mardi 22 décembre 2015

محمد شحرور :الكتاب والقرآن – قراءة معاصرة محمد شحرور ...الكتاب والقرآن


 
 




 
 
 
 
 القرآن (النبوة) هو الموضوعي وأم الكتاب (الرسالة) هو الذاتي  
2
 – أم الكتاب هي رسالة محمد (ص) وقد جاء القرآن تصديقاً لها  


الكتاب والقرآن – قراءة معاصرة محمد شحرور

 محمد شحرور   :الكتاب والقرآن – قراءة معاصرة محمد شحرور  ...الكتاب والقرآن



الفرع الثاني: الفرقان أو الوصايا العشر (الأخلاق)

الفرقان هوا لتقوى الاجتماعية، وهو الأخلاق المشتركة في الأديان السماوية الثلاثة لذا فرقها الله لوحدها وسماها “الفرقان”. وعلى المسلم أن يتعامل مع المسلم وغير المسلم على هذا الأساس لا على أسا التقوى الفردية والتي تعتبر العبادات من ضمنها، وهو الصراط المستقيم بالنسبة لموسى، والحكمة بالنسبة لعيسى، وهو مع الحدود يشكل الصراط المستقيم بالنسبة لمحمد صلى الله عليه وسلم.
“التعاليم اليهودية + التعاليم المسيحية + التعاليم الإسلامية” القاسم المشترك فيها = الفرقان.
ويجب أن نميز بين نوعين من الفرقان: الأول: الفرقان العام، والثاني الفرقان الخاص. حيث أن الفرقان العام هو الحد الأدنى من التعاليم الأخلاقية الملزمة لكل الناس، وهو القاسم المشترك بين الأديان، وفيها تتحقق التقوى الاجتماعية. كما أن هناك فرقانا خاصا جاء لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو فقط للذين حققوا التقوى الاجتماعية بحدها الأدنى “أي الفرقان العام” ويريدون زيادة في ذلك، أي يريدون أن يكونوا أئمة للمتقين.
وقد ذكر الفرقان الخاص في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم} (الأنفال 29). هنا نلاحظ أن الفرقان الخاص جاء منكرا في هذه الآية حيث تم تحديد بنود هذا الفرقان الخاص بمحمد صلى الله عليه وسلم في سورة الفرقان من الآية 63 إلى الآية 76.
أولاً – الفرقان العام:
لقد جاء الفرقان العام مختصرا في سورة الأنعام في الآيات التالية:
  • {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون} (الأنعام 151).
  • {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون} (الأنعام 152).
  • {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلك وصاكم به لعلكم تتقون} (الأنعام 153).
وقد جاء الفرقان مشروحا في سورة الإسراء “سورة مكية”.
هذه الوصايا العشر هي الأخلاق وهي رأس التقوى الاجتماعية، لنشرحها الآن بالتفصيل، كل وصية على حدة:
– الوصية الأولى:
{ألا تشركوا به شيئا}: هنا قال لا تشركوا به شيئا ولم يقل لا تكفروا به شيئا فما الفرق بين الشرك والكفر؟
– الشرك والكفر:
الشرك جاءت من “شرك” ولها في اللسان العربي أصل واحد وهو جعل شيء ندا لشيء ومكافئا له، ومنه جاءت الشركة والشراكة كقوله تعالى: {وأشركه في أمري} (طه 32). وقوله تعالى: {فهم شركاء في الثلث} (النساء 12). فالله سبحانه وتعالى له أسماء حسنى. فمن أسمائه الحسنى “الباقي” أما غير الله فهو دائم. وقد شرحت معنى الديمومة في وحدة التقطع والاستمرار. فالدائم هو دائم التغير في حركة تقطع واستمرار على محور هو الزمن. فالعرب قبل الإسلام كانوا مشركين ولم يكونوا كافرين، والكون متغير متحرك دائما ولا يوجد أي ثبات في هذا الكون.
أما الله سبحانه وتعالى فهو ثابت لذا فعندما عبد العرب الأصنام ثبتوا صفة الهية للحجارة وهي الثبات. طبعا هذا التثبيت كان تصورا باطلا في أذهانهم، ومن هذا المنطلق كان للشرك مظاهر كثيرة جدا في تثبيت الظواهر الطبيعية والاجتماعية ووضع صفة الأبدية لظاهرة ما وخاصة لهذا الكون الحالي، وعدم الأخذ بعين الاعتبار ظاهرة التطور، وأن التسبيح “الجدل الداخلي” هو شكل الوجود المادي الحالي حيث أن الشرك له مظهر خاص به يتجلى في الطاعة والالتزام كقوله تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} (الأنعام 121). فللشرك نوعان:
1 – الشرك الظاهر “شرك الألوهية”: كعبادة الأصنام ومظاهر الطبيعة وعبادة الفرد “التأليه” وعبادة الهوى وتثبيت التشريع وشكل الدولة حيث أن التشريع متطور دائما “حنيف” ضمن حدود الله {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} (الجاثية 23)، والاعتقاد أن الأموات لهم صفة المساعدة والعطاء كزيارة قبور ما يسمى بالأولياء وتقديم النذور لهم. ففي هذا قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} (النساء 48).
2 – الشرك الخفي “شرك الربوبية”: وهو تثبيت مظاهر الطبيعة وحركة التاريخ عند مرحلة معينة والاعتقاد بثبات الأشياء والظواهر الاجتماعية أي جعل الطبيعة والظواهر الاجتماعية متكافئة مع الله في البقاء، وهذا النوع يقع به كثير من الناس وفي هذا بين الله تعالى هذا النوع من الشرك بقوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله غلا وهم مشركون} (يوسف 106). وقول النبي صلى الله عليه وسلم إن صح “اتقوا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل”.
فالعرب قبل الإسلام كانوا واقعين في نوعين من الشرك الظاهر والخفي. أما الظاهر فقد تجلى بالوثنية. وأما الخفي فقد تجلى بالثبات على الوضع القبلي العشائري وعدما لتطور والتقدم. كل هذا حصل وهم لا يقولون بأنهم مشركون حيث أن الشرك لا يحتاج من صاحبه أن يعلن عنه لأنه لسان حال، لا لسان مقال.
لنبين الآن كيف ربط الله سبحانه وتعالى الشرك بالثبات والتوحيد بالتطور. لقد أعلمنا الله سبحانه وتعالى أن الأمثال في الكتاب كلها قرآن، وفي كل مثل من أمثال القرآن يعطينا الله قانونا موضوعيا بقوله: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} (الزمر 27، الروم 58). وقد بين لنا أن أمثال القرآن لا يعقلها إلا العلماء وذلك بقوله: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} (العنكبوت 43).
فقد ضرب لنا مثلا على الشرك في سورة الكهف بقوله: {واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا} (الكهف 32)، {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا} (الكهف 33)، {وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا} (الكهف34)، {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا} (الكهف 35)، {وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها مقلبا} (الكهف 36)، {قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا} (الكهف 37)، {لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا} (الكهف 38).
هنا نلاحظ في هذا المثل ومن هذه المحاورة الرمزية بين رجلين أحدهما كان له وضع نموذجي من شجر وزراعة ومياه وغلة، والآخر لم يكن له ذلك فكان موقف الأول هو أنه ظن أن هذا الوضع يحمل صفة البقاء والأبدية لذا قال: {ما أظن أن تبيد هذه أبدا} (الكهف 35). ولكن هذا الموقف يؤدي مباشرة إلى نكران الساعة واليوم الآخر حيث أن الساعة والصور هما تغير كامل في صيرورة الكون ينشأ على أنقاضه خلق “تصميم” جديد للكون لذا أتبعها بقوله: {وما أظن الساعة قائمة} (الكهف 36).
أي أصبحت الساعة ليس لها معنى، أو أنها أصبحت أمرا احتماليا مشكوكا فيه بقوله: {ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا} (الكهف 36). هذه الأطروحة باحتمالية الساعة موجودة الآن عند كثير من الناس بقولهم، إننا نؤمن بالساعة واليوم الآخر فإذ كان هناك ساعة ويوم آخر فنحن الرابحون، وإذا لم يكن هناك ساعة ويوم آخر فلا نخسر شيئا.
زعم المنجم والطبيب كلاهما أن لا معـاد فقلت ذاك إليكمـا
إن صح زعمكما فلست بنادم أو صح زعمي فالوبال عليكما
إن هذا مما لا يصح لمسلم ن يقع فيه لأن الساعة والصور واليوم الآخر هي كلمات الله، والمسلم على ثقة ويقين بحدوثها كثقته ويقينه بوجوده هو في هذه الحياة الدنيا وثقته بوجود هذا العالم المحيط به من شمس وقمر ونجوم ومجرات.
فعندما رد عليه صاحبه رد عليه بموقفين: الأول اتهمه بالكفر بقوله: {قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا} (الكهف 37). فكان هذا الموقف هو موقف كفر حيث أنه غطى وتجاهل قانون التطور وتغير الصيرورة مع علمه بأن هذا القانون موجود موضوعيا: {خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا}. أما الاتهام الثاني فهو الشرك بقوله: {لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا} (الكهف 42). فكان هذا الموقف هو موقف شرك بالربوبية بقوله: {ولا أشرك بربي أحدا}.
لأن من يؤمن بثبات الأشياء والمجتمعات وعدم التغير الدائم في صيرورتها فموقفه موقف مشرك بربوبية الله وناكر لقانون تسبيح الأشياء لله، أما من يؤمن بثبات الوثنية وعبادة الفرد من ولي أو زعيم فهو شرك بالألوهية لأن الشرك بالألوهية يتولد عنه طاعة والشرك بالربوبية يتولد عنه قناعة ونظرة إلى الكون ومن باب توحيد الربوبية قال: {قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء} (الأنعام 164). وقوله: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك} (الإسراء 111).
هذا ما يجب أن ينتبه إليه الإنسان المسلم بأنه لا يوجد أي ثبات في الأشياء والمجتمعات والصناعات والاختراعات والأفكار إلا ما جاء من عند الله في الحدود وكل شيء متحرك متغير الصيرورة يسبح الله، وأن الثوابت لا تأتي إلا من الله. فكل الطاعات لغير الله نسبية مرحلية ولكي يخلصنا الله من هذه الأزمة وهي طاعة المطلق وضع لنا العبادات التي هي صلة العبد مع المطلق وهي ثابتة لذا نوقل لا يعبد الله إلا بما شرعه هو لنا لأننا نحن نسبيون، هذا الثبات المستقيم في العبادة والأخلاق والحدود لكي يمارس الإنسان فطرته الحنيفية من خلالها، فالشرك بتعريفه العام “هو الثبات في هذا الكون المتحرك” إنكار لقانون التسبيح ووقوف ضد التطور، وهذا شرك الربوبية، وتثبيت لتشريع غير الله وهذا شرك الألوهية كتثبيت مذهب أو مذاهب فقهية معينة وعدم تطوير التشريع بشكل عام لكي يتناسب مع الشروط الموضوعية المتطورة دائما.
فشرك الربوبية هو من الشرك الخفي وشرك الألوهية هو من اشرك الظاهر وهذا ما لا يسامحنا الله عليه.
من هذا المنطلق ربط لنا الشرك الظاهر والخفي بالظلم بقوله: {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه} (الكهف 35). وقوله: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} (لقمان 13). وربط الشرك الظاهر لاتباع الذين يدعون الطاعة المطلقة بقوله: {أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات} (الأحقاف 4). فكيف ربط الشرك بالظلم، والظلم في اللسان العربي يعني “وضع الشيء في غير محله عن غير قصد أو عنوة” فسكونية الفكر والفقه والتفسير هي من أول مظاهر الشرك الخفي عند العرب حيث أنهم أعطوا الموروث صفة المطلق وأكبر مظاهر الشرك قاطبة هو سكونية الفكر (static state of mind) فالتخلف شرك والتقدم توحيد.
أي أن الإنسان المسلم حتى يبتعد عن الشرك فعليه أن ينكر ظاهرة الثبات في الأشياء وفي المجتمعات وفي القوانين التشريعية ويجب أن يؤمن أن كل شيء متحرك ما عدا العبادات والحدود في شكلها ومحتواها والأخلاق في محتواها التي تشكل الصراط المستقيم “الثابت”. وأن أي ظاهرة أو قانون يعيق التطور والتقدم فعلى المسلم أن يكافحهما بشدة ويحنف عنهما، فلا ثوابت في المجتمعات وفي الدول وفي القانون وفي السياسة لأنه حين نثبت فإننا نقع في الشرك ولاظلم. فمثلا إذا كان هناك قانون صدر منذ مئة سنة ومازال ساري المفعول إلى اليوم، واختلفت الشروط الموضوعية لتطبيقه وهو ساري المفعول فهذا شرك وفيه منتهى الظلم… وقس على هذا.
لهذه فإنه لا ثوابت في شعاراتنا الإسلامية إلا “لا إله إلا الله، محمد رسول الله” حيث لا يوجد شعار مختصر مفيد جامع مانع كهذا الشعار الذي يدمج كل قوانين التطور والتقدم والعدالة في جملة واحدة فلا قوالب جاهزة إلا هذا الشعار وهذا ما يجب أن تسعى إليه أي دولة عربية إسلامية في دستورها حيث يجب أن تنص أول مادة في الدستور على ما يلي:
كل القوانين التي تصدر في الدولة يعاد النظر فيها كل سبع سنوات “مثلا” بحيث إذا لم تصدر مرة أخرى معدلة أو بدون تعديل ولم يعد النظر فيها تصبح غير نافذة المفعول على شرط أن تكون هذه التشريعات ضمن حدود الله.
إن نصا من هذا النوع في دستور الدولة العربية الإسلامية يدل على مصداقية عقيدة التوحيد عندها ويجعل المشرعين والقانونيين في حالة عمل دائم دون كسل وخيبة، وفي الوقت نفسه تصبح الأحزاب والمنظمات الشعبية والنقابية والصحافة ذات فعالية كبيرة، فمن خلال مؤتمراتها وصحفها تدعو إلى تعديل القوانين لأنها قانعة ومتأكدة بأن دستور دولتها ينص على إعادة النظر بالقوانين وإلا فإنها ستفقد مفعولها. هذه المادة هي لتفادي الشرك الخفي.
أما المادة المخصصة لتفادي الشرك الظاهر “شرك الألوهية” فهي:
أ‌ – لا يوجد في الدولة العربية الإسلامية طاعة مطلقة ولا حكم مطلق ولا بقاء أو استمرارية، وكل واحد يسمع منه ويرد عليه، وإن الطاعة المطلقة هي لحدود الله، والطاعة النسبية هي للقوانين المتحركة المتبدلة دائما ضمن الحدود، وإن حرية الفكر هي من أقدس المقدسات في هذه الدولة.
ب‌ – إن الدولة العربية الإسلامية مبنية على البينات المادية الموضوعية، لذا فإن منهج التفكير الموضوعي والبحث العلمي والتطور والتصور المبني على التصديق، لا التصديق المبني على التصور هو الذي يحدد خط سير الدولة، والالتزام بهذا المنهج هو الذي يحدد مصداقية الناس في هذه الدولة بغض النظر عن الحسب والنسب وموقع المسؤولية الذي يشغله أي شخص.
هاتان السمتان هما اللتان تحددان بنية الدولة العربية الإسلامية بغض النظر عن البنية الاقتصادية التاريخية لأنهما صالحتان لكل البنى الاقتصادية.
لقد عرفنا الشرك بكل جوانبه الظاهرة والخفية. فما هو الكفر؟ هل يمكن أن يكون كل مشرك كافر؟ أو كل كافر مشرك؟
جاء لفظ الكفر من “كفر” وهذا الفعل يعني في اللسان العربي “التغطية والستر ونكران الموجود “الحقيقة” عن سابق معرفة أو جهل” ومنه جاء اسم “الكفر” وهي القرى المغطاة بثنايا الجبال، وجاء اسم الكفر للمناطق الزراعية النائية.
فجاء فعل “كفر” في المعنى اللغوي المادي المباشر في قوله تعالى: {كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا} (الحديد 20). هنا جاءت “الكفار” بمعنى الناس الذين يعملون في الزراعة حيث أنهم يحفرون الأرض ويضعون البذار ثم يغطونه ويسترونه.
وجاء أيضا من كفر معنى التكفير والكفارة والكفران وهو التغطية عن سابق معرفة لقوله تعالى: {لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار} (آل عمران 195). وقوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم} (العنكبوت 7) هنا نكفر أي نغطي ونستر عن سابق معرفة وهو ما نسميه اليوم التغاضي عن سابق معرفة. أما الكفارة فهي عمل لستر الذنب كقوله تعالى: {أو كفارة طعام مساكين} (المائدة 95). وعندما أخبر بأن الله لا يغطي ولا يستر للناس أعمالهم الصالحة قال: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} (الأنبياء 94).
إن الكفر بمعناه العقائدي هو تغطية وستر للحقيقة عن جهل وتجاهل ويعبر عن هذا الموقف بلسان مقال لا بلسان حال. فالعرب قبل الإسلام كانوا مشركين شرك ربوبية فكان الشرك لسان حال حياتهم وسلوكهم دون أن يقولوا ويعلنوا أنهم مشركون بل على العكس كانوا يعلنون بقولهم: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله} (العنكبوت 61). وكان محمد صلى الله عليه وسلم منهم ولكنه رفض الواقع الذي كانوا يعيشون فيه ولكنه لم يعلم ما هو البديل، أي أنه رفض الواقع المشرك دون معرفة البديل، هذا قبل الإسلام.
وعندما جاءه الوحي أعطاه البديل لذا قال تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم ووضعه قبل الإسلام {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} (يوسف 3). وقوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا ن أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان… الآية} (الشورى 52). لذا فإن ظاهرة الرفض في أي مجتمع هي ظاهرة تسبق تقديم البديل وهذه الظاهرة هي من الإرهاصات الصحية لأي ثورة أو حركة إصلاحية.
وعندما بعث محمد صلى الله عليه وسلم انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام:
  1. قسم آمن به “المؤمنون”.
  2. قسم لم يؤمن به ولم يقف ضده فبقوا مشركين.
  3. قسم لم يؤمن ووقف ضده في مواقف علنية عدائية فهؤلاء بالإضافة إلى شركهم أصبحوا كافرين.
هنا يجب أن نفهم تماما معنى الكفر الذي هو لسان مقال وموقف أما الشرك فلسان حال قناعة وطاعة.
وهكذا نلاحظ كيف وصف القرآن الناس الذين وقفوا ضد دعوة الأنبياء بقوله:
  • {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} (الأحقاف 3). لاحظ قوله {معرضون}.
  • {وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا} (العنكبوت 12). لاحظ قوله: {قال الذين كفروا}.
  • {ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون} (الروم 58). لاحظ قوله: {ليقولن}.
  • {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد} (سبأ 7). لاحظ “قال”.
  • {وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن} (سبأ 31).
  • {قال الذين كفروا للذين آمنوا} (يس 47).
  • {فكفروا به فسوف يعلمون} (الصافات 170).
  • {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا} (هود 27).
  • {إلا إن عاداً كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود} (هود 60).
لذا قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} (التوبة 73، التحريم 9).
  • {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} (النساء 136).
وعلى هذا فإن منكري الله ورسله واليوم الآخر لا نقول عنهم ملحدين بل هم كفار. ثم لاحظ موقف الكفر كيف جاء بصراحة كبيرة على أنه لسان مقال وموقف بقوله: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} (المائدة 17-72)، {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثلاث ثلاثة} (المائدة 73).
ولاحظ موقف الذي آتاه الله الملك مع إبراهيم بقوله {أنا أحي وأميت} فقال له إبراهيم: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب}. فكان الجواب {فبهت الذي كفر} (البقرة 258).
وليبين أن الشرك لسان حال وهو غير الكفر بينه بقوله: {ولا تكونن من المشركين} (يونس 105)، {ووما أنا من المشركين} (يوسف 108)، {ولم يك من المشركين} (النحل 120)، {وما كان من المشركين} (النحل 123). وقد أورد الشرك والكفر في آية واحدة ولكل لفظ منهما معناه الخاص بقوله: {قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين} (غافر 84).
هنا “كفرنا” أي اتخذنا موقفا علنيا “قالوا” واضحا ضد كل مظاهر الشرك، وقوله: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله} (آل عمران 151).
وأما من حيث القتال فقد أمر الله بقتال المشركين عندما يقاتلون المؤمنين بقوله: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} (التوبة 36). أما الكفار فقد نصح بأشد من ذلك بقوله: {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} (التوبة 73، التحريم 9).
وهكذا فإننا لا نرى في الكتاب كله إلا آية واحدة تقول: {وقال الذين أشركوا} (النحل 35). لأنه دائما يعطي الشرك كلسان حال وقناعة. وآية واحدة تتحدث عن المستقبل وهي: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} (الأنعام 148). إن هذه الآية في معناها المعاصر وتطبيقها الحالي هي:
  1. تعيش أمة من الأمم في وضع سكوني متخلف “شرك خفي” قانوني ومعرفي.
  2. هذه الأمة لا يوجد عندها قوانين متطورة أي أنها تطيع قوانينها البالية القديمة أي قوانين مطلقة “شرك ظاهر”.
  3. وحرم مشرعو هذه الأمة كثيرا مما أحل الله تحريما دائما غير ظرفي.
هذه الحال تنطبق على المسلمين تماما فالفقهاء المسلمون السابقون حرموا كثيرا مما أحل الله “انظر مبحث المرأة في الإسلام” لذا قال: {ولا حرمنا من شيء} (الأنعام 148). فإذا قلنا للفقهاء الحاليين غيروا هذا الفقه فسيرفضون ذلك لذا قال: {هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} (الأنعام 148). فإذا قلنا لهم ذلك فسخرجون لنا بالآراء التي كتبت في القرنين الثاني والثالث الهجري وسيبتعدون عن آيات الكتاب لذا أجابهم: {إن تتبعون إلا الظن}. فالكتاب لا ريب فيه والباقي فيه ريب فيصبح ظنا هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى عندما قال: {سيقول الذين أشركوا} (الأنعام 148).
هذا يعني أنهم لم يقولوا بعد من ناحية، ومن ناحية أخرى سؤال استفهامي وليس موقف إنكار بعد. فعندما أتاهم الجواب واتخذوا بعد ذلك موقفا مضادا أصبحوا كافرين.
أما قوله تعالى: {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا مندون من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} (النحل 35). نرى أن هذه الآية هي جواب للآية 148 من سورة الأنعام حيث بدأت بقوله: {سيقول الذين أشركوا}. فجاءت هذه الآية جوابا لها. وقد أكد فيها أنه لا محرمات من عند الله غلا ما جاء في الرسالة “الحدود” فقط. فعلينا أن لا نعبث بكلمة حرام فهي كلمة كبيرة جداً.
– الوصية الثانية “وبالوالدين إحسانا”:
لقد وضع الله بعد الشرك بالله هذه الوصية، وذلك لسببين:
1 – إن أساس الحياة هو التكاثر والتباعد والانفصال والانتشار، فإذا نظرنا إلى الحياة النباتية نرى أن الشجرة ترعى بذورها حتى تنضج ثم تنفصل البذرة من الثمرة الأم لتكون شجرة بنفسها وقد تشارك هذه البذرة بعد الانفصال الشجرة الأم في غذائها. وغذا نظرا إلى الحياة الحيوانية رأينا أن الوالدين يرعيان أطفالهما بتقديم الطعام لهم والدفاع عنهم حتى سن معينة ثم ينفصل الأولاد عن الأبوين انفصالا كاملا، وقد يتناحر الأبناء مع الآباء على الفريسة والطعام، وهذه هي سنة الله في خلقه حتى في الإنسان.
فالإنسان وهو طفل كائن بشري يسلك سلوكا حيوانيا وأبواه ومجتمعه يعلمانه، والأم والأب يرعيان الأولاد ثم يكبر الأولاد وينفصلون عنهما وقد يهاجرون إلى مكان آخر بعيد ابتغاء العلم والعمل والرزق. فقد أمرنا الله من الناحية الإنسانية لا من الناحية البشرية أن نحسن لآبائنا وألا ننساهم كما تنسى البهائم والديها ونرعاهم ولا نقول لهم إلا قولا حسنا: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} (الإسراء 23).
لم يوص الله الآباء بأولادهم لأن حرص الأبوين على الأبناء ليس من الوصايا الإنسانية وإنما هو من الغرائز البشرية حيث قال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناعلى وهن وفاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} (لقمان 14)، {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ..الآية} (الأحقاف 15).
أي أن عيد الميلاد الثاني للطفل عند المسلمين هو عيد هام جدا، إذ أنه مرحلة بداية الاعتماد على النفس “الفصال”. هنا ذكر الفصال في عامين وذكر الحمل والفصال في ثلاثين شهرا، فأورد الحد الأدنى للحمل وهو إتمام ستة اشهر والدخول في الشهر السابع.
2- إن أساس الحياة الإنسانية هو التقدم والتطور وزيادة المعارف، فالأبوان يعطيان الأولاد معارفهم وخبراتهم المتراكمة، فيأخذا لأولاد هذه الخبرة والمعارف ليزيدوا عليها ويطوروها وهنا تحصل المأساة والمصادمة بين الآباء والأبناء بصراع متصالح هو صراع الأجيال. فالأب ولاأم ينتميان إلى جيل، والأولاد ينتمون إلى جيل آخر، والأب والأم يحاولان جاهدين أن يلزما الأولاد بطريقة المعاش والأعراف والتفكير التي كانت سائدة عندما كانوا شبابا، والأولاد يرفضون هذه الطريقة، ولو أطاع الأولاد الوالدين في هذه المشكلة لوقف تطور الإنسانية عند حد معين ورجعناإلى المملكة الحيوانية حيث أن الأبناء في المملكة الحيوانية يقلدون الآباء تقليدا طبق الأصل تماما.
وقد حسم الله سبحانه وتعالى هذا الموقف لصالح التطور والتقدم ولم يعتبره عقوقا للوالدين بقوله: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبكم بما كنتم تعملون} (العنكبوت8)، {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} (لقمان 15). لقد جاء هذا الحسم في الآيتين العنكبوت (ولقمان 15). وفي كلتا الآيتين جاء فعل “جاهداك”. فهنا الجهاد لا يعني الأمر أو الطلب وإنما هو أكثر من ذلك فالجهاد عملية مستمرة يومية يبذل فيها جهد. ولكنه مرة قال: {لتشرك بي ما ليس لك به علم} والمرة الثانية: {على أن تشرك بي ما ليس لك به علم}.
ففي الحالة الأولى جاء خبر صراع الأجيال كأن يقول الوالدان كنا نلبس هكذا وكنا نفعل هكذا وكانت معلوماتنا عن الطبيعة هكذا ي المستوى المعرفي القديم ويطلبان من الأبناء التقيد بذلك “شرك ربوبية” لذا قال “فلا تطعهما” وحسمت لصالح الأبناء. وفي الحال الثانية يجاهد الوالدان الأولاد على ثبات الطاعة المطلقة لهما أي إشراك أوامرهم بحدود الله بدون أي مجال للاختيار والتصرف “شرك ظاهر” ويضعانها شرطا للغضب والرضا فهنا أيضا حسمت لصالح الأبناء بقوله: {فلا تطعهما} ثم أضاف على ذلك: {وصاحبهما في الدنيا معروفا} (لقمان 15).
أي على الأولاد أن يتبعوا الأعراف السائدة في محاولة الطاعة الوالدين وأن يحسنوا إليهما وأن لا يقولوا لهما أف ولا أن يطردوهما “ولا تنهرهما” ولكن على الأبناء أن يكونوا أذكياء، عندهم حلم وكياسة في معالجة القضية لذا فقد حسم سبحانه وتعالى قضية صراع الأجيال لصلاح الأبناء من ناحية التطور والتقدم في الأعراف وطرق المعاش واللم وحسمها لصالح الآباء من الناحية الأخلاقية، وفي هاتين الناحيتين يوجد تمييز عن الحيوان، أي أن الإنسان يجب عليه أن يتطور ويتقدم ولا يكون صورة طبق الأصل لوالديه وعليه أيضا أن يحمل قيما أخلاقية تجاه والديه. وهاتان الناحيتان مفقودتان في المملكة الحيوانية.
– الوصية الثالثة والخامسة:
3- {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم}.
5- {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}.
لا تفهم الوصية الثالثة إلا إذا ربطت وقورنت مع الوصية الخامسة حيث أن كلتيهما تبدأ بأمره تعالى: {ولا تقتلوا}.
ففي الوصية الثالثة جاءت {ولا تقتلوا أولادكم} والولد هو الذكر والأنثى، فالسؤال الأول الذي يطرح نفسه الآن: أليس الولد نفسا؟ لماذا لم يدمج الوصية الثالثة مع الوصية الخامسة؟
والسؤال الثاني هو أنه في الوصية الثالثة حدد الشروط التي حرم فيها قتل الولد وهي من إملاق أي إذا كانت الحالة ليست إملاق فيجوز قتل الولد. أما في الوصية الخامسة فجاءت النفس التي حرم الله، فهذا يعني بالضرورة يجوز قتل النفس التي لم يحرمها الله، ثم وضع شرطا آخر لقتل النفس التي حرمها الله وهو {إلا بالحق}. فهذا يعني أن هناك فرقا كبيرا جوهريا بين الوصية الثالثة والوصية الخامسة. فنشرح الوصية الخامسة وفي ضوء شرحها سنشرح الوصية الثالثة.
فالنفس جاءت من “نفس” ومنها جاءت النفوس والأنفس والنفس والتنفس. فكل كائن حي يتنفس ويأخذ الأوكسجين بطريقة ما حسب درجة تطوره إما بشكل مباشر بعد الولادة أو بشكل غير مباشر عن طريق دم الأم قبل الولادة بالنسبة للحيوانات العليا ومن ضمنها البشر. فالحيوانات كلها أنفس كائنات حية وكذلك الإنسان بوجوده الفيزيولوجي البشري فهو نفس، فنقول النفس البشرية حيث أن فيها جهاز تنفس. فقد أحل الله لنا قتل الأنفس غير البشرية بقوله: {قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح} (المائدة 4). وقوله: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة} (المائدة 96). وقوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} (المائدة 1)، {وأحلت لكم الأنعام غلا ما يتلى عليكم} (الحج 30).
وقد أحل لنا الله سبحانه وتعالى هذه الأنفس بالقتل وحرم علينا أن نأكلها ميتة بقوله: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} (الأنعام 145) هذه الأنفس التي أحل الله لنا قتلها ولم يحلل لنا أكل لحومها إلا بعد قتلها لذا قال: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله} (الأنعام 151).
فالنفس التي حرم الله قتلها هي النفس البشرية والنفس الإنسانية.
فالنفس البشرية هي الوجود الحي الفيزيولوجي أو هي الوجود الإنساني ككائن حي فقط والذي يفهم من قتلها هو انتقالها من الحياة إلى الموت عن طريق الشنق أو الذبح أو الجروح أو السم أو إطلاق النار عليها و الحرق.
أما النفس الثانية التي حرم الله قتلها وهي النفس الإنسانية
“بشر + روح = إنسان”
وهي أن يبقى الإنسان كائنا حيا كبشر ويموت كإنسان أي قتل كل الأحاسيس والمشاعر الخيرة والشريرة معا وتحويله إلى بهيمة أو آلة تماما. هذه النفس التي قال عنها الله: {ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها} (الشمس 7-8) فقتل النفس الإنسانية هو قتل هذه النفس المليئة بمشاعر الفجور والتقوى معا.
وتحويل الإنسان إلى بهيمة. هذه النفس التي تقل بالإرهاب والتعذيب والقمع والكذب والغش، لها حقوق أيضا. وقد انتبهت الإنسانية إلى هذه النفس بعد الحرب العالمية الثانية تحديدا حين صدرت عن الأمم المتحدة وثيق حقوق الإنسان “لا حقوق البشر” حث أن حق البشر هو الحياة والعناية بالصحة الجسدية وحق الإنسان هو الحرية والكرامة والعناية بالصحة النفسية، وإن الفجور والتقوى في علاقة جدلية هي النفس الإنسانية والترجيح بينهما لا يأتي إلا عن طريق التربية لذا قال: {قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها} (الشمس 9-10) لذا فإن عناية أي مجتمع بأفراده تتضمن العناية بالصحة الجسدية “البشر” والصحة النفسية “الإنسان”. هذه النفس البشرية والإنسانية لا يجوز قتلها إلا بالحق. أي يجب أن يقوم الإنسان بعمل يستحق عليه هذه العقوبة، وقد حدد الله هذا الحق قوله “النفس بالنفس” وقوله أيضا {إلا بالحق}. يعني أن الذي تريد قتله يجب أن يكون قاتلا تصديقا لا تصورا أي لا يمكن قتل النفس إلا بعد البينات المادية الموضوعية. أما قتل النفس الإنسانية فقد حرمه الله في كل الأحوال حتى مع المجرمين.
ويجب علينا نحن العرب المسلمين أن نكون واعين لهذه الناحية، لذا علينا أن نعلم ن المشافي والخبز والطعام والسكن ليست بديلا لحرية الإنسان وليست ثمنا لهذه الحرية حيث أن كل أمر منها يتمم الآخر ولا يعتبر بديلا لها. والحرية أيضا ليست بديلة للمشافي والطعام والخبز والسكن.
قد يقول قائل إن الإنسان يمكن أن يتنازل عن حريته مقابل الطعام والشراب والسكن، هذه الأطروحة هي أطروحة القمع والإرهاب. فإذا أخذت حرية الإنسان ولم تعطه الطعام والشراب والسكن، فكيف يمكن أن يطالب بها؟ إذا أخذت منه حريته وسلبته كل الأقنية التي مكن أن يطالب بها فيفقد بذلك طعامه وشرابه وحريته معا. ولكن العكس هو الأصح، فإذا أخذ الإنسان حريته من خلال الصحافة والمؤسسات الحرة والأحزاب دون أن يأخذ الخبز والسكن فتبقى عنده إمكانية المطالبة والحصول عليها حيث أن الحياة والحرية الإنسانية هي أغلى ما يملكه الإنسان ولا يمكن مقايضتها بأي شيء آخر.
وهنا يجب أن ننبه إلى ناحية في غاية الأهمية وهي تجاوز حدود الله في قتل النفس. ذلك أن الحد الأعلى لعقوبة قتلا لنفس هو الإعدام “النفس بالنفس” وقد شرحتها في مبحث الحدود. أي أن الذي يستحق الإعدام هو القاتل عن عمد وقصد ويجب أن تقام البينات المادية عليه لقوله {إلا بالحق}. فأي تجاوز منا لدولة في غير حالة الحرب لحدود الله في هذه الناحية يؤدي بالضرورة إلى شناعات تقشعر لها الأبدان وهي حملات القتل الجماعية، كأن تكال التهم غير المدعمة بأدلة مادية تحت شعار أعداء الشعب أو أعداء الثورة، وتحت هذه التهم يفتح باب الإعدام لملايين من الناس. وقد حصل هذا في ألمانيا النازية وروسيا الستالينية، حيث قتل الملايين دون إدانات مادية. بل لمجرد مواقف فكرية.
ولننتقل بعد هذا إلى الوصية الثالثة: لقد حرم الله قتل الولد في حالة واحدة وهي الإملاق فقال تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} (الأنعام 151). وقال: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا} (الإسراء 31).
ويبقى سؤال: هل هناك من الوالدين من يقتل ولده حيث أن هذه الوصي موجهة للوالدين؟ وهل إذا قتل الإنسان ولده فهو حر ولا يعاقب؟ أو ليس الولد نفسا وتنطبق عليه الوصية الخامسة؟ هنا لا يمكن تفريق هذه الوصية عن الوصية الخامسة إلا إذا كان الخطاب موجها لمشكلة تخص الوالدين فقط وحصرا.
وهذه المشكلة هي مشكلة الإجهاض، لأن الولد يصبح نفسا بعد الولادة فتنطبق عليه الوصية الخامسة ويحتاج إلى وصية خاصة وهي تحريم قتل الولد ذكرا كان أم أنثى وهو في رحم الأم وهو ما نسميه اليوم “بالإجهاض” لأن هذه المشكلة تخص الوالدين بشكل أساسي ثم المجتمع، فهنا لم يقل ولا تقتلوا أولادكم إلا بالحق بل قال: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق}. أي هذه هي الحالة التي حرم الله فيه الإجهاض. فالإملاق غير الفقر حيث جاءت من “ملق” وهو أصل في اللسان العربي يعني تنظيف الثوب ومسحه ومنها جاءت الممالقة وهي ما نسميه اليوم “تمسيح الجوخ” تعبيرا عن النفاق. فالإملاق هو نظافة الإنسان من المال وهو سبب اقتصادي بحت. فإذا أراد أحدهم أن يقتل ولده عن طريق الإجهاض بسبب عدم وجود قدرة مالي ليرعى الولد {من إملاق}. أو يخاف أن لا يوجد عنده مال ليرعى الولد {خشية إملاق}. إذا كان الإجهاض لهذا السبب فهو حرام.
وهناك كثير من الحالات الأخرى التي لا ينطبق عليها “من إملاق أو خشية إملاق” وعلى علماء الطب أن يحددوها متعاونين ويشرحوها للمسلمين على أنها حالات يعتبر الإجهاض فيها حلالا، أما بعد ولادة الطفل فمهما كانت الحال فعلى الإنسان المسلم أن يقبل ذلك ولا يقتل الولد لأنه أصبح نفسا، في هذه الحالة تنطبق عليه الوصية الخامس. وهذه مشكلة أخلاقية يعاني منها كل أطباء العالم في حالتين: حالة ولادة طفل مشوه والعناية به ومحاولة الإبقاء على حياته. وحالة المريض الذي يتعذب ولا أمل في شفائه.
هذه الوصية جاءت عن قتل الولد أي الإجهاض بعد الحمل. أما حالات منع الحمل أصلا فلا يسأل عنها أهي حلال أم حرام، أو هي عمل أخلاقي أم غير أخلاقي؟ لأنها حلال فهي عبارة عن إجراء فني بحت ولا يوجد فيه أية مخالفة للمنظومة الأخلاقية والتشريعية في الإسلام.
قد يقول البعض إن هذه الوصية جاءت لتحريم وأد البنات. أقول هذا غير صحيح لأن العرب كانت تئد البنات بعد الولادة. ووأد البنات يدخل تحت بند الوصية الخامسة هذا من ناحية. وأما الأولاد فهم الذكور والإناث معا. ثم إن هذه الوصايا جاءت لأهل الأرض قاطبة ولكل زمان ومكان. فهي ليست للعرب فقط وليست للقرن السابع الميلادي. فإذا أصر الفقهاء على هذا الرأي نقول: عليكم في هذه الحالة أن تعترفوا أولا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان رسولا للعرب فقط وليس للناس وعليكم أن تنسخوا آية: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} (الأعراف 158) لكي يكون رأيكم صحيحاً!.
– الوصية الرابعة:
4- {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} (الأنعام 151).
{إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن…الآية} (الأعراف 33).
هنا جاءت الفواحش بصيغة الجمع فهذا يعني أنه يوجد على الأقل ثلاثة أعمال مختلفة تعتبر كل منها فاحشة. لقد جاءت في الكتاب بكل الأمور التي حرمها الله وتتعلق بالعلاقات الجنسية حصرا والفاحشة اسم جنس للعلاقات الجنسية غير المشروعة. فمثلا السرقة وشرب الخمر والميسر ليست من الفواحش وإنما هي من الآثام جمع “إثم”.
فالعلاقات الجنسية المحرمة التي جاءت في الكتاب صراحة والتي سميت فواحش هي التالية:
1 – {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا} (النساء 22).
وهذا ما نسميه اليوم نكاح المحارم حتى ولو بعقد نكاح والتي وردت في الآية (22، 23) في سورة النساء وهي حالة الحد الأدنى في تحريم النكاح.
2 – {ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} (الأعراف 80).
{إنكم لتأتون الرجال شهوة من ون النساء بل أنتم قوم مسرفون} (الأعراف 81).
3- {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا} (الإسراء 32).
وعندما صرف الله سوء امرأة العزيز عن يوسف {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} (يوسف 24).
هنا نرى لماذا ذكر الفواحش بصيغة الجمع، ونرى أن للفاحشة نوعين: النوع الأول ذو منشا غريزي بحت وهو نكاح الذكر للأنثى، هذه الناحية موجودة عند كل مخلوقات رب العالمين الحية بما فيها الإنسان وهي عملية الجماع الغريزية وهي صفة بشرية بحتة لا مجال لنفيها والاستغناء عنها: {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} (النجم 45).
وقد أضاف الله سبحانه وتعالى للجماع الغريزي البشري صفة تعاقدية إنسانية بحتة لذا سمى العقد الذي يجامع بموجبه الذكر الأنثى “عقد نكاح” لا “عقد زواج” وهذا العقد ذو صيغة اجتماعية. فهذا العقد يقوم على أساسين أولهما تحريم نكاح المحارم الوارد في سورة النساء حتى ولو بعقد. ثانيهما تحريم الجماع الجنسي بين ذكر وأنثى من غير المحارم إلا بعقد. وهذا تمييز إنساني بحت عن المملكة الحيوانية فلا يوجد عند الحيوانات محارم ولا يوجد عقود نكاح. وقد وضع الله سبحانه وتعالى الجماع كحد أعلى للعلاقة بين الذكر والأنثى. أما أي علاقة بين ذكر وأنثى لا تنتهي بالجمع الجنسي فهي ليست من الفواحش وإنما ينظر إليها من باب الأعراف “الآداب العامة”. فالفرج هو الذي يصدق الفاحشة أو يكذبها.
أما الناحية الثانية فهي ليست غريزية وإنما جاءت من شهوة إنسانية واعية ومدركة ويمارسها الإنسان عن طريق التعليم الخاطئ أو عن طريق شروط موضوعية غير صحية وهو نكاح الذكر للذكر “اللواط” وهذا أحد أنواع الشذوذ الجنسي “النشوز” لذا قال لوط لقومه عن اللواط {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} (الأعراف 80) وسميت هذه العلاقة فاحشة.
أما قوله تعالى: {ما ظهر منها وما بطن} فلنأخذ ولا ما ظهر منها. الفاحشة الظاهرة هي المذكورة بشكل صريح وظاهر في الكتاب وهي الزنى واللواط ونكاح المحارم. يبقى الآن استفسار مهم وهو: ما هي الفواحش الباطنة؟ لقد أورد الله سبحانه وتعالى مثالا على الفاحشة الباطنة وهو عندما يمارس الرجل اللواط مع زوجه فهي أمام الناس زوجه وتزوجها حسب شريعة الله ورسوله فهي حل له وهو حل لها.
فإذا أراد الرجل أن يأتي زوجته لواطا لا من حيث أمره الله أن يأتيها من فرجها {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} (البقرة 222)، هذا النوع من اللواط يسمى فاحشة باطنة وهذا ما أسماه الله في سورة النساء النشوز الجنسي من الرجل بقوله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} (النساء 128) هذه الآية خاطبت المرأة التي تخاف من زوجها الفاحشة الباطنة. ففي هذه الحالة قد يطلب الزوج ممارسة اللواط مع زوجه فإذا امتنعت فيعرض عنها ولا يمارس الجنس معها من حيث أمره الله. وهنا تخاف الزوجة من هذه الفاحشة ويمكن أن تطلب الطلاق وتلجأ إلى الفضيحة، فهنا نصحها الله سبحانه وتعالى هي زوجها بقوله: {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير…} (النساء 128).
هذا القول هو الدليل القوي أن هذه الآية جاءت للشذوذ الجنسي لأنه قال: {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا}. لأنه متى يسمي الله الصلح بين الناس على أنه جنحة حيث قال عن الصلح في هذه الحالة بأنه ليس بجنحة. أي على المرأة أولاً لأنها هي المخاطب، والرجل ثانيا لأنه هو الناشز أن يصلحا بينهما بأن تعرضه على طبيب وتحاول إصلاح زوجها ما أمكن، على أن يكون الزوج إيجابيا معها لذا قال سبحانه: {وأحضرت الأنفس الشح} (النساء 128) والشح جاء من “شح” وتعني في اللسان العربي أن يحتفظ الإنسان بالمال والمغانم والإيجابيات كلها لنفسه دون الآخرين.
أي على المرأة أن لا تجعل من زوجها مهزأة وتحاول أن تحتفظ بكل شيء إيجابي لنفسها دون أن تذكر إيجابيات زوجها وكذلك الرجل لا يلقي بكل التبعة على زوجه بل عليهما التعاون وإصلاح ما بينهما وعدم اللجوء مباشرة إلى الطلاق وإلى الفضيحة. وإذا حصل الطلاق فيكون طلاقا صلحيا لا طلاقا عدائيا. وهناك نوع آخر من الفاحشة الباطنة وهو لواط الرجل مع أية امرأة غير زوجه من غير المحرمات بموافقتها.
هذه الوصايا الخمس التي جاءت في سورة الأنعام في آية واحدة هي الآية رقم (151) جاءت بصيغة أخرى أكثر تفصيلا في سورة الإسراء وبأكثر من آية وسماها الحكمة وهذه الآيات هي:
{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما} (الإسراء 23).
هنا نلاحظ كيف ربط التوحيد وعدم الشرك ببر الوالدين في آية واحدة، وقد شحرت هذا الربط في مبحث حول “وبالوالدين إحسانا” في هذه الآية جاءت الوصية الأولى والثانية.
{ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا} (الإسراء 31).
في هذه الآية جاءت الحالة الثانية من الوصية الثالثة وهي {خشية إملاق}. أي الخوف افتراضا من عدم إمكانية صرف المال لذا أضاف: {نحن نرزقهم وإياكم} (الإسراء 31). هنا وضع الأولاد قبل الوالدين. أما الحالة الأولى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم} (الأنعام 151). هنا وضع الوالدين قبل الأولاد، لأن الإملاق هنا موجود فعلا لا افتراضا.
وهنا نلاحظ التعليق المهم جدا في آخر الآية في قوله: {إن قتلهم كان خطئا كبيرا} (الإسراء 31). حيث وضع الإجهاض لسبب اقتصادي “من إملاق” على أساس أنه خطء كبير ولم يقل جريمة أو مجرمين ولم يضعه بمنزلة القتل المتعمد مع سابق الإصرار بقوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} (النساء 93). ونلاحظ دقة الصيغة الإلهية في الوصايا.
{ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا} (الإسراء 32).
هنا وضع إحدى حالات الوصية الرابعة.
{ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا} (الإسراء 33).
هنا وضع الوصية الخامسة وشرح معنى {إلا بالحق} وهو أنه عقوبة من يقتل إنسانا ظلما أي بدون ذنب اقترفه ويستحق عليه القتل “النفس بالنفس”. وكما شرحت أن الظلم هو وضع الشيء في غير محله عنوة أو عن غير قصد أي ظلم مقصود “القتل المتعمد” وظلم عن غير قصد “القتل الخطأ” وهنا نلاحظ أيضا كيف وضع القتل كحد أعلى للعقوبة لذا قال: {فلا يسرف في القتل} (الإسراء 33).
هنا وضع الوصية الخامسة وشرح معنى {إلا بالحق} وهو أنه عقوبة من يقتل إنسانا ظلما أي بدون ذنب اقترفه ويستحق عليه القتل “النفس بالنفس”. وكما شرحت أن الظلم هو وضع الشيء في غير محله عنوة أو عن غير قصد أي ظلم مقصود “القتل المتعمد” وظلم عن غير قصد “القتل الخطأ” وهنا نلاحظ أيضا كيف وضع القتل كحد أعلى للعقوبة لذا قال: {فلا يسرف في القتل} (الإسراء 33). وهذه الآية هي من آيات الحدود.
– الوصية السادسة:
6 – {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} (الأنعام 152).
اليتيم في اللسان العربي تطلق على فاقد الأب والقاصر بنفس الوقت. أما إذا كان فاقد الأم والأب فيصبح يتيم الأبوين. وإذا كان فاقد الأم فقط فهو يتيم الأم.
وفي حالة فقدان الأب والقصور، فإن اليتيم بحاجة إلى وصي من الناحية المالية والتربوية لذا جاءت الآيات التالية:
  • {وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا} (النساء 2).
  • {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا} (النساء 6).
لذا فإن الوصية السادسة موجهة إلى غير الآباء لأنه في حالة فقدان الأم فالأب هو الوصي حكما ولا تنطبق عليه هذه الوصية.
أما من ناحية المسؤولية المالية والمسؤولية التربوية معا فقد جاءت الآية:
  • {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا} (النساء 3).
انظر شرح هذه الآية وهي من حدود الله في مبحث المرأة في الإسلام.
– الوصية السابعة:
7- {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها} (الأنعام 152).
هذه الوصية تتعلق بالعلاقات الإنتاجية والعلاقات التعاقدية. فإذا نظرنا الآن إلى أية سلعة من البضائع المنتجة “سيارات، أدوية مأكولات، مشروبات، مواد بناء، أقمشة وملبوسات”. وأردنا أن نضع لها مواصفات، رأينا أن المواصفات لا تخرج عن بندين اثنين:
أ‌ – مواصفات وزنية: وهي الكيلوغرام وأضعافه وأجزاؤه، أو الباوند وأضعافه وأجزاؤه.
ب‌ – مواصفات بعدية: طول، مساحة، حجم.
لقد جعل الله التقيد بالمواصفات بالبيع والشراء والإنتاج من أركان التقوى في الإسلام حيث دخلت في الوصايا. فلا يمكن أن تستقيم وضعية إنتاجية ومن ثم تعاقدية إلا من خلال المواصفات. فعلى المسلم عندما ينتج ويبيع ويشتري أن يضع مواصفات لإنتاجه ولبيعه وشرائه، وبدون هذه المواصفات لا يمكن ضبط أية سلعة إنتاجية أو تسعيرها بيعا وشراء.
مع العم بأن رقي أي دولة في الإنتاج يقاس بمقدار رقي مواصفاتها وتقيدها بها. فإذا أراد مسلم مثلا أن يشتري بيتا فهذا الشراء به نوعان:
أ‌ – شراء حاضر كأن يكون البيت جاهزا للتسليم.
ب‌ – شراء غير حاضر، وهذا الشراء لا يصح إلا بمواصفات،
أي عقد البيع يجب أن يكون له ملحق المواصفات التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من العقد وكلما كانت المواصفات دقيقة كان البيع أكثر حلالا.
وبما أن هناك درجات في الدقة مختلفة في المواصفات جعل جزءا من هذه الوصية بقوله: {لا نكلف نفسا إلا وسعها}. فالإنسان يتقيد في المواصفات حسب الدقة الوزنية والحجمية الموجودة عنده وحسب المواصفات القياسية الشائعة في الدولة التي يعيش فيها.
وإن من أولويات الأمور التي يجب أن تمارسها الدولة العربية الإسلامية هي وضع مواصفات لكل شيء ضمن هذه الدولة، وأن تتقدم هذه المواصفات مع تقدم المعرفة أي أن الانعكاس المباشر للتقدم والبحث العلمي في الدولة هو تطوير المواصفات الدارجة في الدولة والمجتمع. أما من الناحية الفردية فعلى المسلم التقي أن يتقيد بالمواصفات الوزنية والحجمية في كل شيء حسب الدقة المتوفرة لديه.
وإذا نظرنا إلى القضايا في المحاكم رأينا أن معظمها ظهر لعدم وجود المواصفات أصلا في العقد أو وجود مواصفات بدائية جدا. وعلينا أن نعلم أيضا أن آية المداينة وهي الآية رقم 282 في سورة البقرة هي من آيات الحدود وهي آية الحد الأدنى لصلاحية العقد فيجب ن لا ينقص من بنودها شيء في أي عقد بل يمكن إضافة بنود جديدة إليها حسب الحاجة.
ولكي نعلم أن الله أمرنا بالتقيد بالمواصفات في رسالة شعيب حيث وصلت الإنسانية إلى مرحلة التبادل التجاري وظهور الوحدات القياسية لذا جاء التشريع قائلاً:
{ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين} (هود 85). فجاء التقيد بالمواصفات من أجل غاية هي قوله: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم}. أي حين يدفع الإنسان مالا يجب أن يعلم مقابل ماذا يدفع هذا المال، وما هي مواصفات السلعة المشتراة لأن كل عمل منتج يمكن تحويله إلى مواصفات وجيب علينا أن لا نبخس الناس أشياءهم إن كانت عملا أو سلعة أو نتاجا علميا أو أدبيا أو فنيا أو ابتكارا.
وهنا نلاحظ قوله: {ولا تبخسوا الناس}. ولم يقل “ولا تبخسوا الذين آمنوا” حيث تكون نظرة الإنسان العربي المسلم إلى قيمة الأشياء وإلى العدالة نظرة عالمية بحتة. وقوله أيضا: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} (النساء 58). ولم يقل بين الذين آمنوا.
– الوصية الثامنة:
8- {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} (الأنعام 152).
إن هذه الوصية هي حالة عامة، تعتبر شهادة الزور حالة خاصة لها فالإنسان يجب أن لا يتكلم إلا كلاما صادقا.
وعندما يكون الإنسان موضوعيا في أحكامه لا تتحكم يه الأهواء والعواطف. والموضوعية المادية بحد ذاتها صادقة وعادلة، وهذا واضح في قوله تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم} (الأنعام 115). فكلام الله الذي هو عين الوجود ونوميسه يحمل صفتين أساسيتين هما: الصدق والعدل.
وهكذا فإن الصفة الأساسية للإنسان هي الصدق والعدل. لأن قوله مبني على البينات، لا على الأهواء. وهذه صفة أساسية للتقوى عند الإنسان المسلم وهذا ما شرحته في مبحث عن الشرك بأن الدولة الإسلامية لها بنية في مؤسساتها وأفرادها وهي التصور المبني على التصديق، لا التصديق المبني على التصور. ففي هذه الحالة تحمل الدولة في بنيتها الصدق والعدل. أما شهادة الزور فهي حالة خاصة من هذه الوصية. فعلى الدولة العربية الإسلامية أن تضع في دستورها عقوبة شهادة الزور على أنها عقوبة جزائية لا إدارية أو مالية.
ويجب أن تغير يمين الشهادة في القضاء بأن يقسم الشاهد على قول الصدق لا الحق. لأن الإنسان قد يقول الصدق حسب ما شاهده وقد تكون المشاهدة خادعة أو ظنية فتصبح غير حقيقية. لأن الوحيد الذي أقواله حقيقية وصادقة وعادلة تماما بدون استثناء هو الله فقط لأنا لحق الصادق والعادل هو عين كلماته وهو عين الوجود: {قوله الحق} {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا}.
– الوصية التاسعة:
9- {وبعهد الله أوفوا} (الأنعام 152).
تعد هذه الوصية اختصارا قانونيا للآلاف المؤلفة من البنود فيما لو فصلت كلا على حدة. فكل مهنة لها مواصفاتها ولكل علاقة اجتماعية شروطها.
فمثلا في مهنة الطب هناك أمور يجب على الطبيب أن لا يمارسها وهناك أمور يجب عليه القيام بها من الناحية المهنية وهذا ما نسميه بالدستور الأخلاقي المهني. فكل مهنة لها مواصفاتها الأخلاقية “دستورها”: المالي، والمشرع، والمهندس، والوزير، والضابط، والشرطي، والموظف، والمنتج في كل دائرة حسب درجة المسؤولية ونوع العمل، وهناك البناء ومواصفاته وأصول البيع والشراء ونسبة الأرباح، في هذه الحالة توضح المواصفات الأخلاقية لكل مهنة على حدة، ولا يسمح لأحد أن يمارس المهنة إلا إذا كان مؤهلا أولاً، ثم عليه أن يقسم اليمين على الدستور الأخلاقي لمهنته. فإذا لم يقسم اليمين فإنه يمنع أصلا من ممارسة المهنة حيث لا يوجد في الدولة العربية الإسلامية مهنة مهما كان نوعها بدون قسم لهذه المهنة.
وتضع الدولة لهذا القسم عقوبة واحدة علما بأنه يدخل تحت هذا القسم الآلاف المؤلفة من البنود. هذه العقوبة هي عقوبة حنث اليمين ويجب أن تكون جزائية لا إدارية أو مالية.
وإني أرى أن ينظر إلى اليمين المهني في البلاد العربية الإسلامية بجدية كبيرة. وعدم التقيد باليمين يدل على شدة التدهور الأخلاقي. فاليمين عهد بين الذي اقسمه وبين الله لا بين إنسان وإنسان آخر. وكذلك البيعة في الانتخاب عهد فعندما ينتخب إنسان إنسانا فهذا يعني أن المنتخب أعطى عهدا على أن يمثل مصالح المنتخبين، والمنتخب أعطى عهدا على أن يطيع المنتخب طاعة نسبية ضمن التشاريع الصادرة بدون أن تتعدى حدود الله.
إن وصية {وبعهد الله أوفوا} تختلف تماما عن أداء الأمانة المادية للآخرين والواردة بأمره تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} (النساء 58).
وقد يقول قائل إذا كان إنسان ما لا يؤمن بالله يؤدي القسم ولا يلتزم به فيقول إنه غير مؤمن بالله لذا فهو غير ملتزم بالقسم. فنقول: نحن لنا الظاهر فقط والقلوب لله تعالى. فعندما يقسم الإنسان اليمين فعلا فقد أصبح في نظر الآخرين ملتزما لا مناص له من ذلك. وإن كان صادقا في عدم إيمانه فعليه أن يرفض أداء القسم منذ البداية. في هذه الحالة لا أحد يجبره على ذلك ولكنه يعفى من المهام التي ستوكل إليه أو يمنع من ممارسة المهنة التي سيقسم من أجلها.
ثم إن عقوبة حنث اليمين تريحنا من متاهات كبيرة، فمثلا عندما يؤدي الشرطي اليمين المهني على ألا يستلم مالا من أحد ثم يأخذ جنيها واحدا، فإننا نعاقبه ليس من أجل الجنيه الواحد بل لأنه حنث اليمين.
ولقد جاءت الوصايا الأربع “من الوصية السادسة حتى التاسعة” في سورة الإسراء في الآيات التالية:
{ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا} (الإسراء 34). هذه الآية فيها الوصية السادسة والوصية التاسعة.
{وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا} (الإسراء 35). “الوصية السابعة”.
{ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} (الإسراء 36). هذه الآية هي شرح الوصية الثامنة {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} (الأنعام 152).
أي أن القول يجب أن يكون مبنيا على البينات المادية الموضوعية دون أهواء والعواطف. والشهادة يجب أن تكون شهادة فؤادية محددة بالحواس وعلى رأسها السمع والبصر. أما إذا كانت استنتاجا عقليا فتسمى خبرة وليست شهادة.
– الوصية العاشرة:
10- {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلك وصاكم به لعلكم تتقون} (الأنعام 153).
قد يقول البعض: ما هو الشيء الجديد في هذه الوصية؟ أقول: الشيء الجديد فيها هو أنه اشترط التقوى فيها على أنها اتباع الوصايا التسع الواردة قبلها معا غير مجزأة، وقد سماها مجتمعة صراطا مستقيما وهي منا لدين القيم “الأخلاق” {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} (الأنعام 161). وهي الصراط المستقيم عند موسى وعيسى وهي مع الحدود تشكل الصراط المستقيم عند المسلمين.
وقد أمرنا باتباع هذه الوصايا جملة حيث أن التقوى فيها.
وقد يسأل البعض: وما هيا لصلاة والصوم والحج والزكاة؟ أليست تقوى؟ أقول نعم هي تقوى ولكن التقوى لها ثلاثة أنواع:
التقوى الفردية والتقوى الاجتماعية “الأخلاق” والتقوى التشريعية “الالتزام بالقانون ضمن حدود الله”. فالوصايا مجتمعة هي التقوى الاجتماعية، والعبادات هي من التقوى الفردية، والالتزام بالقانون ضمن حدود الله هو التقوى التشريعية. فعلى العرب المسلمين أن يعلموا هذا جيدا وأن لا يقيموا حكما على أي إنسان –مسلما أو غير مسلم- إلا من خلال التزامن بالتقوى الاجتماعية “الوصايا” والتقوى التشريعية.
إن عدم تمييز التقوى الفردية من الاجتماعية والتشريعية مطب يقع فيه كثير من العرب المسلمين اليوم، فهم ينخدعون بسهولة من إنسان يصلي ويصوم وقد أدى فريضة الحج، وعندما يعاملونه أو يبرمون عقودا معه يرون منه العجب. فيقول قائل: أليس هذا الإنسان متدينا؟ نقول: نعم هو متدين لنفسه. فكل شيء رأيتموه منه هو من التقوى الفردية التي لا علاقة لنا بها، ولكن قيموا الآخرين على أساس الوصايا “التقوى الاجتماعية” وعلى أساس التقوى التشريعية في التزامه ضمن حدود الله.
ولن تروا منه في هذه الحالة أي عجب ولن تصدموا بأية مفاجأة. فلندع جانبا هذه العبارات المعسولة “كأن نقول فلان إنسان آدمي، متدين، وصاحب دين، ولا يقطع وقت صلاة” وعوضا عن ذلك لنقل إن فلانا ملتزم بالوصايا والحدود فهو جدير بالثقة والمعاملة.
الآن يمكن أن نحدد من هم المغضوب عليهم ومن هم الضالون في قوله تعالى في فاتحة الكتاب {اهدنا الصراط المستقيم} وقد هدانا إلى الصراط المستقيم في الحدود والوصايا. هذا الصراط الذي يعتبر الفرقان عموده الفقري والذي هو التقوى الاجتماعية والذي هو من الثواب “مستقيم”. ومن يتبعه فقد أنعم الله عليه ومن يتبع غيره {ولا تتبعوا السبل} يصبح من الضالين {فتفرق بكم عن سبيله} (الأنعام 153) أو من يضع وصايا غير هذه الوصايا أو يحرفها على أنها الوصايا العشر فيصبح مغضوبا عليه {غير المغضوب عليهم}. نلاحظ أنه لا يوجد في الوصايا شيء حول الطعام كلحم الخنزير لأنه من الحدود. ولأن هناك أناسا ملتزمين بالوصايا ويشربون الخمر ويأكلون لحم الخنزير فهم أيضا جديرون بالثقة والمعاملة.
هنا جاءت الوصايا بصيغة أمر مباشر وعطفت بعضها على بعض لأنه أحيانا عندما يأتي حرف العطف يعني التغاير والتمايز فهنا جاءت واو العطف للتغاير والتمايز في الوصايا لا في الالتزام، أي لم تأت بصيغة شخص يلتزم بالوصية الأولى وآخر بالسابعة وآخر بالثانية لذا جاء الدمج في الوصية العاشرة وهو أن التقوى الاجتماعية هو التزام كل شخص على حدة بالوصايا التسع مجتمعة.
لقد جاء في الكتاب في مكان آخر أنواع من الالتزام الفردي “التقوى الفردية” معطوفا وهذا الالتزام جاء منفردا لا مجتمعا وذلك في قوله تعالى:
{إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} (الأحزاب 35).
إذا أخذنا هذه الآية وأردنا أن نطبق المواصفات الواردة فيها بحيث تنطبق على شخص واحد فإننا لا نكاد نجد عددا قليلا جدا بين سكان أهل الأرض تنطبق عليهم هذه المواصفات جميعها فيصبح قوله تعالى: {أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} (الأحزاب 35). نوعا من أنواع التعجيز ولو أنه عنى أن هذه المواصفات تنطبق على شخص واحد ذكرا كان أم أنثى لقال “إن المسلمين والمسلمات المؤمنين والمؤمنات…” أي لحذف حرف العطف بين صفة وأخرى كما حذفها عندما عنى نفس المواصفات في امرأة واحدة في قوله تعالى: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا} (التحريم 5).
هنا وضع واو العطف بين ثيبات وأبكارا لأن المرأة لا تكون في وقت واحد ثيبا وبكرا، لذا فإن الصفات الواردة قبلها موجودة في امرأة واحدة ثيب أو بكر. لذا جاءت الآية 35 في سورة الأحزاب لكي تتناسب مع إمكانيات الناس ومزاجهم، فهناك من الناس من يحب تلاوة الذكر ولا يحب دفع المال فقال: {الذاكرين الله كثيرا والذاكرات} وآخر يحب دفع المال ولا يحب أن يصوم يوما واحدا إضافة لشهر رمضان فقال: {والمتصدقين والمتصدقات}. وهكذا دواليك. فهذه الآية هي آية المساعدة من رب العالمين لا آية التعجيز.
الآن لنأخذ آية التقوى الفردية وقد وضع فيها جانبان: الجانب الإيماني القناعة والجانب السلوكي الممارسة: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} (البقرة 177).
هنا وضع التقوى الفردية في الإيمان والعبادات والإنفاق والوفاء بالعهد والصبر حين الضر والصبر في الجهاد “حين البأس”. لقد وضع الوصية التاسعة في التقوى الاجتماعية مشتركة مع التقوى الفردية بقوله: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} وقوله: {وبعهد الله أوفوا}.
لقد قرر بعضهم أن الصلاة –وهي بلا شك رأس العبادات. والعبادات كلها من التقوى الفردية –هي أهم من أي شيء آخر في الإسلام. وأقول هذا غير صحيح لقوله تعالى:
{وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون} (العنكبوت 45). وقد يقول قائل إن قوله: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}. هو بصيغة خبر، لذا فإن الصلاة تنهى بشكل آلي عن الفحشاء والمنكر.
وهذا غير صحيح، فمثلا نقول إن اللوائح الجامعية تنهى عنا لغش في الامتحان فهذا لا يعني نفي الغش في الامتحانات وكذلك الصلاة وفي هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه إن صح “من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا” “الجامع الصغير للسيوطي ج2 ص 180” ثم وضع ما هو أكبر من الصلاة وهو ذكر الله حيث قال: {ولذكر الله أكبر}. فلماذا ذكر الله أكبر من الصلاة؟
قلنا إنا لذكر في اللسان العربي أتت من “ذكر” وهذا الأصل معناه في اللسان العربي الترديد اللغوي وفي هذا جاء معنى قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر9). وكما قلنا إن الذكر هنا هو الصيغة اللغوية الصوتية للكتاب بغض النظر عن فهم المحتوى، وفي هذا المعنى جاء {ص والقرآن ذي الذكر}. وقوله تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر} (القمر 17). وقد جاء هذا الذكر بالصيغة اللسانية العربية لقوله مخاطبا العرب: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين} (الزخرف 5). وقوله تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون} (الأنبياء 10).
والذكر جاء في معنى التذكير الذي هو عكس النسيان كقوله: {فأنساه الشيطان ذكر ربه} (يوسف 42). وقوله: {واذكر ربك إذا نسيت} (الكهف 24) وقوله تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون} (الأعراف 165)، {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} (البقرة 242). وقوله: {أفلا تتذكرون} (الأنعام 80). وقوله: {وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره} (الكهف 63). وقوله: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء} (الأنعام 44). وقوله تعالى: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} (الفرقان 73).
وفي هذا المعنى جاءت الآية: {ولذكر الله أكبر} (العنكبوت 45). لقد شرحت هذه الآية في سورة آل عمران بقوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانه فقنا عذاب النار} (آل عمران 191). هنا جاء شرح الذكر، فالإنسان لا ينسى الله في حالة العمل فإذا اشترى تذكر الله بقوله: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} (الأعراف 85). وغذا باع تذكر قوله الله: {ولا تنقصوا المكيال والميزان} (هود 84). وإذا تحدث لا يكذب وكذلك في حالة الراحة والمرض أي أنه إنسان لا ينسى الله في عمله وراحته ومرضه ولا ينسى الوصايا “التقوى الاجتماعية” ولا ينسى “التقوى الفردية”.
هذا هو الإنسان المسلم الذي نقول عنه في المصطلح الحديث “الإنسان ذو الضمير الحي” وفي هذا المعنى وردت “ذكر” في باب الخمر والميسر قوله: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} (المائدة 91). هنا وضع ذكر الله قبل الصلاة، في باب الخمر والميسر وهما ليسا من العبادات وليسا من الحدود، ثم فصل طاعة الله عن طاعة الرسول في الآية التي بعدها {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} (المائدة 92). وهكذا نستنتج بأن “ذكر الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم” لا يعني أن يغمض الإنسان عينيه ويقول “الله، الله” ألف مرة أو أكثر أو أقل.
وعندما أتم الآية بقوله: {ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا} (آل عمران 191). نفهم أن المسلم إضافة إلى أنه إنسان ذو ضمير حي يحمل صفة الموضوعية في التفكير، لذا ذكر العالم المادي بأنه عالم حقيقي غير وهمي وأنه عالم البينات فقال: {ربنا ما خلقت هذا باطلا).
وعندما أنهى آية العنكبوت بعد قوله {ولذكر الله أكبر}. قال: {والله يعلم ما تصنعون} (العنكبوت 45). نفهم أن هذا الإنسان الملتزم بالوصايا والعبادات والتفكير الموضوعي هو إنسان التربية الإسلامية الجادة.
إن مبحث الفرقان “الوصايا العشر” يبين لنا الفرق الجوهري الأساسي بين مفهومين مختلفين هما الأخلاق والأعراف حيث يمكن أن يحصل بينهما خلط كبير، فلنعرف كلا منهما على حدة:
1 – الأعراف: هي مجموعة العادات والتقاليد الاجتماعية الناشئة عن بنية ما اقتصادية وبيئية “المناخ والتضاريس”.
هذه العادات تتغير حسب الزمان وتطور وسائل الإنتاج وتبادل السلع وظهور سلع جديدة، وحسب المكان هل هو صحراوي أو سهلي أو جبلي أو ساحلي أو غابات أو حار أو بارد؟ ويمكن أن نقول إن هناك عادات قومية حيث أن العادات تتغير حسب المكان، فنقول العادات العربية والتركية…الخ. والأعراف تتبلور نتيجة لتفاعل عدة مؤثرات خارجية موضوعية.
2 – الأخلاق: هي قانون روحي اجتماعي يربط أفراد بني الإنسان بعضهم إلى بعض لكونهم مجموعة إنسانية لا حيوانية، بغض النظر عن البنية الاقتصادية للمجتمع الإنساني. لذا تحمل الأخلاق الصفة العالمية الشمولية.
وبما أن الأخلاق تأخذ الطابع الشمولي الكوني “كونية الأخلاق”، فقد جاءت وحيا من الله تعالى. أما الأعراف فقد ذكرها الله في الكتاب دون أن يفصلها لأنها متغيرة. وقد جاءت الأخلاق الاجتماعية في الوصايا “الفرقان” من زمن موسى وإلى عيسى وإلى محمد صلى الله عليه وسلم وهي ما زالت سارية المفعول إلى يومنا هذا عند شعوب الأرض بغض النظر عن بنيتها الاقتصادية وبيئتها وأعرافها. لذا فإن الأخلاق هي القاسم المشترك في العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان ولها صفة التأثير في السلوك الإنساني حيث أنها تؤثر في شكل الأعراف.
هذا ما يجب أن يعرفه الإنسان العربي المسلم عن البنية الأخلاقية للمجتمع الذي يعيش فيه حيث أن التزامه الاجتماعي تجاه مجتمعه خاصة وتجاه الإنسانية عامة هو التزام أخلاقي قبل أن يكون التزاما قانونياً.
هناك من يخلط عن عمد أو غير عمد بين الأخلاق وبين الأعراف، حيث يقول إن الأخلاق هي بنية فوقية لبنية تحتية هي العلاقات الاقتصادية. فالأخلاق “الوصايا” التي جاءت بها الأديان الثلاثة هي بنية لعلاقات اقتصادية خاصة، وعندما تتغير هذه البنية تتغير الأخلاق. هذا الكلام لم نجن منه إلا خيبة الأمل لأن هذا الطرح ينتج عنه أن يتحلل الإنسان من الوصايا.
فالسؤال الذي يطرح نفسه: أين البديل؟ البديل هو نبذ الأخلاق والوصايا فينتج عن ذلك إباحة قتل النفس وعقوق الوالدين والإخلال بالمواصفات وشهادة الزور وانتشار الفاحشة، حيث أن هذه الأحداث والوقائع بينت أن هذا هو البديل الذي يؤدي إلى أن يقع المجتمع في أزمة أخلاقية تعصف به وتحطمه. وعليه يتوجب على العربي المسلم أن يعلم أن الالتزام بالوصايا هو التزام أخلاقي إنساني العلاقة له البتة بالنظام الاقتصادي والبيئة لأنه لا بديل لهذه الوصايا. لذا أعطاها الله سبحانه وتعالى هذه الأهمية ووضعها تحت عنوان خاص هو “الفرقان” وجاءت في سورتين من السور المكية سورة الأنعام وسورة الإسراء، علما بأن الوصايا العشر في سورة الأنعام نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر.
ثم علينا أن نعلم أن الله أمرنا أن نكيف أعرافنا مع الوصايا حيث أمرنا أن لا تخالف أعرافنا الوصايا، وهي من حدود الله، لذا قال: {الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله} (التوبة 112). فلا يمكن لنا أن نقول عن شيء ما إنه عرف إذا كان يخالف الوصايا.
p1-523
ثانياً – الفرقان الخاص:
لقد لاحظنا في الفرقان العام كيف أكد عليه لكل الناس في ثلاث مستويات وهي: مستوى التحريم بقوله: {قل تعالوْا أتل ما حرم ربكم عليكم} (الأنعام 151). ومستوى النهي والتأكيد بقوله: {ألا تشركوا به شيئا} (الأنعام 151). وقوله: {وبالوالدين إحسانا} (الأنعام151). ومستوى الوصية بقوله: {ذلكم وصاكم به} (الأنعام 151). ثم ختمه بالوصية العاشرة: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} (الأنعام 153). وأكد أنا لتقوى في اتباعه بقوله: {ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} (الأنعام 153).
فعندما يلتزم الإنسان بالفرقان العام فإنه يصبح من المتقين، ولكن إذا أراد زيادة على ذلك، فهل يمكن أن يكون هناك وصايا إضافية فتبعها فعند ذلك يصبح من أئمة المتقين؟ في هذا قال: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا… الآية} (الأنفال 29). نلاحظ في هذه الآية كيف وضع القوى شرطا لهذا الفرقان، وكيف جعله فرقانا خاصا بالمتقين، أي أنه غير ملزم لكل الناس كالفرقان العام، ولكن من أراد أن يزيد فعليه اتباع هذا الفرقان، ومن يتبع هذا الفرقان فهو من أئمة المتقين. هذا الفرقان ورد في سورة الفرقان في الآيات التالية:
1-2: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} (الفرقان 63).
3: {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} (الفرقان 64).
{والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما} (الفرقان 65).
{إنها ساءت مستقرا ومقاما} (الفرقان 66).
4- {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} (الفرقان 67).
5-6-7: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاما} (الفرقان 68).
{يضاعف له العذاب يوم القيمة ويخلد فيه مهانا} (الفرقان 69).
{إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} (الفرقان 70).
{ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا} (الفرقان 71).
8-9: {والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما} (الفرقان 72).
10: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} (الفرقان 73).
{والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما} (الفرقان 74).
نلاحظ في الآيات السابقة أن الفرقان الخاص عبارة عن عشر وصايا ولكنها جاءت بصيغة إخبارية ولم تأت بصيغة أمر صريحة كما جاءت الوصايا في الفرقان العام حيث ختمها بقوله: {واجعلنا للمتقين إماما}. في الآية التي تلي الوصية العاشرة، أي أن من يحقق هذه الشروط بالإضافة إلى الفرقان العام فهو من أئمة المتقين. ومن يحقق شروط الفرقان العام فهو من المتقين. ونلاحظ أن هناك أربعة بنود مشتركة بين الفرقان العام والفرقان الخاص وهي:
p1-525
كما أن الله سبحانه وتعالى خصص ثوابا خاصا في الآخرة لهؤلاء الناس بقوله: {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما} (الفرقان 75).
نلاحظ هنا أمرين في غاية لأهمية في أئمة المتقين وهما التأكيد على الجانب المادي في نظرتهم إلى الحياة، وقد جاء هذا التأكيد بقوله: {وعباد الرحمن}. وكما قلنا إن الرحمن هو اسم الربوبية لهذا الكون المادي الثنائي وذلك لكي يؤكد أن زيادة التقوى ليس لها علاقة بالشطحات الصوفية وكرامات الأولياء.
وقد جاء الأمر الثاني في بند خاص في قوله: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} (الفرقان 73). وقد حدد لنا القرآن أن آيات الربوبية هي ظواهر الطبيعة، لذا فإن صفة أئمة المتقين هي الإيمان بالمادية وبالعلم والعقل وأن فهم آيات الله “ظواهر الطبيعة” هي من أساسيات منهجهم في الحياة وهي لا تقل أبدا عن قوله تعالى: {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} (الفرقان 64).
لذا فإن أئمة المتقين في فرقان محمد صلى الله عليه وسلم هم من أئمة العلم المادي وأئمة الناس الذين يؤمنون بالبينات المادية وذوي التفكير العلمي البعيد عن الخرافة. علما بأن الفرق، الخاص يحتاج إلى شرح مفصل أكثر من ذلك، وبما أنه خاص بأئمة المتقين وليس كل الناس فإننا نكتفي بهذا القدر من الشرح في هذا الكتاب والله الموفق.

Aucun commentaire: