقيبة من الباخرة في حلق الوادي يوم غرة جوان 1955 عائدا إلى تونس .. وأذكر أنه كان في انتظاره عديد المجموعات وهي مجموعة محجوب بن علي والطيب المهيري ومجموعة حسن بن عبد العزيز للحراسة ومجموعة البشير زرق العيون ومجموعة العاصمة وأحوازها وحتى من اطارات الاتحاد العام للشغل وفي مقدمتهم البشير بلاغة وغيرهم . "
وأضاف " عندما استقر بورقيبة بمحل سكناه بمعقل الزعيم في رحبة الغنم كان الذين يحرسونه ويحرسون محل سكناه مجموعة تتركب من عدد من المقاومين هم علي الصنديد وعلي الصغير وعامر كلاتوس وبعض أفراد من مجموعة محجوب بن علي وكان هذا في البداية لأنه لم تكن هناك شرطة .. وكان بورقيبة عندما يزور بعض المدن يذهب معه العديد من المناضلين .. وكان في حراسته في احدى زياراته إلى الوطن القبلي الحبيب الدوقي وقد أطلق عليه أحد عناصر المعارضة النار وقتله .. أي أنه في تلك الفترة لم تكن هناك رتب .. ولا نعرف حارسا أول أو ثانيا أو ثالثا . "
وذكر المختار بن سعد أنه " في سنة 1956 تكونت الحكومة الوطنية وبعث وزير الداخلية الطيب المهيري فرقة بادارة الأمن تعرف بفرقة صيانة رئيس الدولة والشخصيات الرسمية وهي تتكون من مفتشين ورئيس فرقة وكان المحافظ في البداية علي مراد ، وتلاه المحافظ عمران بوخشبة .
" صباط الظلام "
بالإضافة إلى تفنيدهم لأقوال أحمد التليسي المتمثلة في أنه أول حارس شخصي للزعيم بورقيبة ... أكد من تحدث ل " الصباح " حصول جرائم قتل في " صباط الظلام " إلى جانب عمليات التعذيب وبينوا أن الشيخ حسن العيادي وعصابته قتلوا سعيد دبيش والمختار عطية وحسن الحامي وكان هذا الأخير مقاوما في برقو .. كما أنهم ابتزوا العديد من الفلاحين الكبار بسليانة وكان هؤلاء ينفقون بسخاء على المقاومين لما كانوا يرابطون في جبل برقو ويسلمون العيادي أموالا طائلة .. لكن بعد المفاوضات وتسليم السلاح .. واصل الشيخ حسن العيادي وأفراد عصابته طلب المال .. وأصبح الكل يخشاهم فهم على استعداد لقتل أي كان بمقابل ، في صورة التشكيك في أنه يوسفي .
فبمجرد أن يشي أحد الأجوار بجاره بدافع الغيرة أو التنافس على الملكية ينقضون عليه ..
وفي هذا الصدد قال المناضل عبد الستار الهاني وهو زيتوني أصيل سليانة " لقد ساهمت عائلتي مساهمة كبيرة في تموين المقاومين زمن الثورة .. ولكن لاحظنا أن الشيخ العيادي في كل مرة يطلب المزيد .. حتى أنه طلب مرة مقابلتي في مقهى باب الجزيرة بالعاصمة فذهبت إليه ووجدت معه ستة أنفار وكانوا يخفون أسلحتهم تحت جبابهم وسألني يومها على " حمتين " وهو فلاح كبير من سليانة ويقيم بالمرسى واسمه الحقيقي محمد الأخضر بن عطية وذكر أنه يرغب في أن يحصل منه على مبلغ قدره 400 دينارا لاقتناء سيارة .. فأخبرته أنني لا أعرف أين يقيم ونصحته بأن يذهب إلى سليانة فهناك يوجد ابنه الهادي وهو يقيم بالربع قرب برقو وبالامكان أن يساعده .. "
وأضاف الهاني " لقد ساورنا الشك في أن العيادي أصبح يبتزنا لكننا استمرينا في مساعدته وتموينه واعطائه ما يطلب من المال إلى غاية تسليم السلاح .. " وكنا قد التزمنا معه في بداية أيام المقاومة بتموينه .. فقد دعوته بعد أن جاء إلى برقو إلى بيتي وأعطيته قائمة بأسماء من يمكنهم أن يمونوه من أثرياء سليانة بتوصية مني .. "
وقال المناضل عبد الستار الهاني ناشدا من شعره الذي كتبه حول المقاومة :
أحسست المطامع طوقتني
ولم يك منجدي إلا ذكائي
فقلت له أيا حسنا تريث
ودعك من الصرامة والجفاء
وقد تنل الكثير بلا مراء
وتشعر أنه خير العطاء
وذكر الهاني أنه بعد المفاوضات وتسليم السلاح رجع العيادي وبعض من أفراد عصابته إلى العاصمة ونشطوا في " صباط الظلام " وكانت لهم أطماع في الحصول على تسميات في الشرطة لكن المنجي سليم والطيب المهيري كانا للعيادي وجماعته بالمرصاد فأصبح العيادي يبحث عن موارد الرزق بنفسه وكان يذهب من حين إلى آخر إلى الفلاحين بسليانة ويأخذ منهم كميات وفيرة من القمح .
وكان العيادي قد تخاصم مع المختار عطية وقتله الأمر الذي أثار انتقام الطيب المهيري والمنجي سليم فحرماه من التمويل .
وعن سؤال يتعلق بما كان يحدث في " صباط الظلام " أجاب عبد الستار الهاني وقد ذكر التليسي اسمه في شهادته التاريخية .. أنه أمضى ثلاثة أيام في " صباط الظلام " وشاهد وقتها ألوانا من التعذيب والرعب في ذلك المكان المظلم .. وقال " أنا لم يعذبوني هناك .. لكنني شاهدت جماعة حسن العيادي يجلون أناسا وقد بدت عليهم آثار التعذيب .. وسمعت الكثير من الصراخ والأنين .. لقد بقيت مدة قصيرة في هذا المكان وكان معي فيه محمد الزراع والحفناوي عطية وسعيد دبيش .. "
