lundi 18 novembre 2019

قراءة فكرية وتاريخية للمعتزلة الأصل والمعتزلة المعاصرة



أمير المعتزلة في الأردن

جدل مع فكر الإعتزال









قراءة فكرية وتاريخية للمعتزلة الأصل والمعتزلة المعاصرة


في هذا الملف
التعريف بالمعتزلة وبعده المواضيع التالية وهي :

1- تراتيب المواضيع النهضوية
2- رأي المعتـزلة في الجن
3-  رأي المعتـزلة في السحر
4– مقال موسوعة جدل الأفكار
5- في سبيل تصحيح مفاهيم الناس عن المعتـزلة
6- رأي المعتـزلة بالموت
7- العمارة الفكرية الاعتـزالية
8-الرأي في السلم والسلام
9- العيب المعرفي
10 - المعتـزلة وأسماء الله الحسنى


(1)


المعتزلة
يشكل هذا البحث ردا على المدونة الحديثة للحشوية السلفية ضد المعتزلة .
وعلى الأشاعرة الجبرية وهي لا تزال تختلق الكلام ضد المعتزلة .
تقدمت طرق البحث وبقيت الفرقتان في ضلالهما القديم .
ومن هذا الرد على الفرقتين يتكون عند القارئ مفهوم واضح عن المعتزلة .

تمهيد
قبل الدخول للتعريف بالمعتزلة ؛ لابد من ذكر ملاحظتين : الأولى : إنَّ تركة المعتزلة من الكتب ، قلَّ ما انتهى إلى هذا العصر ، لما نـزل به من الحرق والتدمير على يد السلطة والأشاعرة وأهل الحديث . والثانية : المقدار العظيم مما صب من قبل القوى الثلاث على رؤوس أصحابه من التقبيح والتكفير ، وترتب على ذلك أنَّ القليل الباقي من تراث المعتزلة العظيم وصل إلى هذا العصر من طرق ثلاثة هي : ـ
1.        ما حنَّتْ عليه الزيدية في اليمن لقرب مذهبهم من الاعتزال ، وإذ عثرت علية البعثة المصرية في رحلتها لليمن عام 1951 م وكانت برئاسة الدكتور خليل نامي شكلت إنقلابا في التفكير في. أمر المعتزلة ، وكان تأثيرها قويا .
2.        ما أدخره العلماء من الفرق الأخرى رغبة بالانتفاع بما فيه من علوم شتى ، مما لا علاقة له بأصول المعتزلة .
3.        ما انملق عن أيدي مضايقيه خفية أو صدفة ، مثل كتاب الانتصار للخياط ، وقد ورد على الورقة الأولى من كتاب الانتصار التوقيع التالي " وَقَفَ على هذا الكتاب وطالع بعضه ـ الفقير الـمحتاج إلى رحمة ربه تعالى وعفوه ـ محمد بن أحمد بن الصميدي الشافعي فوجد فيه الاعتناء بكلام المعتزلة ، والذب عنهم ، والأجوبة عن كلامهم ، فظهر له من ذلك أنَّ مؤلفه معتزلي ؛ فينبغي ألاَّ يطالع ويجتنب " انتهى التوقيع ، وبعد ذلك أقول وبالله التوفيق ومنه استمد العون .

التعريف :

المعتزلة فرقة إسلامية ؛ أو على الحقيقة منهج إسلامي ، نشأ في العصر الأموي في بدايته وليس في آخره ، كحركة وعي ، ومحاسبة ، وثورة ، في سبيل عودة حكم الرشد ، بعد تحوله لملك جبري عضوض ، على يد خلفاء بني أمية ، وازدهرت الحركة في العصر العباسي ، وقد اعتمدت المعتزلة العقل أول الأدلة ، وأثبتت أنه دليل مستقل ؛ احتاجت كل الأدلة الأخرى إلي العقل ؛ ولم يحتج هو إليها ، فالكتاب وهو الدليل الثاني احتاج للعقل لإثبات أنه دليل ، بعد أنْ تقرر في العقل خلال النظر : التوحيد التنـزيهي لذات الله ، وإثبات العدل في أفعاله ، أي بعد إقامة الدليل العقلي على توحيد الله  من خلال النظر في الكون ، أقام العقل الدليل على أنَّ الله لا يفعل القبيح ، فهو عدل في أفعاله كلها ، وبدون قيام الدليل العقلي على التوحيد والعدل ـ وهما أساسا الإيمان الإسلامي ، لا يمكن الاستدلال بالقرآن الكريم والاحتجاج بما يدل عليه ، هذان الأساسان الواضحان الضروريان للإيمان ـ مع بساطتهما ووضوحهما ـ لم ينظر إليهما من مؤرخي الفرق ـ وهم أهل عداء للمعتزلة ـ من الزاوية الصحيحة ، بل نظر إليهما بالقول : إنَّ المعتزلة اعتمدت العقل في فهم العقيدة الإسلامية لتأثرها ببعض الفلسفات المستوردة مما أدى إلى انحرافها عن عقيدة أهل السنة والجماعة . ومن المعلوم علما واضحا عدم وجود عقيدة اسمها عقيدة أهل السنة والجماعة ، كان الموجود الكلمة الجامعة المسلمون ، وعلى سبيل المدح المؤمنون ، وقد أطلق على المعتزلة  أسماء مختلفة منها : المعتزلة والقدرية والعدلية وأهل العدل والتوحيد والمقصد والوعيدية والاسم الذي ارتضوه لأنفسهم هو العدلية نقيضا للحبرية .

التأسيس وأبرز الشخصيات .

