jeudi 3 mars 2016

الناسخ والمنسوخ عند أهل السنة (التسنن الاموي) والجماعة (جماعة فقهاء السلطان)




الناسخ والمنسوخ عند أهل السنة (التسنن الاموي)  والجماعة (جماعة فقهاء السلطان)


إستغل أهل السنة والجماعة مسألة الناسخ والمنسوخ أسوء إستغلال عبر التاريخ الإسلامي ، ‏خاصة ‏أهل السياسة ‏والحكم والقضاة والجهلة والمتعصبون من أهل الدين الإسلامي .‏
الكل يأخذ بفكرة النسخ للتنصل من حكم الله تعالى وتعطيل أحكام آيات القرآن الكريم والإحتماء ‏خلف ‏حديث كاذب ‏مفترى وضعوه بأيديهم وردّدوه بألسنتهم وأقلامهم حتى أصبح جزءا أصيلا من ‏أديانهم ‏الخاصة والتي وصفوها ‏بالإسلامية ، أديانهم هذه تظلم دين الله عز وجل و تسيئ له بل تبدله من ‏دين سماوي الى دين ارضي و صناعة بشرية .‏
و الجدير بالذكرأنه ليس كل المذاهب الإسلامية من أخذ بمسألة الناسخ والمنسوخ ، فالمذهب الشافي ‏نفى وجود ‏النسخ في القرآن ‏الكريم ولم يأخذ به إلا إذ تم عليه الإجماع .‏
المذاهب الإسلامية التي أخذت بمسألة الناسخ والمنسوخ ، لم تتفق على عدد الآيات المنسوخة ، ‏تبعا ‏لمدى إستشراء ‏الجهل والتعصب والجرأة على كتاب الله عز وجل ، بدأ من خمسة آيات منسوخة ‏في ‏القرآن الكريم وإنتهاءا بخمسمائة ‏آية ، تخبّطهم لم يقف عند عدم إتفاقهم على العدد فقط بل ما كان ‏عند ‏أحدهم آية منسوخة فهي عند الآخر آية ناسخة .‏
معظم المسلمين العادين الغير مطلعين و الذين ركنوا دينهم للمشايخ و العلماء ، لا يعلمون مسألة ‏النسخ ‏هذه ، كما ‏العلماء لا يحدثونهم بها خوفا من رفض الفكرة و عدم التصديق بها ، لهذا علماؤنا ‏الكرام ‏يتكتمون على الأمر ، أي ‏يستخدمون التقية والغش ، كما التدليس على الناس . ‏
لننظر كيف فهموا مسألة الناسخ والمنسوخ ونرى مدى خروجهم عن مراد الله عز وجل وكيف ‏عطلوا ‏وألغوا أحكام ‏الآيات القرآنية ، مقدّمين عليها حديث كاذب يعارضها ويكذبها . ‏
أولا : الباحث عن مسألة الناسخ والمنسوخ عبرالإنترنت سيجد الكثير من مواقع أهل السنة و الجماعة ‏و‏التي أفردت صفحاتها ‏لهذه المسألة ، سيجدها لا تخرج عن الآتي :‏
‏ الناسخ والمنسوخ عند أهل السنة والجماعة كما جاء على موقع (ن) على الإنترنت و بشيئ ‏من ‏التلخيص . ‏‎ ‎
‏قالوا : -- (( جاءت شريعة الإسلام ناسخة لما سبقها من الشرائع ، ومهيمنة عليها ، واقتضت حكمة الله ‏سبحانه ‏أن يشرع أحكامًا ‏لحكمة يعلمها ، ثم ينسخها لحكمة أيضًا تستدعي ذلك النسخ ، إلى أن استقرت ‏أحكام ‏الشريعة أخيراً ، وأتم الله دينه ، ‏كما أخبر تعالى بقوله : { اليوم أكملت لكم دينكم}3 المائدة ، وقد ‏بحث ‏العلماء الناسخ والمنسوخ ضمن أبحاث علوم ‏القرآن الكريم .‏‎ ‎
‏-- والنسخ هو رفع الحكم الشرعي، بخطاب شرعي. وعلى هذا فلا يكون النسخ بالعقل والاجتهاد .‏
‏-- ومجال النسخ هو الأوامر والنواهي الشرعية فحسب ، أما الاعتقادات والأخلاق وأصول ‏العبادات ‏والأخبار الصريحة ‏التي ليس فيها معنى الأمر والنهي ، فلا يدخلها النسخ بحال ، ولمعرفة ‏الناسخ ‏والمنسوخ أهمية كبيرة عند أهل العلم ، ‏إذ بمعرفته تُعرف الأحكام ، ويعرف ما بقي حكمه وما ‏نسخ ، ‏وقد حدَّد أهل العلم طرقًا يُعرف بها الناسخ والمنسوخ ، ‏منها :‏
‏1- النقل الصريح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أو الصحابي ، فمن أمثلة ما نقل عنه صلى الله ‏عليه ‏وسلم قوله: ( ‏كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزروها ) رواه مسلم .‏‎ ‎
‏2- ومن أمثلة ما نُقل عن الصحابة ، قول أنس رضي الله عنه في قصة أصحاب بئر معونة: ونزل ‏فيهم ‏قرآن قرأناه ‏ثم نسخ بَعْدُ ( بلِّغوا عنا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضيَ عنا ورضينا عنه) رواه البخاري ‏‏.‏‎ ‎
‏3- ومن طُرق النسخ أيضًا إجماع الأمة ، ومعرفة تاريخ الحكم المتقدم من المتأخر ، ولا بد من ‏الإشارة ‏إلى أن النسخ ‏لا يثبت بالاجتهاد ، ولا بمجرد التعارض الظاهر بين الأدلة ، فكل هذه الأمور ‏وما ‏شابهها لا يثبت بها النسخ . ‏‎ ‎
‏-- والنسخ على أنواع ، فمنها :‏
‏1- نسخ القرآن بالقرآن ، ومثاله نَسْخ قوله تعالى : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم ‏كبير ‏ومنافع للناس ‏‏}219 البقرة ، فقد نسختها آية: { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ‏من ‏عمل الشيطان فاجتنبوه } 90 ‏المائدة ، وهذا النوع من النسخ جائز بالاتفاق . ‏‎ ‎
‏2-- ومنها نَسْخُ السنة بالقرآن ، كنسخ التوجُّه إلى قبلة بيت المقدس ، الذي كان ثابتًا بالسنة بقوله ‏تعالى: ‏‏{ فولِّ وجهك ‏شطر المسجد الحرام } 144 البقرة ، ونَسْخ وجوب صيام يوم عاشوراء الثابت ‏بالسنة ‏بصوم رمضان في قوله تعالى: { ‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه } 185 البقرة . ‏
‏3-- ومن أنواع النسخ أيضاً ، نَسْخ السنة بالسنة ، ومنه نسخ جواز نكاح المتعة ، الذي كان جائزًا أولاً ‏، ‏ثم نسخ فيما ‏بعد ؛ فعن إياس بن سلمة عن أبيه ، قال: ( رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏عام ‏أوطاس في المتعة ثم نهى عنها ‏‏) رواه مسلم ، وقد بوَّب البخاري لهذا بقوله: باب نهي رسول الله ‏صلى ‏الله عليه وسلم عن نكاح المتعة آخراً.‏‎ ‎‏ ‏
‏-- ويأتي النسخ في القرآن على ثلاثة أنحاء :‏
الأول : نسخ التلاوة والحكم معًا ، ومثاله حديث عائشة قالت: ( كان فيما أنزل عشر رضعات ‏معلومات ‏يحُرمن، ثم ‏نسخن بخمس معلومات )رواه مسلم وغيره .‎ ‎
الثاني : نسخ الحكم وبقاء التلاوة ، ومثاله قوله تعالى: { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ‏فإن ‏يكن منكم مائة ‏صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين ‏‏} ‏‏66الأنفال ، فهذه الآية نسخت حكم ‏الآية السابقة لها مع بقاء تلاوتها ، وهي قوله تعالى: { يا أيها ‏النبي ‏حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون ‏صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة ‏يغلبوا ‏ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون }65 الأنفال .‏
الثالث : نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ، ومنه ما سبق في حديث عائشة رضي الله عنها : ( ثم ‏نسخن ‏بخمس معلومات ) ‏فإن تحديد الرضاع المحرِّم بخمس رضعات ، ثابت حكمًا لا تلاوة .‏‎ ‎
‏-- ووجود النسخ في الشريعة له حِكَمٌ عديدة ، منها مراعاة مصالح العباد ، ولا شك فإن بعض ‏مصالح ‏الدعوة الإسلامية ‏في بداية أمرها ، تختلف عنها بعد تكوينها واستقرارها ، فاقتضى ذلك الحال ‏تغيُّر ‏بعض الأحكام ؛ مراعاة لتلك ‏المصالح ، وهذا واضح في بعض أحكام المرحلة المكية والمرحلة ‏المدنية ‏، وكذلك عند بداية العهد المدني وعند وفاة ‏الرسول صلى الله عليه وسلم . ‎ ‎
‏-- ومن حكم النسخ أيضًا ابتلاء المكلفين واختبارهم بالامتثال وعدمه ، ومنها كذلك إرادة الخير لهذا ‏الأمة ‏والتيسير عليها ‏، لأن النسخ إن كان إلى أشق ففيه زيادة ثواب ، وإن كان إلى أخف ففيه سهولة ‏ويسر ‏وفقنا الله للعمل بأحكام شرعه ، ‏والفقه في أحكام دينه ، ويسَّر الله لنا اتباع هدي نبيه . )) إنتهى ‏الإقتباس
ثانيا : تفنيد قولهم السالف الذكر تقر ‏الأتي :‏
‏1-- قولهم : (( النسخ هو رفع الحكم الشرعي ، بخطاب شرعي ، وعلى هذا ‏فلا يكون النسخ ‏بالعقل ‏والاجتهاد)) ، معنى النسخ لديهم هو الإلغاء . -- بينما في مفهوم ‏القرآن الكريم هو التثبيت ‏والإقرار لا ‏النسخ و الإلغاء . ‏
‏-- والخطاب الشرعي لديهم هو كتب التراث وما حوت ‏من أقوال وقصص وعبر، تعتمد على ‏ذمة ‏الراوي وصدقه وليس على ما جاء بالقرآن ، كقصة رجم النبي عليه الصلاة و السلام لأحد ‏المسلمين ‏وقد جاءه مقرا ومعترفا بارتكب الزنا وأراد ‏أن يتطهر من ذنبه فما كان من النبي إلا أن أنزل ‏عليه حكم ‏الرجم حتى مات ، بينما ‏القرآن يقر الجلد وليس الرجم ، (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ‏كُلَّ وَاحِدٍ ‏مِّنْهُمَا مِائَةَ ‏جَلْدَةٍ)2 النور ، فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا وفق زعمهم ، يشرع و يقر ما لم يشرع به ‏الله ‏عز ‏وجل .‏
أما تفرقتهم بين الزاني المحصن (أي المتزوج )و الغير محصن (أي الأعزب )، هو تقول و ‏مخالفة ‏لنص الآية الكريمة بشكل واضح و صريح ، فالأية لم تأت على تفرقتهم هذه لا من قريب و لا ‏من ‏بعيد . ‏
‏2-- قولهم :(( وقد حدَّد أهل العلم طرقًا يُعرف بها الناسخ والمنسوخ، منها : النقل الصريح عن ‏النبي ‏صلى ‏الله عليه وسلم ، أو الصحابي ، وإجماع الأمة ، ومعرفة تاريخ الحكم المتقدم من ‏المتأخر )) . ‏
‏(( النقل الصريح عن النبي )) ، وفقا لكلامهم هذا أن الرسول قد أوحي له وحي غيبي قلبي غير ‏القرآن ‏الكريم ، هو وحي آخر أوحي له وهو الأحاديث النبوية و هذه الأحاديث هي جزء لا يتجزء من ‏دين الله ‏عز و جل ، فقد قالوا أن النبي عليه الصلاة و السلام قد قال ( أوحي إلي القرآن و مثله معه ) ‏و هذا ‏تكذيب لقول الله عز و جل في الكثير والكثير من آياته ، كقوله تعالى ، (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا ‏عَلَيْكَ ‏بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ‏ثُمَّ يُصِرُّ ‏مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) الجاثية و قد تعرضنا فيما سبق للكثير منها . ‏
‏3 – (( يشترطوا النقل الصريح )) أي الذي سلسلة ‏رواته ثقة عن ثقة يتّسمون بالصدق والورع ، ‏اذا ‏كان رواتكم ثقة لا غبار على أقوالهم و ما نقلوه لنا بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام بأكثر من ‏‏200 ‏سنة ، فلم ‏أنتم مختلفون حول صحة الأحاديث ؟ الحديث الذي عند أحدكم صحيحا عند ‏الآخر ‏منكم ‏ضعيفا والحديث الذي ضعفه فلان قد حسنه علان ، على هذا ... الحديث الذي هو صحيح و ‏جزء ‏من الدين عندي هو ضعيف و مخالف للدين عند الآخر ، أيعقل هذا ! .
‏4-- (( وقد حدَّد أهل العلم طرقًا ‏يُعرف بها الناسخ والمنسوخ ، منها النقل الصريح .. عن الصحابة )) ‏‏. ‏الصحابي بمفهوم أهل ‏السلف هو كل من صاحب النبي وعاشره . ‏
‏-- ألم تقرؤا في القرآن الكريم أن من الذين ‏تعاملوا وجاوروا وعاشوا بالقرب من النبي عليه الصلاة ‏و ‏السلام ، كان منهم المنافق والكذاب، المدعي الإسلام وقد أخفى الكفر والكره للنبي والدين الذي ‏أنزل ‏عليه؟
‏-- هذا الصحابي المنافق ، أليس بإمكانه أن يدس في دين المسلمين ما يشاء له من الأحاديث الكاذبة ‏؟و ‏قد حزر منهم رب العالمين وقت نزول القرآن الكريم ، فما بالكم في أقوالهم بعد موت النبي ب ‏‏200 ‏سنة ؟ ‏
‏-- أكثر من هذا ، إذا إفترضنا أن هذا الصحابي كان ثقة ومؤمنا حق الإيمان هل يؤخذ ‏حديثه ‏ويعتبر ‏حديثه جزءا من الدين الإسلامي بعتباره أحد الصحابة الصادقين كأبي بكر وعمر ‏وعلي ‏و و....‏
‏-- نعم عند أهل السنة والجماعة والسلفين و كافة المذاهب الإسلامية ، أقوال الصحابة تعتبر جزء ‏لا ‏يتجزء ‏من دين الله عز وجل . ليس هذا فحسب بل رؤياهم المنامية هي رسائل سماوية ، ‏علينا ‏التقيد ‏بها وإلا كنا كفرة فجرة نكفر بالسنة . ‏
‏5 -- قولهم : (( وقد حدَّد أهل العلم طرقًا يُعرف بها الناسخ والمنسوخ، منها ‏إجماع الأمة )) ، يؤمنون ‏أن ‏هنالك حديث صريح صحيح قد قاله النبي عليه الصلاة و السلام ، ( لا تجتمع أمتي على ظلالة ) .‏
‏-- لم تجتمع الأمة الإسلامية عبر علمائها ، على أمر واحد جامع أبدا إلا في وجوب قراءة الفاتحة ‏في ‏الصلاة ، و ما دون ذلك ، فعلماء الأمة الأفاضل كل له رأيه الخاص في كل مسألة و قرار ، ‏عبر ‏التاريخ كله و الى اليوم ، لهذا يكثرون القول : ( في المسألة ، رأيان ) هي آراء تقال ، فدين الله ‏عز ‏وجل لديهم هلامي ، آراء ، وجهات نظر ... بكل بساطة . ‏
‏-- إذا إجماع ‏الأمة هو جزء من دين الله عز وجل يبدل و يغير وفقا لما يتفق عليه علماء الأمة و ‏عبر ‏الشعب المسلم ، فما بالكم إذا قرر علماء الأمة أمرا يناقض آيات الله عز و جل و كثيرا ما حدث ‏عبر ‏التاريخ الإسلامي المجيد عبر تأويل و تحريف معان الآيات القرآنية لتتناسب مع أمر السلطان ‏والحاكم ‏، كتطويعهم ، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ) النساء ، ‏أولي ‏الأمر منكم تحولت بقدرة قادر الى طاعة السلطان والحاكم و لو كان جائرا ظالما . ‏
‏-- فما بالكم إذا قررة الأمة المسلمة عبر مسلميها ( في بلد مسلم ) عبر ‏إستفتاء شعبي أن الزنى ‏لا ‏مساءلة قانونية وضعية علية ! هل يصنف من أمور الحلال و من الخير ، أم هو كفر بآيات الله عز ‏و ‏جل ؟ ‏
من هنا يتبين لنا و بكل بساطة ، الوضع الصريح في دين الله عز و جل و التقول الغير مقبول ‏على ‏الإطلاق ، حتى النبي محمد عليه الصلاة و السلام لم يسمح له بالوضع و التقول في دين الله جل ‏وعلا ‏، ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) ‏فَمَا ‏مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) ‏الحاقة ‏، أيها السادة : القول لله عز و جل والكذبو الافتراء منكم . ‏
‏‏6-- قولهم : ((وقد حدَّد أهل العلم طرقًا يُعرف بها الناسخ والمنسوخ،منها معرفة تاريخ الحكم ‏المتقدم ‏من ‏المتأخر)) ‏.‏
‏-- قولهم هذا يجعل الآيات القرآنية مرتبطة بسبب النزول كما هي مرطبة بالزمن الذي نزلت به ، ‏مما ‏يجعل آيات القرآن الكريم لا تنتمي الا للزمن الماضي ، بينما حقيفة الأمر أن الآيات القرآنية لا ‏ترتبط ‏بالأسماء والأشخاص أو الزمان و المكان أو بسبب النزول . ‏
‏-- (( معرفة الحكم المتقدم من المتأخر ) يتطلب أن نعرف متى نزلت الآيات التي بها أحكام ومن ‏منها ‏يتقدم على ‏الأخرى زمنيا ، و هذا ضرب من الخيال .
‏-- هم لم يتفقوا على ما هو أهون من ذلك وهو معرفة السور المكية من ‏المدنية ، فما بالك ‏بالآيات ‏نفسها ؟ أيها السادة ، السبق الزمني ليس دليلا أبدا على نسخ ‏أيه لآية أخرى سابقة لها .‏
هكذا بكل بساطة، دين الله عز وجل مباح لكم تضعون ما شئتم ‏وتلغون ما شئتم ، فالأمر سهل ‏والناس ‏نيام ، أيها السادة ، إذا جهلتم فكفوا جهلكم و أقلامكم خيرا لكم وللناس ‏أجمعين .‏
‏7-- قولهم : (( والنسخ على أنواع ، فمنها نسخ القرآن بالقرآن، ومثاله ‏نَسْخُ قوله تعالى : { يسألونك ‏عن ‏الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } 219 البقرة ، فقد نسختها آية: { إنما ‏الخمر ‏والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ‏الشيطان فاجتنبوه } 90 المائدة وهذا النوع من ‏النسخ ‏جائز بالاتفاق)) ‏
‏-- بينت فيما سبق أن الإتفاق ‏أوالإجماع ليس دليلا على تحليل أو تحريم مسألة ما ، أما الأية ‏التي ‏يستشهدون بها ‏‏(219) البقرة والتي يدعون أنها منسوخة فهي من الآيات المتشابهة ، التي ‏تشكل ‏مع ‏غيرها بموضوع الخمر والميسر ذات الحكم الصادر في أية (90) المائدة ، إذ إنها ‏من ‏الآيات ‏المحكمة ، فالإجتناب أشد من التحريم ، ففي كلتا الآيتين هنالك تحريم للخمر ولم تلغي آية ‏آية أخرى ، ‏بل هو سوء ادراك و فهم لآيات الله عز و جل . ‏
و مما قاله الفكر السني في تبرير فكرة الناسخ و المنسوخ : ‏
‏1-- قولهم : (( ومنها نَسْخُ السنة بالقرآن، كنسخ التوجُّه إلى قبلة بيت المقدس ، الذي ‏كان ثابتًا ‏بالسنة ‏بقوله تعالى : { فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام } (البقرة:144). ‏
‏2-- و قولهم : (( ونَسْخُ ‏وجوب صيام يوم عاشوراء الثابت بالسنة ، بصوم رمضان في قوله تعالى: ‏‏{ ‏فمن شهد ‏منكم الشهر فليصمه } 185البقرة )) . ‏
الرد ببساطة وأهل المذاهب الإسلامية أعلم الناس به ، و هو : أن النبي محمد عليه الصلاة و السلام ‏، ‏كان يوافق أهل الكتاب في ما لم ينزل به قرآنا من العبادات و أفعال الخير و الإنسانية و المثل ‏العليا ‏ومن مكارم الأخلاق ، الى أن يأتي الوحي القرآني ، بأمره المحدد عبر قل و إفعل أو لا تفعل ، ‏حينئذ ‏يلتزم النبي بأمر ربه كل الإلتزام .‏
وهذا ما حصل في ‏قضيتي التوجه للقبلة و للصوم ، فهل نقبل بحديث نقل من راو الى آخر لنلغي ‏به ‏أية ‏قرآنية معجزة ؟ عبر هذه الأحاديث التي نسبت بهتانا و زورا للنبي محمد عليه الصلاة و ‏السلام ‏تم تعطيل أهم قواعد الإسلام من محاربة الظلم و عدم الإعتداء و حرية الدين و المساواة بين ‏البشر ‏و.... ‏
عبر هذه الأحاديث تم الدس والوضع بالزيادة و النقصان في دين الله عز و جل ، بما يوافق و ‏يخدم ‏رغباتهم و مصالحهم حتى تغير دين الحق ، فبدلوه بأديان جديدة ، أرضية من تاليف و ‏تصنيع ‏الإنسان ‏
مثلا : أمر رب العالمين نبيه الكريم بأن يقول الحق ، أي يبين عبر قوله و ذكره آيات القرآن الكريم ‏و ‏ما حوت من مبادئ و قيم سامية ، كما أنزلت ، ومنها كفالة حرية المعتقد والدين ، (وَقُلِ الْحَقُّ ‏مِن ‏رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ... ) 29 الكهف ، نرى الأديان الأرضية تصور النبي (1) ‏‏-- ‏رافضا لأمر ربه . (2) – متقولا ما شاء له من القول وفقا لهواه و رغبته . ‏
فمما وضعوه بهتانا و زورا على لسان النبي محمد عليه الصلاة و السلام ، قولهم ( أمرت أن ‏أقاتل ‏الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ) عبر هذا الحديث الكاذب تمت ‏جميع ‏اشكال الظلم و القهر و العدوان على الناس ، كأفراد أو كشعوب و أمم ، عبر إحتلال بلادها و ‏إجبار ‏أهلها على الإسلام أو الجزية أو القتل . و هنالك المآت من الأحاديث التي تلغي أحكام الآيات ‏القرنية فلا ‏مجال لذكرها الأن . ‏
‏3-- قولهم : (( ومن أنواع النسخ أيضاً ، نَسْخُ السنة بالسنة، ومنه نسخ جواز نكاح ‏المتعة ، الذي ‏كان ‏جائزًا أولاً، ثم نُسخ فيما بعد ؛ فعن إياس بن سلمة عن أبيه ، قال : ( ‏رخص رسول الله صلى الله ‏عليه ‏وسلم عام أوطاس في المتعة ثم نهى عنها ) رواه مسلم ‏وقد بوَّب البخاري لهذا بقوله: باب ‏نهي ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة ‏آخراً )) . ‏
الرد : باب ‏نسخ السنة بالسنة من الأبواب المضحكة المبكية ، إذ ترى الحديث و نقيضة في ‏ذات ‏الصفحة عند البخاري و غيره مما يشير الى عملية الوضع و التأليف ، كما يربك المسلم و يحتار ‏في ‏أمر دينه ، مثلا ، ففي ‏رواية يظهر البخاري النبي بأنه كان يخلو بالنساء الأجنبيات ، ونقرأ حديث ‏أنس ‏‏:( جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي فخلا بها فقال : والله ‏إنكن لأحب الناس إلي ) ، فالرواية ‏تريد ‏للقارئ أن يتخيل ما حدث فى تلك ‏الخلوة التى انتهت بكلمات الحب تلك ، وفي نفس الصفحة التى ‏جاء ‏فيها ذلك ‏الحديث يروي البخاري حديثاً آخر ينهى فيه النبي عن الخلوة بالنساء ، يقول ‏الحديث ‏‏(لا ‏يخلونّ رجل بامرأة إلا مع ذي محرم ) وذلك التناقض المقصود ‏فى الصفحة الواحدة في ‏‏(صحيح ‏البخاري) ، يدفع القارئ للاعتقاد بأن ‏النبي كان ينهى عن الشيىء ويفعله . ‏‏ ‏
ثم يؤكد البخاري على هذا الزعم الباطل بحديث أم حرام القائل ( كان رسول ‏الله يدخل على أم ‏حرام ‏بنت ملحان فتطعمه ، وكانت أم حرام تحت عبادة بن ‏أبي الصامت فدخل عليها رسول الله ‏فأطعمته ‏وجعلت تفلي رأسه فنام رسول ‏الله ثم استيقظ وهو يضحك فقالت : وما يضحكك يا رسول ‏الله؟... إلخ ‏‏) ‏فالنبي على هذه الرواية المزعومة تعود الدخول على هذه المرأة المتزوجة ‏فى غيبة ‏زوجها و كيف ‏زالت الكلفة والاحتشام بين النبي وتلك المرأة ‏المزعومة ، ليتبادر إلى ذهن القارئ أن ما ‏يفعله النبي ‏حرام وليس حلالاً.
‏4 -- قولهم (( ويأتي النسخ في القرآن على ثلاثة أنحاء : ‏
‏-- قولهم الأول : نسخ التلاوة والحكم معًا، ومثاله حديث ‏عائشة قالت: ( كان فيما أنزل عشر ‏رضعات ‏معلومات يحُرمن ، ثم نُسخن بخمس ‏معلومات ) رواه مسلم وغيره ))‏‎ ‎‏. ‏
هذا الإدعاء هو رفض و تكذيب و كفر لقول الله عز و جل ، ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ‏‏(9) ‏الحجر ، فعند أهل السنة و الجماعة و من يؤمن بهذا الحديث فإن الله عز و جل لم يحفظ القرآن ‏من ‏العبث و من الزيادة و النقصان ، بدليل إيمانهم و حفضهم و عدم تكذيبهم لهذا الحديث . ‏
‏-- قولهم الثاني : (( نسخ الحكم وبقاء التلاوة ، ومثاله قوله تعالى : { الآن خفف الله عنكم وعلم ‏أن ‏فيكم ‏ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن ‏الله والله ‏مع ‏الصابرين } 66 الأنفال . ‏
فهذه الآية نسخت حكم الآية السابقة لها مع بقاء ‏تلاوتها ، وهي قوله تعالى: { يا أيها النبي ‏حرض ‏المؤمنين على القتال إن يكن منكم ‏عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ‏ألفا من ‏الذين كفروا بأنهم قوم ‏لا يفقهون } 65 الأنفال ))‏
الرد : 1 -- نفهم مما قالوه إننا نقرؤ الآيات القرآنية المثبتة في القرآن الكريم ولكننا لا تأخذ بحكمها ‏، ‏لأن حكمها قد ألغي بحكم آية أخرى ، فالله عز و جل بدل قوله الأول بقول آخر. ‏
‏2-- الآيتين تتحدثان عن حالة المؤمنين في القتال أي وصف حالتهم و مقدار إيمانهم و بالتالي قوتهم ‏، ‏فلا يوجد حكم في إفعل أو لا تفعل ، أو إلغاء أمر سابق بأمر جديد يخالفه ، كما يدعون . ‏
‏3-- الأية (65) من الأنفال تتحدث عن أن المؤمن يغلب عشرة من الكافرين و الآية التالية لها (66) ‏تبين ‏أن المؤمن يغلب إثنين من الكافرين ، حيث دبّ بالمسلمين الضعف والوهن . ‏
‏4-- هذا كل ما استطاعوا ان يدعوه ظلما و عدوانا على آيات الله عز و جل ،و صدق الله ، ‏رب ‏العالمين حين قال عنهم ، (وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ ‏مَنْ ‏أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ‏وَعُلِّمْتُم ‏مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) الأنعام . ‏
رجال القانون الوضعي البشري ، عند وضعهم لقانون ما ، يحاولون جهدهم أن يتسم قانونهم هذا ‏، ‏بصفة الدوام و البقاء لأطول فترة زمنية ، صالحا للإستخدام، يتناسب مع المتغيرات ‏والتطورات ‏البشرية التي تعمل لصالح مجتمعهم ، أهؤلاء البشر( من رجال القانون ) أكثر فهما و أبعد ‏نظرا و ‏إدراكا من رب البشر ، ألا ساء ما يحكمون . ‏
أيها السادة إن آيات القرآن الكريم هي لكل زمان و مكان وحيث لا آيات ولا رسالات بعد القرآن ، ‏فهي ‏لا تتبدل و لا تتغير و لا تلغي بعضها بعضا ، وهذه الصفة من إعجاز القرآن الكريم الذي تحدى ‏به رب ‏العالمين الناس على أن يأتوا بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، و أنتم بكل بساطة ‏تزعمون أن ‏الآيات تلغي بعضها بعضا ، فما الهدف من ذلك ؟ ‏
الهدف : هو تسويغ و تمرير أفعال حكامكم و رجال أديانكم الأرضية لتحقيق مكاسب دنيوية ، ‏فأنتم ‏تتبعون رغباتكم و مصالحكم ، فحينما تعترض طريقكم آية قرآنية ربانية معينة ، تؤولونها على ‏أنها ‏منسوخة و ملغى حكمها ، تارة بحديث كاذب و تارة آخرى بأية متشابهة ، تأولونها بما لا تحتمل ‏بأي ‏وجه من الوجوه ، تحقيقا لأهدافكم . ‏
مثلا ، تكثرون من القول حول مسألة الخمر ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى ‏حَتَّىَ ‏تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ...) 43 النساء .‏
ثم تدعون كفرا و بهتانا أو نتيجة لعدم فهمكم ، أن هذه الآية الكريمة قد نسخت بآية ، ( إِنَّمَا ‏يُرِيدُ ‏الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ ‏فَهَلْ ‏أَنتُم مُّنتَهُونَ (91) المائدة . ‏
في واقع الأمر كلتا الآيتين الكريمتين حرمت الخمر و السكر و هو ذهاب العقل و الإدراك ، ففي ‏الآية ‏‏43 من النساء ، رب العالمين لم يجيز أو يسمح في السكر إنما حدد عدم جواز الصلاة دون إدراك ‏و ‏معرفة بما يقول و يقر المؤمن وهي من الآيات المتشابهات التي حددت بآية 91 من المائدة ‏بعدم ‏جواز السكر على الإطلاق ، كما حدد بآيات آخرى ، ( 90) المائدة .‏
‏-- قالوا : (( الثالث: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ، ومنه ما سبق في حديث عائشة رضي الله عنها: ‏‏( ‏ثم ‏نسخن بخمس رضعات معلومات ) فإن تحديد الرضاع المحرِّم بخمس رضعات، ثابت ‏حكمًا ‏لا ‏تلاوة))‏
فمقالات الناسخ و المنسوخ عند أصحاب الأديان الأرضية ، يستخدمونها للتدليس و اللف و الدوران ‏كما ‏يخفونه عن الناس الآحاديث الآتية و إن كان هنالك ما هو أفضع و أشد مقتا منها : ‏
‏-- حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : المذكوره فى سنن بن ماجه الجزء الاول كتاب ‏النكاح ‏باب رضاع الكبير 1994 حدثنا ابو سلمه عن ...عن ...عن عائشه قالت ( لقد نزلت ايه ‏الرجم ‏ورضاعه الكبير عشرا و لقد كان فى صحيفه تحت سريرى فلما مات رسول الله و تشاغلنا بموته ‏دخل ‏داجن فأكلها ). ‏
‏-- حديث نقصان سورة الأحزاب أورده الوضاعون في رواية أخرى منسوبة إلى السيدة عائشة ‏أم ‏المؤمنين أنها قالت :"كانت سورة الأحزاب تُقرأ في زمن النبي مئتي آية , فلما كتب عثمان ‏المصاحف ‏لم يقدر منها إلا على ما هو الآن ( 73 آية ) . ‏