ما كان مصير سعيد دبيش ؟ عن هذا السؤال ، وهو نفس السؤال الذي طرحه المؤرخ محمد ضيف الله على أحمد التليسي فأجابه لا يعرف .. قال الهاني " لقد قتله العيادي " وبين أن " رجلا يدعى ابراهيم وشى به للعيادي .. فقام هذا الأخير بقتله . "
وأضاف " بعد أن دخلت " صباط الظلام " .. حملوني إلى بئر التراز برادس ووجدت هناك أحمد بن نصير ( التليسي ) فقد كان يشرف على هذا المكان الذي يتألف من غرفتين أحداهما فيها مكتب يجلس فيه الشيخ العيادي عندما يأتي لمحاكمة الموقوفين .. وقد عشت الكثير من الرعب لأني كنت أسمع دائما الصراخ جراء الضرب والصفع والجلد وصادف أن رأيت أحد أبناء سليانة وكان شخصية مرموقة في الجهة لكنه أهين وضرب وجلد وسمعت صراخه .. لقد اتهموه ب " اليوسفية " ..
وأضاف الهاني وقد بدا عليه التأثر وهو يتنهد " كنا في بئر التراز ننام على الجليز لأنه لم يكن هناك فراش .. لقد ذقنا المر .. لهذا قال لي العيادي أنه حبسني لحمايتي من أحد أعوانه المتمردين عليه فهو يخطط لقتلي .
وذكر متحدثا عن التليسي " كيف ينكر التليسي عمليات التعذيب في بئر التراز .. لقد كان يمارس علينا الرعب .. وأذكر أنه ذات مرة كان بصدد تنظيف سلاحه وكنت أنا ومحمد الزراع جالسين قربه ومتكئين على الحائط .. فتحرك الزراع قليلا الى اليمين وفعلت نفس الشيء وبعد ثوان سمعنا طلقا ناريا مدويا وانطلقت رصاصة في اتجاه نفس المكان الذي كنا متكئين عليه . "
تحذير
تعقيبا على ما قاله التليسي من أنه يتحدى أيا كان من السياسيين والمؤرخين بان يقدموا دليلا على قتل أي أحد في " صباط الظلام " ..
قال مختار بن سعد " من خلال مسؤولياتي على لجنة الرعاية بتونس العاصمة وأحوازها في الخمسينات أنفي هذه الأقوال . "
وذكر أن الحزب ورغبة في توفير الأمن داخل البلاد قبل الاستقلال للحد من الفوضى والابتزاز والتهريب والقتل قرر بعث لجان رعاية تتكون من مناضلين وشباب دستوري وذلك منذ أفريل 1955.
وأضاف " في هذا الاطار انتقل الشيخ حسن العيادي وجماعته الى " صباط الظلام " وأذكر أنه كان معه الطاهر بوطارة من الحامة وشخص آخر يدعى العيادي داوود من الوطن القبلي وآخر اسمه المحواشي من الشمال الغربي .. وأمر العيادي جماعته في البداية بالهجوم على مصنع السميد والسطو على خزينته وبالسطو على مصاغات اليهود وبالسطو على أموال التجار .. والغريب في الأمر أن التليسي يقول ان العيادي كان ينفذ أوامر بورقيبة لدعم المقاومة .. والزعيم بريء من هذه الأعمال الاجرامية وحذرنا العيادي من عاقبة اعماله .. فانتهج أسلوبا آخر وهو اختطاف أناس ميسورين لابتزاز أموالهم بتهمة الخيانة واليوسفية والقتل لتصفية الحسابات .
وعن عمليات القتل التي حدثت في " صباط الظلام " قال مختار بن سعيد أن التليسي قال " اسألوا عبد الستار الهاني الذي كلفني الشيخ العيادي بحراسته فهو يعرف الحقيقة " .. فعن أي حقيقة يتحدث .. لماذا لم يذكر اسم سعيد دبيش لقد قتل في " صباط الظلام " .. ورغم مساعي زوجته للحصول على جثته فإنها لم تفلح .. واختفت الجثة إلى يوم الناس هذا .. وأرى أن العيادي لم يقتل عبد الستار الهاني لأنه لن يصدقه أي أحد إذا اتهم الهاني بالخيانة لأن الهاني كان مناضلا كبيرا مع المرحوم علي البلهوان وكان يناضل سواء في الحزب أو في الكتلة الزيتونية وصوت الطالب .. وعند اندلاع معركة التحرير سنة 1958 هو من دعم حسن العيادي وجماعته من المقاومين بجبل برقو بماله الخاص أو بجمع مال أثرياء سليانة .
لقد حجزه العيادي إذن لابتزاز ماله إذ أنهم حملوه بعد اخراجه من بئر التراز الذي أمضى فيه 11 يوما إلى منزل علي بن سالم شهر " علي البوليس " بمنوبة وهناك وجد الهاني صهره عبد الستار بن عبد الملك وشقيقه فدفعا لجماعة العيادي 250 ألف فرنك مقابل اطلاق سراحه .
وفي نفس الصدد أكد المناضل عبد الستار الهاني ما جاء على لسان المختار بن سعد .
وأضاف بن سعد أن عصابة الشيخ العيادي استمرت في نشاطها من ربيع 1955 الى جانفي 1956 .. اذ أصبح الحزب أقوى وتصدى لها ثم جاء الاستقلال وتم تكوين الشرطة والحرس والجيش وذابت العصابة وتشتت أفرادها .
وذكر أن التليسي قال " ان العيادي أكبر قادة المقاومة وزعيمهم .. نعم لا أنكر أن للعيادي حسنات ولكن هذا لا يمنع من أن عديد القادة شيدوا جبالا من الحسنات .. لكنهم ارتكبوا أخطاء فهدموا كل ما بنوه ولم يعد التاريخ يذكرهم .. وهذا ما جناه حسن العيادي على نفسه . "