اختلفت رؤية مؤرخي الفرق المعادية للمعتزلة في تدوين أسباب ظهور الاعتزال ، واتجهت هذه الرؤية وجهتين .
   الوجهة الأولى : أن الاعتزال حصل نتيجة النقاش في مسائل عقدية دينية ـ الأصل أنْ توصف بالإيمانية ـ كالحكم على مرتكب الكبيرة ، والحديث في القدر ، بمعنى هل يقدر العبد على فعله أو لا يقدر ، ومن رأي أصحاب هذا الاتجاه أن اسم المعتزلة أطلق عليهم لعدة أسباب :
1- أنـهم اعتزلوا  المسلمين بقولـهم بالمنـزلة بين المنـزلتين . وهو كلام لا مصداقية له ، ولا واقع من تاريخ وفكر المعتزلة يدل على ذلك ، فالمسلمون كانوا على اختلاف في هذا الأمر : بين وعيدي مكفر ، وبين مرجئ يرى صاحب المعصية مؤمنا ، وبين من وصفه بالنفاق والنفاق كفر فكان قول المعتزلة حل لمسألة خلافية  .
2 - أنـهم عرفوا بالمعتزلة بعد أن اعتزل واصل بن عطاء حلقة الحسن البصري ، وشكل حقله خاصة به لقوله بالمنزلة بين المنزلتين فقال الحسن : " اعتزلنا واصل ". والحقيقة أن واصل وعمرو بن عبيد جلسا عند اسطوانة منه مسجد البصرة لنقاش موضوع المنـزلة بين المنزلتين .
3 - أو أنـهم قالوا بوجوب اعتـزال مرتكب الكبيرة ومقاطعته .
·        ولا تدل هذه الأسباب على قول يمكن أن يأخذ على محمل الجدية ، ذلك أنه يجعل الاعتزال ناشئا عن حدث نقاشي في مسجد البصرة ، ويهمل واقع الحسن البصري من كونه موصوفا بأنه قَدَرَيٌ أي عدلي ، أي غير قائل بالجبر ، فالاختلاف تم بين منْتَمِيَيْن للقول بالعدل ، فهو مجرد بلورة للموضوع ، وهو موضوع  أشغل ذهن المسلمين في تلك الفترة ، وهو وضع مرتكب الكبيرة ، والمقصود بمرتكب الكبيرة الوضع السياسي لحكام بني أمية ، من حيث الولاء والبراءة ، أو الثورة عليهم ، لوضع الأمور في نصابـها .
· والوجهة الثانية : أن الاعتزال نشأ بسبب سياسي ، حيث أن المعتزلة من شيعة علي رضي الله عنه اعتزلوا الحسن عندما تنازل لمعاوية ، أو أنـهم وقفوا موقف الحياد بين شيعة علي ومعاوية ، فاعتزلوا الفريقين . قاصدين بذلك من وقف على الحياد أثناء محاربة الإمام علي عليه السلام للناكثين بيعته طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ، وهذا الكلام باطل أيضا ، فمن أذاع هذه الشبهة فإنه يعالج موضوع الحكم في الإسلام من زاوية ضيقة جدا . إن الذين اعتزلوا القتال هم سعد بن مالك بن أبي وقاص وأسامة بن زيد وعبد الله بن عمر بن الخطاب ومحمد بن مسلمة الأنصاري .
·  أما القاضي عبد الجبار الهمذاني مؤرخ المعتزلة فيدون قوله : إنَّ الاعتزال ليس مذهباً جديداً ، أو فرقة طارئة ، أو طائفة ، أو أمراً مستحدثاً ، وإنما هو استمرار لما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته ، وقد لحقهم هذا الاسم بسبب اعتزالهم الشر لقوله تعالى : (( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ )) (مريم: من الآية48) ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من أعتزل الشر سقط في الخير ) . والحق الذي لا يمارى فيه في نشأة المعتزلة هو قول القاضي عبد الجبار .
·  لا بد من التفريق بين أصل فكر التوحيد والعدل ، وهما أساس الإسلام وبين نمو هذين الأصلين ، وهو تاريخ فكر المعتزلة عبر الزمان والمكان ، فالمؤرخ ـ أي مؤرخ ـ كان همه الكتابة عن تاريخ الاعتزال وليس عن جذر الاعتزال ، والقاضي في فكرته أكد جذر الاعتزال .
·  والواقع أن نشأة فكر الاعتزال كان ثمرة تطور تاريخي : لمنهج وقواعد ومبادئ فكرية ، و أسس عقدية ـ أي مواضيع إيمانية ـ وليدة النظر العقلي والتفكير ، ومحاولة الفهم الصحيح للنصوص الإسلامية : أي البلاغ : وهو القرآن ؛ والبيان وهو السنة ، وقد اقتضى هذا الموقف تأسيس أسس في كيفية التعامل مع الأدلة أمران :
الأول : محاولة حكام بني أمية تسويغ جورهم بفهم القدر فهما جبريا ، فوقف المعتزلة في وجه هذا الانحراف ، وقالوا : المعاصي ليست بقدر ، وهذا ما يدركه أي قارئ مبتدئ يقرأ عن المعتزلة ، حتى من مصادر خصومها .
الثاني : الدفاع عن الإيمان الإسلامي ، والتدليل على قضايا الإيمان الإسلامي بالحجة العقلية ، والبرهان الصادق ، والدليل الواضح ، والبينة الدالة ، وكان من نتاج هذا الموقف إنشاء علمٍ إسلاميٍ خالص ، هو علم الكلام ، ولقصور الخصوم عن القدرة على الوقوف في وجه طريقة المعتزلة ، زعموا كاذبين أنَّ المعتزلة   تأثرتْ بالفلسفة اليونانية ، والهندية تارة أخرى ، والعقائد اليهودية أو النصرانية في قول ثالث ، أو الخلط بين هذه الأقوال ، فيقول الخصوم تأثر المعتزلة بـمجموعها ، دون إقامة الدليل على أي من هذه الأقوال ،  وسيرى القارئ أو السامع هذه الصورة المزرية المزيفة في فقرة ( الجذور الفكرية والعقائدية ) .
·  قبل ظهور اسم المعتزلة ـ إثر النقاش في جامع البصرة في حلقة الحسن البصري ـ حول أسم مرتكب الكبيرة ، ومع وجود اسم جديد لمرتكب الكبيرة على يد واصل بن عطاء ، كان قد بدأ  جدل فكري ، بدأ بمقولات جدلية كانت هي الأسس الأولى للفكر المعتزلي ( فكر أهل العدل والتوحيد ) ، يمكن إيجاز  هذه المقولات وأصحابـها بما يلي :
·  مقولة : إنَّ الإنسان حر مختار بشكل مطلق ، وهو الذي يخلق أفعاله بنفسه قال ذلك : معبد الجهني ، الذي خرج على عبد الملك بن مروان مع عبد الرحمن بن الأشعث .. وقد قتله الحجاج عام 80هـ بعد فشل الحركة . وقبله من الثابت أنَّ عمرو المقصوص مربي معاوية بن يزيد الذي اعتزل الخلافة لعدم تمكنه من تطبيق العدل كما نصحه مربيه بقوله : اعدل أو انزل ! .
·  ومثل هذا القول قاله غيلان الدمشقي ـ في عهد عمر بن عبد العزيز ـ وقد قتله مع صالح قتلة شنيعة هشام بن عبد الملك بعد سنة 105هـ ، بفتوى من الأوزاعي  .
·  وقد أخطأ خطأً واضحا بينا مقصودا من ربط بين نشوء المعتزلة ( أهل العدل والتوحيد ) والجهمية ( أهل التوحيد والجبر ) ، ذلك أنَّ الربط جرى بسبب تشابه بعض أقوال المعتزلة في التوحيد معهم وهذه بعض أقوال هؤلاء التي تؤدي إلى الخلط بينهم وبين المعتزلة :
·        مقولة خلق القرآن ونفي المعاني في باب الصفات ، قالها الجهم بن صفوان ، وقد قتله سالم بن أحوز في مرو عام 128هـ ، لاشتراكه في ثورة الحارث بن سريج  .
·        وممن قال بنفي المعاني في باب الصفات  أيضاً : الجعد بن درهم الذي قتله خالد بن عبد الله القسري والي الكوفة سنة 118هـ في زمن هشام بن عبد الملك .
·        بين المعتزلة والجهمية خلاف أساسي وفرق واضح ، لا يتعامى عنه إلاَّ مدل بباطل , وأهل الحديث والأشعرية يعلمون هذا الفرق علما هم على يقين منه ، وهو القول في أفعال العباد ، فالمعتزلة تقول العباد يخلقون أفعالهم ، والجهمية جبرية لا ترى ذلك ، وحتى لا يعلم الناس الحقيقة عمدوا إلى هذا الخلط .
·        وقد برز اسم المعتزلة كنهج لدعوة إسلامية فكرية على يد واصل بن عطاء الغزال  ( 80 هـ 131هـ ) الذي حضر حلقة للحسن البصري حوالي 100هـ ، ولم يكن تلميذا له ، بل هو تلميذ لأبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب ، المقتول بدس السم له من قبل سليمان بن عبد الملك سنة 98هـ  ، النظرية الأموية ( إنَّ لله جنودا من عسل ) ، وقد اعتزل واصل وعمرو بن عبيد حلقة الحسن لإكمال النقاش ـ بعد قوله بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين ـ ( أي ليس مؤمنا ولا كافراً ) وأنه مخلد في النار إذا لم يتب قبل الموت ، وقد عاش واصل في أيام عبد الملك بن مروان وحتى مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية ، ومؤرخو الفرق بسبب حديث الفرق المزيف سموا اعتباطا هذا الموقف بفرقة معتزلية تنسب إليه تسمى : الواصلية .
·        تعتمد المعتزلة على العقل في التدليل على قضايا الإيمان الإسلامي ، وهم يسمون هذه القضايا   جليل الكلام ، ولا يجوز لمعتزلي أنْ يقول غيرها ، ولتقصيهم لمسائل جزئية فقد اختلفوا في أقوال سموها ( دقيق الكلام ) لا تؤثر بعد اتفاقهم على المبادئ الرئيسية ـ أي الأصول الخمسة ـ والتي ستذكر لاحقاً . وكل  شيخ من شيوخ المعتزلة أضاف مقالا في دقيق الكلام ، سماه مؤرخو الخصوم فرقة معتزلية ، فصار المعتزلة على قولهم 20 فرقة ، ولو طبق هذا القول على بقية الفرق والمذاهب : كالأشعرية وأهل الحديث وغيرهم ، لصارت كل واحدة منها مئات الفرق ، ولكنه التعصب والتزييف ، قال تعالى : (( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ )) (المطففين:1-6) .
·        لم يسم المعتزلة أنفسهم إلاَّ باسم أهل العدل والتوحيد أولا ، وأهل التوحيد والعدل ثانيا ، وعند ما أطلق اسم المعتزلة عليهم ـ إثر ما جرى في مسجد البصرة ـ قبلوا الاسم ؛ وسوغوه شرعيا كما مر وإذ اختلفت المعتزلة في قضايا دقيق الكلام كما وضح ، اهتبل المؤرخون ـ وهم خصوم للمعتزلة ولا يتصفون بالنـزاهة ـ فقالوا : بأنـهم فرق وطوائف ، وكل طائفة من هذه الطوائف جاءت ببدع جديدة تميزها عن الطائفة الأخرى .. وسمت نفسها باسم صاحبها الذي أخذت عنه ، ولا يساور الباحث أدنى ريبة ، بأنَّ هؤلاء المؤرخين على اطلاع على : كتاب ذكر المعتزلة للبلخي ، وطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار ، ولكنهم عمدا أداروا ظهورهم لوصف المعتزلة نفسها : بأنـها على نـهج واحد ، ودرب واحد ، وهدف واحد ، غاية هؤلاء المؤرخين وصم المعتزلة ، وتكميل عدد الفرق إلى 73 فرقة ، كما هو الحديث المزيف ، فما هو القول في حال مثل هؤلاء العلماء ! ؟ .
·        في العهد العباسي برز المعتزلة في عهد المأمون ، حيث اعتنق التوحيد والجبر ، أي كان متفقا مع طريق بشر المريسي ، والمأمون يوصف بأنه رجل دولة عباسي ، ويوصف بأنه كان على غاية من العلم ، وإذ رأى أن من الضروري فتح باب الجدل ، مشركا جميع الاتجاهات والآراء ، وكان من أبرز من اشترك ثمامة بن الأشرس وهو من شيوخ المعتزلة ، وجد أهل الأثر وحشو المعتقدات الفرصة سانحة لوصف المأمون بأنه تأثر بالمعتزلة ، وإن إعلانه الـمحنة هي صنعة المعتزلة ، مع أنَّ قاضي المأمون هو يحيى بن أكثم السني الحنبلي ، ولقوة المأمون لم يخش وجود قاض له من الحشوية ، بل أكثر القضاة كانوا من أهل الأثر الحشوية ، لكنه وقت أنْ حان أجله أوصى أخاه المعتصم بالاستعانة بقاض معتزلي هو : أحمد بن أبي دؤاد ، ومع أن محنة خلق القرآن بدأها المأمون ، ولم يكن ابن أبي دؤاد قاضياً للقضاة ، ولم يتول هذا المركز إلاَّ في عهد المعتصم ، فجعلوا أحمد بن أبي دؤاد رأس بدعة خلق القرآن ، ورأس المحنة ، وفاعل الشنائع في الـممتحنين مع كونه عكس ذلك تماما .
·        في محنة خلق القرآن امتحن الأثري أحمد بن حنبل مع كثيرين غيره ، لكن أحمد راوغ في القول أمام رئيس شرطة المأمون في الجواب ، فأرسل أحمد ومعه محمد بن نوح  إلى المأمون ، وكان يقاتل في الثغور ، ولكن المأمون مات قبل وصول أحمد إليه ، فأعيد إلى بغداد ، وإذ بقي على مراوغته وعدم الإقرار الصريح بخلق القرآن ، سجن  وضرب بأغصان فيها ورقها 68 جلدة في عهد المعتصم بعد وفاة المأمون ، وبقي في السجن لمدة عامين ونصف ، ثم أعيد إلى منـزله وبقي فيه طيلة خلافة المعتصم ثم ابنه الواثق موضوعا تحت الرقابة .
·        لما تولى المتوكل الخلافة عام 232هـ ـ ولمصلحة الدولة العباسية ـ  انتصر لأهل الأثر ، وأكرم الإمام أحمد ، وأنـهى عهد سيطرة المعتزلة على القضاء ، وألغى تبني فرض معتقد خلق القرآن وعدم رؤية الله يوم القيامة بالمحنة كما حدث خلال أربعة عشر عاماً .
·        في عهد دولة بني بويه عام 334 هـ في بلاد فارس – وكانت دولة شيعية زيدية – ومعلوم علاقة الزيدية بالاعتزال ، توطدت العلاقة بين الشيعة الزيدية والمعتزلة ، وارتفع شأن الاعتزال أكثر في ظل هذه الدولة ، فعين القاضي عبد الجبار رأس المعتزلة في عصره قاضياً لقضاء الري عام 360هـ ؛ بأمر من الصاحب بن عباد وزير مؤيد الدولة البويهي ، وهو من المعتزلة الزيدية ، يقول فيه الذهبي : " وكان شيعياً معتزلياً مبتدعاً " ويقول المقريزي : " إن مذهب الاعتزال فشا تحت ظل الدولة البويهية في العراق وخراسان وما وراء النهر " . وممن برز في هذا العهد : الشريف المرتضى الذي قال عنه الذهبي : " وكان من الأذكياء والأولياء المتبحرين في الكلام والاعتزال والأدب والشعر ، لكنه إمامي جلد ".
·        بعد ذلك وإثر صدور الوثيقة القادرية سنة 408هـ وفرض عقائدها ، انتهي الاعتزال كفكر مستقل إلا ما تبنته منه بعض الفرق كالشيعة وغيرهم .
·        تزعم المدرسة السلفية الحديثة ـ المولودة من الوهابية ـ بأن فكر الاعتزال عاد من جديد في الوقت الحاضر ، على يد بعض الكتاب والمفكرين ، الذين يمثلون المدرسة العقلانية الجديدة ، وهذا ما سيجري عليه الحديث مبسوطا ، عند الحديث عن فكر الاعتزال الحديث .
·        ومن أبرز مفكري المعتزلة منذ قبل إطلاق اسم المعتزلة عليها في زمن واصل بن عطاء ، وحتى اندثارها وتحللها ودخول آراءها في المذاهب الأخرى كالشيعة والأشعرية والماتريدية ما يلي :-
1.        أبو الهذيل محمد بن الهذيل العلاف ( 135 226 هـ ) مولى عبد القيس وشيخ المعتزلة والمناظر عنها. أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل بن عطاء ، اشتهر بعلم الكلام ، قال في مدحه المأمون :
أطل أبو الهذيل على الكلام   كإطلال الغمام على الأنام
له مقالات في الاعتـزال ومجالس ومناظرات ، وكان حسن الجدل قوي الحجة ، سريع الخاطر ، له كتب كثيرة ، وأخباره كثيرة ، جادل المجوس والمجبرة والملاحدة والشكاك ، أسلم على يده الكثير ،  قال بأن " الله عالم بعلم وعلمه ذاته ، وقادر بقدرة وقدرته ذاته … " إذ هو يرفض كثرة المعاني في ذات الله قال تعالى : (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )) (الإخلاص:1) للمعاصر علي مصطفى الغرابي كتاب في سيرته .