 
‏-- حديث عمر بن الخطاب (عن عمر فى روايه انه قال لولا أنى أخشى الناس أن يقولوا أنى زدتُ ‏في ‏المصحف لكتبت آيه الشيخ و الشيخه اذا زنيا فارجموهما البتة) . ‏
قولهم السابق ،(( نسخ التلاوة مع بقاء الحكم )) ، يعني الآتي : ‏
‏1-- أنه كان هنالك قرآن يتلا و يتعبد به ، إلا أنه حزف من القرآن و بالتالي من التلاوة ، ليستبدل ‏بها ‏آيات أخرى ، أي تكذيبا لقول الله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) الحجر ، فالله عز ‏و ‏جل لم يحفظ كتابه الكريم من العبث و الزيادة و النقصان .‏
‏2 -- يعني أيضا بقاء حكم الآيات المنسوخة و المحذوفة من القرآن الكريم ، أي المسلم المؤمن ‏يخضع ‏لأحكام آيات قد حزفت و لا تقرأ و ليست جزءا من الكتاب الكريم . ‏
‏3-- يعني أيضا ، أنه فتح بابٌ واسع للعبث في دين الله عز و جل ، تحت مسمى ( نسخت تلاوته ‏مع ‏بقاء حكمه ) ، فأي مجتهد أرضي أو عالم سوء يستطيع أن ينبش كتب التراث ليجد قول قائل ما ‏أو ‏يضع قولا ما من جيبه الخاص ، ليأخذ بمقولته تلك ، و بالتالي ينسف كل آيات الله عز و جل . ‏
كما يأخذ بحكم آيات مزعومة غير موجودة أو قد ألغيت من كتاب الله عز و جل ولا يتعبد بها و ‏ليست ‏جزءا من الكتاب إلا أن حكم الأية الغير موجودة مازال ساري المفعول و يطبق على العباد .‏
‏4 -- من هذا الباب دخل علماء الأديان الأرضية ليفتوا و يحللوا و يحرموا ما شاء لهم ، خاصة ‏الفتاوى ‏التي تبيح للسلطات الحاكمة ما لم يأذن به رب العالمين ، عبرهذا الباب ، تمّ التخلص من ‏الخصوم و ‏المعارضة و إرساء دعائم حكم الطواغيت و عبره تم إغتصاب البلاد و العباد و قهر الناس ‏
‏5-- البعض من علماء السوء ينكر هذه الأحاديث ، إلا إنهم يستشهدون بها عند التحدث عن الناسخ ‏و ‏المنسوخ ، و يؤمنون انها جزء من كتبهم كما يدرسونها للطلبة و رجال العلم ، إلا أن ‏بعضهم ‏ينكروها أمام وسائل الإعلام و يرمي المتحدث بها أنه من الرافضة ، أي من الشيعة .‏
من كلامهم السابق يتبين لنا بلا أدنى شك ، انهم قد تلاعبوا بدين الله عز و جل و صاغوا أديانا ‏أرضية ‏تأمن مصالحهم الأرضية وبالتالي يخضعون لقول رب العالمين ، ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ ‏أَسْلَمَ مَن ‏فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا ‏أُنزِلَ عَلَى ‏إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن ‏رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ ‏أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ ‏فِي الآخِرَةِ مِنَ ‏الْخَاسِرِينَ (85) آل عمران . ‏
الجدير بالذكر أن للعالم الأزهر د. احمد صبحي منصور بحثا قيما حول مسألة النسخ بعنوان ‏( لا ‏ناسخ ‏ولا منسوخ فى القرآن الكريم )‏ و قد عالج الأمر من زاوية مختلفة كليا ، أرجو مراجعتها لمن ‏يهمه ‏الأمر . ‏
خالد اللهيب في الثلاثاء 30 يوليو 2013 



















لا ناسخ ولا منسوخ فى القرآن الكريم


النسخ فى القرآن يعنى الكتابة والاثبات وليس الحذف والالغاء

صدر هذا البحث الصغيرعن النسخ فى القرآن الكريم ليرد على احدى الأكاذيب الكبرى فى التراث: أكذوبة النسخ فى القرآن الكريم بمعنى الحذف والالغاء. والذى كتب فيه السلف – غير الصالح – مؤلفات تبلغ الآف من المجلدات ، واختلفوا فيها كالعادة واضاعوا قرونا طوالا فى جدال اجوف فى قضية لا أصل لا فى حقائق الاسلام. ولأن النسخ بمعنى الحذف والالغاء يناقض القرآن والاسلام فان التدليل على هذه الحقيقة لا تحتاج الى اكثر من هذا البحث الصغير لكى تهدم باطلا استمر قرونا طويلة من الشجار والنزاع الذى ملأ آلاف المجلدات وأنهك أعمارعشرات المؤلفين من الأئمة الكبار الذين لم يجدوا من يناقشهم ويرد طعنهم فى الاسلام والقرآن.
هى نفس القصة فى كتاب " القرآن وكفى مصدرا للتشريع " والمقال البحثى " الاسناد فى الحديث " . هما معا أقل من 150 صفحة من القطع الصغير, وفيهما أرد على أطنان من المؤلفات التراثية والأبحاث المرتبطة بها فى الأحاديث وما يسمى بالجرح والتعديل وعلم المصطلح . كل تلك الأطنان من المؤلفات لا أساس لها فى الاسلام أو العقل لأنها تحاول اقناعنا أن النبى قال ذلك الكلام المناقض للقرآن الكريم والمختلف فيه والمتناقض مع بعضه. اعترافهم هم بأنه عليه السلام منع كتابة أى شىء فى الاسلام عدا القرآن يثبت أن كتابتهم لتلك الأحاديث عصيان للنبى حتى لو كانت صحيحة مكتوبة فى عهده وبيد أصحابه، فكيف اذا كانت أكاذيب كتبها - بعد موت النبى محمد بقرون - المفترون أعداء الله تعالى ورسوله لتناسب أهواء عصورهم. بدأت كتابة هذه الأكاذيب المفتراة على استحياء فى القرن الثالث فى صورة عدة مئات من الاحاديث ثم أخذت فى التزايد فى نفس القرن الثالث لتصل الى مئات الألوف فى عصر البخارى . واستمر التزايد بعده فى الكذب وادعاء التنقية على أساس الهوى والتعصب المذهبى . ولأن تلك الأحاديث أكاذيب فى نسبتها لخاتم النبيين ولا أصل لها فى الاسلام أو العقل أو المنهج العلمى كان سهلا الرد عليها ببحث صغير ومقال أصغر منه. ولكن بهما معا زالت تلك الخرافة من العقول الناضجة التى كانت تتهيب الخوض فى الموضوع. هذا لايمنع استمرار تلك الأكاذيب لأنه قامت عليها دول ومصالح وأرزاق ومعاهد وجامعات وأجيال من علماء السلطان وشيوخ الشيطان ممن يرتزقون بالخرافة ويجعلون الدين حرفة، لذا لابد للدين أن يكون صعبا مطلسما على الآخرين ليدعوا أن مفاتيحه بأيديهم فقط ليضمنوا لأنفسهم الجاه والسلطان على قطعان البشر الخاضعين لهم.
فى "التأويل " - بمعنى تحريف المعنى القرآنى - أضاع علماء التراث قرونا و كتبوا فيه أطنانا من المؤلفات فى الرد والرد المضاد ، واستمرت تلك المعارك الخائبة تضيع وقتهم وتبعدهم عن الاسلام ودعوته فى التقدم والمنهج العلمى التجريبى، فصحونا على التخلف بينما تقدم الآخرون فى الشرق والغرب . كل أطنان المجلدات المكتوبة فى التأويل بين الفرق "الاسلامية" رددت عليها بمقال "التأويل ".
هذا البحث عن "التأويل " كتبت معظمه من الذاكرة وفى ليلة واحدة لأقدمه فى ندوة استغرقت ساعتين فى القاهرة. ومع ذلك فهو البحث الوحيد الذى قدم رؤية قرآنية فى التأويل تخالف أطنان المؤلفات التى كتبها ارباب الفرق الاسلامية فى التأويل وترد عليهم معا، وهو البحث الوحيد الذى يكتشف التأويل فى التشريع الفقهى السنى ويثبت عداءه لله تعالى ورسوله ، ويرد على التأويل العلمانى المعاصر، ويسير مع التأويل فى تاريخ المسلمين من بدايته الى عصرنا الراهن يوضح أرضيته التاريخية والسياسية فى كل عصر.هذا بالاضافة الى صياغة موضوع التأويل الأصولى المعقد فى لغة سهلة مقروءة يفهمها المثقف العادى غير المتخصص وفى ايجاز مختصر يعطى الفكرة الرئيسية لمن لا علم له بالموضوع . كل ذلك فى أقل من ثلاثين صفحة من القطع الصغير.
لا أقول ذلك لادعاء العبقرية ولكن لاثبات سهولة التناقض بين القرآن ومعظم الفكر التراثى للمسلمين ، وسهولة الرد عليهم بالقرآن الكريم ، هذا اذا طلبنا الهداية فيه وحده وأعطيناه بعض حقه علينا من الايمان والتوقير والتدبر والقراءة العلمية المتعقلة ، التى تفهم مصطلحاته من خلال آياته وليس من مصطلحات التراث التى تناقض مصطلحات القرآن ، كالنسخ الذى يعنى فى القرآن الاثبات والكتابة فجعلوه فى التراث بمعنى الحذف والالغاء .
وفى الطريق أبحاث اخرى صغيرة ترد على أطنان أخرى من المؤلفات التراثية فى الفلسفة والعلوم التجريبية والتصوف ، والتى كانت محصلتنها النهائية صفرا ضخما حمل وزره العصر العثمانى بعد عشرة قرون من التفكيرالهزلى فى الغيب الممنوع البحث فيه وما نشأ عنه من التأليف فى الخرافات والكذب والتدليس،مع اهمال المنهج التجريبى الذى دعا اليه القرآن الكريم حين جعل من فرائضه على المسلمين السير فى الأرض والنظر العلمى فى كيفية بدء الخلق ، والنظر فى السماء والأرض وكل ما سخره الله تعالى لنا لنزداد علما بقدرة الخالق جل وعلا.
ان المسلمين حين تنكبوا المنهج العلمى العقلى المنصوص عليه فى القرآن الكريم تخبطوا بين المنهج الارسطى والمنهج الأفلوطينى الاشراقى وانتهوا الى لاشىْ على نحو ما سيأتى شرحه وتفصيله في مقالات تالية . بينما صححت الحضارة الأوربية منهجها تاركة المنهج اليونانى فوضعت نفسها والعالم معها على عصر التقدم الذى لا يزال يترقى بالبشرية فى دنيا المخترعات منذ القرن التاسع عشروحتى الآن. والآن اذا ظهرت حقيقة علمية أو مكتشف جديد ضج الشيوخ الأفاضل يتحدثون عن اشارات القرآن الكريم فى هذا الشأن دون أن يسأل احدهم نفسه : اذن لماذا غفل علماء التراث عن ما فى القرآن من منهج علمى واشارات علمية ؟ ولماذا استمرت هذه الغفلة حوالى 1400 عام . الاجابة انهم انشغلوا بالعداء للقرآن وصناعة الأكاذيب المنسوبة للنبى عليه السلام . التفاصيل كانت فى كتابى " دراسات فى الحركة الفكرية فى الحضارة الاسلامية " أحد الكتب الخمسة التى ألفتها سنة 1985 للحصول على درجة أستاذ مساعد فتسببت فى تركى الأزهر الشريف جدا جدا.!! .

قبلها سنة 1984 طلبوا منى تدريس مادة " أثر المسلمين فى الحضارة الأوربية " فرفضت لأنه ليس للمسلمين فضل على الحضارة الأوربية يستحق أن يكون لها مادة دراسية . قلت أن المسلمين قاموا فقط بتعريب الفلسفة اليونانية الاوربية وشرحها والتعليق عليها دون ابتكار أو تجديد وظلوا اسرى للمنهج اليونانى الى أن تخلفوا به، وبدأت النهضةالأوربية الحديثة بقراءة المترجمات العربية للتراث اليونانى وشروحها العربية ، الا انهم مالبثوا أن نبذوا المنهج اليونانى والتزموا بدلا عنه المنهج العلمى التجريبى فانطلقوا بالحضارة الحديثة. فما هو الفضل العربى المسلم هنا على أوربا ؟ هل مجرد تعريب حضارة أوربية قديمة – هى الحضارة اليونانية الآغريقية – وجعلها متاحة لأوربيين آخرين يعتبر فضلا على أوربا الحديثة؟ هى حضارتهم الاوربية وبضاعتهم التى ردت اليهم. ثم انها بضاعة قديمة انتهت فترة صلاحيتها ولم تعد صالحة للاستهلاك الآدمى للبشرية فى تطورها ، وكان أولى بالمسلمين قراءتها قراءة نقدية للبناء عليها مهتدين بالمنهج العلمى التجريبى فى القرآن كما فعلت أوربا الحديثة برغم عدم معرفتها بالقرآن . لكنهم لم يفعل المسلمون ذلك بسبب العداء الشديد بينهم وبين القرآن الكريم . الدليل على هذا انهم حاربوا القرآن الكريم بأكاذيب شتى منها الحديث والتفسير والتأويل والنسخ بمعنى الحذف والالغاء .
مالم يجدوه فى القرآن موافقا لأهوائهم صنعوا له أحاديث وجعلوها تنسخ أى تلغى أحكام القرآن. وما يخالفهم من آيات القرآن الكريم لم يستطيعوا حذفها لأن الله تعالى هو الذى تولى حفظ كتابه فقاموا بتحريف المعنى بادعاء النسخ أى الحذف والألغاء ، أوبدعوى التأويل ، أو التفسير. وتحت اسم "علوم القرآن " وضعوا أكاذيب لا تخطر الا على بال ابليس نفسه. يكفى انك اذا قرأت بضع صفحات من " الاتقان فى علوم القرآن " للسيوطى أو الباقلانى لتشككت فى سور القرآن ، واذا كنت لا زلت محتفظا بعقلك لتساءلت عن تعليل تلك الكراهية الشديدة للقرآن. ثم تغضب بعض الماعز اذا هاجم بعض المستشرقين الاسلام مستشهدين بما يقوله أولئك الأئمة المقدسون ! اذا كنتم – ايتها الماعز- تحبون الاسلام فادفعوا عنه أولا الظلم الذى الحقه به اولئك المنتسبون اليه قبل أن تحتجوا على الغرباء .
لقد آن الأوان للوقوف موقفا فكريا حازما من شياطين الانس أعداء النبى محمد عليه السلام الذين افتروا عليه كل هذا الافك والذين حرفوا معانى آيات القرآن وألغوا أحكامها . لقد بدأت أوربا نهضتها بوقفة حازمة مع الكنيسة والمسيحية ، ومع انه ليست فى الاسلام مؤسسة دينية فان لدى المسلمين كنائس أكثر ضلالا من كنائس أوربا العصور الوسطى.
لقد آن الأوان ليعمل كل العقلاء على تبرئة الاسلام من عصيان المسلمين بالاحنكام الى القرآن والآعتصام به.
وهذا هو طريقى منذ سنة 1977 الى أن تحين المنية ان شاء الله تعالى .
أحمد صبحى منصور
فبراير 2005
لا ناسخ ولا منسوخ فى القرآن الكريم
النسخ فى القرآن يعنى الكتابة والاثبات وليس الحذف والالغاء

مقدمة الطبعة الثانية
لهذا البحث أكثر من قصة..
أولها قصة هذا البحث مع المؤلف نفسه..
فى أبان صراعى مع الفكر السائد فى جامعة الأزهر أن البداية الحقيقية للإصلاح الدينى بل والسياسى تكمن فى تحديد المفاهيم وأن يكون ذلك التحديد بناء على مصطلحات القرآن ومعانيه، ولو حدث هذا لانتهت - جزئيا وثقافيا - مشكلة التطرف واستغلال اسم الإسلام العظيم فى دنيا التجارة والسياسة.وفى بداية الثمانينيات اعتمدت المنهج العلمى وحده والذى يبدأ بتعريف المفهوم من خلال القرآن ثم توضيح الفجوة بينه وبين التراث ثم نتتبع الظروف التاريخية والاجتماعية التى جعلت مفاهيم المسلمين تختلف عن مفاهيم القرآن، وكيف اتسعت تلك الفجوة بين المسلمين والقرآن وهو الوثيقة الالهية الوحيدة للاسلام ، وكيف عالج المسلمون هذه الفجوة باختراع أحاديث وتفسيرات تضفى المشروعية على المفاهيم والفتاوى والأحكام التى اخترعوها.
وعلى هذا الأساس صدر لى أثناء العمل بجامعة الأزهر أحد عشر مؤلفاً، وفى السنة الأخيرة من عملى بالجامعة أصدرت لى خمسة من الكتب كوفئت عليها بالوقف عن العمل والإحالة للتحقيق والمنع من الترقية لأستاذ مساعد والمنع من السفر، ثم إحالتى لمجلس تأديب لمدة عامين، وقدمت استقالتى فرفضوها، فرفعت ضدهم دعوة فى مجلس الدولة لإجبارهم على قبول الاستقالة، فأصدروا قرارهم بعزلى من الجامعة سنة 1987.
وواصلت دورى فأصدرت كتاب "المسلم العاصى: هل يخرج من النار ليدخل الجنة" وكان أول كتاب من سلسلة "دراسات قرآنية" وعزمت على أن تتخصص هذه السلسلة فى توضيح مفاهيم القرآن والفجوة بينها وبين المفاهيم التى اخترعها المسلمون فى العصر العباسى.وفى نهاية ذلك الكتاب "المسلم العاصى" نشرت إعلاناً يقول "الكتاب القادم من دراسات قرآنية: النسخ فى القرآن: معناه الإثبات وليس الحذف. وكان ذلك فى منتصف عام 1987. بعد تركى الجامعة بثلاثة أشهر.
واستعددت لإدخال الكتاب الصغير عن "النسخ فى القرآن" للمطبعة.. وفوجئت بالقبض على فى نوفمبر 1987 بتهمة إنكار السنة.. ودخلت فى نوعية أشد من الاضطهاد، قامت فيها الدولة - التى أدافع عن وجودها ضد دعاة الدولة الدينية - باضطهادى لترضى المتطرفين داخل مصر وخارجها.. واستمر هذا الاضطهاد متزايدا خلال التسعينيات بنفوذ التطرف داخل أجهزة الدولة.. وضاعت أحلامى فى نشر عشرات المؤلفات التى تبرئ الإسلام من التطرف والتى تعطى الناس الحق فى معرفة المسكوت عنه، وتوقظهم من غسيل المخ السفلى الوهابى الذى يتسلل إليهم عبر كل القنوات.
وأتيحت لى الفرصة فى نشر بحث النسخ فى نشرة "التنوير" التى تصدرها الجمعية المصرية للتنوير، وكان ذلك فى شهر يونيه 1994، وآثار البحث اهتماماً كبيراً لدى بعض المفكرين القانونيين، ووصلت أصداؤه إلى جهات كثيرة، وفوجئت بالأهرام يوم الجمعة 18/11/1994 يكتب فى صفحة الفكر الدينى قائلاً "الشيخ الغزالى فى ندوة دينية: لا يوجد نسخ فى القرآن الكريم.." وتحدث المقال عن ندوة تردد فيها بعض ما أنادى به فى هذا البحث وغيره، ثم كانت مفاجأة أخرى فى الأهرام المسائى يوم الجمعة 25/11/1994، تحت عنوان "رأى جديد فى ناسخ ومنسوخ القرآن" بقلم الكاتب الأستاذ حسين جبيل، ويعرض فيه لبحثى عن النسخ الذى نشرته نشرة التنوير وكيف أن بعض الشيوخ قد سطا على أفكاره وأذاعها.
ولا أوافق على هذا القول فيما يخص الشيخ الغزالى، الذى أرى فيه شخصية مجتهدة، ولولا انشغاله السياسى لجدد لنا مسيرة الإمام محمد عبده فى التنظير القرآنى. وهذا يدخل بنا على قصة أخرى لهذا البحث..فالانشغال السياسى- بمناصرة الدولة القائمة ونفاقها أو العمل ضدها لبلوغ هدف سياسى – أعاق القادرين على الاجتهاد برغم الحاجة الماسة والملحة لتجلية حقائق الإسلام فى عصر التدين السطحى والاحتراف الدينى.
ليس فى الاسلام احتراف دينى وليست فيه واسطة بين الناس ورب الناس جل وعلا ، وليس فيه كهنوت أوسلطة دينية أو دولة دينية يزعم صاحبها أنه يستمد سلطته من الله . وليس فى الاسلام تدين سطحى فهو دين التقوى والعمل الصالح الخالص لوجه الله تعالى وحسن الخلق ، وكل من يقرأ القرآن يعرف منزلة المنافقين وتدينهم السطحى .كل ذلك يناقض الاسلام ولكنهم استخداموا الاسلام نفسه فى تبرير الاحتراف الدينى والتدين السطحى المظهرى،كل ذلك فى سبيل حطام دنيوى زائل. أصبح الاسلام فى حاجة لمن ينهض لتبرئته من هذا الاستغلال الفاحش، وهنا دورعلماء الأزهر الذين يوجب عليهم القانون تجلية حقائق الإسلام وتبرئته من هذا الزيف . وحين نهضت بهذه المهمة الاسلامية والقانونية ثار على الشيوخ القاعدون عن الاجتهاد والعاجزون عنه ، وأيدهم قادة التيارالسلفى الطامح للحكم من محترفى التجارة بالإسلام واستغلال اسمه العظيم فى دنيا الطموح السياسى . وجميعهم ليس لديهم الوقت أو الأهلية للاجتهاد فى تجلية حقائق الإسلام، لذلك يكون من الأسهل عليهم ترديد ما قاله السابقون فى العصور الأخرى التى تختلف عن عصرنا، ويكون من الأسهل عليهم رفع شعارات مقدسة مثل: "الإسلام هو الحل"، و"تطبيق الشريعة" وهى شعارات عظيمة لا يختلف عليها أحد، ولكن عندما تسألهم كيف ؟؟ كيف يمكن تطبيق شريعة الله ورسوله ؟.. عند ذلك يسكتون عن الكلام وينطلقون فى السب والاتهام.
ولهذا فهم يكرهون المنهج العلمى الذى أسير عليه فى تحديد المفاهيم قرآنياً وتوضيح الفجوة بين الإسلام والمسلمين، حيث أن الانشغال بالسياسة هو الذى أوجد الفجوة مبكراً بين الإسلام والمسلمين .الخلاف السياسى هو الذى أوقع بالصحابة فى نار الفتنة الأهلية أو الفتنة الكبرى، وهو الذى أدى إلى قيام الحكم الوراثى العضوض فى الدولة الأموية، وفى هذه الفتنة الكبرى انتشرت الأحاديث الكاذبة فى الحرب الدعائية بين الأطراف المتصارعة، ثم كان تدوين تلك الأحاديث فى الدولة العباسية . وفى تلك الدولة العباسية برزت مفاهيم أخرى مخالفة لمفاهيم القرآن، كان من بينها مفهوم النسخ ومفاهيم الفقه والحدود والمكروه والتعزير والحسبة والتصوف والتشيع والسنة.. إلخ.. علاوة على تغيير المفاهيم القرآنية الأصلية مثل الإسلام والإيمان والكفر والشرك.. إلخ.
ومن هنا تبدو الأهمية القصوى لتحديد المفاهيم القرآنية والفجوة بينهما وبين السلف وظروفهم الاجتماعية والسياسية، حتى يتعرف المسلمون فى عصرنا أن ما يريده التيار المتطرف ليس "الإسلام هو الحل" أو "تطبيق الشريعة" وإنما مجرد الوصول للحكم ليستبدوا بالأمر مثلما كان يفعل الخلفاء فى العصور الوسطى الذين كانوا يحكمون بالحديد والنار تحت شعار الشريعة، معتقدين أن الخليفة يملك الأرض ومن عليها..
من أجل ذلك فلا زلت أحلم بأن تتاح للناس فرصة المعرفة الحقيقية بالإسلام ومفاهيمه، واختلافها عن مفاهيم السلف..ومن أجل ذلك أشكر (دار المثقفون العرب) وأخص بالذكر الأستاذ عبد الفتاح عساكر على اهتمامه بإعادة طبع هذا الكتاب الصغير عن النسخ..
والله تعالى المستعان..
د/ أحمد صبحى منصور ... القاهرة 1999
============





أولاً: قضية النسخ فى القرآن
معنى النسخ فى القرآن: الكتابة والإثبات
(1) فى لغتنا العادية نقول "نسخ المذكرة" أى كتبها، ونقول أطبع لى هذا الكتاب ألف نسخة، وذهبت إلى مكتب النسخ لأنسخ على الآلة الكاتبة عشر نسخ من هذه المذكرة ونقول "انسخ لى بالخط النسخ".والمعنى المألوف للنسخ هنا هو الكتابة والإثبات وليس الحذف والإلغاء، وهذا فى اللغة العربية التى نزل بها القرآن والتى لا تزال نستعملها.
وقد جاءت كلمة "نسخ" ومشتقاتها فى أربعة مواضع فى القرآن الكريم، وكلها تعنى الكتابة والإثبات وليس عكسها.
وهذه المواضع هى:
(1) يقول تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة 106).
(2) ويقول تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ﴾ (الحج 52).
(3) ويقول تعالى: ﴿هَـَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقّ إِنّ كُنّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية 29).
(4) ويقول تعالى: ﴿وَلَماّ سَكَتَ عَن مّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الألْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لّلّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (الأعراف 154).
ولنتوقف مع كل آية على حدة لنتعرف على معنى كلمة "نسخ" فى القرآن الكريم.
(1) يقول تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة 106).
وحتى نتعرف على المعنى المراد بالآية علينا أن نبدأ القصة من أولها من خلال القرآن. فقد كان مشركو مكة يطالبون النبى بآية حسية حتى يؤمنوا به ﴿وَقَالُواْ لَن نّؤْمِنَ لَكَ حَتّىَ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنّةٌ مّن نّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىَ فِي السّمَآءِ وَلَن نّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ حَتّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبّي هَلْ كُنتُ إَلاّ بَشَراً رّسُولاً. وَمَا مَنَعَ النّاسَ أَن يُؤْمِنُوَاْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَىَ إِلاّ أَن قَالُوَاْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رّسُولاً﴾ (الإسراء90: 94).
وقد تكرر رفض الله سبحانه وتعالى إنزال آية حسية وهذا ما نلحظه فى القرآن الكريم ﴿وَيَقُولُ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رّبّهِ قُلْ إِنّ اللّهَ يُضِلّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيَ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ (الرعد 27).. ﴿وَيَقُولُ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رّبّهِ إِنّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد 7).﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رّبّهِ قُلْ إِنّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَىَ أَن يُنَزّلٍ آيَةً وَلَـَكِنّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام 37).
وقد أوضح القرآن المانع فى إنزال آية- أو معجزة حسية- على الرسول عليه السلام، فالمعجزات الحسية- أو الآية الحسية- لم تجعل الأمم السابقة تؤمن بالأنبياء ولن تجعل مشركى العرب يؤمنون، وفى ذلك يقول تعالى ﴿بَلْ قَالُوَاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأوّلُونَ. مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء5،6).
وأوضح رب العزة للرسول أنهم لن يؤمنوا حتى لو جاءتهم آية، إلى أن يأتيهم العذاب بعد الموت ﴿إِنّ الّذِينَ حَقّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلّ آيَةٍ حَتّىَ يَرَوُاْ الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ (يونس 96،97).
ويقول الله تعالى أنه لو أنزل على رسوله كتاباً من السماء ورآه المشركون ولمسوا الكتاب بأيديهم فلن يؤمنوا وسيرمونه بالسحر ﴿وَلَوْ نَزّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـَذَآ إِلاّ سِحْرٌ مّبِينٌ﴾ (الأنعام 7).
ويقول الله تعالى أنه لو صعد المشركين المعاندين إلى السماء وطاف بهم حول النجوم فلن يهتدوا ولن يفسروا ذلك إلا بالسحر ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مّنَ السّمَاءِ فَظَلّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُواْ إِنّمَا سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مّسْحُورُونَ. وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيّنّاهَا لِلنّاظِرِينَ﴾ (الحجر 14: 16).
وكان المشركون يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم سيؤمنون إذا جاء لهم الرسول بآية حسية وأوضح القرآن أنهم لن يؤمنوا ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لّيُؤْمِنُنّ بِهَا قُلْ إِنّمَا الاَيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ. وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوّلَ مَرّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. وَلَوْ أَنّنَا نَزّلْنَآ إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلّمَهُمُ الْمَوْتَىَ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْءٍ قُبُلاً مّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوَاْ إِلاّ أَن يَشَآءَ اللّهُ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (الأنعام 109: 111).
لقد كانت الآيات السابقة التى نزلت على الأنبياء السابقين معجزات حسية تناسب وضع الأنبياء وأقوامهم وعصورهم، كانت الآيات حسية مؤقتة مادية يشهدها القوم بأنفسهم ولا تفلح فى هدايتهم فيأتيهم الهلاك، وذلك ما حدث مثلاً لقوم ثمود حين طلبوا آية، فخلق الله لهم ناقة من الصخر فعقروا الناقة، فأهلكهم الله. والآية كانت تأتى نذيراً بالهلاك لمن يطلب ألآية ثم يكفر بعد أن يأتى بها النبى، واختلف الوضع بالنبى الخاتم المبعوث للعالم كله من عصره وإلى أن تقوم الساعة، وقد أنزل الله عليه آية عقلية مستمرة متجددة الإعجاز لكل عصر، يتحدى بها الله الأنس والجن إلى قيام الساعة، ألا وهى القرآن الكريم.
وقد رفض المشركون القرآن وطلبوا آية حسية مادية كالتى جاء بها موسى وعيسى. ورفض الله أن ينزل عليهم آية للتحدى سوى القرآن، وأوضح السبب فى عدم إنزال هذه الآية الحسية وهو أن الآية الحسية لم تفلح فى هداية القوم فقال ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نّرْسِلَ بِالاَيَاتِ إِلاّ أَن كَذّبَ بِهَا الأوّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالاَيَاتِ إِلاّ تَخْوِيفاً﴾ (الإسراء 59). وأضاف القرآن سبباً آخر منع إنزال الآية الحسية ألا وهو الاكتفاء بالقرآن وجاء ذلك صريحاً فى قوله تعالى ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مّن رّبّهِ قُلْ إِنّمَا الاَيَاتُ عِندَ اللّهِ وَإِنّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مّبِينٌ. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىَ عَلَيْهِمْ إِنّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىَ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (العنكبوت 50،51).
وكان النبى يحزن لإصرار قومه على إنزال آية حسية وتأكيد القرآن على أنه لن تنزل آية حسية اكتفاء بالقرآن وإعجازه، فينزل الوحى يخفف عن الرسول ويسرى عنه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنّهُ لَيَحْزُنُكَ الّذِي يَقُولُونَ فَإِنّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ وَلَـَكِنّ الظّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام 33). فالمشركون يصدقون نبوته ولكنهم يجحدونها، وما طلبوا آية إلا على سبيل العناد، ثم يخبر القرآن النبى بأن الرسل السابقين صبروا على الإيذاء حتى نصرهم الله وأنه لا تبديل لكلمات الله فلا آية حسية ستأتى وسينصره الله: ﴿وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىَ مَا كُذّبُواْ وَأُوذُواْ حَتّىَ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأنعام 34). ثم تقول الآية التالية للنبى أنه إذا عظم عليه إعراضهم وتصميمهم على آية حسية فعليه أن يتصرف بنفسه ويصعد للسماء أو يهبط للأرض ليأتيهم بآية: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأرْضِ أَوْ سُلّماً فِي السّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَ فَلاَ تَكُونَنّ مِنَ الْجَاهِلِينَ. إِنّمَا يَسْتَجِيبُ الّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَىَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (الأنعام 35،36).
وفى موضع آخر يسرى رب العزة عن رسوله بألا يحزن، فما هو إلا نذير والله هو الوكيل على كل شىء ﴿فَلَعَلّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىَ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (هود 12).
وانتقل النبى للمدينة، فطلب منه بعض اهل الكتاب آية حسية مثلما طلب المشركون فى مكة. وقد أوضح القرآن استحالة أن يؤمنوا مهما جاءتهم آيات ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ بِكُلّ آيَةٍ مّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنّكَ إِذَاً لّمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (البقرة 145). فالواقع أنهم رفضوا القرآن حسداً وهو نفس الموقف الذى وقفه مشركو مكة.
لذا يقول تعالى عن بعض أهل الكتاب والمشركين ﴿مّا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْكُمْ مّنْ خَيْرٍ مّن رّبّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (البقرة 105).
ثم تقول الآية التالية ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة 106). أى ما نثبته وما نكتب من آية أو معجزة- أو ننسها والمقصود انتهاء ونسيان زمنها لأنها معجزة حسية وقتية تنتهى بانتهاء زمانها- فيأت الله بخير منها أو مثلها، لأن الله على كل شىء قدير. فالله هو الذى أنزل الآيات المختلفة على الأنبياء السابقين، يثبت اللاحقة ويجعلها تنسى الناس السابقة، واللاحقة إن لم تكن مثل السابقة فهى خير منها.
ويبدو أن بعض المؤمنين طلب من النبى فى المدينة أن يأتى بآية حسية كما كان يحدث لموسى وواضح أن ذلك بتأثير يهود المدينة لذا قال تعالى فى نفس الموضع ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىَ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلّ سَوَآءَ السّبِيلِ﴾ (البقرة 108).
ثم توضح الآية التالية أثر بعض يهود المدينة فى ذلك ﴿وَدّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مّن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمُ الْحَقّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتّىَ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة 109). وهذا هو النسق القرآنى لقوله تعالى ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾.
إذن فالمقصود بكلمة آية فى قوله تعالى ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ هى المعجزة التى ينزلها الله على الأنبياء. وقد كانت آية محمد عليه السلام خير بديل للناس، وفى ذلك يقول الله تعالى ﴿وَإِذَا بَدّلْنَآ آيَةً مّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ قَالُوَاْ إِنّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل 101). فالله تعالى أبدلهم بالآيات الحسية آية عقلية هى القرآن ولكنهم اتهموا محمداً بالافتراء، لذا تقول الآية التالية توضح لنا المقصود ﴿قُلْ نَزّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رّبّكَ بِالْحَقّ لِيُثَبّتَ الّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَىَ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل 102).
فالقرآن هو آية النبى محمد عليه السلام نزل به جبريل ليثبت الذين آمنوا.. وكل فقرة من القرآن هى آية فى حد ذاتها. فإذا كان أحد الأنبياء قد آتاه الله آية حسية أو آيتين فإن الله تعالى أعطى خاتم النبيين آلاف الآيات وهى مجمل الآيات فى القرآن الكريم.
والمهم أن كلمة ننسخ فى آية ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ هو بمعنى الإثبات والكتابة وليس الحذف. وأن الآية المقصودة هنا هى المعجزة التى يأتى بها كل نبى، وقد كانت معجزة النبى خير الآيات، ولأن الحديث هنا عن معجزات يتلو بعضها بعضاً فى تاريخ الأنبياء كان تذييل الآية بتقرير قدرة الله على كل شىء ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. كما كان بدء القصة بموقف أهل الكتاب والمشركين من معجزة القرآن وحسدهم لها..هذا هو السياق القرآنى لكلمة ومعنى النسخ فى تلك الآية الكريمة من سورة البقرة .ثم نعود لباقى الآيات التى ورد فيها لفظ النسخ ومشتقاته فى القرآن الكريم.

(2) يقول تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ فِتْنَةً لّلّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ﴾ (الحج 52،53).
والمعنى العام للآيات أن الشيطان يحاول دائماً التدخل ليفسد الوحى الذى ينزل على كل رسول أو نبى، ويتجلى ذلك التدخل الشيطانى بالأحاديث الكاذبة المنسوبة لله أو للرسول والتى تعارض الوحى الحقيقى، والله تعالى لا يحذف هذا الوحى الشيطانى ولكن يسمح بوجوده إلى جانب الوحى الصادق لتتم عملية الاختبار، فالمشرك ينخدع بالوحى الضال ويتمسك به ويصغى إليه وفى سبيله يضحى بما يعارضه من كتاب الله. أما المؤمن الصادق فيتمسك بالقرآن ويزداد إيمانا به، ويعلم أن القرآن حق اليقين حين أخبر سلفاً عن كيد الشيطان ونشره للأحاديث الضالة التى أصبحت منسوخة أى مكتوبة ومدونة ومتداولة فى آلاف المجلدات.
وانظر حولك لترى اعجازالقرآن الذى نبأ سلفا بتلك الكتب التراثية المليئة بالأحاديث الضالة . وطالما انها ليست من وحى الله تعالى ولم يعرفها عصر النبى ولم تتم كتابتها الا بعد النبى بقرون فان مصدرها الوحيد هو الشيطان . والله تعالى هو الذى سمح بكتابتها – او نسخها فى ملايين النسخ ، وفى نفس الوقت جعل القرآن محكما ، وأعطى الفرصة كاملة فى حرية الاختيار لكل انسان فى أن يختار الحق القرآنى ويكتفى به ، أو أن يختار الباطل الشيطانى وينظر من خلاله للقرآن ليخضع كلام الله تعالى للاحاديث الضالة الشيطانية. ومقابل هذه الحرية المطلقة فى الايمان بحديث القرآن وحده أو الايمان بغيره تكمن المسئولية العظمى للانسان يوم الدين.
ونعود إلى تفصيلات الآيات ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ﴾ يعنى أنها طريقة مستمرة للشيطان، كلما جاء نبى أو رسول وتمنى هداية قومه أجمعين أضاع الشيطان هذه الأمنية، ونعلم أن الأقلية دائماً تتبع النبى وأن الأكثرية يكونون من أتباع الشيطان. وتبين الآية أسلوب الشيطان فى صراعه ضد النبى وهى الإلقاء للوحى الضال، وهى وظيفة الشيطان وأتباعه فى تاريخ كل نبى، ونعلم ما حدث لبنى إسرائيل حين ذهب موسى للقاء ربه ثم عاد فوجدهم يعبدون العجل وكان ذلك بوحى من الشيطان وأوحى به الى السامرى وأعلنه السامرى لقومه، وحين اعتذروا لموسى ﴿قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـَكِنّا حُمّلْنَآ أَوْزَاراً مّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السّامِرِيّ﴾ (طه 87).ويعبر السامرى عن وحيه الشيطانى حين يقول ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مّنْ أَثَرِ الرّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ (طه 96).
هذه هى نوعية الإلقاء الشيطانى، فالشيطان يلقى بوحيه الضال ليسد الطريق امام النبى وأمنياته بأن يؤمن به الجميع، فلا يدع الشيطان لهذه الأمنيات أن تتحق. ويسمح الله بكتابة وتدوين- أى نسخ- هذا الوحى الشيطانى يقول تعالى ﴿فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ﴾ أى يكتب الله ما يلقيه الشيطان، وفى المقابل ﴿ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ﴾ لتكون حجة على الوحى الشيطانى وأعوانه. أما ما يلقيه الشيطان فينسخه الله أى أن يسمح الله له باستمراره ووجوده، والتعليل جاء فى قوله تعالى:" لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ فِتْنَةً لّلّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ﴾اذن ما تم نسخه من القاء الشيطان هو موجود وليس محذوفا ، ولأنه موجود فسيكون اختبارا للذين فى قلوبهم مرض. وفى نفس الوقت يكون ذلك الوحى الشيطانى المكتوب المنسوخ فى مجلدات وكتب – يكون دليلا للمؤمنين ليزدادوا ايمانا. تقول الآية التالية ﴿وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنّهُ الْحَقّ مِن رّبّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾.
ثم تقول الآية أن الوحى الشيطانى سيظل مكتوباً ومدوناً أى منسوخاً- وسارى المفعول إلى أن تقوم الساعة، يقول تعالى ﴿وَلاَ يَزَالُ الّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ حَتّىَ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ (الحج 55). والأحاديث الضالة كثيرة مكتوبة ومنسوخة ومدونة فى ملايين النسخ، ولكنها مما يعارض القرآن، ومع ذلك فأكثرية الناس يؤمنون بها ويدافعون عنها وسيظل هذا موقفهم إلى يوم القيامة، وبذلك ينجح الشيطان فى غواية الأكثرية من البشر. تمعن تلك المعانى بتدبر قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ فِتْنَةً لّلّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ﴾ (الحج 52،53).

مقارنة بين آيات سورتى الأنعام والحج:
وهذا المعنى عن وجود الوحى الشيطانى حرباً على وحى الله تعالى وأنبيائه جاء فى قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِيّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ إذن ذلك الوحى الشيطانى إنما يوحى ويدون ويكتب وينسخ ويسجل بمشيئة الله ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام112).وذلك نظير قوله تعالى فى سورة الحج ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحج 52).
ونتابع آيات سورة الأنعام ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ. وَلِتَصْغَىَ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مّقْتَرِفُونَ﴾ (الأنعام 112،113). بالوحى الشيطانى المكتوب والمنسوخ والمدون يرضونه ويتمسكون به ويتخذونه دستوراً لسلوكهم يتملك عليهم قلوبهم وأفئدتهم.ونظير ذلك ما يقوله تعالى فى سورة الحج ﴿لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ فِتْنَةً لّلّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾.
والمؤمن يحتكم إلى الله تعالى فى ذلك الوحى الشيطانى المدون فى ملايين النسخ ﴿أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الّذِيَ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصّلاً﴾ (الأنعام 114).ونظيره ما يقوله تعالى فى سورة الحج ﴿وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنّهُ الْحَقّ مِن رّبّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ فما جاء فى سورة الحج يؤكد ما جاء فى سورة الأنعام. من أن معنى النسخ هو الكتابة والتدوين. انظر الجدول المرفق فى الملاحق.
وهكذا فالقرآن مكتوب أو منسوخ، والروايات الضالة مكتوبة أى منسوخة، وكل إنسان يختار لنفسه ما يريد، ويوم القيامة آت بالحساب.

(3) ويقول تعالى ﴿هَـَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقّ إِنّ كُنّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية 29).
جاءت الآية فى معرض الحديث عن يوم القيامة ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ. وَتَرَىَ كُلّ أُمّةٍ جَاثِيَةً كُلّ أمّةٍ تُدْعَىَ إِلَىَ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. هَـَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقّ إِنّ كُنّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية 27: 29).
ففى يوم الحساب كل أمة تكون جاثية، تنتظر دورها حين تدعى إلى كتاب أعمالها الذى يسجل أحداث عصرها. ويقال لهم أن كتاب أعمالهم ينطق عليهم بالحق إذا كانت نستنسخ ما كانت كل أمه تعمله. فقوله تعالى ﴿إِنّ كُنّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أى تكتب أعمالهم نسخاً. وقد جاءت آيات عديدة تتحدث عن وظيفة الملائكة التى تسجل أو تنسخ أعمال البشر، يقول تعالى ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لاَ نَسْمَعُ سِرّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىَ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (الزخرف 80). فالملائكة تكتب وتسجل- أو تنسخ كل أعمالهم.
يقول الله تعالى عن بعض المشركين ﴿أَفَرَأَيْتَ الّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لاُوتَيَنّ مَالاً وَوَلَداً. أَطّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتّخَذَ عِندَ الرّحْمَـَنِ عَهْداً. كَلاّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً﴾ (مريم 77: 79). أى أن الملائكة ستنسخ أى تكتب قوله الآثم وسيؤاخذ به.
يقول تعالى عن المنافقين ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيّتَ طَآئِفَةٌ مّنْهُمْ غَيْرَ الّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ﴾ (النساء 81). أى أن أعمالهم يسجلها الله مهما أخفوها.
إذن قوله تعالى ﴿إِنّ كُنّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يعنى نكتب ونسجل وندون ونثبت. وليس بالطبع معناها أنا كنا نحذف أو نلغى ما كنتم تعملون.
4 ويقول تعالى ﴿وَلَماّ سَكَتَ عَن مّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الألْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لّلّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (الأعراف 154).
فالآية تتحدث عن موسى حين رجع إلى قومه غضبان أسفا وقد وجدهم يعبدون العجل، فتملكه الغضب وألقى الألواح، ثم حين هدأ وسكت عنه الغضب أخذ الألواح وفى نسختها أى فى المدون والمسجل والمكتوب فى هذه الألواح.
وفى آية أخرى يقول تعالى عن نفس الألواح ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِن كُلّ شَيْءٍ مّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف 145). إذن فالنسخ هنا كما فى الآيات الأخرى معناه الكتابة والإثبات والتدوين وليس العكس.

ثانياً: النسخ بمعنى الحذف اتهام للقرآن
وأولئك الذين يجعلون النسخ معناه الإلغاء والحذف يتهمون القرآن بأن ألفاظه متناقضة متضاربة معوجة. ورب العزة يرد عليهم ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَنْزَلَ عَلَىَ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لّهُ عِوَجَا. قَيّماً لّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مّن لّدُنْهُ وَيُبَشّرَ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ (الكهف 1،2).
ويقول تعالى ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لّعَلّهُمْ يَتّقُونَ﴾ (الزمر 28). والعجيب أننا لا نزال نستعمل كلمة "نسخ" بمعنى كتب، وأشهر أنواع الخط الذى تكتب به اللغة العربية هو خط النسخ لأن القرآن "منسوخ به" أى مكتوب به.

ثالثاً: النسخ فى التراث القديم
معناه الكتابة والإثبات
والأعجب أن كتب التراث والأحاديث تعترف بأن معنى النسخ هو الكتابة والإثبات وليس الحذف والإلغاء، فالبخارى فى أحاديثه عن كتابة المصحف يقول أن عثمان أمر بأن (ينسخوها من المصاحف) أى يكتبونها. وفى رواية (فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلى إلينا بالصحف ننسخها فى المصاحف) أى نكتبها فى المصاحف، وتقول الرواية (فأرسلت بها حفصة إلى عثمان.. فنسخوها فى المصاحف) أى نكتبها، وتقول رواية أخرى "ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف فى المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة" ويقول زيد بن ثابت "لما نسخنا الصحف فى المصاحف" أى أن كل رويات تدوين المصحف استعملت كلمة "نسخ" بمعنى كتب ودون وأثبت وليس بمعنى حذف وألغى وأبطل.. وأهمية هذه الروايات فى كونها تستعمل كلمة نسخ بمعنى كتب فيما يخص المصحف- أو القرآن. إلا أن العصر العباسى ما لبث أن غير المفهوم إلى النقيض تماماً.

رابعاً: الجذور الدينية والتاريخية
للقائلين بحذف الأحكام تحت دعوى النسخ
فى عصر الرسول عليه السلام كره المشركون ما أنزل الله وطالبوا بالإتيان بكلام آخر غير القرآن، أو بحذف بعض القرآن، وجاء الرد بأن النبى لا يملك ذلك وأنه متبع للوحى يخاف عذاب يوم عظيم.
يقول الله تعالى﴿وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيّنَاتٍ قَالَ الّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـَذَآ أَوْ بَدّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيَ أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيَ إِنْ أَتّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَىَ إِلَيّ إِنّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (يونس 15).
وفى سورة الإسراء يقول تعالى عن محاولات المشركين ضد القرآن والنبى ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاّتّخَذُوكَ خَلِيلاً. وَلَوْلاَ أَن ثَبّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً. إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ (الإسراء 73: 75).
إن حفظ الله للقرآن حال دون محاولات المشركين التأثير على النبى إذ ثبته الله وقواه فباءت محاولاتهم فى تحريف القرآن أو حذف بعض آياته بالفشل. إذن كان مشركو مكة أول من دعا لحذف الآيات، ولم يستخدموا تعبير النسخ بالمفهوم الخاطئ الذى يعنى الحذف، وجاء الرد بأن الرسول لا يملك أن يبدل كلام الله وأن حفظ الله للقرآن فوق كيد المشركين.
وتردد فى القرآن أن كلام الله لا مجال فيه للتبديل أو الحذف أو الإضافة يقول تعالى ﴿وَتَمّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاّ مُبَدّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنعام 115).
ويقول تعالى لرسوله ولنا: ﴿وَاتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبّكَ لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (الكهف 27).وتكرر نفس المعنى فى مواضع أخرى ﴿وَلاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأنعام 34). ﴿لَهُمُ الْبُشْرَىَ فِي الْحَياةِ الدّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (يونس 64). ويكفى أن رب العزة يقول عن القرآن الكريم: ﴿الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمّ فُصّلَتْ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود 1).
فكيف يكون القرآن محكماً فى آياته ثم يأتى من يقول أن آياته فيها المحذوف حكمه والباطل تشريعه ويسمى ذلك نسخاً؟؟ لا يقول ذلك الا من كان عدوا للقرآن غير مؤمن به .!!
وبعد عصر النبوة والخلافة الراشدة انشغل المسلمون بالفتوحات والصراعات الداخلية إلى أن استقرت أمورهم نسبياً فى العصر العباسى حيث تم صبغ المجتمع المسلم بطابع ثقافى دينى استمر حتى يومنا هذا.
والدليل على تبعيتنا للعصر العباسى أن أئمتنا فى الفقه والحديث والتفسير وعلم الكلام والفلسفة هم أبناء العصر العباسى، وإن أسفار التراث المقدسة هى ما كتبها العصر العباسى خصوصاً ما اتصل منها بالحديث والتفسير والتصوف والتشيع.
وفى العصر العباسى أتيح لأبناء أهل الكتاب والمجوس الذين أسلموا أن يقودوا الحركة العلمية بما لهم من تراث ثقافى سابق، ولا يستطيع أحد أن ينكر دور "الموالى" فى ريادة الحركة العلمية منذ بدايتها إلى تطورها ونضجها. وفى العصر العباسى الثانى بالذات انتسب أولئك الموالى لأسماء عربية وإلى "ولاء" القبائل العربية المشهورة، وأهملوا أصولهم القديمة وأصبحوا ضمن النسيج الذى قام عليه المجتمع المسلم، وكانوا فيه أعمدته العقلية والثقافية. ومن الطبيعى أن تعود من خلالهم المفاهيم القديمة التى كانت سائدة قبل الإسلام واستترت فى فترة الفتوح، وبعد كمون عادت للظهور مستترة بأحاديث منسوبة للرسول وبتأويلات للقرآن فأمكن تطويع العقائد الإسلامية الأصلية لأهواء المسلمين الجدد أبناء أهل الكتاب وأصحاب الثقافة القديمة.
ومن خلال اختراع الحديث والتفسير كان علاج الفجوة بين ما يقوله القرآن وبين ما يؤمن به المسلمون الجدد فى العصر العباسى، فما لا يتفق مع القرآن مع هواهم كانوا يعطلون حكمه بدعوى أنه "منسوخ" وما يريدون إضافته للإسلام كانوا يخترعون له حديثاً ينسبونه للنبى عليه الصلاة والسلام، أو يقوم "التفسير" أو "التأويل " بذلك حين يضعون آراءهم ليغيروا بها معانى الآيات، وبمرور الزمن تصبح آراء المفسرين حكماً على كلام الله، ولا تقوم الآية القرآنية بمفردهم دليلاً إلا إذا كان معها ما يؤكدها من كلام المفسرين.وهذا لايزال سائدا حتى الآن يؤكد الاعتقاد السائد لديهم ان القرآن لايكفى فى الهداية ولا بد معه من كتب الأئمة من أحاديث أو تفسير لنفهم من خلالهم كلام الله تعالى طبقا لاعتقادهم حتى لو خالف وضوح الآيات القرآنية .
على أن مفهوم النسخ- معنى الحذف والتبديل والإلغاء- له جذور فى التاريخ الإسرائيلى، حيث تفنن بعض اليهود فى التحايل على أوامر الله والتحايل على أحكام التوراة. هذا مع أن الله أخذ عليهم العقد والميثاق ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءِكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مّن دِيَارِكُمْ ثُمّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (البقرة 84).
وبعد الإقرار والشهادة يذكر القرآن كيف كانوا ينقضون العهد ويبطلون الأحكام حسب أهوائهم لتتمشى التوراة مع مصالحهم، يقول الله تعالى فى الآية التالية: ﴿ثُمّ أَنْتُمْ هَـَؤُلآءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مّنْكُمْ مّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىَ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدّونَ إِلَىَ أَشَدّ الّعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة 85).
أى أنهم أبطلوا العمل ببعض الآيات وآمنوا ببعضها، أو بتعبير القرآن ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.أو بتعبير العصر العباسى قالوا أن هذه الآية الأخرى منسوخة وذلك لأن الأحفاد فى العصر العباسى سلكوا مسلك أجدادهم شبراً شبراً.
وفى عصر أبى جعفر المنصور ثانى الخلفاء العباسيين ظهر العالم اليهودى أبو عيسى ابن يعقوب الأصفهانى، الذى ابتكر فى اليهودية مصطلح النسخ فى التوراة بمعنى الحذف والإلغاء للأحكام، وتبعه جماعة عرفوا بالعيسوية، وأولئك العيسوية وزعيمهم كانوا أول من استخدم مصطلح النسخ بمعنى الحذف وإلغاء الحكم. ولم يوافق أغلبية اليهود فى العصر العباسى على ما ذهب إليه العيسوية فى ذلك المعنى الجديد لكلمة النسخ- لأسباب لا محل لذكرها هنا- وكانت طائفة الشمعونية اليهودية أظهر من أنكر وجود النسخ- بمعنى الحذف فى التوراة.
والذى يهمنا هنا أن الجدال بين اليهود حول مصطلح النسخ الجديد وعلاقته بنصوص التوراة أمتد إلى حلقات العلم عند المسلمين فى العصر العباسى، حيث كان لليهود دور الريادة العلمية فى تاريخ الحضارة والفكر عند المسلمين، ويكفى أن نذكر من أساطير اليهود فى ذلك المجال كعب الأحبار ووهب بن منبه وأخاه وعبد الله بن سلام، وأولئك دارت حولهم ورايات الحديث والسنة والتفسير والقصص وتاريخ الأنبياء والأمم السالفة.
وكان طبيعياً بسبب هذه الريادة أن ينزع الدارسون المسلمون إلى تقليد كل ابتكار يهودى، ومن هنا انتقلت عدوى مدلول النسخ الجديد إليهم، ولكن واجهتهم مشكلة أن القرآن ليس كالتوراة، إذ هو نص محفوظ بقدرة الله، فوق محاولات التغيير والتحريف والإبدال ﴿إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر 9). ﴿إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ بِالذّكْرِ لَمّا جَآءَهُمْ وَإِنّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت 41،42)
والمتمسكون بدعوى النسخ بمعنى إبطال وإلغاء حكم الآية- تغلبوا على مشكلة كون القرآن محفوظاً من التحريف بادعاء أن النسخ عندهم فى المعنى وليس فى اللفظ، وفى الحكم وليس فى النص. وبذلك تحول القرآن فى رأيهم إلى مجرد نصوص يتلاعبون بها حسب الهوى، يبطلون أحكام بعضها، ويضربون بعضها ببعض، وبذلك اتسعت الفجوة بين المسلمين والقرآن بحيث أن التشريعات القرآنية الحقيقية ضاعت وسط دعاوى النسخ بمعنى الإلغاء مع الأقاويل المنسوبة للنبى والاجتهادات الفقية التى ارتدت ثوب الحديث، والتى أتيح لها أن تبطل الأحكام القرآنية.

خامساً: مظاهر إلغاء
الأحكام القرآنية بدعوى النسخ
خضع النسخ بمعنى إلغاء الحكم للأهواء والاجتهادات الخاطئة. فمن العلماء من بالغ فى دعواه حتى أبطل معظم الأحكام القرآنية (بدعوى النسخ) مثل ابن حزم فى كتابه "الناسخ والمنسوخ" ومنهم من توسط فى دعواه مثل السيوطى، وبعضهم قال أن عدد الآيات المنسوخة- أى الملغاة الحكم- يبلغ 565 آية.. وهو تطرف ممقوت لأن الآيات التشريعية فى القرآن تبلغ فقط حوالى المائتين..!!
ويمكن أن نقسم مظاهر إلغاء الأحكام القرآنية- بدعوى النسخ- إلى مظهرين:
(1) إلغاء حكم آية بآية أخرى.
(2) إلغاء حكم آية بحديث أو برأى فقهى.
إلغاء حكم آية بآية أخرى:
بسبب عدم الفهم للآيات المتشابهة فى الأحكام فى الموضوع الواحد أسرعوا بإلغاء حكم بعضها وضربه بالأخرى تحت دعوى النسخ، ولم ينتبهوا للفوارق الدقيقة بين الآيات المتشابهة فى الموضوع الواحد، وكيف أنها تضع التفصيلات فى الأحكام لكافة الاحتمالات. ونأخذ بعض الأمثلة للتوضيح.
(1) فى قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَىَ حَتّىَ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَىَ بِاللّهِ حَسِيباً. لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنّسَآءِ نَصِيبٌ مّمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمّا قَلّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مّفْرُوضاً﴾ (النساء 6،7). قالوا إن الآية منسوخة- أى ملغاة فى الحكم بقوله تعالى ﴿إِنّ الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىَ ظُلْماً إِنّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ (النساء 10). ويرون أن قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قد ألغاه التحذير من أكل أموال اليتامى ظلماً.
وذلك حمق فى التفكير لأن الآية الأولى أباحت الأكل بالمعروف للفقير الذى يكون وصياً على مال اليتيم ﴿وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أما الآية الأخرى فقد أضافت حكماً تشريعياً مترابطاً هو التحذير من أكل مال اليتيم ظلماً. والآيتان معاً تؤديان حكماً تشريعياً مترابطاً هو إباحة الأكل بالمعروف للوصى على اليتيم إذا كان فقيراً، مع التحذير من أكل مال اليتيم ظلماً وعدواناً. إذن لا تعارض بين الآيتين.. ولا مجال لدعوى النسخ بمعنى الحذف والإلغاء.
(2) وقالوا إن آية: ﴿إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة 60) قد ألغى حكمها ما جاء فى الآيات الأخرى عن الإنفاق والصدقات، مثل ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (البقرة 215). وآية ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مّا رَزَقْنَاكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلآ أَخّرْتَنِيَ إِلَىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصّدّقَ وَأَكُن مّنَ الصّالِحِينَ﴾ (المنافقون 10). وآية ﴿وَفِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (الذاريات 19). وآية ﴿وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة 34).
والقائلون بهذا الرأى لم يعرفوا الفرق بين الإنفاق التطوعى فى سبيل الله وبين الزكاة الرسمية التى يجمعها الحاكم فى الدولة المسلمة وينفقها فى مصارفها المحددة فى آية ﴿إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فالدولة هى التى تحدد المستوى الاقتصادى للفقراء والمساكين وهى التى تنفق على الموظفين (العاملين عليها) أى القائمين على الزكاة، وهى التى تقيم أماكن إيواء لأبناء السبيل، ثم تنتهى الآية بقوله تعالى ﴿فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ﴾ أى أن ذلك التوزيع فرض إلهى لابد من تنفيذه.. فكيف يجرؤ بعضهم على إلغائه بدعوى النسخ؟
وقد عرفنا مصارف الزكاة وتوزيعها الذى تقوم به الدولة، أما الصدقة التطوعية فقد تحدث القرآن عن مستحقيها فى قوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فأحق الناس بالصدقة التطوعية هو الوالدان والأقربون ومن يعرفه الإنسان من اليتامى والمساكين ثم ابن السبيل، والله تعالى عليم بما يفعله كل إنسان يتطوع للخير. والذى ينفق تطوعاً فى سبيل الله يجعل فى ماله حقاً محدوداً معلوماً لكل سائل يقابله، ولكل محروم يعرفه، وهو الذى يقدر ظروفه واحتياجاته، والله تعالى يقول: ﴿وَالّذِينَ فِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ مّعْلُومٌ. لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج 24،25).
ومقدار الصدقة التطوعية هو ما يزيد عن حاجة الإنسان، وبالقدر المعقول، والله تعالى يقول ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. والعفو هو الزائد عن الحاجة ومعناه الاعتدال فى الصدقة بدون إسراف أو تقتير، يقول تعالى ﴿وَالّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ (الفرقان 67). ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىَ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مّحْسُوراً﴾ (الإسراء 29).
وينبغى على الإنسان أن يسارع بالزكاة والصدقة حتى لا يندم عند الاحتضار، وفى ذلك يقول تعالى ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مّا رَزَقْنَاكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلآ أَخّرْتَنِيَ إِلَىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصّدّقَ وَأَكُن مّنَ الصّالِحِينَ﴾. وإذا بخل بماله ومات وقد اكتنز الأموال دون أن ينفقها فى سبيل الله، فالقرآن يقول عنه ﴿وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
باختصار إن كل الآيات التى تتحدث عن الصدقة والزكاة يكمل بعضها بعضاً ولا يناقض بعضها بعضاً، وليس هناك نسخ فى أحدها بمعنى الإلغاء والحذف. وليس هناك عوج فى كتاب الله ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَنْزَلَ عَلَىَ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لّهُ عِوَجَا. قَيّماً﴾ (الكهف 1،2).
(3) وقالوا إن هناك آيتين فى عدة المرأة الأرملة أحداهما تنسخ- أى تبطل- الأخرى فآية ﴿وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيّةً لأزْوَاجِهِمْ مّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (البقرة 240). قالوا عنها أنها باطلة الحكم بسبب آية ﴿وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ (البقرة 234). فهموا أن الآيتين متعارضتان، تبطل إحداهما الأخرى، وقد أخطأوا حين ظنوا أن الآيتين تتحدثان عن عدة المرأة الأرملة، وظنوا أن الآية الأولى تجعل عدة الأرملة حولاً كاملاً والآية الثانية تجعل عدتها أربعة أشهر وعشرا.
والواقع أن الآية الأولى تتحدث عن (المتعة) الواجبة للأرملة بعد وفاة زوجها، وللأرملة متعة كما للمطلقة، والقرآن أوجب المتعة للمطلقة وجعلها حقاً لها، كما أوجب المتعة للأرملة. وصية لها، فقال تعالى ﴿وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيّةً لأزْوَاجِهِمْ مّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنْفُسِهِنّ مِن مّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. وَلِلْمُطَلّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتّقِينَ﴾ (البقرة 240،241). فالآيتان هنا تتحدثان عن (متعة) الأرملة ثم (متعة) المطلقة، فمن حق الأرملة أن تقيم فى بيت زوجها المتوفى عنها طيلة سنة كاملة، ولا يحق لأحد أن يخرجها من بيتها قبل العام، ولا يتعارض حقها فى المتعة مع حقوقها الأخرى فى الميراث. أما المطلقة فلها متعة طلاق يحددها العرف أو المعروف أى ما يتعارف عليه الناس. أذن الآيتان لا شأن لهما بموضوع العدة وإنما بموضوع المتعة.
أما الآية الأخرى فهى تتحدث عن (عدة) الأرملة بعد وفاة زوجها، تقول ﴿وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ (البقرة 234). والدليل الواضح على أنها تتحدث عن العدة أن الآية تستعمل لفظ "التربص" أى الانتظار فالأرامل ﴿يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ والمطلقات عدتهن أن يتربصن بأنفسهن ثلاثة حيضات، ويقول تعالى ﴿وَالْمُطَلّقَاتُ يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ (البقرة 228).إذن لا مجال للتعارض والتناقض بين الآيتين (240، 234) فى سورة البقرة فالأولى تتحدث عن (متعة) الأرملة، والأخرى تتحدث عن (عدة) الأرملة.. وشتان بين هذا وذاك.
(4) وقد قالوا بأن الآيات المكية التى تأمر بالصبر قد أبطلتها (أو نسختها) آيات القتال التى نزلت فى المدينة، وطبيعة الدعوة للإسلام التى نزلت فى القرآن تنفى ذلك ولا شأن لدين الإسلام بما يفعله المسلمون.
(أ) فلا مجال للإكراه والعنف فى الدعوة للإسلام سواء كان المسلمون ضعافاً أو أقوياء. ففى السورة المكية يقول تعالى: ﴿فَذَكّرْ إِنّمَآ أَنتَ مُذَكّرٌ. لّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ (الغاشية 21،22). ﴿نّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ (ق 45).
ويتكرر نفس المعنى فى المدينة حين كان المؤمنون أقوياء ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ﴾ (البقرة 256).. إذن لا تعارض ولا حذف...
(ب) ولأن الدعوة للإسلام تقوم على السلم وأتباعها قليلون فى البداية فى مواجهة طغاة فلابد أن يعانى أتباعها من الاضطهاد، وهنا يكون الأمر بالصبر وارداً فى الآيات المكية ﴿وَاصْبِرْ عَلَىَ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ (المزمل 10). ولكن نرى الصبر يأتى ضمن الأوامر فى الفترة المدنية ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران 200).
(ج) وحين تقوم لهم دولة فى محيط الشرك الذى يتآمر عليهم يتحتم عليهم الجهاد لحماية أنفسهم ولرد الاعتداء.وفى مصطلحات القرآن الكريم فالمشركون والكفار – فى مجال التعامل البشرى – هم المعتدون الظالمون المجرمون.أما المسلمون المكؤمنون فهم المسالمون الذين لايعتدون على أحد ولا اكراه عندهم فى الدين .
وقد يفهم بعضنا أن الجهاد ورد فى الآيات المدنية فقط، ولكن نقرأ فى سورة الفرقان المكية قوله تعالى للنبى عن القرآن: ﴿فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً﴾ (الفرقان 52).والتعليل واضح وبسيط وهو أن الجهاد يعنى النضال بالكلمة وبالدعوة وبالنفس وبالمال.. فالجهاد أعم من القتال.. ولم يكن هناك قتال فى مكة ولكن هناك جهاد فى مكة وفى المدينة..
والمهم أن الصبر والجهاد وعدم الإكراه فى الدين يأتى فى السورة المكية والسورة المدنية، إذن لا مجال للتناقض أو النسخ بمعنى الإلغاء والحذف.

سادساً: قضية التدرج فى التشريع
والقائلون بالنسخ بمعنى الإلغاء والحذف يستدلون بالتدرج فى التشريع على أنه يأتى تشريع جديد يلغى التشريع القديم أو على حد قولهم ينسخه..
والتدرج فى التشريع له فى القرآن مظهران أحدهما يخص العلاقات المتغيرة بين المسلمين وأعدائهم, والآخر يختص بالإيجاز فى التشريع الذى يعقبه التفصيل.. وهذا وذاك لا ينتج عنه إلغاء للأحكام أو على حد قولهم نسخ.
التدرج فى التشريع فى العلاقات المتغيرة
إن العلاقة بين المسلمين وأعدائهم تتذبذب بين الضعف والقوة، والقرآن يضع التشريع المناسب لكل حالة.. فإذا كان المسلمون أقلية مستضعفة مضطهدة فليس مطلوباً منهم أن يقاتلوا وإلا كان ذلك انتحاراً.وإذا كان المسلمون قوة فلا يجوز فى حقهم تحمل الاضطهاد والأذى، بل عليهم أن يردوا العدوان بمثله، وإذا كان المشركون يقاتلونهم كافة فعليهم أن يردوا العدوان بمثله . وعلى المسلمين فى كل حالة أن ينفذوا التشريع الملائم لهم، وذلك لا يعنى بالطبع إلغاء التشريع الذى لا يتفق مع حالهم، فذلك التشريع فى محله تطبقه جماعة مسلمة أخرى إذا كانت فى الوضع المناسب لذلك التشريع.
ان تشريع القرآن فيما يخص العلاقات بين المسلمين وأعدائهم فى أروع ما يكون التشريع، إذ أن له ركائز ثابتة تتمثل فى المبادئ الأخلاقية الدائمة من حسن الخلق والتسامح والصبر على الأذى والاعراض عن الجاهلين ورد السيئة بالتى هى أحسن ورعاية الجواروحفظ حق الجار والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يقولوا للناس حسنا . ثم له قوانين متغيرة حسب الأحوال ، فالمسلمون فى ضعفهم لا يجب عليهم القتال لدفع الاضطهاد، وإنما عليهم الصبروالتحمل والهجرة اذا أمكن . أما إذا كانت لهم دولة فدولتهم الاسلامية تقوم أساسا على قيم الاسلام الكبرى من السلام والحرية المطلقة للعقيدة وتحريم الاكراه فى الدين وتطبيق العدل الصارم والمساواة بين الناس جميعا والديمقراطية المباشرة وهى التوصيف الحقيقى للشورى الاسلامية ، ورعاية حقوق العباد أو حقوق الانسان. دولة بهذه المواصفات لا يمكن أن تعتدى على دولة أخرى بل تلجأ للحرب الدفاعية اذا هوجمت فقط اذا لم يكن هناك من سبيل آخرلتفادى الحرب لأن الحرب فى تشريع القرآن هى مجرد استثناء . وحتى اعداد القوة القصوى ( الانفال60) ليس للاعتداء وانما للردع وتخويف القوة الباغية من الهجوم على الدولة المسلمة المسالمة. وبهذا الاستعداد الحربى يمكن اقرار السلام ومنع الحرب وحقن دماء العدو المتحفز للحرب والذى يغريه ضعف الآخر.هذا اذا كانوا فى دولة اسلامية عليها أن تتقوى لارساء السلم ولتكون قادرة على الدفاع ، ومحرم عليهم الاعتداء على الغير أو رد الاعتداء بأكثر منه. وطبيعى أنه لا يوجد دولة مستضعفة للأبد كما لا توجد قوة مسيطرة إلى مالا نهاية، وبذلك تظل تشريعات القرآن سارية فوق الزمان والمكان بجوانبها الأساسية الثابتة والقانونية المتغيرة.
جدير بالذكر ان النبى محمد عليه السلام حين كان مع المسلمين فىمكة يعانى معهم اضطهاد المشركين المعتدين نفذ ومعه المسلمون الأوائل كل التشريعات المناسبة للوضع القائم من الصبر على الأذى والتسامح مع المعتدين مع الثبات على الحق والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة . ثم بالهجرة وبتكوين أول وآخردولة اسلامية حقيقية قام النبى بتطبيق كل التشريعات القرآنية السالفة الذكر. ولكن بموته عليه السلام بدأت الفجوة بين المسلمين وتشريعات القرآن وتطورت سريعا من اهمال الشورى الاسلامية بمعنى الديمقراطية المباشرة الى حكم الأقلية القرشية فى عهد الخلفاء الراشدين ، الى الفتوحات العربية وتكوين امبراطورية وفق السائد فى العصور الوسطى بالقدر الذى يخالف تشريعات القرآن ، وما نجم عن احتكار سادة قريش للسلطة والثروة من قيام الفتنة الكبرى أو الحرب الأهلية ، والتى أدت بدورها الى انهاء النظام شبه الديمقراطى للخلفاء الراشدين ليحل محله حكم الأمويين الوراثى الاستبدادى الظالم ، ثم حل محله النظام العباسى الذى وقع على عاتقه تبرير الوضع السائد وتسويغه اسلاميا. ولأنه وضع يناقض تشريعات الاسلام والسيرة الحقيقية للنبى وسنته الحقيقية فمن المستحيل التوفيق بين النقيضين، كما كان مستحيلا تحريف القرآن ليجارى الوضع القائم، كما كان مستحيلا أيضا أن يتنازل الخليفة العباسى عن سلطاته المطلقة وملكيته المنفردة للبلاد والعباد ليعيد العدل الاسلامى والشورى الاسلامية. كان الحل علاج الفجوة بين حقائق الاسلام والقرآن باختراع دين موازى يحمل اسم الاسلام فقط ولكن يناقضه متفقا مع الأوضاع السائدة. الحق يقال ان ذلك التزييف والاختراع بدأ فى الفتنة الكبرى حيث عزز المتصارعون بالسيف مواقفهم بأحاديث منسوبةللنبى ، وسبق بذلك أبوهريرة المتحالف مع الأمويين ، ثم اتسع الزيف شيئا فشيئا فى الدولة الأموية عن طريق القصاصين أو رواة الأساطير فى المساجد, ولكن ظل جهدهم شفهيا أتيح له فى الدولة العباسية الكهنوتية أن يتم نسخه أى تدوينه فى نسخ ومجلدات. ومن العصرالعباسى ورثنا ذلك الدين العباسى البشرى المزيف المناقض للاسلام ، والذى تم شرحه وتفصيله فى العصر المملوكى. وورثنا أيضا عن ذلك الدين العباسى اتهام القرآن بأنه محتاج الى وصاية التفسير والحديث والتأويل حتى لايتاح للنورالقرآنى أن يصل للعقول. ولذا يؤمن المسلمون بتعطيل تشريع الرحمن بحجة النسخ بمعنى الحذف والتدرج فى التشريع.
التدرج فى التشريع بمعنى الايجاز والتفصيل
والنوع الآخر من التدرج فى التشريع يتمثل فى الإيجاز ثم التفصيل، فقد نزل التشريع فى مكة يتحدث عن عموميات لأن التركيز فى الوحى المكى كان على العقيدة وتطهيرها من الشرك.. ومن الطبيعى أن التفضيلات الآتية لا يمكن أن تكون متناقضة مع الأسس الإجمالية التى نزلت من قبل.
وإذا كان دعاة النسخ بمعنى الحذف والإلغاء فى التشريع يستدلون على مذهبهم بأن تشريع الخمر جاء متدرجاً يلغى اللاحق منه السابق فإننا نرى فى تشريع تحريم الخمر حجة لنا عليهم، فتحريم الخمر جاء على سبيل الإيجاز والإجمال فى الوحى المكى فى قوله تعالى ﴿قُلْ إِنّمَا حَرّمَ رَبّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقّ﴾ (الأعراف 33).فالخمر من ضمن الإثم المحرم. وجاء تحريمه على سبيل الإجمال فى مكة ضمن عموميات التشريع المكى، ثم جاءت التفصيلات فى المدينة حين سئل النبى عليه السلام عن حكم الخمر فنزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نّفْعِهِمَا﴾ (البقرة 219).
وطالما كان فى الخمر إثم كبير فهى محرمة فى مكة قبل المدينة، لأن الإثم القليل حرام فكيف بالإثم الكبير؟!! ثم يأتى تفصيل آخر يؤكد تحريم الخمر وذلك بالأمر باجتنابها ﴿يَـَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة 90).
إذن لم تكن الخمر حلالاً ثم نزل تحريمها، ولم ينزل وحى بالسماح بالخمر ثم نزل تشريع آخر يلغى ذلك السماح.. وإنما نزل تحريمها اجمالا ضمن تحريم الإثم، ثم نزل التفصيل يؤكد ما سبق. أما قوله تعالى ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىَ حَتّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء 43) فلا شأن لها بالخمر وسكرة الخمر، بل أن كلمة (سكر) و(سكارى) لم تأت فى القرآن عن الخمر، إذ جاءت بمعنى الغفلة عند المشرك فى قوله تعالى ﴿لَعَمْرُكَ إِنّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الحجر 72). وجاءت بمعنى المفاجأة عند قيام الساعة ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكَارَىَ وَمَا هُم بِسُكَارَىَ﴾ (الحج 2). وجاءت بمعنى الغيبوبة عند الموت فى ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ﴾ (ق 19). وجاءت بمعنى الغفلة وعدم الخشوع وغلبة الكسل والانشغال عن الصلاة عند أداء الصلاة فى قوله تعالى ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىَ﴾ وإذا قام الإنسان للصلاة وعقله غائب وقلبه مشغول بأمور الدنيا فهو فى حالة غفلة ولن يفقه شيئاً مما يقول فى صلاته، لذا تقول الآية ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىَ حَتّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾.

سابعاً: إلغاء حكم آية بحديث بشرى
التجنى على رسول الله بأنه قال كلاماً يخالف القرآن معناه معاداة النبى واتهامه بالكذب على الله، هذا مع أن الله تعالى مدح الرسول بأنه ما تقول على الله شيئاً فى الدين يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ. لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمَا مِنكُمْ مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (الحاقة 44: 47).
والإيمان بالرسول معناه تبرئته من ذلك الزيف المنسوب إليه والذى يخالف التشريع القرآنى، ومعناه الإيمان بأن النبى كان فى حيلته متبعاً للوحى فبذلك نزل القرآن يأمره بأن يتبع ما يوحى به الله إليه. وعليه فإن دعوى إلغاء التشريع القرآنى بأحاديث منسوبة للنبى ينبغى منذ البداية أن نبرئ الرسول عليه السلام منها، ويدفعنا إلى ذلك حب النبى والإيمان به والدفاع عنه من تلك الاتهامات التى تنال من النبى ومن دين الإسلام.
لقد توارث العصر العباسى تشريعات تخالف تشريع القرآن وقد حافظوا على تلك التشريعات المخالفة، وفى سبيلها اخترعوا أحاديث نسبوها للنبى كى يضعوا لها أسساً تشريعية، ولأنها تخالف النصوص القرآنية كان ادعاء النسخ بمعنى الإلغاء هو السبيل الوحيد لإرساء تلك التشريعات ضمن تشريعات الإسلام، وبذلك أضاعوا تشريعات القرآن أو بتعبيرهم "أصبحت منسوخة" بتلك الأحاديث البشرية.
إلغاء تشريع القرآن فى المحرمات فى الزواج:
وبعض تلك الأحاديث البشرية كانت فى الأصل آراء فقهية جاء بها القياس الفقهى، مثل تحريم الجمع بين الزوجة وعمتها أو خالتها قياساً على تحريم الجمع بين الزوجة وأختها، ومثل قولهم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب قياساً على تحريم الزواج بالأم المرضعة والأخت من الرضاع. وبذلك أضاعوا تشريع القرآن فى المحرمات فى الزواج.
لقد أحل القرآن الزواج من كل النساء واستثنى (من تزوجها الأب، الأم، البنت، الأخت، العمة، الخالة، بنت الأخ، بنت الأخت، الأم التى أرضعت، الأخت من الرضاع، أم الزوجة التى دخل بها الزوج، من تزوجها الإبن، أخت الزوجة التى فى عصمة زوجها ما لم تسقط العصمة بملك اليمين) وبعد أن ذكر القرآن أولئك المحرمات وأحوالهن بالتفصيل قال ﴿وَأُحِلّ لَكُمْ مّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (النساء 24).
ومعناه أن القرآن أحاط المحرمات فى الزواج بسور جامع مانع، جمع كل المحرمات داخل السور ومنع أن يضاف إليهن أو يؤخذ منهن، وخارج هذا السور الجامع المانع يحل للإنسان أن يتزوج من يشاء. وذلك التشريع القرآنى الجامع المانع المحدد القاطع ألغاه تشريع مخالف يحرم ما أحل الله.
وعلى سبيل المثال، فإذا أراد رجل أن يتزوج عمة امرأته. فالقرآن يبيح ذلك لأن الجمع بين الزوجة وعمتها وخالتها حلال، بدخل ضمن قوله تعالى ﴿وَأُحِلّ لَكُمْ مّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ولكن ذلك الحديث يحرم ما أحل الله. وإذا أراد رجل أن يتزوج (خالته من الرضاع) قال له القرآن ﴿وَأُحِلّ لَكُمْ مّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وقال له الفقه وعلم الحديث أن ذلك حرام لأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب بزعمهم.. وقد يقال لا عبرة بأى تشريع يخالف القرآن خصوصاً إذا كان التشريع القرآنى حاسماً واضحاً جامعاً مانعاً مفصلا.. وذلك كلام حق.. ولكن الواقع أن المسلمين تناسوا تشريع القرآن فى سبيل تلك الأحاديث، والحجة الجاهزة لديهم أن تلك الأحاديث قد "نسخت" أى ألغت تشريع القرآن الواضح الجامع المانع.
إلغاء تشريعاته فى الوصية لوارث:
ومن هذه النوعية تلك الفتوى الفقهية التى ارتدت ثوب حديث نبوى يقول "لا وصية لوارث". وقد جعلوا تلك الفتوى تصادر التشريع القرآنى الذى يبيح الوصية لوارث، وليس يبيح فقط بل يأمر بالوصية لبعض الورثة ويجعل ذلك فرضاً على الإنسان حين يشرف على الموت، إن الله تعالى يقول ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتّقِينَ﴾ (البقرة 180). فالآية تفرض الوصية عند الموت للوالدين إذا كانا معا أو أحدهما على قيد الحياة، وتفرض الوصية للأقارب سواء كانوا ورثة أو لم يكونوا.. ومعروف أن للوالدين نصيباً مفروضاً فى الميراث إلى جانب الوصية، يقول تعالى عن حق الوالدين فى الميراث ﴿وَلأبَوَيْهِ لِكُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا السّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لّمْ يَكُنْ لّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلاُمّهِ الثّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلاُمّهِ السّدُسُ﴾ (النساء 11). إذن للوالدين نصيب مفروض فى الميراث ولهما أيضاً نصًيب مفروض فى الوصية ولكن ذلك كله لم يغن شيئاً أمام حديث منسوب زوراً للنبى يقول "لا وصية لوارث" فأسرعوا بإلغاء الحكم فى قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتّقِينَ﴾.
وتناسوا ما فى الآية من عبارات الإلزام والتأكيد مثل "كتب عليكم" "حقاً على المتقين".
وتناسوا التفصيل القرآنى الحكيم الذى جاء بشأن الوصية أن من يبدل وصية الموت عقابه شديد عند الله ﴿فَمَن بَدّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنّمَا إِثْمُهُ عَلَى الّذِينَ يُبَدّلُونَهُ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وتأتى الآية التالية لتبيح التدخل فى إصلاح الوصية إن كان فيها ظلم ليستقيم العدل، يقول تعالى ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾
وتناسوا أن آيات الميراث فى القرآن جعلت تنفيذ الوصية وسداد الديون قبل توزيع الميراث.
وتناسوا أن كلام القرآن عن الوصية جاء بصيغة مطلقة تدل على حق الإنسان فى أن يوصى بوارث أو غير وارث فتقول آية الميراث ﴿مِن بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾..
وتناسوا حكمة التشريع القرآنى فى الميراث والوصية، فقواعد الميراث تقوم على أنصبة محددة لا مجال فيها للتعديل أو التبديل، وفيها يتم توزيع التركة بالنصف وبالربع وبالثمن والسدس والثلث هكذا بالتحديد، ومصير من يتعدى تلك الحدود أن يكون خالداً فى النار ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مّهِينٌ﴾ (النساء 13،14). ولكن الوصية يمكن أن يراعى بها الإنسان الظروف الاستثنائية والحقوق الطارئة.
ولتوضيح ذلك أحكى قصة واقعية جاءنى صاحبها يستفتينى، فهو رجل فلاح مكافح استطاع بمساعدة ابنه الأكبر أن يشترى عشرة أفدنة، واستطاع مع ذلك أن يقوم على تعليم ابنه الثانى حتى تخرج، ثم ذهب إلى الخارج وعاد ميسوراً قد اكتنز الأموال وأقام العمارات واشترى الأراضى، هذا فى الوقت الذى استنفذ فيه الكفاح والبلهارسيا صحة الأخ الأكبر وأثقلته رعاية والده وأبنائه الكثيرين.. وجاء الأب العجوز يشكوا جحود ابنه الثانى الذى أخذ ولم يعط، ويريد أن ينصف ابنه الأكبر الذى كافح بأن يكتب له جزءاً من الأرض التى استطاع الأب بمجهود ذلك الابن أن يشتريها، وروى لى الأب أنه ذهب للعلماء فى أمر تلك الوصية فأفتوا له بأنه لا وصية لوارث . وذلك الفلاح يرى بفطرته السليمة أن العدل أن يتميز الأخ الأكبر فى التركة فى مقابل كفاحه ومعاناته، ويرى أن من الظلم أن يتساوى الابن الأصغر مع أخيه الأكبر، وأن الوصية هى التى ستصلح الوضع. وقلت له أن الفطرة السليمة عنده هى التى جاء بها التشريع القرآنى حين جعل الوصية فرضاً مكتوباً ليتم بها إصلاح مثل تلك الحالات حتى يستقيم العدل.

أكذوبة الرجم ألغت تشريعات القرآن فى عقوبة الزنا:
وعقوبة الرجم للزانى والزانية لم تأت فى القرآن، وإن كانت قد جاءت فى التوراة الموجودة لدينا وتأثر المسلمون بذلك فأفاضوا عقوبة الرجم لجريمة الزنا فى حالة الإحصان أو الزواج، وقد انشغل الفقهاء بأحاديث الرجم التى ألغت التشريعات القرآنية الخاصة بعقوبة الزنا، بحيث أصبحت تلك التفصيلات القرآنية مجهولة.
وقد جاءت عقوبة الزنا فى القرآن على النحو التالى:
1- الزانية والزانى إذا ضبطا فى حالة تلبس، فالعقوبة مائة جلدة أمام الناس، بذلك بدأت سورة النور بافتتاحية ترد على أولئك الذين يتجاهلون وضوح القرآن وبيان تشريعاته، يقول تعالى فى تلك الافتتاحية الفريدة ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيّنَاتٍ لّعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ﴾ وبعدها قال تعالى مباشرة ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُواْ كُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
2- ومن الصعب إثبات حالة التلبس فى جريمة الزنا، ومن الصعب أيضاً أن يحدث إقرار بالوقوع فى الزنا ينتج عنه عقوبة الجلد، ولكن من السهل أن يشاع عن امرأة ما بأنها سيئة السلوك، وتتكاثر الشواهد على سوء سمعتها، وحينئذ لابد من عقاب مناسب بعد الإشهاد عليها بأربعة شهود بأنها اللاتى (يأتين الفاحشة) ولكن لم يتم ضبطها، وذلك العقاب ليس الجلد، وإنما هو عقاب سلبى، يكون بمنعها عن الناس ومنع الناس عنها إلى أن تموت أو تتزوج وتتوب، يقول تعالى ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنّ فِي الْبُيُوتِ حَتّىَ يَتَوَفّاهُنّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً﴾ (النساء 15).
3- وجاءت تفصيلات القرآن بعقوبة الجارية، إذا وقعت فى الزنا.
فإن كانت الجارية تحت سيطرة سيدها أو يجبرها على ممارسة البغاء فليس عليها عقوبة، إذ أنها لا تملك حرية الاختيار، يقول تعالى ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصّناً لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنّ فِإِنّ اللّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنّ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾ (النور 33).
وإذا تزوجت الجارية وتحررت من سيطرة مالكها ووقعت فى جريمة الزنا فعقوبتها خمسون جلدة أى نصف ما على المتزوجات الحرائر إذا وقعن فى الزنا ﴿فَإِذَآ أُحْصِنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (النساء 25).
4- وقد تكون الزانية زوجة مطلقة لا تزال فى فترة العدة، ومن حق المطلقة فى فترة العدة أن تظل فى بيت الزوجية، ولكن تفقد هذا الحق إذا وقعت فى الزنا، وحينئذ يكون من حق زوجها أن يطردها ولكن بشرط أن تكون جريمة الزنا مثبتة حتى لا يتاح لزوجها أن يتجنى عليها بالباطل، يقول تعالى عن تلك الزوجة المطلقة ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنّ مِن بُيُوتِهِنّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ﴾ (الطلاق1).
والقرآن يصف الفاحشة بأنها "فاحشة مبينة" أى مثبتة ضماناً لعدم الافتراء بلا دليل.. وعقوبة الطرد هنا تضاف إلى العقوبة الأخرى وهى مائة جلدة.
5- وهناك عقوبة أخرى لتلك الزوجة المطلقة إذا وقعت فى الزنا بعد الطلاق، وهى أنه من حق الزوج أن يمنعها عن الزواج إلى أن تدفع له بعض ما أعطاه لها فى الصداق أو المؤخر. والشرط أن تكون جريمة الزنا فى حقها مثبتة بالدليل، يقول تعالى ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنّ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ﴾ (النساء 19). والعضل هو منع المرأة من الزواج، والقرآن يحرم العضل إلا فى حالة المطلقة الزانية.. فيجعل من حق الزوج أن يمنعها الزواج إلى أن تعيد له بعض ما دفعه إليها فى المهر.
6- وفى كل الأحوال فالمرأة الزانية التى لا تتوب عن الزنا لا يتزوجها المؤمن، وتلك عقوبة أخرى إضافية، يقول الله تعالى ﴿الزّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور 3).
7- وتأبى تفصيلات القرآن إلا أن تضع عقوبة للزنا فى حالة استثنائية ومستبعدة، وهى افتراض وقوع نساء النبى أمهات المؤمنين فى تلك الجريمة، وهنا تكون العقوبة مائتى جلدة فى تلك الجريمة، أى ضعف ما على النساء الحرائر، وفى المقابل فلهن فى عمل الصالحات ضعف ما للمحسنات، يقول تعالى ﴿ياَ نِسَآءَ النّبِيّ مَن يَأْتِ مِنكُنّ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً. وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنّ للّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ (الأحزاب 30،31).
ولأن العقوبة هنا مضاعفة كان لابد من كون الجريمة مثبتى أو بالتعبير القرآنى "من يأت منكن بفاحشة مبينة" فالأمر هنا يخص نساء النبى أمهات المؤمنين، وهو أمر فظيع هائل لابد من التثبيت فيه.
8- والتشريع القرآنى المحكم يصف عقوبة الزنا- التى هى الجلد- بأنها "عذاب". والعذاب يعنى أن يظل الجانى حياً لا يموت، وبتعبير آخر لا محل هنا لعقوبة الرجم التى تعنى الموت.
والقرآن حين تحدث عن عقوبة الزنا قال ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُواْ كُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ لم يقل الزانى المحصن والزانية المحصنة أو غير المحصنة، وإنما جاء بالوصف مطلقاً "الزانية والزانى" وقدم الزانية على الزانى لأن المرأة هى العامل الأكثر تأثيراً فى تلك الجريمة، بينما قال عن السرقة ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوَاْ﴾ لأن الرجل هو الأساس والعنصر الغالب فى جريمة السرقة.
والمهم أن عقوبة الزنا مطلقاً هى الجلد ﴿فَاجْلِدُواْ كُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ووصف القرآن عقوبة الجلد هنا بأنها عذاب فقال ﴿فَاجْلِدُواْ كُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إذن فالجلد هو العذاب..
وفى حالة الجارية التى تزنى بعد زوجها قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أى خمسون جلدة، أى أنه وصف عقوبة الجلد للجارية بأنه عذاب.. والقائلون بأن التى تتحصن بالزواج ثم تزنى تعاقب بالرجم كيف يفعلون ﴿فَعَلَيْهِنّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ هل يمكن تصنيف الرجم؟ وهل هناك نصف موت؟
وفى حالة نساء النبى يقول التشريع القرآنى ﴿ياَ نِسَآءَ النّبِيّ مَن يَأْتِ مِنكُنّ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. فوصف عقوبة الجلد بأنه "عذاب" أى مائتا جلدة.. والقائلون بأن عقوبة المتزوجة هى الرجم كيف يحكمون بمضاعفة الرجم لنفس الشخص؟ وهل يموت الشخص مرتين؟
والرجل إذا عجز عن إثبات حالة التلبس بالزنا على زوجته ولم يستطع إحضار الشهود فيمكن أن يشهد بنفسه أنها زانية أربع مرات، ويؤكد شهادته الخامسة بأن يستجلب لعنة الله عليه إن كان كاذباً، وتلك الحالة اللعان، ويمكن لزوجة المتهم أن تدفع عن نفسها وقوع حد الزنا بأن تشهد أربع شهادات بالله بأن زوجها كاذب فى اتهامها ثم تؤكد فى شهادتها الخامسة بأن تستجلب غضب الله عليها إن كان زوجها صادقاً فى اتهامه، يقول تعالى ﴿وَالّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ إِنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةُ أَنّ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ إِنّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. وَالْخَامِسَةَ أَنّ غَضَبَ اللّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (النور 6: 9).
ويهمنا هنا أن وصف عقوبة الزنا بأنها عذاب، فقال "ويدرؤ عنها العذاب" وهو نفس الوصف الذى سبق لعقوبة الجلد.. إذن عقوبة المتزوجة المحصنة هى الجلد وليس الرجم.
ثم إن تشريعات القرآن فى الآيات السابقة تعامل المرأة الزانية على أنها تظل حية بعد اتهامها بالزنا وإقامة عقوبة الجلد عليها وكذلك الزانى فالقرآن الكريم يحرم تزويج الزانى أو تزويج الزانية من الشرفاء، فلا يصح لمؤمن شريف أن يتزوج زانية مدمنة للزنا ولا يصح لمؤمنة شريفة أن تتزوج رجلاً مدمناً على الزنا ﴿الزّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور 3). ولو كان مصير الزانى أو الزانية هو الرجم موتاً لما كان هنا تفصيل فى تشريعات حياته طالما هو محكوم عليه بالموت، ونفس الحالة فى إضافة عقوبات للمطلة الزانية بإخراجها من البيت ومنعها عن الزواج حتى تدفع بعض المهر، وإذا كانت هناك عقوبة الرحم على تلك الزانية المحصنة لما كان هناك داع لتشريع يمنعها عن الزواج ثانياً ويسمح بطردها من البيت فى فترة العدة.
وأكثر من ذلك.
فالله تعالى يتوعد الزناه بمضاعفة العذاب والخلود فيه يوم القيامة، إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً، فأولئك يبدل الله تعالى سيئاتهم حسنات ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً. إِلاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـَئِكَ يُبَدّلُ اللّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً﴾ (الفرقان 69،70). فإذا كان مصير الزانى هو الرجم السريع فلن تكون له فرصة للتوبة والإيمان والعمل الصالح المتراكم الذى تتبدل به سيئات الزنا إلى حسنات. بحيث تختفى عنه صفة الزانى ليحل محلها وصف الصالح عند الله تعالى..
ومع هذا البيان الواضح فى تشريعات القرآن فإن أحاديث الرجم والانشغال بها أضاعت تشريعات القرآن فيما يخص تفصيلا العقوبة فى جريمة الزنا، أو بتعبيرهم "نسختها" وأبطلت حكمها. ومع أن عقوبة الرجم لم ترد فى القرآن ومع أن العقوبة الواردة فى جريمة الزنا تؤكد على أنه الجلد فقط إلا أن اقتناع المسلمين بأكذوبة الرجم جعلته الأساس التشريعى السائد حتى الآن فى كتب التراث وفى تطبيق الشريعة لدى بعض الدول (الإسلامية). ويكفينا فى التدليل على عمق التأثر بذلك التشريع المخالف للقرآن أن القارئ لنا الآن يدهش أشد الدهشة حين يكتشف أن الرجم ليس من تشريع القرآن والإسلام.. وكفينا فى عمق التأثر بذلك التشريع المخالف للقرآن أنه على أساسه قتل الآلاف رجماً وسيقتل مثلهم فى المستقبل، وذلك بحكم ما أنزل الله به من سلطان، ويقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقّ﴾ (الأنعام 151). ويقول ﴿وَالّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلَـَهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ (الفرقان 68).
إن من أعظم الحرمات حرمة النفس البشرية.. ومن أعظم الجرائم أن تقتل تلك النفس الزكية بغير حكم أنزله الله تعالى الذى خلق النفس والذى أنزل الشرع..
وأعظم الجرائم على الإطلاق أن تفترى تشريعاً بقتل النفس الزكية ثم تنسبه إلى الله تعالى ورسوله..
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذّبَ بِآيَاتِهِ إِنّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ. وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـَؤُلآءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىَ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (يونس 17،18).
٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭
الخاتمة
وبعد.. لنتذكر الآتى:
1- أن النسخ فى القرآن وفى اللغة العربية يعنى الكتابة والإثبات وليس الإلغاء والمحو. أن مصطلح النسخ بمعنى إلغاء الأحكام الشرعية بدأه اليهود فى العصر العباسى ثم انتقل منهم للمسلمين.
2- استطاع العصر العباسى أن ينشئ له شريعة خاصة تأخذ من القرآن ما يوافق هواها، وما لا يوافق أبطلوه تحت دعوى النسخ بمعنى الإلغاء والمحو، وكان سهلاً أن يؤسسوا لأحكامهم التشريعية سنداً عن طريق نسبتها للنبى عليه السلام.
3- وكانوا يبطلون الأحكام التشريعية لبعض الآيات باختراع تناقض بينها وبين آيات أخرى، ويقولون أن هذه الآية نسخت تلك الآية، ولم يحاولوا فهم التفصيلات فى المتشابه القرآنى، ولم يكترثوا بتأكيد القرآن على أنه لا عوج فيه، وأنه لا تبديل لكلمات الله ولا تناقض فى شرع الله.
4- اعتمدوا قضية التدرج فى التشريع سنداً لرأيهم فى النسخ بمعنى الحذف والإلغاء. مع أن التدريج فى التشريع يتعلق بالعلاقات المتغيرة وبالتفصيلات التشريعية التى تأتى بعد الإيجاز والإجمال، وليس فى ذلك تناقض على الإطلاق.
5- جاءوا بفتاوى بشرية جعلوها أحاديث نبوية واستطاعوا بها إلغاء التشريعات القرآنية مثل "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" و"يحرم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها". ومثل "لا وصية لوارث". ومثل أكذوبة الرجم للزانى.
6- أن التيار الدينى الذى يسعى للحكم ويرفع لواء تطبيق الشريعة يضع عينه على تلك التشريعات المكتوبة فى العصر العباسى خصوصاً الحدود وحد الرجم.
وتلك الشريعة العباسية لم يعرفها الرسول، والعجيب أنهم يدافعون عنها ويرونها شريعة الإسلام مع أنها أحكام ما أنزل الله بها من سلطان، والأعجب منها يتهمون القوانين الوضعية بأنها حكم ما أنزل الله بها من سلطان.
7- لا جدال فى أن تشريعات الله هى المثلى لكل زمان ومكان.. ولكن المشكلة أن بعضنا يجترئ على شرع الله فيبطله ويتمسح بدين الله. ودين الله تعالى أحوج إلى من يعانى فى سبيل إظهار حقائقه، وليس محتاجاً إلى من يتاجرون به ويشترون به ثمناً قليلاً.

الملاحق
(الأهرام المسائى) "الجمعة 25/11/1994"
رأى جديد فى ناسخ ومنسوخ القرآن الكريم!
هذه الدراسة ليست جديدة فحسب وإنها هى جريئة أيضاً لأنها أتت على كل معطيات التراث فى هذه القضية.
ولأن الدكتور أحمد صبحى منصور منتج أيدلوجى من نمط خاص- غير مألوف فى وسط يقدس كل أصفر من الورق والأفكار وإن لم تكن ذهباً- فإن الذين عارضوه وصادروا أراءه بالأمس عادوا اليوم ولم يؤمنوا بها فقط بل سرقوها ونسبوها لأنفسهم!!
وقضية النسخ فى القرآن موضوع ذو صلة وثيقة بقضية الدكتور أحمد صبحى منصور مع السنة، فهو يرى أنه لا يوجد ناسخ أو منسوخ فى القرآن، وإن العصر العباسى الذى تم فيه تدوين المذاهب المختلفة من السنة هو نفسه العصر الذى قننوا فيه قضية الناسخ والمنسوخ فى الوحى القرآنى.
فى الدراسة نلمح أصابع الدكتور صبحى تشير بالاتهام إلى العصر العباسى الذى مازلنا ندين له بتبعيتنا الفكرية، والدليل الذى تسوقه الدراسة على هذا الكلام والفلسفة هم أبناء العصر العباسى، وأن أسفار التراث المقدسة هى ما كتبها العصر العباسى خصوصاً ما اتصل منها بالحديث والتفسير والتصوف.
فى العصر العباسى أتيح لأبناء اليهود والنصارى والمجوس الذين أسلموا أن يقودوا الحركة العلمية بما لهم من تراث ثقافى سابق، ومن الطبيعى أن تعود من خلالهم المفاهيم القديمة التى كانت سائدة قبل الإسلام واستترت فى فترة الفتوح ثم عادت للظهور مستترة بأحاديث منسوبة للرسول وبتأويلات للقرآن، فأمكن تطويع العقائد الإسلامية الأصلية لأهواء المسلمين الجدد، ومن خلال الحديث والتفسير كان علاج الفجوة بين ما يقوله القرآن وبين ما يؤمن به المسلمون فى العصر العباسى، فما لا يتفق فى القرآن مع هواهم كانوا يعطلون حكمه بدعوى أنه منسوخ وما يريدون إضافته للإسلام كانوا يخترعوا له حديثاً ينسبونه للنبى، أو يقوم "التفسير" بذلك حين يضعون آراءهم وأهواءهم ليغيروا بها معانى الآيات، وبمرور الزمن تصبح آراء المفسرين حكماً على كلام الله، ولا تقوم الآية القرآنية بمفردها دليلاً إلا إذا كان معها ما يؤكدها من كلام المفسرين!!
على أن مفهوم النسخ بمعنى الحذف والتبديل والإلغاء له جذوره فى التاريخ الإسرائيلى- والكلام ما زال للدكتور صبحى منصور- حيث تفنن اليهود فى التحايل على أوامر الله فكانوا يبطلون العمل ببعض الآيات وآمنوا ببعضها وبتعبير القرآن "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض" وبتعبير العصر العباسى قالوا أن هذه الآيات تنسخ سابقتها، وذلك لأن الأحفاد فى ذلك العصر سلكوا مسلك أجدادهم شبراً شبرا!!
يعود مؤلفنا إلى لغتنا العادية ليؤكد أننا نستخدم كلمة "نسخ" بمعنى الكتابة والإثبات وليس بمعنى الحذف والإلغاء، فنحن نقول "نسخ المذكرة" أى كتبها ونقول "أطبع لى من هذا الكتاب ألف نسخة" وهو نفس المعنى المستخدم فى آيات القرآن الأربعة التى وردت فيها كلمة "نسخ" فهى تعنى فى نص "ما ننسخ من آية أو ننسها" تعنى الإثبات والكتابة وليس الحذف، وأن كلمة آية هى المعجزة التى يأتى بها كل نبى وقد كانت معجزة النبى خير الآيات ولأن الحديث هنا عن معجزات يتلو بعضها بعضاً فى تاريخ الأنبياء كان تذييل الآية بتقرير قدرة الله على كل شىء.
الغريب كما يقول الدكتور صبحى أن كتب التراث والأحاديث استخدمت كلمة "النسخ" بمعنى الإثبات والكتابة وليس العكس، فالبخارى فى أحاديثه عن كتابة المصحف يقول أن عثمان أمر بأن "ينسخوها من المصاحف" أى يكتبونها!
الذى لم تقله الدراسة أن القائلين بالنسخ فى الوحى القرآنى يؤمنون بأن هناك نسخاً لا فى الأحكام والمعاملات بل فى الأخبار والتاريخ أيضاً!! وأن هناك أحكاماً نسخت مع بقاء نصوصها (للتعبد بتلاوتها!!) وأن هناك نصوصاً نسخت مع بقاء حكمها (مثل رجم الزانى المحصن) أى أن الإسلام- فى رأيهم- ينص على حكم غير معمول به فى حين يأمر بحكم لا نص له!!
حسين جبيل
الأهرام المسائى 25/11/1994م

 



mercredi 2 mars 2016

زواج المتعة ....حلال ... حرام ...... علاء السيد



    



في ظل الموجة السائدة حالياً ، يدور النقاش في المجالس ،حول الأنواع الجديدة من الزواج ، و خاصة ما يسمى بزواج المسيار ، و هو الزواج الذي يتفق فيه الزوجان على عدم المعيشة في بيت واحد ، و يلتقيان بين الحين و الآخر لإقامة علاقتهم الزوجية .
أو بصيغة شرعية أخرى : يتفقان على عدم إنفاق الزوج على الزوجة ، و على أن يقع عليها تأمين المسكن الشرعي ، فان شاءت بقيت عند أهلها ، ليزورها زوجها و هي في بيت ذويها .
و سمعت بصدور فتوى من جهة دينية معروفة ، تجيز هذا النوع من الزواج ، على كل حال لا يشمل بحثي هذا النوع ، و قد عرجت عليه على سبيل التعريف به فقط .
و عزمت على البحث في موضوع زواج المتعة ، و قد ترددت كثيرا في الخوض فيه ، لانعكاساته الطائفية و المذهبية المقيتة ، و التي أثارت الخلافات منذ فجر الإسلام ، و لكني حزمت أمري بأن اعرض وجهة نظر معارضيّ هذا النوع من الزواج ، و وجهة نظر مؤيديه ، بحيادية تامة ، تاركاً أمر الحكم عليه للقارئ .
و انأ لست بصدد البحث طائفياً أو مذهبياً في أراء الفرق ، و لكنني أهدف إلى البحث بشكل علمي و موضوعي قدر الإمكان ، من الناحيتين الاجتماعية و الدينية ، مستنداً إلى آراء الفريقين ، الموثقة من القرآن الكريم و السنة النبوية ، و كتب الصحاح المعتمدة .
وإنني أدعو بأن يشارك كل من يطلع على هذا البحث بآرائه الدينية أو الاجتماعية ، على أن تكون المشاركة بعيدة عن الفكر الطائفي المتعصب ، و لا تهدف إلى الإساءة أو التجريح ، لأي طرف كان.
و على أن يكون الحوار موضوعياً محترماً ، وبعيداً عن التطرف في المسلك، وأن يطعم بالحجج والبراهين النقلية والعقلية من باب قوله تعالى: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)، وأنا بذلك لا أريد تعميق الفجوة الطائفية ، و إنما أريد البحث عن الحقيقة الضائعة ، و إن كانت مرّة وقاسية ، من خلال الرجوع إلى الكتاب والسنة ، في ما اختلف فيه ، ناهلاً منهما ما ينير السبيل في مسائل الخلاف.

زواج المتعة من الناحية الاجتماعية و المنطقية :

حجة المعارضين : هل المتعة هي علاقة جنسية سوية ومقبولة ، اجتماعيا وعرفاً ؟؟؟ وما هو الفارق الحقيقي بين المتعة ، والدعارة أو الزنا ؟؟؟؟؟؟؟؟
- إن زواج المتعة لا يحمي الشباب من الوقوع في الحرام ، و الواقع يثبت العكس دائماً ، إذ يندر ، بل يستحيل ، أن تجد فتاة تقبل بممارسة المتعة لهدف المتعة فقط ، دون هدف كسب المال ، في حين انك تجد آلافاً من النساء ممن يمتهن ممارسة المتعة بهدف كسب المال ، تماما كما تفعل الغواني و المومسات !!!
- ولا ندري ما الفائدة من إباحة علاقة- تزعمون أنها لا تهدف إلى كسب المال - إذا كان أهم طرف فيها – وهو المرأة – لا يقبل بها !!
- و عندما يرغب شخص بممارسة الفجور مع عاهرة ، فإنه يبدأ هذه العلاقة بالتفاوض ( الإيجاب والقبول ) ثم يتفقان على الاجرة ( المهر ) والمدة التي تتناسب مع الاجرة ( أجل العقد )، إذاً ما هو الفرق الحقيقي بين العلاقتين بعيداً عن التسميات الشكلية ؟؟؟ وهل اختلاف التسميات تجعل الحلال حراماً ، والدعارة نقاءاً ؟؟؟
- و الزواج الشرعي علاقة يؤمل منها الاستمرار والدوام ، وابتغاء ما كتب الله للزوجين من معاشرتهما الزوجية من الأولاد، و الله تعالى يهيئ لهما من المودة والرحمة ما يضمن للحياة الزوجية أن تكون اللبنة الصالحة لابتغاء أسرة كريمة، فيها تبادل التعاون والتكاتف.
و زواج المتعة عار عن هذه المقاصد والمعاني في الزواج الشرعي، وهو ينزل بمستوى المرأة عن إنسانيتها الكاملة إلى سلعة معروضة للأجرة ، فضلاً عما في ذلك من التخبط في الأعراض وتعريضها للضياع والفوضى.
- و من الذي سوف يرضى بالزواج من فتاة تزوجت زواج متعة مرة او مرات في حياتها ، و من سوف يأتمن عليها اولاده و عائلته ، فإن فعلتها الفتاة مرة ضاع مستقبلها و هوت في مهاوي الرذيلة و انتقلت من زواج متعة الى آخر هذا اذا لم نقل انتقلت الى مجال آخر .

رد المؤيدين لزواج المتعة من الناحية الاجتماعية و المنطقية :

إن زواج المتعة هو زواج استثنائي ، و لا يمكن أن يحل بأي حال من الأحوال مكان الزواج الدائم المتعارف عليه ، و لكن هناك حالات خاصة يمكن أن يكون زواج المتعة فيها حلاً لمشاكل اجتماعية عدة ، و نضرب مثلاً منها :
- للجميع أقارب أو أبناء سافروا للخارج قصد الدراسة ، و كلنا يعلم انه لا يعقل أن يبقى طالباً شاباً أعزب في تلك البلاد - لمدة قد تصل إلى عشر سنوات - بدون أي علاقات جنسية في تلك البلاد الإباحية .
و جميعنا نعلم أن الطلاب يقيمون هذه العلاقات مع فتيات أجنبيات ، و هذا أمر واقع ، و تنتهي هذه العلاقة غالباً بانتهاء دراستهم ، و أحيانا تمتد فيرجع الطالب و زوجته الأجنبية معه .
فلو كانت العلاقة مع هذه الفتاة الأجنبية طوال فترة الدراسة علاقة شرعية ، فان أنجبت منه - و هذا قد يحصل أحياناً - لا يكون ابنه ابن زنا ، و يكون الاتفاق الصريح بينهما على انتهاء العلاقة بانتهاء الدراسة و الرجوع إلى الوطن، فان أرادا تمديدها و جعلها زواجاً دائماً لم لا ، ما هو الضرر من تشريع هذه العلاقة بدلاً من أن تكون زنا محرماً .
- و كم سمعنا و رأينا من الاثرياء العرب عندما يزورون دولا عربية أخرى قصد الزواج من فتاة صغيرة السن ،جميلة ، لفترة الصيف و الاجازة فقط ، و يقومون بشراء منزل لها ، و بعض المصاغ و المال لاهلها ، و هذا الامر يتم بشكل واسع و واقعي في مجتمعاتنا ، فهل ندعي و نقول ان هذه الفتاة عندما تزوجت من ثري كهل ، له عدة زوجات و عدة اولاد كانت تنوي الديمومة و انشاء اسرة دائمة معه ، فهي و اهلها يعلمون تماما انه بانتهاء اجازة الثري قد لا يرونه بعدها ، و يعملون على الا تحمل ابنتهم جنينا منه ، و احيانا تقع المشاكل عندما يرحل هذا الثري ، و لا يسمعوا عنه بعدها ابدا ، دون ان يطلق الفتاة ، فتبقى في المحاكم سنوات لتحصل على الطلاق
و نعود و نقول اننا لا نشجع كثرة هذا النوع من العلاقات ، و لكنها علاقات موجودة ،على ارض واقعنا و مجتمعنا ، و هي فعليا زواج متعة ، تحت ستار الزواج الدائم ، و هي افضل من الزنا ، فمن رضيت هي و اهلها ان تبرم هذا الزواج ، و سمعنا عن كثيرين رضوا به ، فليفعلوه تحت الشرع الاسلامي لا خارجه .
و هذه الفتاة قد تستمر مع زوجها الثري ، و يتحول زواجهم الى زواج دائم ، و قد يأخذها معه الى بلاده ، و قد تتزوج بعده لم لا ، و بالتالي من تتزوج زواج المتعة- مرة او مرات - لا يعني ذلك انعدام فرصتها في الزواج الدائم .
- في الرد على قول : يندر ، بل يستحيل ، أن تجد فتاة تقبل بممارسة المتعة لهدف المتعة فقط ، دون هدف كسب المال ،فإن هذا القول غير صحيح و الا بماذا نفسر لجوء بعض طالبات الجامعات مثلا، لإقامة علاقات حب و جنس مع طلاب آخرين هل يقصد منها كسب المال ، بل و تلجأ لذلك بعض النساء المتزوجات و ينفقن على عشاقهن من الرجال إن استدعى الأمر ،و في المجتمع الغربي الذي نقترب بتصرفاتنا منه رويدا رويدا للأسف ، تمارس كثير من النساء الجنس قصد المتعة ، و القلة منهن يمارسنه قصد كسب المال ، و بما يسمى جنس الليلة الواحدة .
إننا لا ندعو إلى هذا النوع الحرام من الجنس ، و لكنه موجود ، و النساء يرغبن فيه ، و لا يصح أن نقول يندر و يستحيل أن تجد امرأة تمارس الجنس قصد المتعة فقط ، و الإنسان أحيانا يمر بلحظات ضعف ، فيكون الموقف إما زنا ، أو عقد زواج متعة ، والأفضل هو عقد المتعة ، و طبعا لا يقصد بهذه الحجة تشجيع الزنا ، و لكن هل ننكر وقوع حالات زنا في مجتمعاتنا ، و هل ننكر حصول حمل من هذه الحالات ، فتضطر المرأة إلى الإجهاض أو إلى رمي الطفل ليعيش لقيطاً ، و كم من الرجال و النساء تورطوا في علاقات جنسية محرمة ، و انتهى بهم الأمر إلى الزواج رضاءاً بعد حصول الود بينهما ، أو رغماً عنهم قصد تدارك الفضيحة ، و قانون العقوبات، يسقط العقوبة عن حالات ارتكب فيها الجنس المحرم ، إذا تزوج الرجل بالمرأة ، و رضيت هي بذلك ، و ذلك بهدف تدارك الأمر ، و حل المشكلة الاجتماعية الناشئة عن هذا الفعل ، أفلا يكون زواج المتعة حلاً لهذا الموضوع .
- للزواج المحدد المدة أنصاراً كثيرون يقدرونه ليس كرخصة ، ولكن كمرحلة قبل الزواج الدائم ، ولقد جربنا نتائج عقد الزواج المؤقت ، فوجدنا نتيجة له أحياناً الدوام ، و هذا الزواج يجعل المرأة تعيش في حرص على أن يستمر هذا الزواج ويتجدد ، فتزيد من رعايتها لزوجها و تتمسك به أكثر .
- و المتعة ليست من قبيل قضاء الحاجة دون الخضوع إلى تبعات الزواج الشرعي الدائم ، لتكون المرأة لعبة بيد الرجل تستقبل في كل ساعة ضيفاً جديداً يشبع بين أحضانها رغباته الجنسية .. فللمتعة شروط وأحكام أهمها: العدة وثبوت النسب .
- و إن الكثير من العلماء المعارضين لهذا الزواج ، اتفقوا على إيجاد صيغ عصرية تشابه زواج المتعة ، فأصدروا فتاوى تجيز ما يسمى بـ(زواج المسيار) و (الزواج العرفي) !!
- و في مجمع الفقه الإسلامي بجدة بحثوا مسألة : أن الزوج إذا نوى على أن يبقى مع زوجته الدائمة سنتين فقط ثم يطلقها بعد ذلك ، ولكن لم يخبرها بذلك ، فهل يكون هذا الزواج صحيحاً ؟
وقد ذهب جمع أو الجميع إلى صحة هذا الزواج .
ولكن قالوا : إن هذا هو عقد المتعة مع الخيانة للزوجة الدائمة .
إذا أخفى الزوج الأمر هو خيانة ، و أما إذا اتفق مع الزوجة أنها زوجته لمدة سنتين ، فهل هو خيانة ، طبعاً لا .
فأنتم أقررتم زواج المتعة ( إلى أجل ) مع الخيانة إلى الزوجة الدائمة ، ونحن أحللناه مع عدم الخيانة .
- لن يترتب على هذا الزواج ما يترتب على الزواج العادي الدائم من مشكلات عويصة عند الطلاق في حالة فشل الزواج ، و خاصة تجاه الأطفال ، فإن كانت المدة محددة ، تجنب الطرفان إنجاب الأطفال خلالها .
فان تلاقت رغبتهما في تحويله إلى زواج دائم ، مددا الزواج و أنجبا بعدها الأطفال ، و لن يثير هذا الإسلوب ضيقاً لدى الطرف الآخر لأنه هو نفسه لا يريد التورط في زواج دائم قبل التثبت من إمكانية العيش بين الزوجين بوئام ، و الكثير من الأزواج يتمنين عند حصول طلاق مبكر ، لو أنهما لم ينجبا أطفالا ، و تريثا في هذا الأمر .
- في النهاية إن علاقة الزواج هي علاقة تعاقدية بين طرفين ، يتفقان فيها و برضا كامل على عناصر هذه العلاقة ضمن الشرع و العرف فان رضت المرأة أن يكون زواجها إلى موعد محدد فما الضرر من ذلك ، و هي لم تكره عليه ، فاتركوا من ترضاه لتفعله ، و لا تُجبر و لا تُكره من لا ترضاه ، بأن تتزوج زواج متعة .

الحجج الفقهية و الدينية لكلا الفريقين :


حجة مؤيدي زواج المتعة : من القرآن الكريم : آية ( فما استمتعتم )

- قال تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) (سورة النساء: 24) وقد فسر معظم مفسري أهل السنة الاستمتاع في هذه الآية بنكاح المتعة .
كما جاء في صحيح البخاري (كتاب التفسير: ج3 ص71 المطبعة المليجية) تأكيد على اختصاص هذه الآية بنكاح المتعة .وكما تعلمون بأن صحيح البخاري يعد من أصح كتب الحديث .
كذلك فقد أورد مسلم هذا التأكيد في صحيحه (باب نكاح المتعة)، الطبري في تفسيره: ج5، والفخر الرازي: ج3، و تفسير الطبري, أو تفسير الرازي, أو تفسير السيوطي ليس محل اتهام ، وقد ورد فيها وفى غيرها ، أن عبد الله بن مسعود وهو أستاذ مدرسة الرأي التي أنجبت الإمام ( الأعظم ) أبا حنيفة , وعبد الله بن عباس وهو حبر الأمة وترجمان القرآن, وأبيّ بن كعب وهو أشهر كتاب الوحي,كانوا يرون أن آية : { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً } سورة النساء : 24 قد نزلت في المتعة.
وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: "سمعت أبا حنيفة يسأل أبا عبد الله عليه السلام ( جعفر الصادق ) عن المتعة، فقال: أي المتعتين تسأل؟
قال: سألتك عن متعة الحج، فأنبئني عن متعة النساء أحَقٌّ هي؟
فقال: سبحان الله، أما قرأت كتاب الله عزّ وجلّ؟ "فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة" فقال أبو حنيفة: والله فكأنها آية لم أقرأها قط (الكافي ج 5 ص 450 )

- رد معارضي زواج المتعة :آية- فما استمتعتم - منسوخة بآية أخرى :

إن الآية المذكورة, منسوخة بالآيات { إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {30} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ {31} سورة المعارج...
و المتمتع بها في زواج المتعة ليست زوجة و لا تدخل ضمن { أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } ...إذن فهي تدخل ضمن قوله تعالى { فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } ...

رد المؤيدين : على النسخ بآية - من ابتغى وراء ذلك- :

هل ينسخ النص الذي نزل أولا, النص الذي نزل بعده ؟ ...هل إذا نزلت آية في زمن معين, ثم نزلت بعدها بزمان طويل آية أخرى ... هل تنسخ الأولى الثانية ؟ ...بديهي إن العكس هو الصحيح ...فالثاني هو الذي ينسخ الأول ...
الآية التي نستند إليها { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ .... } من سورة النساء نزلت في المدينة ...
والآيات التي تستندون إليها في سورتي ( المؤمنون ) و ( المعارج ) من الآيات التي نزلت في مكة ...
والمكي لا ينسخ المدني المتأخر عنه ...وعليه فهاتان الآيتان لا تنسخان الآية التي نستند إليها ..

حجة معارضي زواج المتعة في آية قرآنية أخرى بأن النكاح نوعين فقط -دائم و ملك يمين - :

لقد ذكر الله في محكم آياته : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ . سورة النساء 25 و قد انتقلت الآية مباشرة من من لم يستطع أن ينكح المحصنة مباشرة إلى ملك اليمين, ولم تذكر المتعة ...

حجة المؤيدين في الرد على أن النكاح نوعين فقط -دائم و ملك يمين - :

إن النكاح الشرعي الوارد في القرآن الكريم, يشتمل على أربعة أنكحة ، وردت جميعًا في سورة النساء و هي:
1) زواج الحرة الدائم ...
2) ملك اليمين ...
3) زواج المتعة ...
4) زواج الأمة الدائم ...وإليكم الآيات التي تبين ذلك :
1 و 2- قال الله تعالى : { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ }النساء 3 فبين في هذه الآية القسمين الأولين من النكاح :
وهو زواج الحرة الدائم { مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } , وملك اليمين { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ }
و يُقصد بملك اليمين الجواري المملوكات بالشراء أو السبي, ولا يشترط في نكاحهن الزواج كما أنه نكاح غير محدود بعدد ، أي يمكن أن يجمع الرجل عدداً غير محدود من الجواري و الإماء ... .
3- ثم انتقلت الآيات إلى بيان زواج المتعة, وهو القسم الثالث بقوله تعالى: { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً } وسمى المهر هنا أجرًا ، كما سمى المهر في الزواج الدائم صداقًا ...
4- ثم ذكر بعد ذلك حكم النكاح الشرعي الرابع بقوله : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ } سورة النساء 25 و المقصود هو الزواج الدائم من جارية كزوجة و ليست ملك يمين .
إذا أنواع النكاح ليست زواج دائم و ملك يمين فقط ، و إنما هي أربعة منها زواج المتعة .

حجة المعارضين : في آية ليستعفف الذين لا يجدون نكاحا :

قوله سبحانه وتعالى: { وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } سورة النور: 33 ...
فكيف لا يجد البعض نكاحًا بحجة العوز ، وأمامه باب زواج المتعة مفتوح على مصراعيه ...

رد المؤيدين : على حجة آية ليستعفف :
ليستعفف الذين لا يجدون نكاحا ، أي الذين لا يجدون أي نوع من أنواع النكاح المذكورة أعلاه ، و منها نكاح المتعة لأنه يعد نكاحا شرعيا و تشمله هذه الآية ، فمن لم يجد مجالا لأي نوع من الأنواع الأربعة السابقة فعليه بالاستعفاف .
و من قال أن نكاح المتعة ، بمعناه الحقيقي بعيداً عن الزنا و الدعارة كما سنرى في الرد على حجة أن نكاح المتعة هو زنا ، هو نكاح غير مكلف ، فقد لا ترضى المرأة أن تتزوج زواج المتعة بكلفة تقل عن كلفة الزواج الدائم .

حجة المعارضين في موضوع العدة و الميراث و النفقة :

- زواج المتعة لا عدة فيه و لا ميراث و لا نفقة ، و الآيات القرآنية اشترطت العدة و الميراث .
- قال الله تعالى { أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ . } سورة الطلاق 1
و زواج المتعة لا عدة فيه ...
- و زواج المتعة لا إرث فيه ، و الآيات القرآنية اشترط أن ترث الزوجة ، قال تعالى في كتابه الكريم { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ. }ألا تنسخ آية المواريث هذه زواج المتعة ، حيث لا ميراث ...

رد المؤيدين على موضوع العدة و الميراث و النفقة :

العدة لدى المتزوجة زواج المتعة ، إذا انقضى أجل المتعة ، حيضتان إن كانت ممن تحيض , وإن لم تحض فخمسة وأربعون يومًا, ولو مات عنها زوجها و هي ضمن عقد المتعة ، فعدتها أربعة شهور وعشرة أيام ...
ولا يمكن للمرأة أن تعاود الزواج المؤقت إلا بعد انقضاء هذه العدّة ، وليس كما يدعون بأنها تنتقل من رجل إلى آخر ، وكأنها امرأة غير شريفة.
أما بالنسبة لموضوع الميراث فلو تزوج المسلم من كتابية ، مسيحية مثلاً ، زواجا شرعيا دائما لا خلاف عليه ، فهل ترث منه ،بالطبع لا ترث إن لم تسلم ، إذا لا يشترط أن ترث الزوجة في النكاح الشرعي الدائم .
وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: "سمعت أبا حنيفة يسأل أبا جعفر محمد بن النعمان صاحب الطاق عن المتعة فقال له أبو حنيفة: وآية الميراث أيضاً تنطق بنسخ المتعة.
فقال أبو جعفر: قد ثبت النكاح بغير ميراث، قال أبو حنيفة: من أين قلت ذاك؟
فقال أبو جعفر: لو أن رجلاً من المسلمين تزوج امرأة من أهل الكتاب ثم توفي عنها ما تقول فيها؟
قال. لا ترث منه، قال: فقد ثبت النكاح بغير ميراث، ثم افترقا.
و في زواج المتعة لا توارث بين الزوجين إلا إذا اشترطا ذلك ، و اتفقا عليه في عقد الزواج ، و يكون التوارث متبادلاً أو لأحدهما فقط حسب الاتفاق .
أما الولد الناتج من زواج المتعة - ذكراً كان أو أنثى - فيلحق نسبه بالأب , وله من الإرث ما للولد الناتج من الزواج الدائم ، وفقا للقواعد المذكورة في القرآن الكريم, كما يرث من الأم, وتشمله جميع العمومات الواردة في الآباء والأبناء والأمهات, وكذا العمومات الواردة في الأخوة والأخوات والأعمام والعمات.
و تجب نفقة الزوجة المتمتع بها على زوجها ، إذا اشترطت ذلك في عقد المتعة ، أو في ضمن عقد لازم آخر.

حجة المعارضين ( زواج المتعة منسوخ بأمر الرسول ) :

إن آية المتعة قد نسخها الرسول ، بعدما أباحها لفترة قصيرة و لظروف خاصة .
ففي صحيح مسلم ج4 باب النكاح ، وقف رسول الله ص في ظل الكعبة يوم فتح مكة وجمع الناس وقال: ((يا أيها الناس إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخلّ سبيله .
إذا الرسول الكريم قد حرمها في فتح مكة .
و روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر" إذا حُرّمت يوم خيبر أيضا .
وقال أبو هريرة فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم : [هَدَم المتعة الطلاقُ والعدةُ والميراث]. أخرجه الدار قطني ، وحسنه الحافظ.

رد المؤيدين : على حجة تحريم الرسول لزواج المتعة :

جاء في الكشاف للزمخشري عن ابن عباس بأنه قال : بأن آية المتعة ما نسخت.
كذلك ورد عن ابن الحصين في صحيح البخاري (ج3 ص71 كتاب التفسير) أنه قال: (نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات قال رجل برأيه ما يشاء - أي عمر -).
وأيضاً ورد عن مالك بن أنس في كتاب شرح المقاصد للتفتازاني ، أنهم جميعاً أنكروا أي نسخ لآية المتعة.
فإذا كانت آية المتعة قد نسخت فمتى تم ذلك؟
نسخت عند فتح خيبر، أم يوم فتح مكة ، وهذا الاختلاف الكبير ما هو إلا دليل قوي على وضع تلك الأخبار ، و ضعف الحديث وعدم صحته.
و إذا شرع حكم في القرآن وأريد نسخه ، فيجب أن يبلغ النسخ جميع المسلمين ، وإلاّ كان من (تأخير البيان عن وقت الحاجة) وهو محال عن الله تعالى، وقد ذكر الشيخ السلفي المسباح أن ابن عباس وعدداً كبيراً من الصحابة لم يبلغهم نهي الرسول حتى عهد عمر، فلماذا لم يبلغهم النهي في عهد أبي بكر؟
وهل يجوز أن يبلغ الرسول (صلى الله عليه وسلم) النسخ ، للنادر جداً من أصحابه ويبقي البقية في جهلهم؟
و نستدل بذلك أن الرسول الكريم لم ينهي عنها و الأحاديث المذكورة أعلاه ضعيفة .

حجة المعارضين : قد نهى عنها الصحابة و الخليفة عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) :

- كان الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أشد المعارضين للمتعة- و هو من هو - حيث قال: إن رسول الله أذن لنا المتعة ثلاثاً ثم حرمها. والله لا أعلم أحداً يتمتع وهو محصن ، إلا رجمته بالحجارة، إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله أحلها بعد أن حرمها.( سنن ابن ماجة ، 1598)
أخرج ابن أبي شيبه عن سعيد بن المسيب قال : نهى عمر عن متعتين متعة النكاح ومتعة الحج .( الدر المنثور في التفسير المأثور ج2) .
و متعة الحج المقصود بها : الحج متمتعا و هي أن يجوز للحاج بعد إحرامه متجها للأراضي المقدسة أن يؤدي العمرة ثم الحج ، و هي غير الحج مقرنا و التي لا يجوز فيها تأدية العمرة قبل أداء مناسك الحج .
و روي أن عمر بن الخطاب قال في خطبته: (متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، متعة الحج ومتعة النساء) . الجاحظ في البيان والتبيين (ج 2 ص 223)، والقرطبي في تفسيره (ج2 ص370) والفخر الرازي في تفسيره (ج2 ص359)
- أما عبد الله بن عباس فقد حلل زواج "المتعة" في أول حياته و عاد و حرمه في آخر حياته .

حجة مؤيدي زواج المتعة : أفعال الصحابة و فتاويهم أباحته :

- بالنسبة لقول الخليفة عمر رضي الله عنه ( متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما ) ،كان الأحرى بالخليفة عمر أن يقول: (متعتان كانتا ونسختا) ، و لو كانت هناك آية ناسخة أو حديث ناسخ لاستدل بهما.
وقد صح عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: (لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي) (تفسير الثعلبي) .
والغريب أن نجيز اليوم متعة الحج-فأغلب الحجاج يحجون متمتعين غير مقرنين - ولا نجيز متعة النساء ، مع أن عمر رضي الله عنه حرم الاثنتين .
ويتضح لنا من خلال هذا الحديث أن عمر أسند التحريم لنفسه لأنه قال: (أنا أنهى عنهما)، فإذا كان المبرر لنا نهي الخليفة الثاني ، فما معنى (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة) الحديث المتفق عليه بيد علماء المسلمين قاطبةً دون استثناء؟؟
وكلنا يعلم بأنه وعلى هذا الأساس فإن كل اجتهاد معاكس للنص مرفوض .
- أما أفعال الصحابة بهذا الخصوص فممن روى عنه في التمتع وحصول الولد منه الصحابي : عمرو بن حريث .
و هو من الصحابة : كان عمرو من بقايا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الذين كانوا نزلوا الكوفة .( الذهبي في سير أعلام النبلاء : 3/417 ـ 418)
, عن سعيد بن مسيب ، قال : استمتع ابن حريث وابن فلان ، كلاهما ولد له من المتعة زمان أبي بكر وعمر.
( كنز العمال للمتقي الهندي : 16/518 ح45712)
عن جابر بن عبد الله ‏ ‏الأنصاري ، قال : قدم عمرو بن حريث الكوفة ، فاستمتع بمولاة ، فأتى بها عمر حبلى ، فاعترف ، قال : فذلك حين نهى عنها عمر. ( فتح الباري لابن حجر : 9/141 )
وكذلك في صحيح مسلم : قول ‏جابر بن عبد الله ‏ ‏الأنصاري ‏‏ : ‏كنا ‏ ‏نستمتع ‏ ‏بالقبضة ‏ ‏من التمر والدقيق - الأيام على عهد رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وأبي بكر ‏ ‏- حتى نهى عنه ‏ ‏عمر ‏.
- عن عبد الله بن مسعود قال: " كنا نغزو مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) وليس لنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي فنهانا عن ذلك ، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل معين ، ثمّ قرأ عبد الله (يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لِكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إن اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) سورة المائدة الآية 87.
( صحيح مسلم ج 2 باب نكاح المتعة ، وأخرجه البخاري ج 7 / 8 ) .
- و روي عن سلمه بن الأكوع عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أيما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال ، فإن أحبا أن يتزايدا أو يتتاركا. تزايدا أو تتاركا . ( البخاري ج 7 / 25) .

ومن الصحابة الذين اقروا المتعة :
جابر بن عبد الله ( صحيح مسلم 1 ص 395 ، جامع الأصول لابن الأثير) ، و عبد الله بن عمر (أخرج إمام الحنابلة أحمد في مسنده 2 ص 95 بإسناده عن عبد الرحمن بن نعم) .
ومعاوية بن أبي سفيان ، وأبو سعيد الخدري ، و سلمه بن أمية بن خلف ومعبد بن أمية بن خلف ( و ذكرهم جميعا المحلى لابن حزم . وشرح الموطأ للزرقاني ).
وخالد بن مهاجر بن خالد المخزومي ( صحيح مسلم 1 ص 396 ، سنن البيهقى 7 ص 205) و ربيعة بن أمية  ( الموطأ).
- وعن ابن عباس قال: يرحم الله عمر، ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها امة محمد ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي.
( تفسير السيوطي الدر المنثور ج2 ص250 ، وكذلك الفخر الرازي في تفسيره ج10 ص50) .
أما القرطبي فيقول: لا يرخص في نكاح المتعة إلا عمران بن حصين وابن عباس وبعض الصحابة وطائفة من أهل البيت ( تفسير القرطبي ج3 ص1703) .
حجة المعارضين بأن ابن عباس عاد عن تحليله و حرمه :

جاء في تهذيب السنن: " وأما ابن عباس فإنه سلك هذا المسلك في إباحتها عند الحاجة والضرورة ، ولم يبحها مطلقاً ، فلما بلغه إكثار الناس منها رجع . وكان يحمل التحريم على من لم يحتج إليها .
قال الخطابي: إن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس هل تدري ما صنعت ، وبِمَ أفتيت ؟.. قد سارت بفتياك الركبان ، وقالت فيه الشعراء .
قال : وما قالوا ؟ ، فقال له الأبيات التالية :
قد قلت للشيخ لما طال محبسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس ؟
هل لك في رَخصة الأطراف آنسة تكون مثواك حتى رجعة الناس ؟
فقال ابن عباس :
"إن لله وإنا إليه راجعون ‍" ... والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللت ، إلاّ مثل ما احل الله الميتة والدم ولحم الخنزير ، وما تحل إلا للمضطر ، وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير.

رد المؤيدين على تحريم ابن عباس لها في آخر حياته :

قد خالف في تحريم ابن عباس رضي الله عنه لهذا الزواج في آخر حياته ، أكثر أصحابه كعطاء وطاووس, و به قال ابن جريج ، و اختلف العلماء هل حرمه ابن عباس أم لا .
وقد حكم ابن عبد البر في ( الاستذكار ) بضعف الآثار التي ورد فيها رجوع ابن عباس عن القول بإباحة المتعة".
و يرى البعض أن ابن عباس لم يحرم زواج "المتعة", مستندين في ذلك لقول لابن عباس "رحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم بها أمة محمد, ولولا نهيه لما احتاج إلى الزنا إلا شقي".

حجة معارضي زواج المتعة : بأنه زنا :

هذا الزواج هو زنا مقنع و لا شيء إلا الزنا .
رد مؤيدي الزواج :

هل كان الرسول الأعظم (صلى الله عليه و سلم) يبيح الزنا كما تدعون؟!!
لقد أجمع المسلمون جميعاً على إباحة المتعة في صدر الإسلام ثم اختلفوا في التحريم ، فكيف يكون زواج المتعة حلالاً في صدر الإسلام ثم ما يلبث بأن ينقلب إلى (زنا)؟؟!!
وكيف يشرع رسول الله (صلى الله عليه و سلم ) الزنا؟!
فإذا كان زواج المتعة (زنا) فهذه فرية توجه لشخصه الرسول الكريم لأنه أباح هذا الزواج ، وإذا لم يكن (زنا) فذلك يعني بطلان اتهاماتكم!
رد المعارضين على أن الرسول لا يبيح الزنا :

‏ لا يجوز أن يقال: ( المتعة زنا كيف يحلل الرسول صلى الله عليه وسلم الزنا لفترة ؟ ) لوجود الفرق بين الأحكام في بداية التشريع وبعد نهايته حيث كان البعض منها ينسخ وبعضها يبقى.
وفق مراد الله سبحانه وتعالى حيث يقول : (ما ننسخ من آيةٍ أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) البقرة : 106 .
فالنسخ أو الإباحة لحكم ما في فترة ، ثم تحريمه لا يجوز الاعتراض عليه، لأنه من لدن حكيم خبير سبحانه وتعالى، ولما أبيحت المتعة في أول الإسلام ولم تكن ( زنا ) حال إباحتها ، وإنما تأخذ حكم الزنا بعد التحريم واستقرار الأحكام كما هو معلوم.

حجة المؤيدين : انه لا حد زنا ، لمن يتزوج زواج متعة :

تُجمع كتب الفقه في باب ( الزنا ) , على عدم عقوبة من يأتي زواج المتعة بالعقاب الشرعي على الزنا ، بل ولا يُعاقب من يأتيه بآية عقوبة؟ ...
و الدكتور محمد النجيمي, و هو أستاذ الفقه المقارن في المعهد العالي للقضاء وكلية الملك فهد الأمنية في الرياض , يؤكد أن جميع علماء المسلمين من المعارضين لهذا النوع من الزواج , لا يقيمون الحد على من تزوج "متعة", معتبرين هذا الزواج, زواج "شبهة", ولا يعتبرونه زنا, ملحقين ولد نكاح المتعة بأبيه .

رد المعارضين :في موضوع عدم إيقاع حد الزنا في المتزوج زواج المتعة

عدم إيقاع العقوبة ليست اعترافًا به أو تسليمًا بمشروعيته...إنما تطبيقًا للقاعدة الشرعية ( الحدود تدرأ بالشبهات )...

رد المؤيدين لهذا الزواج ( على موضوع الحدود تدرأ بالشبهات ) :

وجود شبهة في زواج المتعة يعني أن حلالّه مشتبه فيه , وحرامه مشتبه فيه, ولو كنتم واثقين من حرمته لعاقبتم عليه بعقوبة الزنا؟ ...
حجة المعارضين : بتكفير من يقول به :
من يقول بزواج المتعة كافر .

رد المؤيدين : على حجة أن من يقوم بزواج المتعة كافر :

إن الدكتور محمد النجيمي , و هو أستاذ الفقه المقارن في المعهد العالي للقضاء وكلية الملك فهد في الرياض, و هي من الكليات المتشددة في أحكامها ، يقول :بعدم جواز القول بـ"كفر" من يبيح نكاح "المتعة".
و نقل عن الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم قوله : و من كفر مسلم فهو كافر ، و إن إطلاق نعت الكافر هو موضوع في غاية الحساسية و لا يجوز إطلاقه بدون نص شرعي مستند إليه .

حجة المعارضين ( هل ترضاها لنفسك ) :
وهل ترضى لأختك أو لأمك أن تتزوج زواج المتعة؟

رد المؤيدين :على حجة هل ترضاها لنفسك )

- دائماً يتم الاحتجاج بهذه الجملة : (هل ترضى لأختك أو لأمك أن تتزوج زواج المتعة؟).
والسؤال الذي نطرحه بالمقابل و هل ترضى أن تكون أمك أو أختك ، امة أو جارية ينكحها سيدها ، و الجميع يجيبون بلا ، مع أن الشرع يجيز ذلك بدون خلاف عليه ، و على الرغم من أن القانون الحديث منع ذلك ، منذ حوالي مئة و خمسين عاما فقط من أصل آلاف الأعوام التي جرت فيها هذه العادة في كافة أنحاء العالم .
و يروى أن أبا حنيفة قال لأبي جعفر محمد بن النعمان صاحب الطاق: يا أبا جعفر ما تقول في المتعة، أتزعم أنها حلال؟ قال: نعم.
قال: فما يمنعك أن تأمر نساءك أن يستمتعن ويكتسبن عليك؟
فقال له أبو جعفر: ليس كل الصناعات يُرغب فيها وإن كانت حلالاً، وللناس أقدار ومراتب يرفعون أقدارهم.
ولكن ما تقول يا أبا حنيفة في النبيذ، أتزعم أنه حلال؟
فقال: نعم.
قال: فما يمنع أن تقعد نساؤك في الحوانيت نباّذات فيكتسبن عليك؟
فقال أبو حنيفة: واحدة بواحدة .
و النبيذ المقصود هنا ، هو منقوع التمر بالماء ( كالتمر الهندي في أيامنا هذه ) و بدون تخمر ، و روي أن الخليفة ابن الخطاب كان يحبه جدا ، و ليس المقصود به النبيذ المسكر المعروف هذه الأيام .

حجة المؤيدين : العقد شريعة المتعاقدين :

القاعدة القرآنية الشرعية تجعل العقد شريعة المتعاقدين؛ والله تعالى يقول (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود ) المائدة1".
وعليه فإنه يمكن القياس هنا؛ مع الأخذ في الاعتبار أن عقد الزواج من أهم العقود التي يعقدها الإنسان؛ والله تعالى وصف عقد الزواج بأنه "ميثاق غليظ" النساء21".
فإذا تراضى الطرفان على شرط في عقد الزواج أصبح ملزما للطرفين؛ لأن ذلك في إطار الزواج الشرعي وليس فيه تلك التجاوزات التي نهى عنها القرآن ، وليس فيه أيضا ذلك "السفاح" أو" اتخاذ الأخدان" أي الزنا واتخاذ العشيقة.......
وعليه فإن اتفاق الزوجين على تحديد مدة للزواج لا يقدح في صحة الزواج خصوصا وأن قوله تعالى "ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة" جاء عاما فيما يقع عليه التراضي، سواء كان التراضي على جزء زائد على المهر أو المؤخر ، أو كان على تحديد مدة للزواج ، أو على شيء آخر ، في إطار الزواج الشرعي.
و أساس هذا الزواج هو الرضا ويشترط رضا الأب أو الجد لأب ، بالإضافة إلى رضا الزوجة ( إذا كانت الزوجة بكراً ) ، أي غير مدخول بها من قبل زوج آخر .
إذا لا يجوز للفتاة البكر أن تتزوج زواجاً مؤقتاً بدون رضا أبيها أو جدها.
فإذا لم تكن راضية أو لم يرض أبوها أو جدها فلا زواج و لا مشكلة ، و لنترك هذا الزواج لمن يرضاه .

حجة المؤيدين : زواج المتعة زواج استثنائي و ليس زواج بديل عن الزواج الدائم :

زواج المتعة شرع على وجه الخصوص لفئة معينة من الناس (الأرامل والمطلقات والشاب الذي يعجز عن الزواج الدائم) وحتى بالنسبة لهؤلاء فنحن نعطي الأولوية للزواج الدائم ولكن الظروف قد تحتم غير ذلك.
- عن الفتح بن يزيد قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتعة؟ فقال: هي حلال مباح مطلق لمن لم يغنه الله بالتزويج فليستعفف بالمتعة، فإن استغنى عنها بالتزويج فهي مباح له إذا غاب عنها.
- عن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن عن المتعة؟
فقال: ما أنت وذاك قد أغناك الله عنها .
نعم قد يوجد من يمارس عملية الزنا باسم المتعة كأن تكون المرأة لا تلتزم بالعدّة أو تسقط الجنين وما إلى ذلك ، وهذا ليس عيباً على التشريع ، بل هو عيب المكلف غير الملتزم.
- ففي الحديث عن الإمام محمد الباقر أنه سئل عن المتعة, فقال: إنّ المتعة اليوم ليست كما كانت قبل اليوم ، إنهن كن يومئذ يؤمَنّ واليوم لا يؤمَن ، فاسألوا عنهن. (الكافي ، باب: لا يجوز التمتع إلا بالعفيفة )
- وعن محمد بن أبي الفضيل قال: سألت أبا الحسن عن المرأة الحسناء الفاجرة، هل يجوز للرجل أن يتمتع منها يوماً أو أكثر؟
فقال: "إذا كانت مشهورة بالزنا فلا يتمتع منها ولا ينكحها".
- عن أبي سارة قال: سألت أبا عبد الله عنها ( الإمام جعفر الصادق ) - يعني المتعة - فقال لي: حلال، فلا تتزوج إلا عفيفة، إن الله عز وجل يقول: "والذين لفروجهم حافظون" (المؤمنون 32: 5). فلا تضع فرجك حيث لا تأمن على درهمك.
( الكافي ج 5 ص 454) .
- و يقول الإمام جعفر الصادق أيضا : ومن أراد أن يتزوج امرأة زواج المتعة ولا يعرف أهي عفيفة أم لا، فعليه "أن يتعرض لها، فإن أجابته إلى الفجور فليست عفيفة".
إذ هناك شروط وأوصاف للمرأة يجب توفرها لكي يصح الزواج بها زواج المتعة .
فالشرط الأهم أن تكون المرأة مؤمنة وعفيفة .
الخاتمة :
سعيت في بحثي الوارد أعلاه أن انقل قدر علمي ، حجج مؤيدي و معارضي هذا الزواج ، فإن كان في نقلي خطأ غير مقصود أتمنى أن يصحح القارئ لي ، و أتمنى أن يغني القراء هذا البحث بآرائهم العلمية الدينية و الاجتماعية ، بدون التطرق إلى الطائفية المقيتة ، و بدون الإساءة -كما ذكرت في المقدمة- إلى أية جهة كانت ، ليكون حوارنا حواراً محترما مستنداً إلى الحجج و البراهين ، و ليس مستنداً إلى المهاترات و التجريح غير اللائق .
تاركاً الحكم على هذا النوع من الزواج - سلباً أو إيجاباً - لعقل القارئ و لفكره المتفتح ، البعيد عن التعصب الأعمى .









رضوان السيد: الجمهوريات الخالدة سقطت والإخوان لن يحكموا




رضوان السيد: الجمهوريات الخالدة سقطت والإخوان لن يحكموا
المفكر اللبناني رضوان السيد يعتبر أن الإسلام هو أكثر نظم الاعتقاد الديني معقولية، وأعمق نظم التفكير العقلاني إيمانية.
العرب عبد الحاج [نُشر في 05/10/2013، العدد: 9341، ص(6)]

ظواهر التطرف الأصولي والعنف الجهادي شوهت سمعة الإسلام

بخلفية تفسيرية من العلوم الاجتماعية ومن التحليل السوسيوسياسي، وبخلفية حضارية إسلامية، يحلل الدكتور والمفكر اللبناني رضوان السيد، مستعملا منهجه الاستيعابي التراكمي في حوار خص به جريدة (العرب) عن مختلف التحولات التي عرفها العالم العربي، ومناقشة الخطاب الإسلامي في مرحلة ما بعد الربيع العربي.
بدأت بسؤال حول طبيعة العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين وهل ستؤثر في تدبير مرحلة الانتقال الديمقراطي وتحديد ملامح هوية دول الربيع العربي؟ فأجاب الدكتور أن "مجمل الحراك الفكري الموجود على المستوى السياسي والثقافي والإعلامي، يرتبط بشكل كبير جدا بطبيعة المفاهيم السائدة، فما يُسمى أحيانا بالعلمانيين ليسوا صنفا واحدا أيضا، فهم يضمون خليطا من الليبراليين والقوميين، من اليسار واليمين من حيث العلاقة بالملف الاقتصادي، ومن العلمانيين الرادكاليين والعلمانيين المتصالحين مع الدين.
ومن جهة أخرى، تحتل القوى الليبرالية-العلمانية موقعا بالغ التأثير في صفوف النخبة، وموقعا أصغر بكثير بين عموم الناس، كما أنه من الصعب وضع الإسلاميين جميعا في كفة واحدة، وثَمة حاجة ملحة إلى الحوار بين المعسكرين: الإسلامي والليبرالي-العلماني، وحاجة أكثر إلى بناء جسور الثقة وتعزيز مناخ الاطمئنان، فلدى الليبراليين-العلمانيين شعور عميق بأنهم، وهم فقط، حراس الحداثة، وأنهم، وهم فقط، مَن يستطيع إدارة شؤون الدولة الحديثة، ولديهم أيضا خوف متزايد من التهميش والعزل، الذي يستبطنه صعود الإسلاميين إلى الحكم بقوة الرافعة الشعبية. لذا، ففي المراحل المبكرة من عملية الانتقال والتغيير، ستكون حدة الصراع بين الطرفين عالية، وتكاليف الصراع باهظة نسبيّا، وشيئا فشيئا، ستفرض حقائق توازنات القوة نفسها، من جهة، ويصبح الإسلاميون أكثر تجربة ووعيا وقدرة على بناء علاقات أكثر صحية، من جهة أخرى. ولكن، وكما أشرت سابقا، لا يجب أن يغفل أحد عن حقيقة أن هذا الانقسام يمثل العقبة الأكبر في طريق بناء إجماع تقام على أساسه دولة حرة وأكثر عدلا، ودون هذا الإجماع سيصعب بناء استقرار جديد والتفرغ لمواجهة تحديات التنمية والرفاهية.
كره الإخوان للدولة
عن بروز صراع حاد على دولة (المفهوم) ما بعد الثورات العربية، ما مدى قدرة الفاعل الإسلامي، الذي صعد إلى الحكم، على استيعاب تحديات بناء دولة عربية حديثة وديمقراطية، رد بأن "الإسلاميين حُرموا طويلا من احتلال مواقع مؤثرة في مؤسسة الدولة، ولديهم ما هو بين خوف، وشك، وكراهية للدولة ودوائرها المختلفة، كما سيطرت عليهم لفترة طويلة فكرة "أسلمة" هذه الدولة، دون أن يدركوا الاختلافات الجوهرية بين الدولة الحديثة ونموذج الدولة في التجربة التاريخية الإسلامية. نحن إذن أمام توجهات متدافعة من حيث علاقة الإسلاميين بالدولة، وما يفاقم من هذا التدافع أن تَسلُّم الإسلاميين مقاليد الحكم يتم في ظرف انتقالي قلق.
تراجع التأثير الغربي
وفي ردّه على سؤال حول مدى تأثير الثورة في خلخلة المرتكزات الجوهرية التي قام عليها النظام الدولي في أبعاده المحلية والإقليمية؟ وما حدود تأثير الفاعل الدولي في مسار الثورة، فكانت الإجابة على شقّين، على حد قوله، مبتدئا بالشق الثاني من السؤال؛ "فالمسألة التي لابد أن تؤخذ في الاعتبار في قراءة علاقة المشرق العربي-الإسلامي بالغرب أن هناك تغييرا في أولويات الولايات المتحدة الأميركية، بمعنى تراجع أهمية المشرق العربي-الإسلامي لصالح اهتمام أكبر بحوض "الباسيفيك".

     كاتب ومفكر لبناني، حصل على الإجازة العالية من كلية أصول الدين بجامعة الأزهر ، وعلى شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة توبنغن بألمانيا الاتحادية، شغل منصب رئيس تحرير مجلة الاجتهاد الفصلية. له العديد من المؤلفات والترجمات في مجال الإسلام السياسي، من أبرزها: الأمة والجماعة والسلطة ومفاهيم الجماعات في الإسلام والإسلام المعاصر والجماعة والمجتمع والدولة وسياسات الإسلام المعاصر.

هذا التغيير في الأولويات بدأ منذ الولاية الأولى لأوباما، وليس هنا مجال لشرح أسبابه. الولايات المتحدة هي القوة الرئيسة في العالم وفي الكتلة الغربية، ولا تستطيع القوى الأوروبية تعهد مسؤوليات كبيرة ومباشرة في العالم دون مشاركة أميركية، ولابد أن ينظر إلى التدخل الأوروأميركي في ليبيا باعتباره استثناء وهامشيّا. إن انتقال الأولوية الأميركية لحوض "الباسيفيك" هو ما سمح بانتصار الثورات العربية في تونس ومصر، وأعطى دول الخليج الدور الرئيس في اليمن، ويجعل احتمال التدخل الغربي المباشر في سوريا احتمالا مستبعدا، إن لم يكن مستحيلا.
ما الذي يعنيه هذا؟ يعني أن التأثير الغربي في شؤون بلادنا تراجع بصورة ملموسة؛ لم يتوقف نهائيّا، ولكنه تراجع. وهذه في نظري فرصة تاريخية لشعوب المنطقة، لتدبير شؤونها دون العبث الخارجي المعهود".
وأضاف "أما فيما يتعلق بالشق الأول من السؤال؛ فالحال بالنسبة إلى الثورات العربية المعاصرة أكثر تعقيدا بكثير منها في حالة الثورات الأوروبية الحديثة منها والمعاصرة. فهي تقوم في ظل ضغوط غربية قوية جدا تؤثر بشكل كبير في مسار الثورة، كما أنها تقوم في ظل انقسام أو استقطاب داخلي لم يحل بعد بين دعاة الحداثة (أو التغريب) وبين دعاة التقليد (أو الاعتماد على التراث).
لذلك يصبح امتلاك نموذج تفسيري من منظور العلوم الاجتماعية لكافة العوامل المؤثرة والفاعلة فيها بعيد المنال، خاصة في ظل تأخرنا الحالي في التحول إلى المرحلة العلمية، وفي ظل أنه لا يمكن فهم الظواهر الاجتماعية إلا في إطار سياقها الاجتماعي والثقافي، وهو هنا الإطار الحضاري العربي الإسلامي، وفي ظل أزمة العلوم الاجتماعية.
ولكن، من وجهة نظري، المدخل الصحيح الذي يجب البناء عليه: هو البدء من التوصيف الصحيح للواقع. والواقع هو شيء أكثر من ثورة (أو ثورات). التوصيف الصحيح له هو دخول اللاوعي المجتمعي العربي (بما يحمله من نظرة متميزة إلى العالم) كفاعل أساسي وقوة جديدة مؤثرة في التغيرات المجتمعية، ليس فقط من خلال الثورة الشاملة على المدى القصير، وإنما أيضا من خلال استمرار الضغوط المجتمعية على المدى الطويل.
وهذا التحول الجذري في معادلة القوى المجتمعية من شأنه أن يفرض تغيرات معينة سياسية واقتصادية واجتماعية، بل وفكرية أيضا كما سبق أن ذكرت.
وهذه القوة الجديدة لا يصح وصفها "بالإسلامية" لأن ذلك يعني بشكل غير مباشر ترجيح أو سيادة التقليد على الحداثة، وهو أمر غير صحيح. ولكن هذه القوة تعبر على مستوى اللاوعي عن نوع من الإبداع الجديد القادر على تخطي التقليد والحداثة معا في تعبير عن الذات المعاصرة.
مشكلة فهم الإسلام
عن قيمة (الإسلام) لا كنص فقط، بل كـ (منهج) للحياة يتسم بالتوازن والتكامل كيف يمكن تصدير هذا الفهم نحو الغرب الذي يملك فلسفة وضعية أكثر عقلانية وعلمية وتجريبية"، تحدّث رضوان السيّد مبينا أن الإسلام يعاني في الحقبة الراهنة من "مشكلة فهم" تكاد تكون عالمية وشاملة. كونها عالمية يرجع إلى سوء السمعة الناجم عن بروز ظواهر التطرف الأصولي والعنف الجهادي من قبل حركات سياسية تحمل وصف الإسلام، كما يرجع إلى سوء تأويل من قبل التيارات العنصرية في الوعي الغربي، والمتخلفة عن نزعة التمركز الأوروبي حول الذات، لتلك الظواهر عندما تذهب مذهبا رجعيا محافظا هي الأخرى معتبرة هذه الظواهر جوهرية في "المعتقد الإسلامي" لا ظواهر تاريخية يفرزها المسار العام للتطور السياسي والحضاري لدى "المسلمين".
أما كونها "شاملة" يمكن تفسيره بأمرين: الأول هو إهمال النزعة التاريخية التي يجب أن تسم كل نص يدعي لنفسه الشمول والخلود، ما يستلزم دوما إعادة القراءة والتأويل، ثم تأويل التأويل بقصد بسط مشروعية النص على حوائط الزمن، وفتح أفقه على حركة التاريخ.
أما الثاني فهو اقتصارهم على الفهم الذاتي، أي الداخلي للنص، وعبر مقولاته التكوينية على المستويات البنائية الثلاثة الأساسية: العقائد والعبادات والمعاملات، ولكن دون فهم تلك السياقات النصية التي تدعي، مثله، الشمول والكلية، وتحديدا الأديان السماوية (التوحيدية) السابقة عليه والمجذرة له، والمعتقدات الدينية الأرضية، والفلسفات النسقية ذات الطابع الرؤيوي، التي تصوغ جميعها، أو تدّعي قدرتها على صياغة رؤى متمايزة للوجود، برغم أن تلك القراءة (الخارجية) وحدها هي التي تكشف لنا عن قيمة (الإسلام) لا كنص فقط، بل كـ (منهج) للحياة يتسم بالتوازن والتكامل، وكبنية اعتقادية توافر لها ربما أكثر من أي دين أو فلسفة سابقين، القدرة على التوفيق بين حاجات الإيمان الروحي، وصيرورة ارتقاء العقل البشري.
وبينما يمكن الإدعاء بأن المعتقد المسيحي، وربما البوذي هو الأكثر روحانية ومثالية وزهدوية مع إهمال العنصر المادي/ الطبيعي/ الدنيوي.
وبأن الفلسفة الوضعية الغربية هي الأكثر عقلانية وعلمية وتجريبية، مع إهمال العنصر الروحي/ الإيماني/ الغيبي، يمكننا الإدعاء في المقابل بأن الإسلام هو أكثر نظم الاعتقاد الديني معقولية، وأعمق نظم التفكير العقلاني إيمانية، وربما كان ذلك البعد الجدلي هو سر عبقريته، ومصدر ادعائه (العميق والصحيح) بالشمول والكلية.
لكن بعض الحركات الإصلاحية استطاعت أن تنتج مشروعها السياسي وتؤسس دولتها، لكنها لم تستطع الاستمرار في بعض الأقطار، في حين لم يكن لبعض الحركات الإصلاحية أي دور في بناء المشروع السياسي و بناء هوية الدولة الوطنية، ما هو تفسيركم لهذا التمايز في طبيعة هذه الحركات؟ وما السبب الذي دفع بهذه الحركات إلى الفشل في تحصين مشروعها السياسي؟
"الفكر الإصلاحي -كما أسلفنا- هو أحد الروافد الأساسية التي تغذت عليها الحركية الإسلامية المعاصرة فكريا، وبينهما رابطة استمرارية بأبعاد مجتمعية ومعرفية، ثم إنهما تعاملا مع ظروف اتحدت في النوع وإن اختلفت في درجة حدتها. الإشكالية في التنظير الذي حاولته الحركات الإسلامية لموضوعات سبقتها إليها رموز الإصلاح النهضوي، أنها تعاملت فيه مع ذات المفاهيم الكبرى، والنماذج التفسيرية والتحليلية، بل وبذات مستوى التجاوب مع تحديات موضوعية ماثلة وموجّهة".
وتابع "فإذا كان الفكر الإصلاحي مثلا قد ركز على بناء الدولة على أسس الشورى وإرادة الأمة في مسألة السلطة السياسية، ووحدة الأقطار المسلمة في الوجهة الخارجية للدولة، فإن الفكر الحركي الإسلامي متأثرا بذات الاتجاه مضى يؤصل لمفاهيم الحكم الإسلامي وعناصر قوة الدولة ومقوماتها التي تجعل منها أداة فاعلة في تسيير شؤون المجتمع، والتعبير عن إرادة الأمة وغيرها من قضايا الاجتماع السياسي، غافلا عن أنه يتعامل مع كيان مغاير تماما لمفهوم الدولة التاريخي الذي كان الفكر الإصلاحي معنيا باستبقائه والمحافظة عليه وعلاجه من الآفات التي أضعفت الكيان الإسلامي وجعلته عرضة للاحتلال والتجزئة، الدولة الحديثة التي واجهتها الحركات الإسلامية كواقع قائم ينبغي التعامل معه هي دولة مأزومة باعتبارها دولة تجزئة، وفاقدة بالتالي لمقومات النجاح في المهمات التاريخية للدولة من حفظ بيضة الأمة والدفاع عنها ورعاية الاجتماع الإسلامي وفق مقاصده الشرعية وغاياته الحضارية".
المشكلة الأخرى التي تمخضت عن هذا الاتجاه هو المبالغة في تقدير أهمية "النظرية السياسية" بمرجعيتها الإسلامية في إصلاح هذه الدولة الحديثة، وحسب الدكتور رضوان هي مشكلة في مستويين:
أولهما إغفال طبيعة التجربة التاريخية لمجتمعاتنا، والتي كانت الأهمية الحاسمة فيها للأمة كثابت إستراتيجي لا للدولة كمتغير.
وثانيهما الاعتقاد بأن الإصلاح السياسي هو المدخل اللازم للإصلاح الشامل، في تجاوز هذه المرة ليس للخبرة الحضارية في بناء الأمة و تطورها واستمرارها فحسب، بل لتراث الفكر الإصلاحي النهضوي نفسه، الذي اعتبر الإطار السياسي (الجامعة الإسلامية) مجالا لتنزيل قيم الدين ومقاصده الكلية وأحكامه التي ينبغي استعادتها بالإصلاح الديني والتعليمي التربوي والفكري.
الحركات الإسلامية
مع أن بعض الحركات الإسلامية باشرت مراجعات جذرية في النظرة إلى الدولة والمجتمع وتخلت عن أدبيات كانت تعدها أصولها الفكرية، مثل سيد قطب،غير أنها في عملية بنائها لأدبياتها الجديدة وخطابها الجديد، وجدت نفسها تعيد إنتاج أفكار سبق وأن دعا إليها بعض رموز الإصلاح. في نظركم هل هذا يعني مصالحة مع الفكر الإصلاحي أم يفسر القطيعة بين الحركة الإسلامية وبين الحركات الإصلاحية؟ على هذا التساؤل أجاب الدكتور قائلا: "بداية، ينبغي أن يكون راسخا في وعي الدارس لمجمل حركة النهوض والإصلاح التي عرفها عالم المسلمين في العصر الحديث، أن مختلف المدارس والتجارب الفكرية التي أسست هذه الحركة وساهمت فيها، كانت بمثابة "المشاريع المجهضة"، حيث تضافرت العوامل الخارجية التي ترى في تلك الدعوات نقيضا موضوعيا يتوجب عليها محاربته، مع عوامل القصور الذاتي في قدرة مجتمعات المسلمين على الاستيعاب الواعي والتفاعل الإيجابي مع دعوات الإصلاح وتجارب النهوض المعاصرة".

الإسلام يعاني في الحقبة الراهنة من "مشكلة فهم"

وحسب رضوان "يمثل هذا الأمر -إلى جانب عوامل أخرى- تفسيرا لما تنجلي عنه الحالة الراهنة لواقع مجتمعات المسلمين من حضور ملح لذات الأسئلة والقضايا الكبرى التي لأجلها كانت تلك الدعوات الإصلاحية من قبيل سؤال وحدة الأمة، وسؤال النهوض الحضاري، وسؤال تحرر الإرادة الجماعية الفاعلة لمجتمعات المسلمين..، وهو ما يوضح حجم القصور في الإفادة من فكر الإصلاح النهضوي، ويطرح إشكالات متعددة حول امتداداته الحركية الإسلامية وفعاليتها في الإجابة عن تلك الأسئلة الكبرى".
أرى أن أهم جوانب الأهمية التي يكتسيها استدعاء تجارب الإصلاح والنهوض اليوم هو الإفادة من "منطق الاستجابة" الذي تعاملت به مع تحديات واقعها، وهي تحديات مشتركة مع واقعنا إلى حد بعيد".
الأمر الآخر الذي يرفع من مستوى أهمية الفكرة الإصلاحية عموما، وخاصة الفكرة الشاملة التي تستطيع التعامل مع مشكلات الواقع برؤية نسقية ومستوعبة، هو اللحظة الراهنة من تاريخ الأمة، والتي بقدر ما تحمل من بشائر الأمل فإنها تطرح من الأسئلة المعقدة، فالواقع اليوم يسائل بمعطياته وتداعياته العقل المسلم ونخبه المتصلة بواقع مجتمعاتها برابطة الولاء والانتماء أكثر مما يقدم أجوبة عن مشكلاتها وأزماتها، ومن هنا الحاجة الماسة إلى عقل استشرافي يشتغل وفق رؤية إستراتيجية كلية لمعطيات الواقع وإمكانات المستقبل، وهذا العقل لابد فيه من امتداد التجربة التاريخية التي هي خلاصة مسارات الواقع ومآلاته، ولاشك أن الإصلاحية الإسلامية الحديثة كانت عنصرا أساسيا من عناصر هذه التجربة.
إذا جاز لنا أن نستدعي أهم مضمون من مضامين المشروع الإصلاحي للأفغاني الذي توفي في السنوات الأخيرة من القرن 19 (1897) وهو يحاول إرساء قواعده، فهو أن الرجل قد أسهم في إعادة بث روح "الإسلام المقاوم" في الحياة العامة، أي إحياء المعاني التحررية للإسلام في واقع كانت الأقطار المسلمة كلها أو جلها تعرف فيه حالة حصار أو احتلال أجنبي مباشر أو غير مباشر، ومن ثمة دعوته إلى الوحدة بينها في إطار "الجامعة الإسلامية" كوجه آخر لتدعيم مقوماتها الذاتية للتحرر.
لكن المشكلة التي واجهها هو ومن جاء بعده (ومن بينهم عبد الرحمن الكواكبي) هي حالة الاستعصاء التي قابل بها الواقع العربي والمسلم هذه الدعوات، خاصة حين تجلت ثنائية (الإطار التاريخي-الدولة الحديثة) وتحولت إلى حالة تقاطب فكرية وسياسية حادة وعامة.
لقد كرس الكواكبي حياته لمحاربة الاستبداد كتجل لواقع التخلف في تدبير الشأن العام، الذي أفرزته سيطرة أطراف متعددة على واقع المجتمع والدولة في المشرق، لكنه في المقابل واجه أزمة "الدولة الحديثة" بنوع من الحيرة التي حاول التعامل معها بالتوفيق بين المفاهيم الأصيلة والحديثة في تدبير سياساتها، فنجده في كتابه "طبائع الاستبداد" الذي يعد معلم مشروعه الفكري الإصلاحي، وبعد أن تجاوز مرحلة "أم القرى" يتحدث مثلا عن "الشورى الدستورية" و"الاتحاد الوطني"….
إذا نظرنا إلى تطور هذه الأفكار في السياق التاريخي، يبدو الأمر فعلا كما لو أننا لا نزال نعيش مرحلة تحرر وطني تستلهم قيم "الإسلام المقاوم" للتدخل الأجنبي وتقييد الإرادة الذاتية للأمة وحراسة تخلفها وتجزئتها، وبالتالي فإن الدعوة إلى الوحدة الإسلامية أو إعادة بناء النظام السياسي للدولة المسلمة الحديثة على أسس العدالة والحرية والشورى… كلها أفكار لازالت تحظى بالراهنية في واقع مجتمعاتنا المسلمة إلى اليوم.
الفهم "النصي" الجامد
حول مواجهة الفهم "النصي" الجامد الذي يعانيه الإسلام من قبل علمائه ومفكريه أنفسهم، يشير رضوان السيّد إلى أن الفهم النصي بمنظور الحركات الإسلامية من جانب ضعف قدراتها على التنظير، وضمور طاقاتها الإبداعية في مجالات الفكر والاجتهاد، والذي أدى إلى تبلور مقولات "ما بعد الإسلاموية" أو ما بعد الحركات الإسلامية، يعبر عن واقع تعرفه هذه الحركات.
لكنه في تقديري ليس خاصا بها فهو تجل من تجليات نهاية "المقولات الكبرى" في مجال التغيير المجتمعي والحضاري، التي تعرفها أكثر المدارس الاجتماعية والسياسية الراهنة، لكنه من جهة ثانية يرتبط بعلاقة الحركات الإسلامية بواقع يتحرك باستمرار، وقدراتها على قراءته بدأب والتعامل معه بمرونة ودقة.
أرى أنه إن كان لنا أن نتحدث عن فكرة إصلاحية جديدة، وفهم جديد للنص الأسلامي تتجاوز النظرة الذاتية، فإنه ينبغي أن ننطلق من "تفاكر" عميق ونقاش شامل ومستوعب لما يمكن أن نسميه مصادر "الإصلاحية الشاملة" في عصرنا، وليس لذلك علاقة بإعادة النظر في المرجعية العامة بل بمصادر التلقي في منظومة التفكير، والروافد المغذية لهذه المنظومة، ومن ثم علاقتها بمعطيات الواقع، والقراءات المتعددة له بما فيها تلك المخالفة. بما يتيح إنتاج أقرب صورة ممكنة عن الواقع وإشكالاته وقضاياه، وليس صورة هي محصلة قراءة خاصة له.
نموذج الدولة
ماهو نموذج الدولة البديل فيما بعد الربيع العربي، وماهي القيم التي لابد أن يحملها هذا النموذج حتى يتناسب مع مرحلة ما بعد الربيع، والآليات التي يمكن من خلالها ترويض الدولة، وتقييد سلطتها، وتفكيك استبدادها؟
عن هذا التساؤل يقول المفكر اللبناني: كما أرى، هناك نوع جديد من الثورات، لأن القيادة هنا هي لاوعي المجتمع. وهي أقرب شبها بالثورة المفاجئة "اللاواعية" للشخص نتيجة لحدوث شيء بسيط ولكنه فجر العواطف المكبوتة في اللاوعي.
والاختلاف هنا واضح بين الحالات (تونس، مصر وقريبا سوريا) التي هي "أيديولوجية" بطبيعتها (بما في ذلك الثورة الإيرانية لأنها اعتمدت على طبقة رجال الدين وأيديولوجية ولاية الفقيه) وبين الحالة العربية. فالثورة المرتكزة على الأيديولوجية تعكس الفكر الغربي "العقلاني" الواعي والذي يجب أن يتبلور أولا في فكرة أيديولوجية (قومية، طبقية، اقتصادية، الخ) ثم بعد ذلك في الحامل الاجتماعي لهذه الفكرة (جيش نظامي، تكتل نخبوي، طبقة اجتماعية، الخ).
وذلك على خلاف الحالة العربية التي لم ترتكز على فكر أيديولوجي وبالتالي لم تعتمد على حامل اجتماعي لهذا الفكر. وبهذا المعنى تكون قد تجاوزت المفاهيم التقليدية الغربية الخاصة بالثورات.
ويضيف "يجب أن نتجنب هنا "الحتمية التاريخية" فليست هناك حتمية في أن تنتج هذه الثورات شيئا معينا. وإنما هناك واجب على النخبة المثقفة في إدراك مغزى التحرك المجتمعي الكلي غير المؤدلج وغير المنظر من أجل الارتكاز عليه لإنجاز ما نأمله من دخول مرحلة جديدة من مراحل النهضة العربية.
فهذه الثورات تعطينا فقط الشروط أو الأرضية المناسبة التي تسمح لنا بتحقيق أهدافنا. ولكن دون الاستعداد لبذل جهد كبير والوعي بأهمية هذه المرحلة الجديدة من قبل المثقفين لن نصل إلى شيء، فكما يقول الأميركيون "ليس هناك غذاء مجاني".
المطلوب هو البناء، الانتقال من مرحلة نقد الذات ونقد الآخر إلى بناء تصورات موضوعية جديدة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية التجريبية تعبر عن مشاركتنا الفاعلة في الفكر الإنساني المعاصر. لذلك لا يجوز أن نطرح فكرا عربيا منقطعا ومستقلا عن الفكر الإنساني، وإنما يجب أن نطرحه في حالة تفاعل مع الأدبيات العالمية. ليس هناك فكر عربي أو إسلامي وفقط، وإنما هناك فكر إنساني يهم الإنسانية جمعاء يتم بواسطة عرب أو مسلمين. هذا هو التحدي الكبير الذي تطرحه علينا كمثقفين هذه الثورات الرائعة