وقال بن سعد معقبا على شهادة التليسي " أراك تعترف باقتراف عمليات تعذيب اليوسفيين .. وهذا يعاقب عليه القانون . "
هذه إذن بعض الشهادات التي قدمها قراء " الصباح " الشاهدون على العصر تعقيبا على شهادة أحمد التليسي وقد رأينا اطلاعكم عليها تعميما للفائدة .
جريدة " الصباح " 16 جويلية 2009 - سعيدة بوهلال

samedi 19 juin 2021

نزار قباني رسالة من تحت التراب


 


رسالة من تحت التراب من هــا هــنا..
من عالمي الجميل.،
أريد أن أقول للعرب..
الموت خلف بابكم ..
الموت في أحضانكم..
الموت يوغل في دمائكم..
وأنتم تتفرجون ..
وترقصون ..
وتلعبون ..
وتعبدون أبا لهب !!!
والقدس يحرقها الغزاة ..
وأنتم تتفرجون ..
وفي أحسن الأحوال..
تلقون الخطب !!!
لا تُقلقوا موتي ..
بآلاف الخطب !!!
أمضيت عمري أستثير سيوفكم ..
واخـــجــلـتاه …
سيوفكم صارت من خشب !!!
من ها هنا ..
أريد أن أقول للعرب ..
يا إخوتي..
لا…
لم تكونوا إخوة !!
فأنا ما زلت في البئر العميقة .،
أشتكي من غدركم ..
وأبي ينام على الأسى ..
وأنتم تتآمرون ..
وعلى قميصي جئتم بدم كذب !!!!!
واخــــجـلـتاه …
من ها هنا أريد أن أقول للعرب ..
ما زلت أسمع آخر الأنباء ..
ما زلت أسمع أمريكا تنام ..
طوبى لكم.. طوبى لكم ..
يا أيها العرب الكرام !!!
كم قلت ما صدقتم قولي ..
ما عاد فيكم نخوة ..
غير الكلام !!!
لا تُقلقوا موتي ..
فلقد تعبت ..
حتى أتعبت التعب ..
من ها هنا ..
أريد أن أقول للعرب ..
ما زلت أسمع أن مونيكا تدافع عن فضائحها ..
وتغسل عارها بدمائكم ..
ودماء أطفال العراق ..
وأنتم تتراقصون ..
فوق خازوق السلام !!!
يا ليتـكم كـنـتم كمونيكا ..
فالعار يغسلكم ..
من رأسكم حتى الحذاء !!!
كل ما قمتم به هو أنكم ..
أشهرتم إعلامكم ..
ضد الهجوم .،
وجلستم في شرفة القصر تناجون النجوم !!!!!!
واخـــجــلـتاه …
ماذا أقول إذا سئلت هناك ..
عن نسبي ؟؟!
ماذا أقول ؟؟؟
سأقول للتاريخ ..
أمي لم تكن من نسلكم …
وأنا ..
ما عدت أفتخر بالنسبِ !!!!!
لا ليس لي من إخوةٍ ..
فأنا برئ ..
فأنا برئ منكم ..
وأنا الذي أعلنت ..
من قلب الدماء ..
ولسوف أعلن مرة أخرى هنا ..
موت العربِ !!!!!



نزار قباني
من العالم الآخر

 

 

من ها هنـا ( نزار قباني )
للشــاعر الـراحـل : نزار قبّـاني
هذه القصيدة كتبها نزار قبل وفاته.. وأوصى أن لا تنشر إلا بعد وفاته..
على أن تؤرخ بالعام الذي توفي فيه (30/4/1998)


بعد حدوث الوفاة بفترة وجيزة...... ظهرت القصيدة

lundi 26 avril 2021

ابوالعلاء المعري : في اللاذقية فتنة ما بين أحمد والــــمسيحُ هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يــــــــــــصيحُ كلٌ يعظِّم دنيه يا ليت شعري ما الصحيحُ ؟”











في اللاذقية ضجة ما بين أحمد والــــمسيحُ
هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يــــــــــــصيحُ
كلٌ يعظِّم دنيه يا ليت شعري ما الصحيحُ ؟”
ابوالعلاء المعري
“
(6) سيرة أعلام النبلاء : محمد بن أحمد بن عثمان ال
في اللاذقية ضجّة ٌ     ما بينَ أحمدَ والمسيحْ  هذا بناقوس ٍ يدقُّ        وذا بمئذنــــةٍ يصيحْ  كلٌّ يمجّدُ دينــهُ      ياليتَ شعري ما الصحيحْ



 أبو العلاء المعري (973 - 1058م / 363 - 449هـ)



المعري في بغداد بين المتنبي وشوبنهور-الحلقة الأولى

كريم مرزة الاسدي
06/05/2012
قراءات: 1149

المقدمة :



أبو العلاء المعري (973 - 1058م / 363 - 449هـ) : أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي , عربي النسب من قبيلة تنوخ اليمانية , ولد في معرة النعمان , وأكسبها شهرته , بالرغم من أنّ عائلته  كريمة فاضله شهيرة بالرئاسة ,  يسودها  القضاة والعلماء والأدباء , ثم نكبه الدهر   بفقد بصره عقبى إصابته بالجدري  , وعمره أربع سنوات وتمم عماه في السادسة , ولم يرَ الا اللون الأحمر, ولكنه خرج علينا بتعليل غريب عجيب :

قالوا العمــى منظرٌ قبيحٌ       قلتُ بفقدانكم يهــــونُ

واللهِ ما في الوجودِ شيءٌ     تأسى على فقده العيون ُ

 تتلمذ على أبيه , وكان من دعاة الفاطميين الذين يقدسون العقل , وما زال شيخ عقلهم حتى اليوم رمزا , وروتْ جدّته أم سلـّمه بنت أبي سعيد الحسن بن إسحاق عليه الحديث , وكانت تـُعدُّ من شيوخه , وأخذ على بعض علماء مدينته المشهورين , وبدأ بقرض الشعر , وعمره إحدى عشرة سنة , وهاجر إلى حلب حيث أخواله من آل سبيكة المعروفين بالتجارة والشرف والكرم , وحلب - كما لا يخفى -  حاضرة سيف الدولة سابقا , ومركز العلم والأدب , وأخذ العلم عن تلاميذ ابن خالويه  ومنهم محمد بن عبد الله بن سعد النحوي ,راوية المتنبي  , فتأثر به  و تعصب لمتنبيه  , وضاقت به الدنيا فعرج على إنطاكية , فحفظ كثيراً من علوم مكتباتها العامرة, وخصوصاً البيزنطية منها , ومنها ذهب إلى  طرابلس في صباه  - على أغلب الظن - للتعلم والتثقف , ولكنه سرعان ما قطع دراسته فيها لوفاة أبيه سنة 377هـ /987م على حد رواية ياقوت في كتابه الجامع المانع (1), وهو صبي حيث عانى الفاقة  والعوز , فبقى معتكفاً في بيته حتى العشرين , إذ ترك له والده عقارا , يكريه بمبلغ زهيد يقارب ثلاثين ديناراً فيقتات مع خادمه منه , وللخادم النصف ! , انكب على دروسه الأدبية واللغوية والفلسفية  , وفي سنة 392 هـ / 1001م رجع مرة ثانية إلى طرابلس  وحط رحاله في مكتبتها - ولم تكن لبني عامر في حينها - , فتفرغ لها , ونهل منها ما نهل من علوم جمّة  لحافظته القوية , وذكائه الحاد , وعبقريته الفذة   ومنها عرج  إلى اللاذقية , وانبهر بصخبها , وزار أديرتها , وبالأخص الفاردوس  واستمع إلى رهبانها عن إصول الديانات المسيحية واليهودية وفرقهما , وغيرهما , لذلك ليس عبثاً أن يقول :

في اللاذقية ضجّة ٌ     ما بينَ أحمدَ والمسيحْ

هذا بناقوس ٍ يدقُّ        وذا بمئذنــــةٍ يصيحْ

كلٌّ يمجّدُ دينــهُ      ياليتَ شعري ما الصحيحْ

وقوله :

هفتْ الحنيفة ُ والنصارى ما اهتدتْ         ويهودُ حارتْ والمجوسُ مضللة

اثنان أهلُ الأرض ِذو علــــم ٍ بلا             دين ٍ وآخر دينٌ لا عقـــل لـــه

وتشعب في تساؤلاته وشكوكه أبان شرخ شبابه - ومن المحال نقل كل الأقوال -  ومثله من يملك عقلاً جباراً لابدَّ أن يجعل من الشك أساساً لليقين أخيراً ثبت إيمانه  ,  وخلاصة التفكير الإنساني الواعي للنابه الرفيع , لملمها المعري لنا  وأشار إليها , أعرف أنك ستقول هذه الأمور بسيطة كل واحد يعرفها , أقول لك رجاءً قف عند حدود الضياع , كلّ الأمور موجودة في الحياة تمرّ على الجميع , وتعبر إلى ذاك الصوب , العبقري من يمسكها , ويلفت نظرك إليها لتتأمل وتتمعن وتتفكر :

حياة ٌوموتٌ وانتظار قيامةٍ       ثلاث ٌأفادتنا ألوف معان ِ

لملم علومه اللغوية , وفنونه الشعرية . وفلسفته البيزنطينية والإغريقية , وما تعلم عن عقائد الأديان , وعقله , وتشككه , وحافظته , ورواياته , وأحاديثه , وعلوم القرآن , وتفسيره , واستأذن أمه الحلبية العجوز , فرفضت بادئاً , فاقنعها  , فوافقت على شفق ' ثم توجّه إلى بغداد حاضرة الدنيا أو تكاد !

أبو العلاء إلى بغداد :

نعم  قصد بغداد عاصمة العباسيين ( 398- 400 هـ / 1007 - 1009 م ) , في عهد الخليفة أبو العباس أحمد القادر بالله (2) , ولكن السلطة الفعلية كانت بيد السلطان بهاء الدولة البويهي بن عضد الدولة  (3) , وكان غرضه تحصيل العلم , واكتساب الشهرة , وفي مقال في المكتبة الشاملة  يذكر , قدأشار بعض المؤرخين  من طرف خفي إلى فقره وطلبه الغنى ,  ونص القفطي والذهبي  على أن عامل حلب كان قد عارض أبا العلاء في وقف له، فارتحل إلى بغداد شاكيًا متظلمًا. وقد يكون الاضطراب السياسي في الشام آنذاك أحد الأسباب التي أخرجته وبغضت إليه المعرة فتركها ليقيم ببغداد , وأعد له خاله أبو طاهر سفينة انحدر بها إلى الفرات حتى بلغ القادسية ، وهناك لقيه عمال السلطان فاغتصبوا سفينته واضطروه إلى أن يسلك طريقًا مخوفة إلى بغداد  , فالتمس أبا  حامد الأسفراييني لمساعدته في رد سفينته بقصيدة قدمها إليه, فيها شيء من لطف الظرفاء , وحجة الفقهاء :

ورب ظهر وصلناها على عجل    بعصرها من بعيد الورد لمّاع
بضربتين لطهر الوجه واحدة      وللذراعين أخرى ذات إسراع
وكم قصرنا صلاة غير نافلة    في مهمه كصلاة الكسف شعشاع
و المعري ينفي أن يكون خروجه طلبًا لدنيا أو التماسًا لرزق :

أنبئكم أني على العهد سالم      ووجهي لما يبتذلْ بسؤال ِ
وأني تيممتُ العراقً لغيرما     تيممهُ غيلان عنــــد بلال ِ(4)

ومثله من لا يحتاج إلى النفي , لَِما يتمتع به من عزّة نفس فطرية  , وتفهم للتقاليد الإجتماعية العرقية , وما يحمله من تراكمات علمية وثقافية , مهما يكن حين حط ّرحاله في كرخ بغداد , واستقر به الحال  وجّبها , ووجّب العراق كلـّه من خلالها :

كلفنا بالعراق ِونحن شرخٌ       فلمْ نلممْ بهِ إلاّ كـــــهولا

وردنا ماءً دجلة ًخيرً ماءٍ     وزرنا أشرفً الشجرَالنخيلا

وزلنا بالغليل وما اشتفينا     وغاية كلّ شيءٍ أنْ  يزولا

وربما بعد أن ْعانى مرارة نعته  بالكلب من قبل رجل عثر به معرينا  , في مجلس الشريف المرتضى  عشية تأبين والده  الشريف الطاهر , وكان الشاعرفي طريقه لإلقاء قصيدة ارتجالية في رثاء الفقيد , تعد من غرر قصائده  , والرجل العاضب تجاهله للباسه  المتعفف غير الباذخ , وهيئته التي توحي بالتطفل , ولعدم معرفته بالعالي المقام , والقوي النفس  , والناس مظاهر عند الناس لا معادن , لاسسيما كان الزائر الضيف حديث العهد في بغداد , ومع ذلك لم يفته الرد المفحم حين أجابه : الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً , ثم واصل المسير , وأنشد رثاءً ما أروعه :

أودى فليتَ الحادقاتِ كفافِ        مال المسيف وعنبر المستافِ

أبقيت فينا كوكبين سنـاهما      في الصبح والظلماء ليس بخافِ

ساوىالرضيُّ المرتضى    وتقاسما خطط العلى بتناصفٍ وتصافِ

وأجلّ الرجلان الشريفان أبا العلاء أيّما إجلال , وقرّباه إليهما , وضمّاه إلى مجلسهما معزّزا مكرما ,لذلك من المحال أن يطلق المرتضى صفة الكلب على أبي العلاء كما تـًنسب بعض الكتب  لمجرد اختلافهما حول المتنبي أواخر رحلة الغريب الكبير إلى بغداد  - سنأتي عليها -  , المهم في بدايات الأيام حنّ إلى مدينته وأهلها وقومه , وخصوصاً لتجهاله من الجهال , فقال في حالة خيبة وشوق :

فيا برقُ ليس الكرخُ داري وإنّما      رماني إليهِ الدّهرُ منذُ ليال ِ

فهل ْ فيكَ منْ ماءِِ المعرّةِ قطرةٌ       تغيثُ بها ظمآن ليسَ مبال ِ

صدمة الغربة بادئ الأمر , لاجرم تأخذ من النفوس أمرا , بعد أن تشربت من ماء بلادانها عمرا , وعاشت بين آنامها دهرا , فمن يعذله على قوله :

يا ماءَ دجلة َما أراك تلذّ ُ لي     شوقاً كماء معرّة النعمان ِ

ولكن بعد أنْ عرفوا أنّ الرجل الماثل أمامهم هو أبو العلاء المعري , وكانت سمعته قد جابت الآفاق , وملأتْ الدنيا , وصكت الأسماع , احتفى به البغدايون , وأحاطوه بما يستحق من التبجيل والتكريم , وعرضوا عليه الأموال الطائلة للإقامة في ديارهم , ولكن الرجل كان عفيف اليد , عزيز النفس , أبي الهمة , لا ياتفت إلى الصغائر , وكلّ ما فوق التراب ترابُ , يكتب رسالة إلى خاله بالمعرة أبي القاسم يقول فيها  عن أهل بغداد : " ورعاية الله شاملة لمن عرفته في بغداد , أفردوني بحسن المعاملة , وأثنوا عليّ في الغيبة , وأكرموني دون النظراء..."  والحقيقة إضافة إلى حظوته في مجلس الشريفيَن , وعلو شأنه بينهم , تعرف على الشيخ حامد  الأسفراييني كبير فقهاء الشافعية , و كان يحضر ندوات الشعراء في جامع المنصور , ويشارك الشعراء بشعره , ويناقشهم ناقداً ومعلماً ومتعلماً, وأخذ الفلسفة الهندية والفارسية , وتأمل في حكمتيهما , ولم يفته مجمع سابور بن أردشير (ت 416 هـ /1026م) , وزير بهاء الدولة ابن عضد الدولة , ومكتبته الشهيرة  ما بين السورين (دار العلم) , والتي أ ُحر ِقتْ ( 450 هـ) ,بعد دخول  طغرل بك السلجوقي بسنتين, ولابد أنك سمعت بقصيدة معرينا  التي يقول فيها:

وعنـّتْ لنا في دار سابور قنية ٌ   من الورق مطراب الأصائل ِمهيال

فيا دارها بالحزن ِ,إنَّ مزارها     قريبٌ  ,  ولكن دونَ ذلك أهــــوال

وكان يحضر يوم الجمعة ندوة عبد السلام البصري , صاحب خزانة الكتب , وقرأ عنده ديوان تيم اللات وبعد أن اشتهر بين أهلها , وروى (سقط زنده) , وشرح معناه , فأخذ منزلته الرفيعة فيها , وحدثت أيام زيارته اضطرابات وقلاقل , وثار الجند بسبب ضعف الخليفة العباسي واللسلطان البويهي , وقد سبق أن ألمحنا إلى ما عاناه في حلبه و معرته ,  مما حدا شاعرنا أن يتأفف من الأوضاع في القطرين المتجاورين :

إنَّ العراقَ وإنّ الشامَ مذ زمن ٍ      قطران ما لهما للملكِ ســــلطانُ

ساسَ الأنامُ  شياطينٌ  مسلطة ٌ     في كلّ مصر ٍمن الوالين شيطانُ

ويزعمون حدثت في أواخر أيامه ببغداد جلسة مشاحنة بينه وبين الشريف المرتضى , وكان الشريف يحمل البغضاء للمتنبي , ولما ورد اسمه في المجلس , ذم الشريف شعر المتنبي ونال منه - ويقال أيضاً إنّ المرتضى تعمد إثارة الموضوع - وكان أبو العلاء جريئا وشديد التعصب  له ,  ويحسب أنه أشعرالمحدثين , ويفضله على بشار وأبي نؤاس وأبي تمام , فأجابه لو لم تكن للمتنبي إلا قصيدته  التي مطلعها :

لكِ يا منازلُ في القلوبِ منازلُ      أقفرتِ أنتِ وهنّ منكِ أواهلُ

لكفاه فضلاُ , فغضب المرتضى , وأمر حجابه أن يسحبوه من رجله ويخرجوه من المجلس , وقال لمجمعه ,إن المعري ما كان يقصد إلاّ بيتاً واحداً منها , و إلا للمتني قصائد أفضل منها , والبيت هو :

وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ     فهي الشهادة لي بأنـّي كاملُ

هذا الكلام لا يعقله عاقل منصف , لعدة أسباب منها , أبو العلاء رثى والده بالقصيدة التي ذكرنا مطلعها  , بأشجى الرثاء , ومدح الأخوين بأفضل المديح  , والرجل غريب , والشاعر أريب , وشهير ضرير , ووقور مهيب , ومتواضع رفيع  , كان يرفض أن يكنى بأبي العلاء قائلاً :

دُعيت أبا العلاء وذاك مينُ     ولكن الصيحّ أبو النزول ِ

أمّا الشريف كان شريف الطالبيين , منزلته توازي منزلة الخلافة  رسميا ًوأكثرمنها اجتماعياً , كيف يتقبل القارئ اللبيب أنْ ينزل الشريف العالي  إلى هذا المستوى السوقي العامي !!, بل أن الشريف الرضي (ت 406هـ / 1016م) , وهو الأخ الأصغر للمرتضى (ت 436 هـ / 1035م) , يخاطب الخليفة القادر  قائلاً :

مهلاً أميرَ المؤمنبن فإننا       في دوحةِ العلياءِ لا نتفرقُ

ما بيننا يومَالفخار ِتفاوتْ     أبداً كلانا في المعالي مفرقُ

إلاّ الخلافة  ميّزتك فإنني    أنا عاطلٌ منها وأنتَ مطوّقَُ

 أمثال  هذه الشخصيات الكبيرة الشريفة , لايمكن أن تنزلق إلى الهاوية بالإساءة المباشرة وبكلام بذيء يعرفون مدى حجم مردود إساءته , وسعة سلبية  سمعته .

والسيد محسن الأمين في ( أعيان الشيعة) يعتبر الرواية موضوعة , ويذكر صاحب ( أدب الطف) عن ( الأمين)  بما معناه , من قال : إنّ المرتضى كان يبغض المتنبي ؟ ولماذا يبغضه, , وهو لم يعاصره , فولادته كانت بعد وفاة المتنبي ؟ والأخير من يستطيع إخفاء فضله على الشعر العربي ؟ ثم أنّ المعري هو الذي مدح الشريفيين , فكيف يعقل أنه يضمر النيل من الشريف ؟(5) .

 وهذا مأشرت إليه سابقا , نعم المتنبي توفي 354 هـ / 965م) , والشريف المرتضى تولد (355 هـ /966م) , وأخوه الرضي ولادة ( 359 هـ /970م) , وكيف يركن المرتضى حكمه على الظن  والوهم ؟

ربما الشريفان - كما أرى - لهما موقف عقائدي من تشكك شيخ المعرة , وأرائه من الدين والأديان , لاسيما قد عرض بضاعته في بغداد , وكان عز شبابه , ولم يبلغ مرحلة الكهولة , وإنْ زعم " فلم نلمم به إلا كهولا " ! إذ كان عمره دون الأربعين بأربع سنوات , وما قوله :

تناقض ما لنا إلا السكوت  له      وأنْ نعوذ بمولانا مــن النار ِ

يدٌ بخمس مئين ٍعسجدٍ وديتْ     ما بالها قـُطعت في ربع دينار ِ

يذكر الذهبي في (سيرة نبلائه) بخبر مسنود , سألناه عن البيتين , فقال : هذا كقول الفقهاء عبادة لا يعقل معناها , قال كاتبه : لو أراد ذلك قال : تعبدٌ   ولِما قال : تناقضٌ , وأردفه ببيت يعترض فيه على ربه (6).

يقال أن الشريف الرضي أجابه ببيت مشهور :

عزُّ الأمانةِ أغلاها وأرخصها    ذلُّ الإمانة فأعرف حكمة الباري

والمعري محرك العقول ومحيرها له مثل هذه الأشعار ما لا تحصى :

صرف الزمان مفرق الإلفين     فاحكم إلهي بين ذاك وبيني
أنهيت عن قتل النفوس تعمدا    وبعثت أنت لقبضها  ملكين
وزعمت أن لها معـادا ثانيا     ما كان أغناها عن الحالين

وبهذه تتمسك العقول المادية النافية, وترفضها النفوس المتدينة الناقلة و العقول المؤمنة , ومن العجيب هو نفسه القائل :

أثبتَ لي خالقاً حكيماً        ولستُ من معشر ٍ نفاةِ

هذا دليل قاطع وحكم جازم بمدى إيمانه بالله , بل في قصيدته التي أجاب بها الشريف أبا إبراهيم موسى بن إسحاق , يؤمن بأصحاب  الكساء الذين خلقوا قبل المريخ والميزان :

يا ابن مستعرض الصفوفِ ببدر ٍ       ومبيد الجموع مــــــن غطفان ِ

أحد الخمســة الذين هـــــم الأغـْ        ــراض ِفي كلِّ منطق ٍوالمعاني

والشخوص التي خلقنَّ ضيـــاءً        قبلَ خلق المريخ والميـــــــزان ِ

يقول ابن رشيق  القيرواني في (عمدته ) عن المتنبي (مالئ الدنيا وشاغل الناس ) , وذهبت مقولته على كل لسان , وأنا عندي أبو العلاء المعري (محرك العقول ومحير الناس ) !! لا ندري من أين نمسك الرجل , ولا هو يدري أين هو ؟!

سألتموني فأعيتني إجابتكم      مَن ادّعى أنـّهُ دار ٍفقد كذبا

العبقري الخالد قضى سنة وسبعة أشهر في بغداد , وغادرها على مضض موجغ الفلب , وقال فيها عدة قصائد تشير إلى وجدٍ , لم يبق ِله وجدا ! :

أودعكم يا أهل  بغداد  والحشا     على زفرات ٍما ينين من اللذع ِ

وداع ضناً  لمْ يســـتقل  وإنّما      تحامل من بعد العثار على ظلع ِ

فبئس البديلُ الشام منكم وأهلهُ     على أنهم أهلـــي وبينهم ربعي

ألا زودوني  شربة ًولو أنـّني       قدرتُ إذاًً أفنيتُ دجلة  بالكرع ِ

هذا الشعر لا يمكن أن تبثـّه خوالج نفس سيمت الخسف من سيد بغداد في زمنه ,  ولولا وصول رسالة من أهله تخبره بمرض أمه , ولابد أدرك بحدسه أنه الموت , فقال :

إذا نأتِ العراقَ بنا المطـايا     فلا كنـّا ولا كان المطيّ ُ

على الدنيا السلامُ فما حياة ٌ     إذا فارقتـــــكم إلا نعيُّ

ولما نعى مشى , وشدّ رحاله مع الركبان إلى معرّة النعمان , وإلى اللقاء لتكملة العنوان , والله المستعان .  

       

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فيما يذكر ابن العديم في تاريخ حلب وفاته 395 هـ 1004م بدليل قوة ونضوج قصيدة رثاء أبيه

(2) هو أحمد بن إسحاق بن المقتدر بالله  , حكم بعد الطائع بالله ابن المطيع ابن المقتدر, أي  بين (381هـ - 422 هـ / 991م - 1031م

(3) هو أبو نصر فيروز  ابن عضد الدولة  , تسلطه بعد أخيه شرف الدولة ,أي  بين ( 380 هـ - 404 هـ / 990 - 1013م )

(4) موقع المكتبة الشاملة :مقال عن أبي العلاء



 (5) أدب الطف : السيد جواد شبر , الجزء الثاني ص 302 , مؤسسة التاريخ - 2001 م - بيروت

(6) سيرة أعلام النبلاء : محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي  ج 18 ص 31 مؤسسة الرسالة  - 2001 م -