2       إبراهيم بن سيار بن هانئ النظام ( توفي سنة 231هـ ) لقبه أبو اسحق ، قال الجاحظ فيه : الأوائل يقولون في كل ألف سنة رجل لا نظير له ، فإن صح ذلك فأبو اسحق من أولئك ، درس    فلسفة أرسطو ونقضها وقال : بأن المتولدات من أفعال الله تعالى ، كان شاعرا أديبا بليغا ذكروا له كتبا كثيرة ، لم يصل أي كتاب منها ، لـمحمد عبد الهادي أبي ريدة كتاب في النظام . أعداء المعتـزلة يقولون : سمي بالنظام  لأنه كان ينظم الخرز بسوق البصرة ، والمعتـزلة تقول : إنـها من إجادته نظم الكلام .
3       - بشر بن المعتمر الهلالي أبو سهل  ( توفي سنة 210 هـ ) وهو من علماء المعتزلة ، شيخ المدرسة البغدادية ، له مؤلفات في الاعتـزال ، وله قصيدة من 40000 بيت رد فيها على جميع المخالفين ، قال : إن كل المتولدات من فعل الإنسان فهو يصح أن يفعل الألوان والطعوم والرؤية والروائح ، وإذ البغدادية تفضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حبسه الرشيد فقال شعرا منه :
لـسنا من الرافـضة الغلاة   ولا من الـمرجئـة الـجفاة

لا مفرطين بل نرى الصِّديقا    مـقدما والـمرتضى الفاروقا

نبرأ من عمرو ومن   معاوية    ومن بـغـاة في الزمان  غالية
كان زاهدا عابدا داعيا إلى الله ، ألزم نفسه بأن يدعو إلى دين الله كل يوم نفسين فإنْ أخطأه يوما قضاه ، كان يقص ويعظ في الجامع .
4        معمر بن عباد السلمي ( توفي سنة 220 هـ ) وهو من أعظم من تصدى لموضوع القدر إذ رفض إسناد أفعال الإنسان الاختيارية للقدر ورفض بل أكد في تدقيق القول بنفي الصفات الزائدة على الذات ونفي القدر خيره وشره في باب أفعال الإنسان عن الله وسمى أعداء المعتزلة من يرى رأي معمر بأنه من  طائفته : وقد أطلقوا اسما على طائفة متخيلة هي : المعمرية .
5       عيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى الملقب بالمردار ( توفي سنة 226هـ ) المتكلم العالم الزاهد ،   وكان يقال له : راهب المعتزلة لكثرة عبادته ، وهو أستاذ الجعفرين : جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب ، وقد سارا على نـهج أستاذهما في العبادة شهد مجلسا له أبو الهذيل وسمع قصصه بالعدل وحسن بيانه ، فقال هكذا شهدت أصحاب أبي حذيفة  يقصد واصل بن عطاء ، دفع أمواله كلها إلى المساكين خوفا من أن يكون فيها شبهة ، عرف بالتشدد في دين الله تعالى .
6        ثمامة بن أشرس النميري أبو معن ( توفي سنة 213هـ ) ، كان غاية في الذكاء ، يقطع حجة الخصم بتشنيع المسألة ، وكان عظيم القدر في الفصاحة والبلاغة وحسن الإفهام من أقواله : جهد البلاء عالم يجري عليه حكم جاهل ، وصدق أبو معن ، جاءه حشوي فقال له : دع مذهبك فقد رأيت فيك منامات قبيحة ، فأخذه إلى واحدة من بيع النصارى ، وسأل أهل البيعة ما الذي يرى في المنام في قسيس هذه البيعة ؟ فذكروا له المنامات العجيبة فقال للحشوي : تنصر .
7        عمرو بن بحر : أبو عثمان الجاحظ ( توفي سنة 256هـ ) وهو من كبار كتاب المعتزلة ، ومن المطلعين على مختلف العلوم ، له كتب في التوحيد وإثبات النبوة ونظم القرآن وحدثه ، وله كتاب فضيلة المعتزلة ونظراً لبلاغته في الكتابة الأدبية استطاع أن يعطي أفكاره المعتزلية في كتاباته  مثل ، البيان والتبيين ، وغيره من الكتب ، جمع إلى علم الكلام والفصاحة العلم بالأخبار والأشعار والفقه ، وفيه جد وهزل .
8        أبو الحسين بن أبي عمر الخياط ( توفي سنة 300هـ ) من معتزلة بغداد ، قال بشيئية المعدوم وهي قضية من قضايا عويص الكلام فقول الله تعالى : (( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) (الفاتحة:4) فمعنى شيئية المعدوم كونه معلوما له تعالى لا غير ، وهو الذي كتب كتاب الانتصار في الرد على ابن الراوندي . 9-القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني ( توفي سنة 415هـ ) فهو من متأخري المعتزلة ، قاضي قضاة الري وأعمالها ، وأعظم شيوخ المعتزلة في عصره ، وقد أرخ للمعتزلة وقنن مبادئهم وأصولهم الفكرية والعقدية في كتابه الموسوعي المغني في التوحيد والعدل وهو من 20 مجلد عثر على 14 منها ولا يزال مفقودا من الكتاب ستة أجزاء ، وترجع آراء المعتزلة المدونة الآن إلى كتب القاضي ، فهي الكتب التي سلمت من الإتلاف .
ما يجب علمه علما واضحا أنَّ الاعتزال ليس هو هؤلاء الشيوخ التسعة ، فهم من الكثرة بحيث كان منهم عالم الكلام ، وعالم العربية ، بل علماء العربية على الغالب هم معتزلة بلا منازع ، من سيبويه وحتى الزمخشري ، وعلماء الفقه والتفسير والحديث وكثرة من العترة وكثير من الناس وعلماء الكونيات ولكن يجب أن يعلم أنهم رفضوا الفلسفة ومنطقها ، والتزموا التزاما تاما بالمعرفةالإسلامية .

المبادئ والأفكار

·        جاءت المعتزلة في بدايتها قبل سنة 80 هـ بفكرتين صادقتين مهمتين في التكليف ، ورغم برهان صدقهما وحيويتها وضرورتـهما للإسلام والالتـزام به ، جعلا موضع التنديد ظلما وعدوانا وهما :   
- الأولى : القول بأن الإنسان مختار بشكل مطلق في كل ما يفعل ، فهو يخلق أفعاله بنفسه ، ولذلك كان التكليف ، ومن أبرز من قال ذلك معبد الجهني ، الذي قتل على يد الحجاج سنة 80 هـ ثم غيلان الدمشقي ، الذي أخذ يدعو إلى مقولته هذه في عهد عمر بن عبد العزيز وكان  موضع رضى عمر بن عبد العزيز ، حتى عهد هشام بن عبد الملك ، فكانت نـهايته أن قتله هشام بسبب ذلك بعد سنة 105هـ .
·        الثانية : القول بأن مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً ولا كافراً ، ولكنه فاسق فهو بمنزلة بين المنزلتين ، هذه حاله في الدنيا ، أما في الآخرة فهو لا يدخل الجنة ، لأنه لم يعمل بعمل أهل الجنة بل هو خالد في النار ، ولا مانع عند المعتزلة من تسميته مسلماً باعتباره يظهر الإسلام وينطق بالشهادتين ، ولكنه لا يسمى مؤمناً ، ومع وضوح صدق الفكرتين ، وأهميتهما من ناحية التكليف ، والتزام الفرد والجماعة والدولة بمفاهيم الإسلام ، إلاَّ أنَّ أهل السنة والجماعة وهي فرق وليست فرقة واحدة ، بل هم في حالة التناحر من جهة ، وتضلل كل مجموعة المجموعات الأخرى ـ وهم على اختلاف مناهجهم وتناحرها يصفون أنفسهم بأنهم أهل السنة والجماعة ، أي سنة معاوية ، وهم  يقبلون بالجور و يقولون بأن المعاصي والجور قدر الله فينا ، فيصفون الله بالظلم ـ تعالى عن ذلك ـ مع هذا وصفوا  الفكرتين بالابتداع ، ليحل محلها الجبر المقنع ، الكسب الأشعري ، والفاعلية الإنسانية للفعل ـ مع خلق الله لعين الفعل ، وهم لا يقصدون التمكين والاستطاعة قبل الفعل ، ولا قدرة الإنسان على الفعل والترك قبل الفعل ، وأثناء التلبس به بل هم أهل جبر  صريح .

·                    حَصَرَ المعتزلةُ مذهبَهُم في خمسة أصول هي : ـ
1-              التوحيد .
2-               العدل .
3-               صدق الوعد والوعيد .
4-               المنزلة بين المنزلتين .
5-               الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وهذه معاني الأصول الخمسة : ـ
1- التوحيد : وخلاصته برأي المعتـزلة : هو أن الله تعالى منـزه عن الشبيه والمماثل (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )) (الشورى: من الآية11) وقوله تعالى : (( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ )) (الإخلاص :4) وقوله تعالى في معرض مدح ذاته : (( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )) (الأنعام:103) 0 وهذه الآيات محكمة ، لا تنازعها الآيات المتشابـهة ، ولا بأي حال من الأحوال ، والله تعالى ـ دل العقل وقرر ذلك النص ـ بأنه ليس جسما ، ولا يحويه الزمان ، ولا يحيط به المكان ، وهو الغني المهيمن فلا ينازعه أحد في سلطانه ولا يجري عليه شيء مما يجري على الخلق كله  .
·        وترى الحشوية أنَّ قول المعتزلة حق ، ولكنه ليس على إطلاقه ، ولهذا يعترضون على بناء المعتزلة كنتائج ضرورية ، ولازمة للقول بالتـنـزيه منها : استحالة رؤية الله ، فالله عند المعتزلة ليس جسما حتى يرى ـ تعالى عن ذلك ـ ويعترض الحشوية على نفي المعتزلة لمعاني الصفات المعنوية بعد إثباتـها  ، ويعترضون على قول المعتزلة : إنَّ الصفات ليست شيئاً غير الذات ، وهذا النفي لم يقل به المعتـزلة للحذر من تعدد القدماء ، بل لنفي افتقار الذات ـ في صفة الكمال ، للمعاني الزائدة عن الذات ، ويرتب الحشوية والمشبهة على ذلك عد المعتزلة من نُفاة الصفات ، ولكمال التوحيد عند المعتزلة تبنوا عدل الله في الأفعال ، وأفعاله محدثة من قبله تعالى ، وكلام الله من أفعاله ، فهو على ذلك مخلوق لله سبحانه وتعالى ، فالمعتزلة ترى أن الكلام فعل له تعالى ، فليس للمتكلم كلمة تضادها ، فالساكت والأخرس ليس ضدا في المعنى للمتكلم ، فالساكت في محل القدرة على الكلام ولكنه لا يفعله والأخر من حلت به آفة في آلة الكلام عنده ، وإذ لا ضد لها مثل القادر ضده العاجز والعالم ضده الجاهل ، فيكون كلام الله فعله للكلام .
2- العدل : ومعناه عند المعتزلة : أن الله تعالى لا يفعل القبيح ، ولا يظهر الـمعجز على يد الكذابين ، وهو مكلف للعباد بما فيه صلاحهم ، فالله لا يخلق أفعال العباد ، ولا يحب الفساد ، بل إن العباد يفعلون ما أمروا به ، وينتهون عما نـهوا عنه ، بالقدرة التي جعلها الله لهم ، وركبها فيهم ، وأنه لم يأمر إلا بما أراد ، ولم ينه إلا عما كره ، وأنه تعالى ولي كل حسنة أمر بـها ، بريء من كل سيئة نـهى عنها ، لم يكلفهم ما لا يطيقون ، ولا أراد منهم ما لا يقدرون عليه . وذلك لوضوح التفريق عندهم بين إرادة الله تعالى الكونية وإرادته الشرعية ، فالمعتزلة تقول بكل قوة في باب الإرادة الشرعية يقع من خلق الله المكلفين ما لا يريده ، ولكنه ليس عن عجز بل على مقتضى حكمة التكليف .
3- صدق الوعد والوعيد : فلا يخلف الله وعده ولا وعيده ، وهذا يعني أن يجازي الله المحسن إحساناً ويجازي المسيء سوءاً ، ولا يغفر لمرتكب الكبيرة إلا أن يتوب في دنياه  .
4- المنـزلة بين المنـزلتين : وتعني أن مرتكب الكبيرة له اسم بين الاسمين ، وحكم بين الـحكمين ، أي في منزلة بين الإيمان والكفر ، فليس بمؤمن ولا كافر . وقد قرر هذا واصل بن عطاء شيخ المعتزلة .
5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : لقد قررت المعتزلة هذا الأصل العظيم ، الثابت عقلا ، والمطلوب شرعا ، وهو وجوب ذلك على المؤمنين : نشراً لدعوة الإسلام ، وهداية للضالين ، وإرشاد للغاوين ، كل بما يستطيع : فذو البيان ببيانه ، والعالم بعلمه ، وذو السيف بسيفه وهكذا . ومن حقيقة هذا الأصل أو ما يترتب عليه وجوب الخروج على الحاكم إذا خالف وانحرف عن الحق .
·        المعتزلة ترى في العقل أنه أول الأدلة ، تحتاج الأدلة الأخرى إليه ، ولا يحتاج العقل إليها ، واعتماد العقل دليلا أمر واضح ، فبالعقل تعرف حقائق الأشياء ، و به يتم إدراك المواضيع ، ومنها الإيمانيات أي العقائد ، والحكم بحسن الأشياء وقبحها يتم عقلا ،ً فقالوا كما جاء في الملل والنحل للشهرستاني : " المعارف كلها معقولة بالفعل ، واجبة بنظر العقل ، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع ، أي قبل إرسال الرسل "، والحسن والقبح صفتان ذاتيتان للأشياء والأفعال ، فالعقل ميزان للحسن والقبيح .
·        والعقل أيضاً يفهم النص القرآني حسب قواعد اللسان العربي ، فما سماه السلفية الحشوية تأويل الصفات ، هو مقتضى اللسان ، وهو شائع ومشهور في لغة العرب ، والقرآن الكريم يفهم بالعربية لا بعجمة اللسان ، وأهل الأثر هم من أهل عجمة اللسان ، فالاستواء واليد والعين والمحبة والرضى والغضب والسخط وغير دلك من الأفعال وأسماء الجوارح ليست من الصفات لله تعالى ، ولا لغيره فالاستواء فعل معلوم والبحث في معناه حسب لسان العرب ، واليد والعين أسماء جوارح وتتسع لمعان أخرى ، فهي ليست صفات ، والمحبة والرضى والغضب والسخط أفعال دالة على المشاعر ، وليست صفات ، وتتسع حسب لغة الغرب لمعان أخرى ، فمن أين جئتم أيها الحشوية الـمجسمة بأن المعتزلة معطلة في باب الصفات ؟ !!! .
·         وقد زعمت السلفية الحشوية ـ القديمة والمعاصرة ـ لاعتمادهم على أقوال مؤرخي الفرق ، وهم من الأشاعرة ، الذين لا يتورعون عن التزييف ، أنَّ كبراء المعتزلة طعنوا في أكابر الصحابة ، وشنعوا عليهم ، ورموهم بالكذب ، فقد زعموا أنَّ واصل بن عطاء قال : إنَّ إحدى الطائفتين يوم الجمل فاسقة ، وحتى يشنعوا على المعتزلة قاموا بتعداد مشهورين من جيش علي عليه السلام يوم الجمل فذكروا من جيش علي : علي بن أبي طالب نفسه وعمار بن ياسر ، والحسن ، والحسين ، وأبي أيوب الأنصاري ، أو من الجيش الآخر : عائشة والزبير وطلحة ، وزعم الحشوية أنـهم ردوا شهادة هؤلاء الصحابة فقولوا واصل : لا تقبل شهادتـهم . والتمعن في المقال ومبانيه ومعانيه ودلالته يبين عن كونه مقالا مخترعا .
·        ويرجع الحشوية السلفية اختلاف المعتزلة في دقيق الكلام ، لا لكون القضية راجعة للنظر ، بل جعلوا السبب على رأي الحشوية هو اعتمادهم على العقل فقط كما يزعم الحشوية ، ويزعمون لأنفسهم عدم الاختلاف لأنـهم على النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة ، فهم ـ أي السلفية ـ في محل الاتباع بدون بحث واستقصاء ، لكن المعلوم أنَّ السلفية قد اختلفت كثيرا وما تشهده ساحة العالم الإسلامي من اختلافاتهم كثير جدا ـ رغم دعوى أنـهم ليسوا من أهل العقل ـ وهكذا تسقط القاعدة التي يستندون إليها ، في تسويغ الهجوم على طريقة المعتزلة ، نعم إنَّ المعتزلة تؤكد :" كل مكلف مطالب بما يؤديه إليه اجتهاده في أصول الدين ، رفضا للتقليد ، لكن وفق نظام الأدلة الواضح ، ولهذا لا يختلفون في الأصول "،  ولكن في دقيق الكلام وفي علم الفروع فجائز فيه الاختلاف ، ولذلك يصف المعتزلة علم الفروع بقولـهم : هذا علم لكل مجتهد فيه نصيب ، فلا تختلف المعتزلة في الأصول ، وترفض التقليد فيها ، ولكن قد يختلف التلميذ مع شيخه في مسألة من دقيق الكلام ، وفي فروع الفقه ، فهل هذا عيب من عيوب المعتزلة ؟ ليقول خصوم المعتزلة إنَّ هذا الاختلاف جعلهم فرقا تنوف على العشرين ، هذا غيض من فيض من تـجنيات الأشاعرة والسلفية وغيرهم على المعتزلة ، والرأي الحق في المعتزلة أنـها منهج لفهم الإسلام وتفعيله في الحياة الدنيا ليس غير .
·        وتصر الحشوية المـجسمة ويشاركهم على استحياء الأشاعرة على أن المعتزلة قد حولوا الدين إلى مجموعة من القضايا العقلية ، والبراهين المنطقية ، وذلك لتأثرهم بالفلسفة اليونانية عامة ، وبالمنطق الصوري الأروسطي خاصة ، ولا يكلفون أنفسهم قراءة ردود المعتزلة وهي ردود مشهورة على الفلسفة والمنطق ، فقد رد عليهم النظام والناشئ الأكبر ، ومعلوم مناظرة السيرافي ليونس بن متى المنطقي ، ورأي القاضي عبد الجبار ، وما هو مدون الآن حول صلة المعتزلة بالفلسفة والمنطق يعري من زعم تأثر المعتـزلة بقضايا الفلسفة أو استعمال المنطق للتدليل على قضاياهم    .
·        ويزعم المعاصرون من أهل الحديث والأشعرية قائلين :  إنَّ  علماء الإسلام قد فندوا آراء المعتزلة في عصر المعتزلة ، منهم أبو الحسن الأشعري الذي كان من المعتزلة فارتد عليهم ، ومنهم أحمد بن حنبل الذي اكتوى بنار فتنتهم المتعلقة بخلق القرآن ويزعمون أنه وقف في وجه هذه الفتنة بحزم وشجاعة نادرتين ، والسؤال لمصلحة من يبترون التاريخ ؟  هل كان أحمد هو الثابت دون كل الـممتحنين ؟ فإذا وجد غيره فلماذا أهملوا في الذكر ؟ ومناكفتهم للمعتزلة هل يعني أنـهم على حق في المناكفة ؟ هم أهل باطل واضح في مناكفتهم  .
·        ويدعي سلفية هذا العصر متبجحين : إنَّ من الردود قوية الحجة ، بارعة الأسلوب ، رد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - عليهم في كتابه القيم : درء تعارض العقل والنقل فقد تتبع آراءهم وأفكارهم واحدة فواحدة ورد عليها رداً مفحماً .. وبين أن صريح العقل لا يمكن أن يكون مخالفاً لصحيح النقل . وهو قول عار عن الصحة ، إذ ابن تيمية  عاش في زمن انقراض المعتزلة ، فعلى من كان يرد ؟.
·        وقد أكثر المعاصرون من  الذكر أكثر من مرة في معرض النقد والتعريض أنَّ المعتزلة  اعتمدت على العقل في التعامل مع نصوص الوحي ، وليت شعري يصل مسامعهم ، ومسامع الأشعرية التي تمسك العصا من الوسط هل يتعاملون مع النصوص ببطونـهم ؟ !!! وإذ وجدوا في الأقوال هذه أنـهم في حالة تورط قالوا وهذا كلامهم : " وقد يتوهم أحد أن الإسلام ضد العقل ويسعى للحجر عليه . ولكن هذا يرده دعوة الإسلام إلى التفكر في خلق السموات والأرض والتركيز على استعمال العقل في اكتشاف الخير والشر وغير ذلك مما هو معروف ومشهور مما دعى العقاد رحمه الله إلى أن يؤلف كتاباً بعنوان : ( التفكر فريضة إسلامية ) ويستمر بعد ذلك فيقول : ولـهذا فإن من انحرافات المعتزلة هو استعمالـهم العقل في غير مجاله : في أمور غيبية مما تقع خارج الحس ، ولا يمكن محاكمتها محاكمة عقلية صحيحة ، كما أنـهم بنوا عدداً من القضايا على مقدمات معينة ، فكانت النتائج ليست صحيحة على إطلاقها ، وهو أمر لا يسلم به دائماً ، حتى لو اتبعت نفس الأساليب التي استعملوها في الاستنباط والنظر العقلي : مثل نفيهم الصفات عن الله اعتماداً على قوله تعالى : (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )) (الشورى: من الآية11) . ويعلق الكاتب : ـ وكان الصحيح أنْ لا تنفى عنه الصفات التي أثبتها لنفسه سبحانه وتعالى ، ولكن تفهم الآية على أن صفاته سبحانه وتعالى لا تماثل صفات المخلوقين ، وقد حدد العلماء مجال استعمال العقل بعدد من الضوابط منها :
·        أن لا يتعارض مع النصوص الصحيحة . ولا يعلم واحد يرى أن النص ـ وهو يفهم بالعقل ويبنيه وفق نسقه الفكري ـ في حالة تعارض مع العقل ، فكيف يجري التعارض بين العقل والنص ؟
·        أن لا يكون استعمال العقل في القضايا الغيبية التي يعتبر الوحي هو المصدر الصحيح والوحيد لمعرفتها. والتعقيب على هذا القول هل يؤمن الحشوي السلفي بأن المسيح ابن الله وهذا أمر غيبي ، وإذا قال طبعا لا يؤمن فالسؤال الطبيعي لماذا ؟ فإن قال السبب نفي القرآن ذلك ، فيأتي السؤال الآخر لماذا قبلت نفي القرآن ورفضت إثبات النص النصراني ؟ فما هو جوابك أيها الحشوي ولا بد أن تقول : قبلته بالموروث أو بدليل شهادة العقل للقرآن بأنه خبر الصادق ، وهنا يكون الحشوي قد سقط على رأسه حاول نفي العقل فأثبته .
·        أن يقدم النقل على العقل في الأمور التي لم تتضح حكمتها " وهي ما يعرف بالأمور التوقيفية ".
ولا شك أن احترام الإسلام للعقل وتشجيعه للنظر والفكر لا يقدمه على النصوص الشرعية الصحيحة . خاصة أن العقول متغيرة وتختلف وتتأثر بمؤثرات كثيرة ، تجعلها لا تصلح لأن تكون الحكم المطلق في كل الأمور . ومن المعروف أن مصدر المعرفة في الفكر الإسلامي يتكون من : ـ
1-الحواس وما يقع في مجالها من الأمور الملموسة من الموجودات .
2-العقل وما يستطيع أن يصل إليه من خلال ما تسعفه به الحواس والمعلومات التي يمكن مشاهدتها واختبارها وما يلحق ذلك من عمليات عقلية تعتمد في جملتها على ثقافة الفرد ومجتمعه وغير ذلك من المؤثرات .
3-الوحي من كتاب وسنة حيث هو المصدر الوحيد والصحيح للأمور الغيبية ، وما لا تستطيع أن تدركه الحواس ، وما أعده الله في الدار الآخرة ، وما أرسل من الرسل إلخ …
وهكذا يظهر أنه لا بد من تكامل العقل والنقل في التعامل مع النصوص الشرعية كل فيما يخصه وبالشروط التي حددها العلماء .
هذا هو التعليق على هذه الأقوال الخادعة :
يضع أهل النص قضايا ، تخدع في ظاهرها البسطاء من الناس ، ولكنها من حيث الحقيقة تفقد المعنى والمضمون ، فالحواس الخمس مثلا هي وسائط العقل لإدراك المحسوسات ، فليست هي التي تدرك المحسوسات ، فلو تعطلت مراكز المعلومات ـ لحاسة أو لجميع الحواس في المخ ـ  لما وجد للحواس أية قيمة لإدراك المحسوسات ، فالعملية العقلية التي تدرك بـها المحسوسات ليس سببها مجرد الحس بـها بل هي حالة تعلم قال تعالى : (( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )) (النحل:78) فالحواس ليست مصدرا للمعرفة بل هي وسائط العقل لمعرفة المحسوسات ، وبـهذا الشرح تسقط الطريق الأولى للمعرفة عند أهل النص .
ومثل الحواس النص ، فليس النص طريقا للمعرفة ، بل هو موضوع يعرف العقل بواسطته معنى النص ودلالة النص على مدلوله ، فالنص المسيحي في التجسيد والفداء وكونه ابن الله الوحيد ؛ يدرك العقل معنى المبنى ، ولكن العقل يكذب المضمون ، فالنص عاريا ـ من إدراك العقل ـ له مبنى ومعنى ، ولكنه لا يقدم معرفة ، بل يقدم منطوقا يحفظ ، ولكنه ليس معرفة ، فالنص إذن محتاج للعقل في قضايا عديدة :  أولا في إضافة النص إلى منشئه ، والحكم على كونه نص الصادق الذي لا يكذب ، والتثبت من كونه نص الصادق يقينا أو ترجيحا ، ويأتي حكم العقل على النص من حيث هو محكم أو متشابه ، قال تعالى : (( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ )) (آل عمران:7) ليقوم بعد ذلك العقل بمعرفة مبناه ومعناه ودلالته على مدلوله ، فالنص دون قراءته لا يقدم معرفة ، وليس مصدرا للمعرفة ، والنص ليس ناطقا بالمعرفة ، بل دال على معرفة ، وهي لا تعلم وتتضح إلاَّ من خلال العقل ، فالنص لا معنى له دون عقل ، وفي هذا ينهار القول بطريق المعرفة الثالث ، ويبقى طريق المعرفة الوحيد العقل لا غير ، ولكنه يسلك سبلا متعددة ، ومناهج مختلفة ، للوصول إلى المعرفة ، فالمسألة واضحة بينة ، فلا خلاف في أنَّ النص من سبل العقل للحصول على المعرفة ، ويتحدد الخلاف بين المختلفين على كيفية فهم النص ، وليس على أن النص يحوى في مبناه معنى مرجعية ، لكنها مرجعية سكونية لا تتحرك إلاَّ بفهم العقل للنص ، وإدراك المدلول ونوعه ، إلخ الشروط المطلوبة ، فالعقل حجة مستقلة لا تحتاج لغيرها ، والنص مرجعية تحتاج العقل احتياجا لازما ، هذه هي طريقة التعامل مع المرجعيات ، وإلاَّ فالجهالة الجهلاء ، والضلالة العمياء ، والغي الموفي بأهله إلى النار . فاتقوا الله أيها الحشوية السلفية المستعيرة من النصرانية واليهودية دينها , وليتق الله الأشاعرة الانتهازية الكاذبة على ربها والملفقة لقولها .

الجذور الفكرية والعقائدية من زاوية جدلية
ملاحظة ضرورية : الموضوع من حيث أصله منشور في الشبكة الإلكترونية بعنوان (( وَمَا كُنْت مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً )) (الكهف: من الآية51) . وهو حديث مكرر ، إذ لا يعيد الكاتب الذي كتبه رجع النظر ؛ بالزيف من الأقوال ؛ والخطل في الأحكام ، والأصل الآن ـ وقد نضجت طريقة البحث وأدواته ـ الخروج من الاتـهام والكذب إلى دائرة الحق قال تعالى : قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ )) (يونس:35) ولوضع الموضوع تحت مجهر البحث والتدقيق ، أضيف على عنوانه عبارة من زاوية جدلية .
قبل الدخول للموضوع يوضع السؤال التالي : هل هذا بحث علمي أم تشويه حديث ؟
ستعالج هذه الدراسة الموضوع من زاويتين : أولا ذكر أقوال الخصوم ، والثاني الرد عليهم . وعلامة قول الخصوم علامة الفقرة ، وعلامة الرد هذه الإشارة *
·    هناك رواية  ترجع الفكر المعتزلي في الصفات إلى أصول يهودية فلسفية فالجعد بن درهم أخذ فكره عن أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت وأخذها طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي.
وقيل : إن مناقشات الجهم بن صفوان مع فرقة السمنية - وهي فرقة هندية تؤمن بالتناسخ - قد أدت إلى تشكيكه في دينه وابتداعه لنففي الصفات .
* ذكرت الفقرة خمسة أسماء ليس لواحد منهم علاقة بالمعتزلة ! وثلاثة منهم مجهولون عينا وحالا وهم السند اليهودي ، أما الجعد بن درهم والجهم بن صفوان فهما رأس الجبرية القائلة بالتوحيد ، ولا علاقة لـهما في دعوة أهل التوحيد والعدل ( المعتزلة ) ، ويوصفان في السير أي التاريخ بأنـها قائلان بالجبر وداعيان له ، ومع هذا ثارا على بني أمية فقتلا ، وهذا هو التزييف المقصود ، لكن سوق الفقرة أيضا ب : هناك رواية و قيل ـ أي بما يفيد التشكيك ـ فهل يجوز بناء البحث العلمي على : هناك رواية و قيل ؟ وما هو أشد نكاية من كل ذلك هو القول : " ترجع الفكر المعتزلي إلى أصول يهودية فلسفية " فهل الأصول اليهودية تقول بتنـزيه الله تعالى عن الجسم والمكان والزمان ؟ هذا من جهة ومن جهة أخرى ما معنى أصول يهودية فلسفية ؟ .
·        ويواصلون مزاعمهم قائلين : إن فكر يوحنا الدمشقي وأقواله تعد مورداً من موارد الفكر الاعتزالي ، إذ أنه كان يقول بالأصلح ونفي الصفات الأزلية وحرية الإرادة الإنسانية .
·        وهذه الدعوى التي تقدم دون ذكر المصدر ، ودون ذكر من أدعى مثل هذه الدعوى ، هي من أنواع مغالطات السلفية الكثيرة ، بل هو كلام مزور و مخترع لا أصل له ، فمن أين جاء المدعي بأنَّ يوحنا الدمشقي يقول بالأصلح ، ويقول بنفي الصفات الأزلية ، وحرية الإرادة الإنسانية ، الدمشقي يقول بقدم كلمة الله كأي نصراني ، وفي نقاشه مع الحشوية أمثال القائل ألزمهم بقدم كلمة الله ، والمسيح كلمة الله بنص القرآن ، فيكون قديما غير مخلوق ، وكل من يقول هذا القول : فلازمه ليس فعل الأصلح ، بل تجلي الإرادة القديمة ، وليس من مقتضى من يقول بقدم الكلمة : القول بحرية الإرادة فهذا تخليط مقصود ، فالقول بقدم الكلمة موصل حتما إلى الجبر ، والمعتزلة لا تنفي صفات الله تعالى بل ترفض أن تستدعي الصفة معنى زائد عن الذات ، فالله ليس محل افتقار لمعان زائدة عن ذاته ، وهذا منهج القائلين بالتوحيد الخالص ، و نقد قول المعتزلة : إنَّ الله لا يفعل إلاَّ الأصلح لعباده يكشف حقيقتهم ، فهل يرون أنَّ الله يفعل الأقبح لعباده ؟ ! .
·        ونفي القدر عند المعتزلة الذي ظهر على يد [معبد] الجهني وغيلان الدمشقي ، قيل : إنـهما أخذاه عن نصراني يدعى أبو يونس سنسويه وقد أخذ عمرو بن عبيد صاحب واصل بن عطاء فكرة نفي القدر عن معبد الجهني ، والسؤال من هو أبو يونس سنسويه هذا ؟ لماذا هذه الإدعاءات المتناقضة ؟؟ .
·        إنَّ القول الثابت هو قتل معبد سنة 80 هـ ومولد عمرو بن عبيد هو 80هـ ، فليقل هذا المدعى كيف أخذ عمرو بن عبيد مسألة نفي القدر من معبد ؟ هذا من
يقصد السلفية الجبرية والأشعرية الكسبية [والقول بالكسب هو قول أسوأ صورة من القول بالجبر]بقولهم إنَّ المعتزلة تقول بنفي القدر أي قول المعتزلة إنَّ الله تعالى لم يقدر أفعال العباد بل قدر قدرتهم على الاختيار في أفعالهم  ، أليس هذا القول هو الحق وغيره الباطل ؟
·        تأثر المعتزلة بفلاسفة اليونان في موضوع الذات والصفات ، فمن ذلك قول أنباد بن قليس الفيلسوف اليوناني : " إن الباري تعالى لم يزل هويته فقط وهو العلم المحض وهو الإرادة المحضة وهو الجود والعزة ، والقدرة والعدل والخير والحق ، لا أن هناك قوى مسماة بهذه الأسماء بل هي هو ، وهو هذه كلها " انظر ا لملل والنحل ج 2 / ص58.
·                    وكذلك قول ارسطو طاليس في بعض كتبه " إن الباري علم كله قدره كله ، حياة كله ، بصر كله .
·        فاخذ العلاف وهو من شيوخ المعتزله هذه الأفكار وقال : إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته قادر بقدره وقدرته ذاته ، حي بحياة وحياة ذاته .
·        وأخذ النظام من ملاحدة الفلاسفة قوله بإبطال الجزء الذي لا يتجرأ بنى عليه قوله بالطفرة ، أي أن الجسم يمكن أن يكون في مكان ( أ ) ثم يصبح في مكان ( ج ) دون أن يمر في ( ب ) .
وهذا من عجائبه حتى قيل : إن من عجائب الدنيا : " طفرة النظام وكسب الأشعري "
.
يبذل السلفيون والأشاعرة الجهود المضنية لإثبات علاقة المعتزلة بغيرها من أهل الأديان والمقالات والأفكار ، ضاربين عرض الحائط بالجذر الذي أنشأ المعتزلة عليه أقوالهم ، والزمن الذي نشأت به المعتزلة والمكان ، فالمعتزلة تبدأ مع الإسلام ، وهذا ما يدل عليه وجود أوائل للمعتزلة سابقين لعهد الترجمة ، فالمعتزلة تقول بالتوحيد والعدل على فهم واضح ، فهل لم يأت الإسلام بالتوحيد والعدل وجاء بالتشبيه والجبر ؟ هل يمكن لمن ينقد المعتزلة إثبات أنًَّ الدين الإسلامي جاء بالتشبيه والجبر ؟ لإثبات دعوى تأثر المعتزلة بغيرها ! أم هو من الكلام الذي يلقى دون دليل ، ومثل ذلك إضافهم للمعتزلة من ليس منهم ، أنظر القول التالي .
·        إنَّ أحمد بن خابط والفضل الحدثي وهما من أصحاب النظام قد طالعا كتب الفلاسفة ومزجا الفكر الفلسفي مع الفكر النصراني مع الفكر الهندي وقالا بما يلي :
1-                   إن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة .
2-                   إن المسيح تدرع بالجسد الجسماني وهو الكلمة القديمة المتجسدة .
3-                   القول بالتناسخ .
4-           حملا كل ما ورد في الخبر عن رؤية الله تعالى على رؤية العقل الأول هو أول مبتدع وهو العقل الفعال الذي منه تفيض الصور على الموجودات .
أحمد بن خابط أو حائط وفضل الحدثي هل هما من المعتزلة ؟ وهل لـهما بقية في المسلمين ؟ وهل ذكرت المعتزلة بأنـهما منهم في طبقاتـها ؟ المعتزلة لها أصول حمسة كما مر من آمن بـها كان من المعتزلة ومن خالفها فليس من المعتزلة ، فهل يفهم من يريد الكتابة عن المعتزلة أو القول عنها ذلك ؟
·        يؤكد العلماء تأثير الفلسفة اليونانية على فكر المعتزلة بما قام به الجاحظ وهو من مصنفي المعتزلة ومفكريهم فقد طالع كثيراً من كتب الفلاسفة وتمذهب بمذهبهم - حتى إنه خلط وروج كثيراً من مقالاتهم بعبارته البليغة .
·        ومنهم من يرجع فكر المعتزلة إلى الجذور الفكرية والعقدية في العراق - حيث نشأ المعتزلة الذي يسكنه عدة فرق تنتهي إلى طوائف مختلفة ، فبعضهم ينتهي إلى الكلدان وبعضهم إلى الفرس وبعضهم نصارى وبعضهم يهود وبعضهم مجوس . وقد دخل هؤلاء في الإسلام وبعضهم قد فهمه على ضوء معلوماته القديمة وخلفيته الثقافية والدينية .
العقدة الكبرى عند أعداء المعتزلة هي تزوير مثالب لهم ، ويعجز الواحد منهم عن تقديم الدليل والبرهان ، فيعمد إلى التقول على المعتزلة جزافا ففي فقرة يرمون الجاحظ بأنه متأثر بالفلسفة اليونانية دون تقديم نص واحد حول ذلك وفي الفقرة التي تليها مباشرة يرجعون المعتزلة للجذور الفكرية والعقدية في العراق بسبب الخلفية الثقافية فهل يقبلون إرجاع المسلمين الأوائل للوثنية بسبب الخلفية الثقافية اللهم إني أعوذ بك من شر الحاسدين !! .

الفكر الاعتزالي الحديث

مزاعم
·        يحاول بعض الكتاب والمفكرون في الوقت الحاضر إحياء فكر المعتزلة من جديد بعد أن عفى عليه الزمن أو كاد .. فألبسوه ثوباً جديداً ، وأطلقوا عليه أسماء جديدة مثل … العقلانية أو التنوير أو التجديد أو التحرر الفكري أو التطور أو المعاصرة أو التيار الديني المستنير أو اليسار الإسلامي ..
·        وقد قوى هذه النزعة التأثر بالفكر الغربي العقلاني المادي ، وحاولوا تفسير النصوص الشرعية وفق العقل الإنساني .. فلجأوا إلى التأويل كما لجأت المعتزلة من قبل ثم أخذوا يتلمسون في مصادر الفكر الإسلامي ما يدعم تصورهم ، فوجدوا في المعتزلة بغيتهم فأنكروا المعجزات المادية .. وما تفسير الشيخ محمد عبده لإهلاك أصحاب الفيل بوباء الحصبة أو الجدري الذي حملته الطير الأبابيل .. إلا من هذا القبيل .
·          وأهم مبدأ معتزلي سار عليه المتأثرون بالفكر المعتزلي الجدد ، هو ذاك الذي يزعم أن العقل هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة ، حتى لو كانت هذه الحقيقة غيبية شرعية ، أي أنهم أخضعوا كل عقيدة وكل فكر للعقل البشري القاصر .
·                     التعليق على هذا القول
الحقائق لها طريق واحد لا غير هو العقل ، لكن مرجعية العقل للوصول إلى هذه الحقائق متعددة ، وسبل العقل لإدراك الحقائق تتقرر من خلال موضوعها فهل أنكر المعتزلة القرآن الكريم كمرجعية للعقل لمعرفة الشرعيات ؟ وهل ألغى المعتزلة السنة كبيان لمجملات الكتاب ؟ بعض الحاقدين المقلدين من السلفية والأشاعرة يكتبون أهوائهم يلصقونها بالمعتزلة أصحاب المنهج الواضح . وهؤلاء الكتاب الذين ألصقوهم بالمعتزلة ! هل صرح واحد منهم بأنه من المعتزلة ؟ أو يدعو لإحياء فكر وتراث المعتزلة ؟ لقد عاش أكثر هؤلاء قبل العثور على تراث المعتزلة ، ما قرأوه عن المعتزلة مجرد كلام الخصوم السلفية والأشاعرة ، فالمدح كان مدحا بناء على مدونة الخصوم ، فهل يعيب المعتزلة هذا المدح ؟ ! .
هذه أنماط من أقوالهم :
·          وأخطر ما في هذا الفكر الاعتزالي .. محاولة تغيير الأحكام الشرعية التي ورد فيها النص اليقيني من الكتاب والسنة .. مثل عقوبة المرتد ، وفرضية الجهاد ، والحدود ، وغير ذلك .. فضلاً عن موضوع الحجاب وتعدد الزوجات ، والطلاق والإرث .. إلخ .. وطلب أصحاب هذا الفكر إعادة النظر في ذلك كله .. وتحكيم العقل في هذه المواضيع . ومن الواضح أن هذا العقل الذي يريدون تحكيمه هو عقل متأثر بما يقوله الفكر الغربي حول هذه القضايا في الوقت الحاضر .
·                     التعليق على هذا القول :
هذا الكلام السابق الخطير لا علاقة للمعتزلة في التاريخ فيه ، ولا علاقة للمعتزلة الحاضرة فيه ، هذه الأقوال هي أقوال جماعات التغريب ، وكلهم في الأصل أشاعرة أو من أهل الحديث ، فالمعتزلة الحاضرة لا وجود لها قبل عام 1990م ، ولهذا فذكر هؤلاء التالين ووصفهم بالمعتزلة مجرد كذبة مفضوحة ، إذ لم يعثر على تراث المعتزلة إلاَّ عام 1951م ، وحتى تحقق التراث وتكوَّن حوله معتزلة فلم يحدث إلاَّ بعد 1990م فلماذا مدونة المغالطات هذه ؟ وفي خدمة من توضع ؟
·          ومن دعاة الفكر الاعتزالي الحديث سعد زغلول الذي نادى بنـزع الحجاب عن المرأة المصرية وقاسم أمين مؤلف كتاب تحرير المرأة و المرأة الجديدة ، ولطفي السيد الذي أطلقوا عليه : " أستاذ الجيل " وطه حسين الذي أسموه " عميد الأدب العربي " وهؤلاء كلهم أفضوا إلى ما قدموا . هذا في البلاد العربية .
·          أما في القارة الهندية فظهر السير أحمد خان ، الذي منح لقب سير من قبل الاستعمار البريطاني . وهو يرى أن القرآن الكريم لا السنة هو أساس التشريع وأحل الربا البسيط في المعاملات التجارية . ورفض عقوبة الرجم والحرابة ، ونفى شرعية الجهاد لنشر الدين ، وهذا الأخير قال به لإرضاء الإنجليز لأنهم عانوا كثيراً من جهاد المسلمين الهنود لهم . إلا يتقي الله ناشرو هذه الأكاذيب ؟ متى كان المذكورون من المعتزلة ؟ وما هو دليل الدعوى على أنهم معتزلة ؟ .
·                    وجاء تلميذه سيد أمير علي الذي أحل زواج المسلمة بالكتابي وأحل الاختلاط بين الرجل والمرأة .
·         ومن هؤلاء أيضاً مفكرون علمانيون ، لم يعرف عنهم الالتزام بالإسلام .. مثل زكي نجيب محمود صاحب ( الوضعية المنطقية ) وهي من الفلسفة الوضعية الحديثة التي تنكر كل أمر غيبي .. فهو يزعم أن الاعتزال جزء من التراث ويجب أن نحييه ، وعلى أبناء العصر أن يقفوا موقف المعتزلة من المشكلات القائمة ( انظر كتاب تجديد الفكر العربي ص 123 ) .
·        ومن هؤلاء أحمد أمين صاحب المؤلفات التاريخية والأدبية مثل فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام ، فهو يتباكى على موت المعتزلة في التاريخ القديم وكأن من مصلحة الإسلام بقاؤهم ، ويقول في كتابه : ضحى الإسلام : " في رأيي أن من أكبر مصائب المسلمين موت المعتزلة " .
·        ومن المعاصرين الأحياء الذين يسيرون في ركب الدعوة الإسلامية من ينادي بالمنهج العقلي الاعتزالي في تطوير العقيدة والشريعة مثل الدكتور محمد فتحي عثمان في كتابه الفكر الإسلامي والتطور .. والدكتور حسن الترابي في دعوته إلى تجديد أصول الفقه حيث يقول : " إن إقامة أحكام الإسلام في عصرنا تحتاج إلى اجتهاد عقلي كبير ، وللعقل سبيل إلى ذلك لا يسع عاقل إنكاره ، والاجتهاد الذي نحتاج إليه ليس اجتهاداً في الفروع وحدها وإنما هو اجتهاد في الأصول أيضاً " ( أنظر كتاب المعتزلة بين القديم والحديث ص 138 ) .
·        وهناك كتاب كثيرون معاصرون ، ومفكرون إسلاميون يسيرون على المنهج نفسه ويدعون إلى أن يكون للعقل دور كبير في الاجتهاد وتطويره ، وتقويم الأحكام الشرعية ، وحتى الحوادث التاريخية .. ومن هؤلاء فهمي هويدي ومحمد عمارة صاحب النصيب الأكبر في إحياء تراث المعتزلة والدفاع عنه ، خالد محمد خالد ، و محمد سليم العوا ، وغيرهم . ولا شك بأهمية الاجتهاد وتحكيم العقل في التعامل مع الشريعة الإسلامية ولكن ينبغي أن يكون ذلك في إطار نصوصها الثابتة وبدوافع ذاتية وليس نتيجة ضغوط أجنبية وتأثيرات خارجية لا تقف عند حد ، وإذا انجرف المسلمون في هذا الاتجاه اتجاه ترويض الإسلام بمستجدات الحياة والتأثير الأجنبي بدلاً من ترويض كل ذلك لمنهج الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فستصبح النتيجة أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من الشريعة إلا رسمها ويحصل للإسلام ما حصل للرسالات السابقة التي حرفت بسبب اتباع الأهواء والآراء حتى أصبحت لا تمت إلى أصولها بأي صلة .
·         ما سبق هي المزاعم التي ينشرها السلفيون المعاصرون ضد المعتزلة ، وهي أقوال لا واقع لـها ، ولا سند يسندها ، فجميع من ذكروا هم أشاعرة أو أهل حديث ـ أي سلفية ـ ولا علاقة لهم بالمعتزلة .
الخلاصه
إنَّ حركة المعتزلة كانت نتيجة ضرورية لانحراف معاوية ، ومن بعده أكثر بني أمية عن مفهوم العدل ، واستبداله بمفهوم الجبر مبررين  للجور قال ابن كثير شعرا في كتاب البداية والنهاية جزء 13ص 210 :
وهـكذا خلفاء بني أمية   عدتـهم كعدة الرافضية
ولكن المدة كانت ناقصة   عن مائة من السنين خالصة
وكـلهم قد كان ناصبيا   إلاَّ الإمـام عمر التـقيا
مـعاوية ثم ابـنه يزيد   وابن ابنه مـعاوية السديد
مروان ثم ابن له عبد الملك   منابذ لابن الزبير حتى هلك
ثم استقل بعده بالمـلك   في سائر الأرض بـغير شك
ثم الوليد النجل باني الجامع   وليس مثله بشكله من جامع
ثم سليـمان الجـواد وعمر   ثم يـزيد وهشـام وغدر
أعني الوليد بن يـزيد الفاسقا   ثم يـزيد بن الوليد فائقا
يلقب الناقـص وهو كـامل   ثم إبراهـيم وهو عاقل
ثم مروان الحمار الجعدي   آ خرهم فاظفر بذا من عندي
ثم الصلاة مع تمـام العدد   على النبـي المصطفى محمد
وآلـه وصحبـه الأخيار   في سائر الأوقات والأعصار
وهذه الأبيات نظـم الكاتب   ثـمانية تـتمة المناقب
يخرج شعر ابن كثير 4 خلفاء من بني أمية عن مسار بقية بني أمية هم : معاوية الثاني ، وعمر بن عبد العزيز ، ويزيد بن الوليد بن عبد الملك ، وأخوه إبراهيم بن الوليد ، وكل هؤلاء كما هم معلوم للجميع عدلية أي معتزلة .
أدى إدراك شيوخ المعتزلة الفلسفات السائدة في المجتمعات التي اتصل بـها المسلمون ، وكانت هذه الحركة نوع من الرد على أصحاب الفلسفات المهاجمة للإسلام ، فصاغت مقولات تنقض اسس المهاجمين العقائدية والفكرية بنفس الوسائل ، مع اختلاف الأفكار ، والهجوم علىالمناهج الوافدة ، وذلك دفاعاً عن الإسلام ضد ملاحدة تلك الحضارات بالأسلوب الذي يفهمونه . ومع إدراك الحشوية لذلك ولقصور عقولهم ولضعف تفكيرهم ـ وإذ هم طبقة علماء السلاطين ـ زعموا أنَّّ  هذا التوجه قاد إلى مخالفات كثيرة ، وتجاوزات مرفوضة  من  المعتزلة ، وإذ المعتزلة ردت على المجسمة اليهود ، والمثلثة النصارى والثنوية ، والملاحدة ، مقدمين رؤيتهم في التوحيد والعدل ، زعمت السلفية إذ هم مجسمة وجبرية أنَّ المعتزلة تبنت إنكار الصفات الإلهية تنزيها لله سبحانه عن مشابـهة المخلوقين .
ومن الواضح ـ كما أصر أهل الحديث والأشعرية السابقين على خلط المعتزلة وأرائها في آراء الغير ـ قام المحدثون الجدد بخلط المعتزلة المعاصرة مع دعاة الحضارة الغربية عن عمد وسبق إصرار ، فجعلوا    اجتهادات أهل التغريب اجتهادات من المعتزلة ، ومن المعلوم رفض المعتزلة الجدد لأقوال أتباع الحضارة الغربية رفضا تاما ، فالمعتزلة تسعى لإعادة بناء عقل الأمة من جديد ، بينما يسعى دعاة التغريب لجعل الإسلام متماهيا مع معطيات الحضارة الغربية ، فهذا لا ترضاه المعتزلة سابقا أو لاحقا  .
وبناء على الشرح السابق ، على معادي المعتزلة من السلفية والأشاعرة ـ وقد أوصلوا الأمة إلى الهوان وضعف التفكير ـ فعليهم العودة لمنهج الإسلام الحق ، وعليهم ترك المغالطات ، وأن يتعلموا  أخطاء سلفهم ويعلموا أن عزة الإسلام وظهوره على الدين كله هي في تميز منهجه ، وتفرد شريعته ، واعتباره المرجع الذي تقاس عليه الفلسفات والحضارات ، في الإطار الذي تمثله أدلة الإسلام العقل فالكتاب فالسنة ، حسب ما جاء به نبي الهدى ، وعرفته الطبقات الأولى من المعتزلة ، وكبار الصحابة هم الطبقة الأولى من المعتزلة ، وهم دعاة توحيد وعدل في شمول الإسلام  وكماله .







Aucun commentaire: