jeudi 31 décembre 2015

الجزء الاول 2\2..التفسير القرآني للقرآن الدكتور عبد الكريم الخطيب


الكتاب : التفسير القرآني للقرآن
المؤلف : الدكتور / عبد الكريم الخطيب
دار النشر :
عدد الأجزاء / 16
[ الترقيم داخل الصفحات موافق للمطبوع ]



بقية الصحة الرابط


وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193)
التفسير : نحن على رأينا من أنه ليس فى القرآن نسخ ، وأن كتاب اللّه الذي فى أيدينا لا نسخ فيه ، وأن آياته كلها عاملة أبد الدّهر.
وآيات القتال من الآيات التي أكثر المفسرون من القول بتوارد النسخ عليها! وهذا رأى ـ كما قلنا ـ لا نأخذ به ولا نقيم نظرنا عليه! فقوله تعالى : « وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ » ليس بالمنسوخ بالآية التي بعدها ، كما يقول المفسّرون ، ولا وجه لنسخه .. فالأمر بالقتال فى سبيل اللّه قائم ما قامت الحياة. وإذا كان القتال يقوم بين الناس فى وجوه كثيرة فى سبل غير سبيل اللّه ، فالقتال فى سبيل اللّه أوجب القتال وأبرّه ، وأعدله ، وأكرمه ، إذ كان ولا غاية له إلا الانتصار للحق ، والتمكين له .. ثم إذا كان هذا القتال لم يكن مبادأة ولا هجوما ، بل كان دفاعا وقصاصا ، فهو القتال الذي لا بد منه ، ولا بديل له ، إن لم يطلبه الدين طلبته الدنيا .. ثم أيضا ، إذا كان هذا القتال ـ مع مشروعيته دنيا وديانة ، ومع حجزه عن المبادأة بالعدوان ـ غير متلبس بمجاوزة الحدّ فى القصاص ، فهو القتال الذي لا يحسم الشر غيره ، ولا يقيم الأمن والسلام سواه ..
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 212
«

(1/202)

وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ » .
فهذه ثلاث دعائم من العدل ، يقوم عليها هذا القتال : قتال فى سبيل اللّه ، بين الإيمان والشرك ، ودفع لعدوان المشركين على المؤمنين ، ووقوف بالقتال عن مجاوزة إلى اعتداء المؤمنين على المشركين! تلك هى الدعائم التي يقوم عليها قتال المسلمين أبدا مع مقاتليهم على أية ملة ، وفى أي زمان ومكان .. فماذا ينسخ من تلك الدعائم ، وما داعية نسخها؟ لا نجد جوابا مقنعا.
وقوله تعالى : « وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ » .
هو من تمام البيان لهذه القضية ، قضية القتال بين المسلمين ومشركى قريش ، فحين يلتقى بهم المسلمون فى ميدان القتال ، فلا يتحرج المسلمون من قتلهم حيث التقوا بهم ، من غير أن تعطفهم عليهم عاطفة قرابة أو نسب ، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ، أو إخوانهم ، فلقد بدءوا هم المسلمين بالعدوان ، وأخرجوهم من ديارهم ، وفتنوا بعضهم عن دينهم ، ولا يزالون يفتنون من قدروا عليه منهم ، بما يسلطون عليه من عذاب ونكال « وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ » إذ المفتتن فى دينه قد أصيب بما هو أشد وأنكى من القتل ، قد خسر الدنيا والآخرة ، وذلك هو الخسران المبين!.
فإذا كان القتال فى المسجد الحرام ، أي فى البلد الحرام مكة ، فلا يبدؤهم المسلمون بقتال فيه حتى يكون المشركون هم الذين بدءوه ، وعندئذ تحل حرمة الحرم ، اقتصاصا ممن أحلوا حرمته : « وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ » .
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 213

(1/203)

و قوله تعالى : « فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » حسم لما بين هؤلاء المشركين وبين المسلمين من خلاف ، وتصفية للشر الذي وقع بينهم ، وذلك إذا انتهى هؤلاء المشركون عن شركهم ، وأسلموا وجوههم للّه ..
عندئذ تنقطع أسباب القتال ، وتزول آثاره ، فلا ثارات ، ولا ديات ، ولا عداوة ، بل يصبح الجميع إخوة ، تجمعهم كلمة الإسلام ، وتظللهم راية الإسلام!.
وفى قوله تعالى : « فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » تطيب لخاطر الفريقين جميعا ، فليغفر بعضهم لبعض ، وليرحم بعضهم بعضا من حمل البغضة والعداوة ، ولهم عند اللّه المغفرة الواسعة والرحمة الشاملة ، فإن اللّه غفور رحيم.
هذا وقد نظرنا فى تفسير قوله تعالى : « فَإِنِ انْتَهَوْا » وحملناه على الانتهاء مما كانوا عليه من شرك ـ نظرنا فى هذا إلى قوله تعالى « وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ » (275 : البقرة).
وهذا المعنى هو الذي يلتقى مع قوله تعالى : « فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » حيث يغتسل المشركون الذين دخلوا فى الإسلام من أدران شركهم بما يفضل اللّه عليهم به من مغفرته ورحمته.
وقوله تعالى : « وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ » أمر بمقاتلة من بقي على شركه من مشركى مكة الذين يفتنون المؤمنين والمؤمنات ، لأنه ما دام المشركون قائمين فالفتنة قائمة ، والفتنة هى قتل للمسلمين ، وعلى هذا فلا مهادنة مع المشركين « حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ » .. « فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ » أي فإن انتهوا عماهم فيه من شرك ودخلوا فى
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 214
دين اللّه ، فقد دخلوا فى السلم ، لا ينالهم أحد بسوء إلّا من نكص على عقبه أو دخل الإسلام ليكيد له ولأهله.
(

(1/204)

الآيتان : (194 ـ 195) [سورة البقرة (2) : الآيات 194 الى 195]
الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)
التفسير : كان أهل الجاهلية يعظمون أربعة أشهر ، هى : ذو القعدة ، وذو الحجة ومحرم ورجب ، فكانوا لا يطلبون فيها ثارا ، ولا يوقعون بينهم فيها قتالا ، فهيئوا بذلك لأنفسهم فترة أمن وسلام ، يستروحون فيها ريح الطمأنينة والعافية خلال هذا الشر المحتدم بينهم ، وتلك الحروب المتقدة فى كل أفق من آفاقهم ، معظم حياتهم.
وجاء الإسلام فزكّى هذا الشّعور الذي يودّ الإسلام لو استقام عليه الناس أبد الدهر ، لو كان ذلك مما تحتمله النفوس البشرية ، وتتقبله طبيعة الناس! ولكن ماذا يكون موقف الإسلام لو تخلّى المشركون عن هذا الشعور وأباحوا حرمة هذه الأشهر الحرم ، وأعلنوها حربا على المسلمين؟ وماذا يكون موقف المسلمين لو عرف العدوّ من أمر دينهم هذا المعتقد ، فانتهزها فرصة فيهم ، وساق إليهم جيوشه ، وأعمل فيهم أسلحته؟
أ يمسك المسلمون عن القتال ويدعون العدو يمضى فيهم حكمه بالهلاك والفناء؟ ذلك أمر لا يقبله عقل ، ولا يرتضيه دين ، إلا أن يكون عذابا من عذاب اللّه ، ونقمة من نقمه ، كما دان اللّه به اليهود وشرعه لهم ، حيث حرّم عليهم
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 215

(1/205)

أن يباشروا عملا فى يوم السبت ، فلا يقاتلوا من قاتلهم ، ولا يدفعوا من اعتدى عليهم ، وإلا كانوا عصاة آثمين! وهذا لا شك ضرب من البلاء ، ساقه اللّه إلى هذا القطيع المعربد ـ كما يقول فيهم السيد المسيح ـ ليذلّوا ، ويستكينوا ، ويكونوا صيدا لكل صائد! وإنه لمحال أن يفى اليهود بهذا الأمر السماوي ، وأن يمتثلوه ، وإلا هلكوا وضاعوا ..
ولكن اللّه سبحانه أمرهم بهذه المحال ، وحمّلهم هذا الحمل الثقيل ، ليلقوه وراءهم ظهريا ، وبهذا لا يكون أمامهم فرصة أبدا لامتثال أمر اللّه ، بل يكون أمرهم دائما على معصية وخلاف ، حتى لو أجهدوا أنفسهم فى البرّ والطاعة ..
لأن أي بارّ وأي مطيع منهم لا بد له ـ كى يعيش ـ أن يدفع العدوان ويردّ المعتدين ، وإلا أصبح فى الهالكين! وهكذا .. كل يهودى محمول حملا على أن يعصى اللّه ، ويخرج عن أمره فى حرمة يوم السبت .. وتلك هى اللعنة التي ألقاها اللّه عليهم .. تتناول برّهم وفاجرهم جميعا ..
تقول التوراة : « فتحفظون السبت لأنه مقدس لكم .. من دنّسه يقتل قتلا .. إن كل من صنع فيه عملا تقطع تلك النفس من بين شعبها .. كل من صنع عملا فى يوم السبت يقتل قتلا » (الإصحاح الحادي والثلاثون ..
سفر الخروج) وقد جاءهم السيد المسيح بأمر كهذا الأمر ، إذ فرض عليهم الاستسلام لكل يد تضربهم ، إذا لطمهم أحد لم يكن لهم أن يردوا اللطمة .. وفى هذا
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 216
يقول السيد المسيح لهم : « من ضربك على خدّك الأيمن فأدر له خدّك الأيسر » وفى هذا ما فيه من إذلال لهم ، وقتل لمعانى الإنسانية فيهم ، إن هم استقاموا على هذا الأمر ، فإن خرجوا عليه فهم عصاة خارجون على أمر اللّه ، يستحقون اللعنة وسوء المصير .. وليس هذا مما يكلف اللّه به عباده ، ولكنه من نقمه التي ينزلها على أهل البغي والعدوان.

(1/206)

و لهذا أمر اللّه المسلمين بما أمرهم به من هذا الخير ، بترك القتال فى الأشهر الحرم ، ثم حرس هذا الخير من أن يستبد به الأشرار ، ويجنى ثمرته المبطلون ..
فهى أشهر حرم لا يبدأ فيها المسلمون بقتال ، فإن بدأهم أحد فيها بقتال فلا حرمة عندئذ لهذه الأشهر الحرم ، التي ما شرعت إلا لخير الإنسان وصيانة دمه ، وأما وقد جعلها العدوّ ظرفا يستبيح به دماءهم ، فصيانة دمائهم والدفاع عنها أكثر قداسة وحرمة من كل حرمة وقداسة .. لزمان أو مكان! هذا ما يقرره قوله تعالى :
«الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ » فى أي مكان وفى أي زمان « فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » .
وفى قوله تعالى : « وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » تذكير للمسلمين بما وصاهم به الإسلام من آداب القتال ، وهى ألا يعتدوا ، فإن اعتدى عليهم ردّوا الاعتداء .. ولكن لما كان عدوان المعتدى باعثا على النقمة منه ، جاء قوله تعالى : « وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » ضابطا لمشاعر الانتقام من العدو المعتدى ، مذكرا المسلمين بالتقوى فى هذا الموطن ، فلا يأخذون أكثر من حقهم فى تأديب العدوّ ، وكسر شوكته ، فإذا تخلّى المسلمون عن التقوى فى هذا الموطن تخلّى عنهم عون اللّه ونصره.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 217

(1/207)

و قوله تعالى : « وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » . دعوة إلى البذل فى وجوه الحق والخير ، وأولى هذه الوجوه ما كان فى الجهاد فى سبيل اللّه ، فهذا باب أجزل اللّه فيه الثواب لأهله ، وخصهم بالمزيد من فضله ورضوانه ، ولهذا اقتضت حكمة اللّه سبحانه أن يشارك المجتمع الإسلامى كله فى الجهاد ، كل بحسب جهده وقدرته ، وذلك حتى لا يحرم أحد منه هذا الخير الكثير ، بالقليل من الجهد ..
فمن جهز غازيا فقد غزا ، ومن أعان فى إعداد أدوات الحرب ، ومئونة الجيش فقد غزا ، ومن قام على خدمة من خلّف المجاهدون وراءهم من أهل وولد ، فهو فى المجاهدين .. وهكذا كل عمل يقوّى من جبهة المجاهدين هو من الجهاد المبرور المقبول عند اللّه.
هذا ، وقد يعمل المجاهد فى أكثر من ميدان ، فيجهز المجاهدين بما له ، وينفق فى كل ما تحتاج إليه الحرب من سلاح ومتاع ، ثم يكون هو مع المجاهدين فى ميدان القتال ، وإنه على قدر العمل يكون الثواب.
وفى قوله تعالى : « وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » تنبيه وتحذير من هذا الشعور الحماسى الذي قد يغلب على المجاهد وهو فى ميدان المعركة ، فيتحدى الموت الذي يتخطف النفوس من حوله ، فيندفع متهورا يلقى الموت فى غير مبالاة.
والإسلام حريص على أهله ضنين بهم ، فلا يبيع حياتهم إلا بالثمن الكريم الغالي ، ولا يقتضيها هذا البيع إلا حيث تجب التضحية والفداء فى سبيل اللّه ، ولا سبيل آخر غير هذا السبيل تقدم فيه النفوس قربانا للّه وفى سبيل اللّه.
وعلى هذا فإن واجبا على المسلم إذ يشرى نفسه ابتغاء مرضاة اللّه ،
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 218

(1/208)

و إذ يدفع بها فى مزدحم المنايا ، أن يتقاضى الثمن المجزى لها ، وأن يأخذ لها حقها الكامل فى القتال ، بالنكاية فى العدو ، فإن قتل بعدها فقد كتب بدمه الطهور حرفا من حروف النصر للجبهة المقاتل فيها ، وللجماعة المحارب معها.
وفى قوله تعالى : « وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » دعوة إلى الإحسان المطلق ، الإحسان فى كل أمر يقوم عليه الإنسان ويؤديه ، للّه أو لنفسه أو للناس .. وعن هذه الدعوة إلى الإحسان المطلق تتجه دعوة خاصة إلى الإحسان فى مواطن القتال ، فيقاتل المسلم على بصيرة ، ولا يكن من همّه الأول أن يقتل ويستشهد فى سبيل اللّه ، بل أن يكون مقصده النيل من العدو ، والنكاية به ، إذ يقتل فرسانه وشجعانه ، فذلك هو المطلوب أولا ، فإن قتل وهو يسعى لتحقيق هذه الغاية لم يكن مجرد شهيد ، بل كان بطلا يحمل شهادة أعداد من الشهداء.
آية : (196) [سورة البقرة (2) : آية 196]
وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (196)
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 219

(1/209)

التفسير : فى هذه الآية بعض أحكام الحج وأعماله ، التي تولت السنّة النبوية القولية والعملية تفصيلها وترتيبها .. وهى مبسوطة فى كتب الفقه ، وحسبنا هنا الوقوف على معنى الآية الكريمة فى حدود ما تنطق به ألفاظها.
هذا ، ولأن أعمال الحج كثيرة ، مختلفة الصور ، متعددة المواقف ، ولأنها من جهة أخرى تضم ألوفا مؤلفة من المسلمين ، يجتمعون إليها من كل أفق ، ويلتقون عندها من كل جنس ـ لهذا فقد اقتضت حكمة الحكيم الرحيم التوسعة على الناس فى هذه الفريضة ، وتقبّل كل ما يؤدونه فيها من أعمال ، ما دامت تلك الأعمال صادرة عن نية خالصة ، وقلب سليم ، فقد أثر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه وقف فى حجة الوداع ، على ناقة بمنى ، والناس يسألونه .. فجاء رجل فقال : لم أشعر ، فحلقت قبل أنحر ، فقال : « انحر ولا حرج » ثم جاء آخر فقال : نحرت قبل أن أرمى ، فقال : « ارم ولا حرج » ، ثم أتاه ثالث ، فقال : أفضت إلى البيت قبل أن أرمى ، فقال : « ارم ولا حرج » ..
قالوا .. فما سئل النبي عن شى ء مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعض ، إلا قال : « افعلوا ولا حرج! » هذا ، وقد توجه الأمر فى قوله تعالى : « وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ » إلى الحج والعمرة معا ، ولهذا رأى بعض الفقهاء أن العمرة واجبة ، على حين رآها بعضهم سنة ، حيث انفرد الحج وحده بالوجوب فى قوله تعالى « وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا » .
وقوله تعالى : « فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ » إشارة إلى ما قد يعترض الحاج من معوقات وهو فى طريقه إلى الحج ، فيحال بينه وبين أن يمضى فى طريقه إلى غايته ، وذلك كأن يقطع الطريق على الحجيج عدو ، أو ينزل بالحاج مرض مقعد ، ونحو هذا .. والحصر معناه : الحبس والمنع.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 220

(1/210)

و قوله سبحانه : « فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ » أي فقدموا وانحروا ما وقع لأيديكم من الهدى ، مما قدرتم عليه من غير مشقة.
وقوله جلّ شأنه : « وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ » إشارة إلى التحلل من الإحرام ، فحلق الرأس للحاج لا يكون إلا بعد أن يؤدى أعمال الحج ، ثم ينحر ، ويحلق! ومحلّ الهدى مكانه الذي ينحر فيه ، وهو بالنسبة لمن أحصر وحبس ـ المكان الذي حصر فيه ، أما من لم يحصر فمحل هديه هو البيت الحرام.
أما قوله تعالى : « فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ » فهو فى حكم الحاج الذي عرض له فى حجه عارض فى رأسه أو فى جسده ، فحلق ، أو خلع ملابس الإحرام ولبس المخيط .. فمثل هذا الحاج قد أبيح له ذلك ، على أن يفدى الحرمة التي أحله اللّه منها بما يقدر عليه من ألوان الطاعات ، من صيام يوم أو أكثر ، أو من صدقة قليلة أو كثيرة ، أو من فداء بشاة أو نحوها .. وقيد بعضهم الصوم بثلاثة أيام والصدقة باطعام ستة مساكين ، والنسك بشاة .. ونحن لا نرى هذا القيد واردا على الآية ، وقد يسّر اللّه بهذا الإطلاق ، والقيد تضييق لما وسع اللّه فيه.
وقوله تعالى : « فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ » فيه بيان حكم الحاج الذي لم يحصر ، ولم يصب بأذى فى رأسه أو بدنه ، فإن مما يسر اللّه به على الحاج فى هذه الحال أن يحج معتمرا ، أي يدخل الحج فى العمرة ، ويؤدى أعمال الحج محلّا بعد طواف العمرة وسعيها ، وعليه فى تلك الحال أن يقدم فدية ، هى ما تيسر من الهدى ، من بدنة إلى شاة.

(1/211)

و قوله تعالى : « فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 221
الْحَرامِ »
هو بيان لمن لم يتيسر له تقديم الهدى ، فيجزى عنه فى تلك الحالة أن يصوم عشرة أيام .. ثلاثة منها فى أيام الحج ، تنتهى بانتهاء يوم عرفة ، وسبعة بعد أن يعود الحاج إلى بلده وأهله.
وهذا الحكم خاص بمن كان من غير أهل البلد الحرام.
الآية : (197) [سورة البقرة (2) : آية 197]
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَ اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (197)
التفسير : قررت الآية السابقة الحج والعمرة ، وبينت بعض الأحكام والأعمال المتعلقة بهما .. وفى هذه الآية بيان لميقات الحج وظرفه وما ينبغى أن يأخذ به الحاج نفسه من آداب ، خلال تلك الأيام المباركة التي تؤدى فيها تلك الفريضة.
وأشهر الحج هى شوال وذو القعدة وعشر من ذى الحجة ، وهى ليست كلها لأعمال الحج ، وإنما الثلاثة الأيام الأخيرة من عشر ذى الحجة ، هى التي تضم كل أعمال الحج .. ولكن الحجيج إذ يأتون من آفاق مختلفة ، فإن كثيرا منهم يهيئ نفسه ، ويخرج من بلده قبل الوقوف بعرفة ببضعة أشهر ، وبعضهم قبل ذلك ببضعة أيام ، والمدة التي ذكرها القرآن هى المتوسط الزمنى بين من يأتون من أقصى الأرض وبين من هم أهل البلد الحرام .. وهذه الأشهر لا يصح الإحرام بالحج إلّا فيها.
وقوله تعالى : « فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 222
وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ »

(1/212)

بيان للآداب التي يجب على الحاج أن يلتزمها فى هذه الأشهر ، فيصون نفسه فيها عن كل لغو ، ويجنبها كلّ معصية ، وينأى بها عن الجدال المفضى إلى الخصام والخلاف.
فالحج مدخل إلى طاعة اللّه ، وسعى إلى التقرب منه ، والتعرض لمغفرته ورضوانه .. ومن أجل هذا خرج الحاج من أهله ، وأعماله ، واتجه إلى ربّه ، وبيت ربّه ، ومن أجل ذلك أيضا نزع كلّ ما على جسده من ملابس عاش فيها قبل هذه الرحلة إلى اللّه ، وأصابها ما أصابها مما اقترف من سيئات ، واستبدل بها ملابس الإحرام ، التي ينبغى أن يصونها ويصون نفسه فيها عن كل حرام ، فلا يتندس بملابسة رفث أو فسوق أو جدال ، وبهذا يكون أهلا لأن يدنو من اللّه ، وينال من رحمته ما يناله المتقون.
وقوله تعالى : « وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى » دعوة إلى أن يحمل الحاج معه من المال أو الطعام ما يكفيه ، حتى لا يكون عالة على غيره فى هذا البلد غير ذى الزرع ، ثم لكى لا يكون التزود بالمال والطعام هو كل همّ الحاج ، فقد نبه اللّه سبحانه إلى أن هذا الزاد وإن كان مطلوبا لسدّ الحاجة ، فإن هناك زادا خيرا من هذا الزاد يجب على الحاج أن يحرص عليه ، وأن يسعى ما استطاع إلى تحصيله ، وهو التقوى ، فهى الزاد الطيب الباقي ، الذي يعين على الوصول إلى اللّه ، والتعرض لهو اطل رحمته ، وغيوث رضوانه.
وقوله تعالى : « وَ اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ » تنويه بشأن العقل ، وتكريم للعقلاء الذين يحترمون عقولهم ، ويستجيبون لما تدعوهم إليه ، من إيثار ما يبقى على ما يفنى ، وشراء الآجل بالعاجل.
فالعقلاء الراشدون هم أولى الناس بأن يرجى عندهم الخير ، ويؤمل فيهم الاستقامة والهدى .. وفى هذا يقول اللّه تعالى : « إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » : (28 : فاطر).
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 223
الآية : (198) [سورة البقرة (2) : آية 198]

(1/213)

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)
التفسير : أشرنا إلى هذه الآية عند قوله تعالى : « إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما » وقلنا إن معنى قوله تعالى « فَلا جُناحَ عَلَيْهِ » أي لا حرج عليه ، وهو رفع لشبهة فى فعل أمر يبدو أنه محظور ، وهو فى الواقع مندوب محبوب :
و هنا فى هذه الآية رفع الحرج عن ذكر اللّه ، والاستزادة من فضله ورحمته بعد الإفاضة من عرفات ، وانتهاء أعمال الحج ، إذ بانتهاء هذه الأعمال قد يقع فى حساب بعض الناس ، أنه وقد أدى فريضة الحج فقد فرغ من أعمال البرّ ، وأنه قد أنهى رحلته التي قطعها إلى اللّه ، وليس عليه من بأس أن يعود كما بدا ، إذا ليس أمامه طريق مرسوم للعمل فى هذا المجال ، وأنه إذا أدخل شيئا من عنده على أعمال الحج ، ولو كان من قبيل البر والخير ، فربما يكون قد خرج عن الطريق المرسوم ـ لهذا جاء قوله تعالى : « لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ » رافعا لهذا الحرج ، مزيلا لذلك اللبس ، وأصلا الحاج بالخير.
وفى قوله تعالى : « فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ » فتح لطريق جديد من طرق التقرب إلى اللّه ، وذلك أنه بعد أن يفيض الناس من عرفات ، تتدفق جموعهم منها إلى المشعر الحرام ، وهو المزدلفة ،
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 224
هنالك يكون لهم ذكر للّه ، ولهج بالثناء عليه ، بما علّمهم من صيغ حمده وتمجيده ، وإن كانوا من قبل هذا العلم لا يعرفون كيف يتصلون باللّه ، وكيف يجدونه فى قلوبهم ، ويرطبون ألسنتهم بحمده وذكره.

(1/214)

الآيتان : (199 ـ 200) [سورة البقرة (2) : الآيات 199 الى 202]
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ (201) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (202)
التفسير : ومن المزدلفة تكون الإفاضة والانتشار فى وجوه الأرض ، حيث تتم أعمال الحج ، وحيث يتوجه الحاج إلى اللّه أن يتقبل حجّه ، ويغفر ذنبه ، ويتجاوز عما كان قد وقع منه ، مما نهى اللّه عنه من رفث أو فسوق أو جدال « إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » .
فإذا ختم الحاج حجّه باللّجأ إلى اللّه ، والابتهال إليه أن يتجاوز عن سيئاته ، ويتقبل حجّه ، لم يكن له ـ وقد ذاق لذة الطاعة ، ووجد ريح الرضوان ـ أن يتحول عن هذا الطريق الذي سلكه ، وأن ينشئ له طرقا أخرى ، تقطعه عن هذا الطريق ، وتباعد بينه وبين اللّه.
لهذا جاء قول اللّه تعالى : « فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً » ملفتا إلى تلك المشاعر التي تترصد الإنسان على نهاية
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 225

(1/215)

الطريق ، بعد التحلل من الإحرام ، واسترداد الجسد ملابس الحلّ ، وعندها يجد الإنسان ذاته التي كان عليها قبل أن يحج ، فكان قوله تعالى هنا تنبيها إلى هذا الخطر الذي يقدم عليه الحاج ، وأنه لن تنقطع صلته باللّه بعد أداء هذه الفريضة ، بل إن هذه الفريضة ستزيد تلك الصلة قوة وعمقا : « فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً » أي ليكن ذكركم اللّه ، والتفاتكم إليه ، ورجاؤكم فيه كذكر الابن أبويه ، والتفاته إليهما ورجائه فيهما ، بل وأكثر من هذا ذكرا والتفاتا ورجاء .. فاللّه سبحانه هو الذي يرعى الولد والوالدين جميعا! ثم إن الناس فى لجئهم إلى اللّه ، وضرعهم إليه ، فريقان : فريق يطلب الدنيا ، ويقيم علاقته مع اللّه على طلب المزيد من أشياء الحياة الدنيا ، دون أن يقيم وزنا للحياة الآخرة ، وما ينبغى أن يعدّه لها من صالح الأعمال! فهذا فريق شغلته دنياه عن آخرته ، إذ غلبت عليه شهوة المال وزينة الحياة ، فلم تتسع نفسه لشى ء غيرهما .. وفريق آخر. هدى إلى الحق ، وإلى طريق مستقيم ..
فأخذ من الدنيا بنصيب ، ومن الآخرة بنصيب ، يقول : « رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ، وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ، وَ قِنا عَذابَ النَّارِ » .
وفى قوله تعالى : « أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا » إشارة إلى هؤلاء الذين هدوا إلى الحق ، وأن ما كسبت أيديهم ليس لهم منه إلا هذا الذي كان لحساب الآخرة ، فهو الباقي الذي يجدونه عند اللّه ، وما سواه مما كان للدنيا فهو إلى زوال وإلى عدم ، فإن قوله تعالى : « مِمَّا كَسَبُوا » يدل على أن ما كسبوه للدنيا لا معتبر له ، وأن لهم بعض ما كسبوا ، وهو ما كان للآخرة ، لا كل ما كسبوا مما هو للدنيا وللآخرة ، قال اللّه تعالى : « وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ أَمَلًا » (46 : الكهف).
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 226

(1/216)

الآية : (203) [سورة البقرة (2) : آية 203]
وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)
التفسير : بعد أن نبّه اللّه سبحانه إلى ذكر اللّه ذكرا دائما متصلا بعد أداء مناسك الحج ، حتى يظل المؤمن على هذا الطريق الذي استقام عليه وهو يؤدى هذه المناسك ـ بعد هذا نبّه سبحانه إلى ذكره ذكرا خاصّا فى أيام معدودات موصولة بأيام الحج مباشرة ، وهى أيام التشريق الثلاثة.
وفى قوله تعالى : « فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ » إشارة إلى أنها أيام محصورة بالعدد ، على خلاف قوله تعالى : « الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ » وقوله سبحانه :
«لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ » : (28 : الحج) فالأشهر والأيام هنا معلومة ، هى أشهر الحجّ ، وأيام الحجّ المحصورة فى شوال وذى القعدة وعشر من ذى الحجة.
والحكمة فى الأمر بذكر اللّه هنا فى أيام معدودات لا معلومات علما محددا ، هى السماح بشى ء من الحرية فى تقديم وقتها أو تأخيره ، حسب ظروف الحاجّ ، التي تتحكم فيها كثير من الأمور ، فى غربته تلك عن وطنه وفى انقطاعه عن أهله وولده ، وفى ارتباطاته بالجماعة التي صحبها فى مجيئه ، وسيصحبها فى عودته ..
فكل هذه وكثير غيرها أمور تفرض على الحاج ألا يتقيد بزمن ، قيدا ملزما ، لا يستطيع التصرف فيه ..
والأيام المعدودات هى أيام التشريق .. ثلاثة أيام العيد ..
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 227
الآيات (204 ـ 205 ـ 206) [سورة البقرة (2) : الآيات 204 الى 206]

(1/217)

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204) وَ إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (205) وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ (206)
التفسير : الكلمة لها معتبرها ولها حسابها فى سلوك الشخص ، وفى توجيهه إلى الخير أو الشر ، سواء أ كانت تلك الكلمة مسموعة أو مقروءة ، تدخل على الإنسان من العالم الخارجي .. أو ملفوظة ، تتولد فى عالمه الداخلى ، ثم تتصور كائنا مكتملا ، يتحرك بها لسانه ، وينطق بها فمه.
فالكلمة الواردة على الإنسان ، لا تذهب هكذا صوتا ضائعا فى الهواء ، بل إنها تتردد أصداؤها فى كيانه ، وتثير فيه مشاعر بقدر ما تحمل من طاقات الحسن أو القبح ، والحق أو الباطل ، ثم سرعان ما تتحول تلك المشاعر إلى نزوع يتبعه عمل ، ويلتزم به سلوك.
والكلمة الصادرة من الإنسان ليست مجرد صوت منطلق منه ، بل هى مدركات تحولت إلى مشاعر ، ومشاعر تصورت فى كلمات ، وكلمات تشير إلى أعمال ، وتهتف بمنجزات!.
لهذا كان ذلك الاهتمام العظيم من الإسلام ، للكلمة ، ينطق بها المسلم أو يستمع إليها .. وكان منهجه التربوى فى هذا أعدل منهج وأحكمه ..
فهو من جهة ، حرس سمع المسلم من أن يستمع إلى اللغو من القول ، أو الزور من الكلام ، وأعلى مقام أولئك الذين لا يشهدون الزور وإذا مرّوا باللغو
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 228

(1/218)

مرّوا كراما ، ثم هو من جهة أخرى أقام على منطق المسلم حارسا لا يدع لكلمة السوء منطلقا تنطلق منه ، بل وأكثر من هذا ، فإنه نبّه إلى وساوس السوء التي تتحرك فى صدر الإنسان ليميتها قبل أن تتخلّق منها المشاعر والكلمات ، فقال تعالى : « وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ » (16 ـ 18 ق).
وفى قوله تعالى : « وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ » فضح للكلمة المنافقة تنطلق من فم المنافق ، منمقة ، مزوقة ، مموهة ببريق لامع يضلل ويخدع.
فهناك طوائف من الناس تتخذ من الكلمة الخادعة المنافقة طريقا لترويج الباطل ، فيضعون على ألسنتهم كلمات معسولة ، تفيض رقة وتتناغم حنانا ومودة ، ولو ذهبت تفتش فى ثناياها ، وتنظر فى أطوائها لوجدتها تنغر قيحا وصديدا ، وتفور زفيرا وفحيحا ، بما تحمل فى كيانها من حسد وبغضاء.

(1/219)

هكذا كان موقف المنافقين من رسول اللّه ، إذا لقوا الرسول هشّوا له وتخاضعوا بين يديه ، وألانوا القول وزينوه ، وأشهدوا اللّه أن علانيتهم مثل سرهم ، وأن ما يجرى على ألسنتهم منطلق من صميم قلوبهم .. فالمنافق يستر نفاقه بهذا الدهان ، ويغطى كذبه بالحلف باللّه وبكل ما يحلف به ، وفى هذا يقول اللّه تعالى لنبيه الكريم : « فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ » (8 ـ 10 : ن) وقوله تعالى : « وَ إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ » بيان للوجه الآخر من وجهى المنافق ،
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 229
فهو كان يلقى النبىّ بهذا الوجه المدهون بالرياء والنفاق ، ثم لا يلبث أن يلقى هذا النقاب عن وجهه حين يزايل مكانه ويولّى ظهره ، وهنا يطلق نفسه على سجيتها ، فينفث سموم حقده ، ويرمى بشرر عداوته ، فى كل موقع من مواقع الخير! وقوله تعالى : « وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ » يكشف عن الإمعان فى الضلال ، والإغراق فى الخداع والتمويه ، من هذا المنافق الذي يعيش فى ضلاله ونفاقه ، حتى ليكاد ينسى أنه يلبس ثوب النفاق ، ويتزيا بزى الباطل .. فإذا قال له قائل : « اتق اللّه » فى نفسك وفى الناس ، واقتصد من هذا الشرّ الذي تزرعه فى كل مكان ، وتخفف من هذا الفساد الذي توزعه فى كل أفق ـ إذا قيل له هذا أو نحوه أنكر على قائله هذا القول ، ونظر إليه من عل نظرة ساخطة هازئة تقول فى غير حياء : وما ذا من تقوى اللّه غير هذا؟ وماذا على طريق الصالحين والمتقين غير الذي أنا فاعله؟ » .

(1/220)

و اللّه سبحانه وتعالى يقول : « قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَ لِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً » (103 ـ 105 : الكهف). ذلك هو تقدير المنافق ، وتلك هى عاقبة أمره « فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ » .
الآية : (207) [سورة البقرة (2) : آية 207]
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207)
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 230
التفسير : والناس ـ مع هذا ـ فى خير .. فإذا كان فيهم من يبيع نفسه للشيطان ، ويتزود من دنياه بما يثمّر له الباطل والضلال ، فإن فى الناس من يبيع بيع السّماح نفسه فى سبيل اللّه ، حيث ينال الشهادة مع الشهداء ، أو يقيمها على جادة الطريق ، فيكظمها عن كل محرّم ، ويذودها عن كل مأثم! ولو أحد من هؤلاء الذين سكنوا إلى اللّه خير للإنسانية من مل ء طلاع الأرض من أمثال هذا الإنسان المشئوم ، الذي استغواه الشيطان ، فملك زمامه ، واستبدّ بأمره.
وفى قوله تعالى : « وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ » توجيه كريم من أرحم الراحمين لعباده ، الذين يشتدون على أنفسهم ، ولا يرفقون بها فيما ينبغى الرفق فيه ، ولا يعطونها حقّها فيما أحل اللّه من طيبات ، فلمثل هؤلاء يتوجه هذا التوجيه الحكيم الكريم « وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً » (29 : النساء)
الآيتان : (208 ـ 209) [سورة البقرة (2) : الآيات 208 الى 209]

(1/221)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)
التفسير : هذه عدة كريمة للذين استجابوا للّه وللرسول ، فدخلوا فى دين اللّه ، وأصبحوا فى أمة المؤمنين .. وتحمل هذه الدعوة إليهم أن يدخلوا فى السّلم كافة ، والسّلم هو الإسلام والسلام والأمن ، وقد دخل المسلمون فى الإسلام ، وبقي عليهم أن يحصّلوا السّلام والأمن ، وذلك بالتطبيق العملي لدعوة الإسلام ، والرعاية الكاملة لأوامره ونواهيه ، فهذا هو الذي يحقق للمسلم ثمرة الإسلام ، فيجد فى ظلّها السلام مع نفسه ومع الناس ، ويستشعر فى كيانه طمأنينة الرضا ، وثلج الرضوان ، بما رعى من حقوق الناس ، وببد أدّى من حقوق اللّه!.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 231
و فى قوله تعالى : « فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » تحذير من وساوس الشيطان ، الذي يعمل بكل حوله وحيلته ، على أن يغوى المستقيم ، ويضل المهتدى ، فليس لهجماته على الإنسان موعد ، بل إنه هو الذي يتخيّر الفرصة المواتية ، ويتفقد أضعف المواقع فى الإنسان لينفذ إليه منها ، ويعمل أسلحته فيها.
وليس مثل زلّة من عرف الحق ، وارتفعت لعينيه أمارات الهداية ، وأعلام الهدى .. إنّها زلّة مزلزلة ، وسقطة قانلة ، قلّ أن يسلم منها الإنسان إلا إذا استجمع كل قوته وإرادته ، وإلا إذا استدعى غائب رشده ، وعازب حكمته ، وإلا إذا ذكر أنّه إنسان مهيأ للسموّ ، بما فيه من نفحات علوية من عزيز حكيم ، منه تستمد العزة والحكمة .. فليطلبهما الإنسان فى هذا الموطن ، الذي إن استسلم فيه للهزيمة هوى إلى مرتبة الحيوان ، وإن جاهد وانتصر ارتفع إلى ما فوق الإنسان!.

(1/222)

الآية : (210) [سورة البقرة (2) : آية 210]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)
التفسير : الاستفهام هنا إنكارى ، يجرى مجرى النفي ، أي ما ينظرون إلّا أن يروا بأعينهم اليوم الموعود ، أي يوم القيامة ، حيث يتحقق لهم ما هم فى شك منه ، ويومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون ، فقد جاءتهم البينات على يد رسل اللّه الكرام ، تبدد كل ضلال ، وتفضح كل باطل ، ولكنهم أصمّوا عنها آذانهم ، وأغلقوا دونها قلوبهم!.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 232
و الملاحظ هنا أن الإنكار موجه إلى غير معلوم ، فلم يجر لهم قبل هذا ذكر يعود إليه الضمير فى قوله « ينظرون » .. وهذا التجهيل إنما هو نداء يصك آذان أولئك الضالين فى متاهات الكفر والنفاق ، والبغي ، والسفه ، ويهتف بهم أن يجيئوا من كل أفق ، ليكونوا هذا الفاعل المطلوب للحساب فى هذا اليوم الذي أنكروه ولم يعملوا له حسابا! وهؤلاء هم اليهود الذين تجاهلوا يوم الحساب وجروا على أهوائهم ، لا يرجون للّه وقارا ، فقام الاتهام عليهم من غير أن يذكروا ، وذلك للتشنيع عليهم بأن كل تهمة لا يعرف فاعلها عالقة بهم ، حيث كانوا هم أحقّ الناس بها وأهلها.
قوله تعالى : « وَ قُضِيَ الْأَمْرُ » الواو هنا للحال ، والجملة بعدها حالية ، أي ما ينظرون إلا أن يأتيهم اللّه فى ظلل من الغمام والملائكة وقد مضى الأمر.
ويمكن أن تكون الواو للعطف على محذوف دل عليه الكلام ، والتقدير :
ما ينظرون إلا أن يأتيهم اللّه فى ظلل من الغمام والملائكة ، ويومئذ يرون الحق الذي جحدوه ، ولكن لا سبيل لهم إلى إصلاح ما أفسدوا ، فقد وقعت الواقعة وقضى الأمر : « وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ » .
الآية : (211) [سورة البقرة (2) : آية 211]

(1/223)

سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (211)
التفسير : فى الآية السابقة انتقل اليهود المنكرون للبعث نقلة سريعة مفاجئة إلى يوم القيامة ، فى مسيرة مجهدة مرعبة .. انتقلوا من عالم الأحياء إلى عالم الأموات .. فضمّت عليهم القبور وأكلتهم الأرض .. ثم بعثوا أحياء
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 233
من جديد .. ثم سيقوا إلى الموقف .. ثم أحضروا للحساب بين يدى اللّه ..
ثم أخذ بهم إلى مصيرهم المشئوم!.
وإذا هم على مشارف الهاوية فى هذه الرحلة المثيرة ، قد أوقظوا من هذا الكابوس المزعج الخانق ، وما كادوا يفتحون أعينهم ، ويستشعرون وجودهم حتى رأوا أنفسهم أمام هذه المواجهة بهذا الاتهام : « سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ؟ » والسؤال وإن كان مطلوبا من النبىّ أن يوجهه إلى بنى إسرائيل فى هذا الإعلان العام ، فإنه سؤال مطلوب من كل إسرائيلى أن يوجهه إلى نفسه ، وأن يعطى الجواب عليه فيما بينه وبين نفسه!.
وقد يسأل بنو إسرائيل أنفسهم هذا السؤال ، وقد يجيبون عليه ، ولكنهم لا يقعون على الحق ، ولا يهتدون إليه ، وخاصة فيما بيّنه اللّه تعالى لهم من دلائل النبوة المحمديّة ، الناطقة به ، الكاشفة عنه ، لأنهم بدّلوا آيات اللّه وحرّفوا كلماته ، فكان انحرافهم عن الحق ، وتخبطهم فى الضلال ، هو مما صنعته أيديهم ، والتوت به ألسنتهم : « وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ » فإنه ليس نعمة أتم وأعظم من نعمة العلم الذي يهدى إلى الحق ، ويكشف الطريق إلى اللّه ، فمن جحد هذه النعمة ، ومكر بها ، فقد وقع تحت غضب اللّه واستحق شديد عذابه.
الآية : (212) [سورة البقرة (2) : آية 212]

(1/224)

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (212)
التفسير : هذا معرض آخر للذين كفروا من اليهود ومن على شاكلتهم ..
فقد زيّن لهم سوء عملهم فرأوه حسنا ، وبدا لهم أنهم فى صفقة رابحة مع
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 234
ما فى أيديهم من هذه الدنيا التي آثروها على كل شى ء ، وباعوا لها أنفسهم ، ولبسوا من أجلها أثواب الرياء والنفاق ، ثم هم مع هذا ينظرون إلى الذين آمنوا نظرا ساخرا هازئا ، إذ يرونهم على غير ما هم فيه من حرص على الدنيا ، ومن استجلاب شره لما فيها من لذات وشهوات ، فتلك هى نظرة أصحاب الدنيا إلى أهل الإيمان والتقوى ، وذلك هو الميزان الذي يضعون أنفسهم فيه مع المؤمنين ، فيرون أنهم أرجح ميزانا ، وأعلى مقاما!.
ولكن هذه النظرة ستتغير ، وهذا الميزان سوف يتبدل ، وذلك يوم الحساب الأكبر ، يوم يوضع الميزان الحق بين الناس ، فإذا أهل الدنيا فى بلاء وضنك ، وإذا المؤمنون فى نعيم مقيم ورضوان دائم .. « فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ » .
وقوله تعالى : « وَ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ » معدول به عن أن يقال : « و الذين آمنوا فوقاهم يوم القيامة » الذي كان يقتضيه سياق النظم ، حيث كان الموقف بين الذين كفروا والذين آمنوا.
وفى وضع الذين اتقوا مكان الذين آمنوا إشارة إلى أن الإيمان مجردا من العمل الذي يلبس به صاحبه ملابس التقوى ـ هذا الإيمان لا يؤهل صاحبه لرضوان اللّه ، ولا يرفعه إلى تلك المنزلة الرفيعة ، وهذا المقام المحمود.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 235
الآية : (273) [سورة البقرة (2) : آية 213]

(1/225)

كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)
التفسير : قوله تعالى : « كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً » أي أصلا واحدا من طبيعة واحدة .. هى الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها .. ثم تناسلوا ، وكثروا وتفرقوا فى وجوه الأرض ، وخضعوا لمؤثرات الحياة ، ووقعت بينهم منازعات ومشاحنات ، وجرى بينهم البغي والعدوان ، وولدت لهم مدركاتهم مواليد من الضلال ، والبهتان ، ففسدت طبيعتهم ، وعطبت فطرتهم ، فغاثهم اللّه برحمته ، وبعث فيهم رسله ، بكلماته الشافيات ، وآياته البينات ، ليصححوا معتقداتهم ، ويسلكوا بهم مسالك الحق ، ويقيموهم على الطريق السوي ، كما يقول سبحانه : « فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ » أي ليكون هذا الكتاب ميزان قسط بين الناس ، يرجعون إليه فى ضبط أقوالهم وأفعالهم ، وليسوّوا عليه حسابهم فيما يقع بينهم من خلاف.

(1/226)

و الكتاب هنا هو مجمع كتب اللّه التي نزلت على رسله ، لأن تلك الكتب فى مضامينها هى كتاب واحد ، ينطق بالحق ويهدى للحق! وقوله تعالى : « وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ » تشنيع على أهل الكتاب ، وتنديد بهم ، إذ بعد أن جاءهم الحق من ربّهم ، ووضحت لهم معالم الطريق بما حمل الكتاب إليهم من آيات اللّه البينات ـ وقع بينهم الخلاف ، وعادوا إلى ما كانوا عليه من فساد عقيدة ، وضلال سعى .. فإذا كان لخلافهم وشرودهم عن الحق وجه قبل أن يأتيهم هدى اللّه ، فإنه لا وجه لهذا الخلاف بعد أن جاءهم الهدى واستنارت أمامهم معالم الطريق!
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 236
و هذا الحصر للخلاف فى الحقّ ، والشرود عنه ، وجعله فى أهل الكتاب وحدهم ـ إنما هو لانقطاع العذر عندهم لهذا الخلاف ، بما وضع اللّه بين أيديهم من آياته ، التي لو انتهوا عندها ، ووقفوا على حدودها ، لما ضلوا ولما اختلفوا ..
أما غير أهل الكتاب ممن اختلفوا فى الحق ، وضلوا عن سبيله فلهم عذرهم ، إذ لم يكن بين أيديهم من حق وهدى مثل ما بأيدى أهل الكتاب الذين لا عذر لهم ، إذ كان خلافهم وضلالهم عن بغى وعدوان.
وقوله تعالى : « فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » يحدّد موقف الذين استجابوا للّه وللرسول ، واتبعوا ما أنزل على « محمد » ، واستقاموا على الحق الذي ضلّ عنه أهل الكتاب واختلفوا فيه. وكان ذلك توفيقا من اللّه وفضلا ورحمة بالمؤمنين ، إذ استنقذهم من الضلال والعمى. « وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » .
الآية : (214) [سورة البقرة (2) : آية 214]

(1/227)

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)
التفسير : أما وقد استنقذ اللّه سبحانه المؤمنين برحمته ، وهداهم الصراط المستقيم بفضله ، فقد وجب عليهم أداء أمانة هذا الدين الذي هداهم اللّه إليه ، فالدّين ليس مجرد مفاهيم أو تصورات يتلقاها المؤمن من نصوص الشريعة ، وإنما هو مع ذلك سلوك قائم فى ظل هذه المفاهيم وتلك التصورات ، فالطريق إلى الجنة محفوف بالمكاره ، والمؤمنون مبتلون فى أموالهم وأنفسهم ، ممتحنون
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 237
فى إيمانهم وصبرهم ، كما يقول اللّه تعالى : « وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ » (31 : سورة محمد) ويقول سبحانه « وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ » (155 : سورة البقرة).
فالذين آمنوا باللّه واتبعوا رسول اللّه ، معرّضون لهذا الامتحان الذي يمتحن به المؤمنون ، أتباع رسل اللّه ، فكم حمل هؤلاء الرسل وأتباعهم من أعباء ، وكم لاقوا من أهوال ، وكم تجرعوا من غصص ، مما رهقهم به سفهاء أقوامهم من جهالات وسفاهات : « مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا » أي اضطربت مشاعرهم وتبلبلت خواطرهم ، واستيأسوا وظنّوا أنهم أحيط بهم ، فاستعجلوا النصر الذي وعدهم اللّه ، كما يقول سبحانه : « كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ » (28 : المجادلة) وقالوا : « مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟ » وكأنهم يقولون فيما يقولون : أين نصر اللّه الذي وعدنا به؟.

(1/228)

و من آفاق الحق ومن قلوب أولياء اللّه الراسخين فى الإيمان ، يجى ء هذا المدد الكريم ، يسوق بين يديه بشريات الفرج المرتقب والنصر الموعود :
«أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » .
إن راية الحق لا تنكس أبدا ، إذا هى شدّت إلى أيد مؤمنة مستمسكة بالحق ، معتصمة بالصبر ، مستعدة للبذل والتضحية ، فإن المجاهدين تحت هذه الراية ، إنما يجاهدون تحت راية اللّه ، وحسبهم باللّه معينا وناصرا « أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » (32 المجادلة) وقوله تعالى : « وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ » أي ولما تصابوا بما أصيب به من سبقكم من المؤمنين فى الأمم الماضية من شدائد ومحن ، فالمثل هنا هو الواقعة المادية ، وليس الصورة اللفظية الحاكية لتلك الواقعة.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 238
الآية : (215) [سورة البقرة (2) : آية 215]
يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)
التفسير : مما يبتلى به المؤمن أن يمتحن فى ماله بقضاء الحقوق الواجبة عليه فيه ، فالإنسان بطبعه ضنين بماله ، حريص عليه ، لما للمال من سلطان فى هذه الحياة ، يملك به كل شى ء ، ويطول به صاحبه أي شى ء!.
وقد فرض اللّه على المؤمنين حقوقا فى أموالهم : للوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل ، فإذا واجه المؤمن حاجة محتاج ثم ضنّ بماله عن أن يسعفه ويسدّ حاجته : فقد قصر وأثم ، وتحلل من عقد وثّقه اللّه معه!.
الآية : (216) [سورة البقرة (2) : آية 216]

(1/229)

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216)
التفسير : ومما ابتلى به المؤمنون أيضا أن كتب عليهم القتال .. فذلك أمر لا محيص لهم عنه ، ولا مفرّ لهم منه .. إذ أنهم فى وجه عداوة مستعرة بينهم وبين أرباب الضلال ، وأهل السوء. فالأخيار مبتلون دائما بأهل السوء ، ومن هنا كان هذا الصراع المتلاحم بين الحق والباطل ، وبين الهدى والضلال.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 239
فالقتال فرض لازم على المؤمنين ، إن أرادوا أن يكون لهم وجود وأن تكون للحق راية!.
والقتال أيّا كان ، وفى أي وجه يكون ، هو مكروه ، لا تقدم عليه النفوس إلا متكرهة له ، ضائقة به. ولهذا كان قوله تعالى. « وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ » عزاء للنفوس ومواساة فى لها فى حمل هذا المكروه ، وإساغة ما فيه من مرارة ، إذ ليس كل ما تستقبل النفوس من مكروه شرا لا خير فيه ، وليس كل ما تستقبل من محبوب خيرا لا شرّ معه. فقد يركب المرء المكروه فيحمله إلى مواقع الخير ، ويركب المحبوب فيسوقه إلى مهاوى الرّدى!. والأمور دائما بخواتيمها ، المحجبة وراء الغيب ، والكائنة فى علم اللّه ، والمحكومة بقضائه وقدره .. وما فرضه اللّه علينا فالخير كلّه فيه ، وإن اقتضانا جهدا ، وحمّلنا أعباء ، فإنه لا أجر بلا عمل ، ولا عمل إلا ببذل ، وعلى قدر المشقة يكون الجزاء : « وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » .
الآية : (217) [سورة البقرة (2) : آية 217]

(1/230)

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَ لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (217)
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 240
التفسير : شنّع المشركون على المسلمين لأن قاتلوهم فى الشهر الحرام ، ووقع فى نفس المسلمين شى ء من الحرج من القتال فى الأشهر الحرم ، وجالت فى أنفسهم خواطر التساؤلات ، فجاءت آيات اللّه تجلو هذا الموقف ، وتكشف هذا الحرج.
وقد بيّن القرآن الكريم فى قوله تعالى : « الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ » موقف المسلمين من حرمة الأشهر الحرم إذا بدأ هم العدو بقتال فيها ، وأنه لا حرمة لهذه الأشهر حينئذ ، إذ كانت حرمة دمائهم فوق كل حرمة!.
وهنا جاء قوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ ، قِتالٍ فِيهِ » تحريرا للسؤال الدائر فى شعور المسلمين وعلى ألسنتهم .. وقوله تعالى : « قِتالٍ فِيهِ » بدل من الشهر الحرام .. أي يسألونك عن الشهر الحرام .. أي يسألونك عن الشهر الحرام ، عن قتال فيه.
وكان قوله تعالى : « قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ » ـ جوابا شافيا لهذا السؤال الحائر.

(1/231)

و مفهوم هذا الجواب : أن القتال فى الشهر الحرام إثم كبير .. ولكن الصدّ عن سبيل ، والكفر باللّه وبالمسجد الحرام بما استباح المعتدون من حرمته ، وإخراج أهله المؤمنين به من جواره .. كل هذه الحرمات المستباحة أكبر فى استباحتها إثما من استباحة القتال فى الشهر الحرام .. إذ الفتنة أكبر من القتل ، والمشركون يعرضون المؤمنين للفتنة فى دينهم بصدّهم عن سبيل اللّه ، وإخراجهم من ديارهم بالبلد الحرام.
وفى قوله تعالى : « وَ لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ ، عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 241
فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » ما يكشف للمسلمين عن نوايا العدوان التي يبيتها لهم المشركون ، وأنهم مصرّون على قتالهم حتى يبلغوا منهم ما يريدون ، وهو ارتدادهم عن دينهم ، وعودتهم إلى ما كانوا عليه من شرك ، ما وجدوا إلى ذلك سبيلا ، وما مكّن لهم ضعاف الإيمان من تحقيق ما أرادوا.
ثم يتوعد اللّه سبحانه وتعالى أولئك الذين دخلوا فى الإسلام ، ثم لما أن مسّهم شى ء من البأساء والضراء ، ارتدوا على أدبارهم ، وارتدوا لباس الشرك من جديد ـ توعدهم سبحانه بالبوار والخسران فى الدنيا ، والعذاب الأليم فى الآخرة : « أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » .
وقوله تعالى « فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ » هو قيد وارد على الشرط فى قوله سبحانه :
«

(1/232)

مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ » فالحكم الواقع على المرتد هنا ـ وهو خسران أعماله فى الدنيا وعذابه فى الآخرة ـ ليس على إطلاقه ، وإنما هو لمن ارتد ثم ثبت على ردته إلى أن مات .. أما من نظر إلى نفسه ، واستنقذها من الشرك ، وعاد إلى الإيمان بقلب سليم ، ونفس لوّامة ، فقد غسل حوبته بتوبته ، ومسح بنور إيمانه على ظلام شركه : « وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً »
(110 : النساء).
وأما قوله سبحانه : « فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ .. »
فهو حكم على حياتهم وهم فى لباس الشرك ، بالبوار والخسران فى الدنيا والآخرة ..
أما فى الدنيا فلأنهم يعملون فى تجارة خاسرة ، وإن خيّل إليهم أنهم قد ملئوا أيديهم من دنياهم ، وضمنوا السلامة فى أنفسهم وأهليهم وأموالهم ، فذلك كله إلى زوال. وأما فى الآخرة فلأنهم يساقون إليها وقد صفرت أيديهم من كل شى ء يعود عليهم نفعه فى هذا اليوم ، فضلا عما يثقل ظهورهم من أوزار الشرك والضلال ..
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 242
الآية : (218) [سورة البقرة (2) : آية 218]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)
هذه الآية تفرد الذين آمنوا وثبتوا على إيمانهم ، واجتازوا المحنة ، ونجوا من الفتنة ـ تفردهم بذكر خاص ، وتنوّه بهم ، وتدنيهم من رحمة اللّه ورضوانه ، وذلك فى مواجهة أولئك الذين واجهوا المحنة فلم يصبروا ولم يصابروا ، ففروا من ميدان المعركة تاركين دينهم الذي ارتضوه سلبا ملقى فى ساحة الحرب! هذا وفى الآية الكريمة :

(1/233)

أولا : قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » فصل بين الذين آمنوا وبين الذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل اللّه ، فلم يجعلهم نسقا واحدا داخلا فى صلة الموصول الأول ، بل أفردهم بذكر خاص ، فكأن الذين آمنوا صنف ، والذين هاجروا وجاهدوا صنف آخر .. ولو كانوا صنفا واحدا لجاء النظم هكذا : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا. ولكن هكذا جاء نظم القرآن بجلاله وروعته وإعجازه ، ليضع موازين الحق فيما يقول .. فالمؤمنون ـ مطلق الإيمان ، بلا هجرة ولا جهاد ـ هم صنف وحدهم فى المؤمنين.
والمؤمنون المهاجرون المجاهدون ، هم صنف آخر يختلف عن الصنف الأول بميزات وفضائل .. ويحق لهم بهذه الميزات وتلك الفضائل أن ينوه بهم ، ويرفع شأنهم بين المؤمنين. إذ الإيمان بلا عمل نبات لا ظل له ، ولا ثمر فيه.
ثانيا : قوله تعالى : « أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ » وضع الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل اللّه موضع الرجاء من رحمة اللّه ، ولم يعطهم الثواب والمغفرة والرضوان على القطع والتحقيق ، وذلك ليقيمهم من هذا الرجاء
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 243
على عمل دائم ، وجهاد متصل ، وهذا على خلاف ما إذا سوّى حسابهم بعد الهجرة وبعد كل موقف من مواقف الجهاد ، فقد يقعد بهم هذا عن أن يضيفوا جديدا ، أو يخفّوا للجهاد ، مرة بعد مرّة.
ثم إنه من جهة أخرى يرى الذين آمنوا ـ مجرد إيمان ـ ولم يهاجروا ولم يجاهدوا ـ يريهم شناعة موقفهم ومغبّة تقصيرهم بتخلفهم عن ركب المهاجرين والمجاهدين ، ويرفع لأعينهم بعد ما بينهم وبين مواقع رحمة اللّه ورضوانه ، إذ يرون المهاجرين المجاهدين ولمّا يلمسوا بأيديهم مواقع الرحمة والرضوان ، وأنهم ما زالوا على رجاء! فكيف بالذين آمنوا ، ولم يهاجروا ولم يجاهدوا؟

(1/234)

إن المدى بعيد بينهم وبين أن يصلوا إلى جانب الأمن والسّلامة ، وإن عليهم أن يحثّوا المطىّ إلى ميدان الهجرة والجهاد ، ليلحقوا بركب المهاجرين المجاهدين ، وليكونوا بمعرض من رحمة اللّه ورضوانه!.
الآيتان : (219 ـ 220) [سورة البقرة (2) : الآيات 219 الى 220]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)
التفسير : هنا عدة قضايا عرضت لها هذه الآيات ، وقضت فيها بأحكام إلهية ، كانت سكنا لوساوس السائلين ، وطمأنينة لحيرة الحائرين ..
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 244
فهنا قضية الخمر والميسر ، وقضية القدر الواجب إنفاقه من مال ذوى المال ، ثم قضية اليتامى وحقهم فى المجتمع ومكانهم فيه.
ويلاحظ أن هناك قضية كانت مثارة من قبل ، وهى قضية الأشهر الحرم وما يقع فيها من قتال ، وأن هذه القضايا قد انعزلت عنها ، فلم تعطف عليها ، ولم تدرج معها فى سجل واحد ، ولهذا جاءت منقطعة عنها ، فلم يقع بينهما حرف عطف.
وفيما يبدو لنا ـ واللّه أعلم ـ أن هذه القضايا الثلاث تختلف فى موضوعها عن قضية الأشهر الحرم. ولهذا كان لها هذا الوضع الخاص الذي سمح لها بأن تنحاز جانبا ، وتنظر فى غير مواجهه سابقتها.
فموضوع الأشهر الحرم يتناول رفع الحرج والحظر عن أمر كان محرما محظورا ، ولكنه رفع مؤقت ، جاء نتيجة لعارض عرض ، فإذا زال هذا العارض زال رفع الحرج ، وعادت الحرمة والحظر.

(1/235)

أما موضوع الخمر والميسر فعلى عكس هذا ، إذ هو يعرض لأمر كان مباحا ديانة وعرفا فى حياة الجاهلية ، فيؤثّمه ويجرّمه. فالخمر والميسر مما كانت الجاهلية تعيش فيهما ، وتشتغل بهما فى غير تحرج أو تأثم من أمردين أو ناموس مجتمع.
وأما قضية النفقة الواجبة فى مال ذوى المال فهى فى المباح المطلق ، ويراد له هنا أن تحدد حدوده ، وتوضح معالمه .. وكذلك الشأن فى اليتامى وحقهم فى المجتمع ..
إذ كان هذا الحق مجهّلا ، فرفعت جهالته وعرف وجهه. فهناك ـ فى حرمة الأشهر الحرم ـ حرام ترفع حرمته ، وهنا ـ فى القضايا الثلاث ـ حلال يحرّم ، أو تقام حدوده ، أو ترفع جهالته .. ولهذا كان القطع ، وعدم التعاطف بين الأمرين.
وننظر فى هذه القضايا الثلاث فنجد :
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 245
قوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما » . هذه إشارة حادّة من إشارات السماء ، إلى أمرين من أمور الجاهلية ، كانت حياتهم متلبسة بهما ، دائرة فى فلكهما ، وهما الخمر والميسر ، وقد كان هذان المنكران متلازمين ، لا يكاد يفترق أحدهما عن الآخر .. فحيث كان خمر كان معه ميسر ، وحيث كان قمار ومقامرة دارت كئوس الخمر ودارت معها رءوس النّدمان .. ولهذا قرنهما اللّه سبحانه فى هذا المقام .. الخمر والميسر ، ودمغهما بالإثم.
والحكم ـ كما ترى ـ أنهما يحملان فى كيانهما قدرا كبيرا من الإثم ، إلى جانب ما يحملان من نفع .. وإن كفة الإثم فيهما ترجح عن كفة النفع.

(1/236)

و يلاحظ أن التعبير بالإثم جاء فى مقابله لفظ النفع ، والنفع لا يقابل الإثم ، وإنما يقابل الضرّ .. وهذا يعنى أن الإثم ليس مجرد ذنب ومعصية ، يضاف حسابهما إلى الحياة الآخرة ، بحيث لا يجد من يقترفهما ممن لا يؤمن بهذه الحياة ما يضيمه أو يضيره ، بل إن هذا الإثم هو ذنب ومعصية يترصد صاحبه فى الآخرة ، ثم هو ضرر وشر يصيب مقترفة فى الدنيا .. ومعنى هذا أن صاحب الخمر والميسر إن كان لا يؤمن بالحياة الآخرة ولا يخاف مأثما منهما ، فإنّ ما فيهما من ضرر يصيبه فى حياته الدنيا .. فى جسده وماله ، جدير به أن يخيفه ويزعجه ، ويقيمه منهما على حذر وتخوف ، فكيف بصاحب الدّين الذي ينظر إلى هذين المنكرين وقد أصاباه فى دينه وفى دنياه جميعا؟.
هذا ، وليس جمع « المنافع » بالذي يرجّح كفة الشر على الخير ، فى جانب الخمر والميسر ، فإن هذا الجمع لا يتجه إلى النفع فى ذاته وقدره ، وإنما هو لتعدد وجوه الناس فى التماس الكسب منهما .. فمن صانع للخمر ، إلى جالب لها ، إلى بائع ، إلى ساق ، إلى مغنّ فى حانها .. إلى غير ذلك ممن يعملون للخمر
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 246
و فى طريقها .. وكذلك الميسر وأصناف الناس الذين يجتمعون عليه ، ويعملون فى ميدانه!.
أما الإثم فهو الإثم ، وإن تعددت مصادره ، واختلفت موارده ، والوصف الذي يلحقه هو الذي يفرق بين إثم وإثم ، فيقال إثم كبير ، أو عظيم ، أو غليظ ، أو يسكت عنه فلا يوصف بوصف ما .. ويكفى فى وصفه فى هذه الآية أن يقال : « إثم كبير » فيكون وصفا جامعا لكل منكر.
ويتفق المفسرون على أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : « إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » (90 : المائدة).

(1/237)

و نحن .. على رأينا فى موضوع النسخ .. لا نرى فى هذا نسخا للآية الكريمة ، بل هى محكمة عاملة ، وكذلك كل الآيات التي جاء فيها للخمر ذكر أو حكم ، كما أوضحنا ذلك من قبل فى مبحث « النسخ » .
قوله تعالى : « وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ » .. العفو : ما زاد عن حاجة الإنسان ، فى قصد واعتدال ، بلا سرف ولا تقتير.
وحيث كفى الإنسان حاجته فإن واجبا عليه ـ ديانة وإنسانية ومروءة ـ أن يسمح بما زاد عن هذه الحاجة ، فيدفع به حاجة المحتاجين ..
إذ كيف يكون الإنسان إنسانا بارّا بإنسانيته ، وفى يده فضل مال أو متاع ، وفى الناس من أهله وجيرانه ، وقومه ، من هو فى حاجة إلى بعض هذا المال أو المتاع؟.
لهذا جاءت شريعة الإسلام بهذا التوجيه الإنسانى الكريم ، الذي يصل الناس بالناس ، بصلات المودة والرحمة ، ويجعل منهم كيانا واحدا
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 247
متكافلا تتوزع فيهم خيرات الأرض وأرزاق السماء بحكمة وعدل ، كما يتوزع الدم من القلب على سائر أعضاء الجسد عضوا عضوا!.
وإنفاق العفو الذي لا يضر الإنسان ولا يجور على مطالبه ، هو من البرّ بالمنفق والرحمة له ، حتى لا يحمله الدافع الإنسانى على أن يجاوز الحد فيتحيّف حقّه فى ماله ، ويجوز على نفسه فيما آتاه اللّه ، فيخرج مما فى يده جملة ، ويصبح فى جبهة المحتاجين بعد أن كان فى جماعة المنفقين ، وتلك حال لا يرضاها الإسلام من المسلم ، إذ الإسلام يريد بهذه المواساة الكريمة أن يستنقذ بعض ذوى الحاجات ليقلّ عددهم ، وتضمر أعدادهم .. وصاحبنا بفعلته هذه ، قد أضاف إلى المحتاجين محتاجا ، وربما لم يكن بما فعل قد استنقذ واحدا منهم ، وإن كان قد أعطى الدواء المسكن لآلام الكثيرين.

(1/238)

قوله تعالى : « كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ » أي بمثل هذا البيان الواضح الشافي يبين اللّه لكم أحكامه فى آياته المحكمة ، لتكونوا على رجاء من التعرف على مواقع الخير والشر ، فتقبلوا على الخير وأهله ، وتجتنبوا الشر ودواعيه ، ولتفرقوا بين ما هو للدنيا وما هو للآخرة ، فذلك هو الذي يقيمكم على الصراط المستقيم.
وفى الانتهاء بفاصلة الآية عند قوله تعالى : « تَتَفَكَّرُونَ » ثم بدء الآية بعدها بقوله سبحانه : « فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ » ـ فى هذا تحريض على استحضار العقل دائما ، ودعوته إلى النظر المطلق فى رحاب هذا الكون ، وفى كل ما يدور فى فلك الحياة .. ثم يجى ء بعد هذا ، النظر إلى أمور الدنيا فى مواجهة الآخرة ، وما يدّخر منها لهذا اليوم العظيم ، وعندئذ يجى ء النظر صائبا ، ويقع متمكنا ، بعد أن يكون العقل قد دار دورته الشاملة فى هذا الكون الرحيب!! قوله تعالى : « وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ » .. خير ما يؤدّى
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 248
لليتيم من إحسان إليه وبرّ به ، هو أن يربّى تربية طيبة ، تبلغ به مبلغ الكمال والرشد ، حتى يستقل بشئون نفسه ، ويتولى رعاية أموره ، وتلك هى الأمانة التي جعلها اللّه فى عنق من يقومون على اليتامى ، من أولياء وأوصياء ، فإذا قصروا فيها كان حسابهم عليها بين يدى اللّه على قدر ما قصروا.
قوله تعالى : « وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ » أي وإن تضموهم إليكم وتتولوا عنهم رعاية أمورهم فهم إخوانكم ، لهم مكان الأخوة بينكم ، وما لهذه الأخوة من حقوق.

(1/239)

و فى التعبير عن الإشراف على اليتامى بالمخالطة ، إشارة إلى أن هذا الإشراف ينبغى أن يقوم على صلات روحية ونفسية ، تمتزج فيها مشاعر الأوصياء على اليتامى بمشاعر هؤلاء اليتامى ، ويختلط إحساسهم بإحساسهم ، حتى لكأنهم كيان واحد ، وذلك هو الذي يعطى اليتيم مكانا متمكنا فى قلب الوصىّ وفى أهله الذين يعيش معهم ، مختلطا وممتزجا ، لا منفصلا ومعتزلا.
وفى التعبير عن اليتامى بقوله تعالى : « فَإِخْوانُكُمْ » بدلا من « فأولادكم » كما يقتضيه ظاهر الأمر ، إذ اليتيم لا يكون يتيما إلا فى حال صغره ، الأمر الذي يجعله من الوصىّ بصفة الابن لا الأخ ـ فى هذا التعبير تنويه بما ينبغى أن تكون عليه نظرية الوصىّ على اليتيم إلى اليتيم ، وهو أن ينظر إليه على أنه مثله وفى درجته ، وإن كان فى مدارج الصّبا .. فهذه النظرة جدير بها أن تقيم الوصىّ دائما على شعور يقظ ، بأنه إنما يتعامل مع إنسان رشيد ، يرقب أعماله ، ويرصد تصرفاته فى شئونه ، وهذا الشعور يجعل الوصىّ حذرا فى تصرفاته ، حريصا على أن يظهر بمظهر الأمين الحريص على مصلحة اليتيم ..
ثم إنه من جهة أخرى ، سيعمل هذا الشعور عمله عند الوصىّ فى الوصول باليتيم إلى مرحلة الرشد فى أقصر زمن ممكن ، بحكم هذه الأخوة الملازمة له ،
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 249
و المستقرة فى شعوره ، وهذا شعور معاكس تماما لما يشعر به الأوصياء نحو اليتامى من أنهم لن يكبروا أبدا ، حتى يظلوا أكبر زمن ممكن تحت أيديهم!! فانظركم أعطت هاتان الكلمتان المباركتان : « وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ » من ثمرات طيبة ، وكم تعطيان هكذا أبدا من ثمر طيب مبارك لكل طالب ومريد؟

(1/240)

و فى قوله تعالى : « وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ » حماية لهذا الشعور الذي أثاره قوله سبحانه : « وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ » وتغذية دائمة له من أن يضعف ، إذ يجد الوصي على اليتيم عين اللّه ترقبه ، وعلمه يحيط بكل ما يعمل لليتيم الذي فى يده ، من خير أو شر ، ومن إصلاح لأمره ، ليرشد ويستقلّ بشؤنه ، أو ليفسد ويظل هكذا تحت يده!.
وفى قوله سبحانه : « وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ » إشارة إلى أن ما قضت به حكمة اللّه من تكاليف فى شريعة الإسلام ، هو مما لا إعنات فيه ولا إرهاق ، بل هو مما تحتمله النفوس فى متوسط مستوياتها ..
فأوامر الشريعة الإسلامية ونواهيها ملتزمة هذا الموقف الوسط ، الذي جمع أطراف الناس جميعا ، من أقوياء وضعفاء.
ولو أراد اللّه سبحانه وتعالى أن يكلف بما هو فوق احتمال الناس ، أو بما يصيبها بالجهد والإعياء لما كان لأحد أن يعترض ، ولكان ذلك شريعة ملزمة ، يحلّ العقاب بمن خرج عليها ، كما فعل اللّه سبحانه وتعالى ذلك باليهود ، وذلك من باب الابتلاء والفتنة ، التي عافى اللّه سبحانه وتعالى منها هذه الأمة الإسلامية ، ورحمها من هذا البلاء.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 250
الآية : (221) [سورة البقرة (2) : آية 221]
وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَ لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَ لا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَ الْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَ يُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)

(1/241)

التفسير : فى الآيات السابقة بيّن اللّه سبحانه حدودا وأحكاما ، جلابها وجه الحق فيما التبس على النّاس من أمر القتال فى الشهر الحرام ، ومن شأن الخمر والميسر. ومن النفقة المطلوبة من مال أصحاب المال ، ومن حق اليتيم على الوصىّ.
وفى هذه الآية بيّن اللّه تعالى حكم التزاوج بين المؤمنين والمشركين ، فيقضى سبحانه بتحريم التزاوج بينهما ، فلا يحلّ للمؤمن أن يتزوج مشركة ، ولا لمشرك أن يتزوج مؤمنة.
ذلك أن العلاقة الزوجية من شأنها أن تربط بين الزوجين بروابط روحية ونفسية وعقلية ، وقيام تلك الروابط بين مؤمن ومشركة ، أو مشرك ومؤمنة ، يؤدى غالبا إلى إفساد الطبيعتين معا ، فلا يكون المؤمن مؤمنا ، ولا المشركة مشركة ، كما لا يكون المشرك مشركا ولا المؤمنة مؤمنة. إذ أن كلّا من الزوجين ينضح على الآخر من روحه ونفسه وتفكيره ، فيقيمه على منزلة بين المنزلتين : بين الإيمان والشرك .. وفى هذا ما يدخل الضيم على المؤمن فى دينه ، وربما خرج منه جملة ، فباء بالخسران المبين. أما المشرك فلا خسران عليه ، إذ هو ـ عند اللّه ـ من الخاسرين ، من قبل ومن بعد.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 251

(1/242)

و قد يخطر بالبال هنا أن فى التزاوج بين المؤمنين والمشركين ، ربما يكون من نتائجه تحول المشرك أو المشركة إلى الإيمان ، وفى هذا تعويض للخسارة التي قد تنجم من تحول المؤمن أو المؤمنة إلى الشرك ، وبهذا لا تكون هناك خسارة بالنسبة للمجتمع المسلم ، الذي إن خسر هنا ربح ما يعوض الخسارة هناك! وهذا التقدير غير سليم ، وغير عادل! أما أنه غير سليم ، فإن الشرّ غالبا يغلب الخير ، وتتسرب عدواه إلى الخير بالمخالطة أكثر من تسرب الخير إليه ، إذ كان الشر يعمل وأهواء النفوس معه ، وشهواتها مائلة إليه ، جاذبة له! وأما أنه غير عادل ، فإن فيه مخاطرة بنفس مؤمنة فى مقابل نفس مشركة ، وشتان ما بين نفس ونفس! وقد أباح الإسلام أن يتزوج المؤمن الكتابية ، ولم يبح أن يتزوج الكتابي المؤمنة ، وذلك فى قوله تعالى : « وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ » : (5 : المائدة).
وذلك أن الرجل أقوى من المرأة ، وأقدر على التحكم فى عواطفه ، وأن تأثيره على المرأة أكثر من تأثيرها عليه ، وأنه أحرص على دينه من حرصها على دينها ، وذلك فى الأعم الأغلب .. والحكم للعام الغالب. وعلى هذا كان تقدير الإسلام ، فأباح للمؤمن أن يتزوج الكتابية ، ولم يبح للمؤمنة أن تتزوح الكتابي.
ويرد على هذا خاطر أيضا ، وهو أنه إذا كان الأمر على هذا التقدير ، فلم
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 252
لا يبيح الإسلام للمؤمن أن يتزوج المشركة .. وهو الرجل ، وهى المرأة ، على ما عرفنا من فوارق بين الرجل والمرأة؟
و الرد على هذا فيما أشرنا إليه من قبل ، وهو أن ذلك من قبيل المخاطرة بنفس مؤمنة فى مقابل نفس مشركة ، وأن الاحتمال وإن كان هنا قويا فى أن يشدّ الرجل المرأة إليه ، إلا أنه معارض باحتمال آخر ، وإن كان أضعف.

(1/243)

و هو أن المرأة قد تغلب الرجل الذي يضعف لها ، وليس بقليل أولئك الرجال الذين يخضعون لسلطان النساء .. فكان تدبير الإسلام بالمنع المطلق ، هو التدبير الحكيم ، الحريص على سلامة المؤمن ، وحياطة دينه من أن يتعرض لسوء ، أو يحوم حول فتنة!
الآية : (222) [سورة البقرة (2) : آية 222]
وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)
التفسير : ممّا يسأل السائلون عنه ، فيما بين الرجال والنساء هو : هل يحل مباشرة النساء وهن فى المحيض؟ وقد جاء حكم اللّه فيه : « هو أذى ، فاعتزلوا النّساء فى المحيض » أي هو أذى تستقذره النفس وتتأذى منه .. وقد تغلب الشهوة على بعض الناس فيحتمل هذا الأذى فى سبيل إرضاء شهوته ، ولكنه ـ مع ذلك وبعد قضاء شهوته ـ يظل وفى نفسه شى ء من آثار هذا الأذى ، قد تنضح آثاره على ما بين الزوج وزوجه من السّكن الروحي ، الذي بغيره لا تطيب الحياة الزوجية ولا تدوم
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 253
و يلاحظ أننا لم ننظر فى قوله تعالى : « هُوَ أَذىً » إلا من جانب واحد ، هو جانب الأذى النفسي ، ومع أنّ التعبير القرآنى جعله أذى مطلقا ، عاما شاملا ، فى جانب الرجل والمرأة معا ، وفى النفس والجسد جميعا ـ فإنه حسبنا هنا ما وقع عليه نظرنا ، أما ما يقول به العلم ، وما يكشفه الطب من هذا الأذى ، فلا نريد أن نعرض له ، إذ كان ما يقول به العلم ويكشفه الطب فى هذا الأمر مما لا يقع على حقيقته إلا أهل الذكر من العلماء! قوله تعالى : « وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ » المراد بالقرب هنا قرب المباشرة لا قرب الحياة من مؤاكلة ، ومجالسة ، وحديث ، وغيرها ..

(1/244)

إذ ليس الحيض مما يمسّ طهارة المرأة فى ذاتها كإنسان ، كما ترى ذلك بعض الديانات التي ترى أن المرأة أيام حيضها نجسة فى ذاتها ، وفى كل ما يمسّها! وذلك هو معتقد اليهود! ومن جهة أخرى فإنا نرى قوله تعالى : « فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ » وإن كان يراد به الاعتزال عن المباشرة إلا أنه يشير من بعيد إلى شى ء من الإمساك عن المخالطة الدائمة ، التي تكون بين الزوجين فى غير أوقات الحيض .. إذ أن المرأة فى أيام حيضها تكون فى أحوال غير طبيعية ، سواء فى حالتها الجسدية ، أو النفسية ، والإقلال من لقائها فى تلك الحال آمن وأسلم من أن يجد منها زوجها ما لا يرضاه! قوله تعالى : « فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ » التطهر طهر وزيادة .. فالطهر هو انقطاع دم الحيض ، والتطهّر الاغتسال. أي فإذا اغتسلن فأتوهن من حيث أمركم اللّه ، أي فأتوهن من حيث ينبغى أن تؤتى المرأة .. وكان بعضهم يأتى المرأة من دبرها ، وهو انحراف خارج على طبيعة الحياة بين الأحياء ، من حيث كان اتصال الذكر بالأنثى فى عالم الحيوان لا يعدو الموضع الذي يجى ء منه النسل! فكيف لا يعفّ الإنسان عما عفّ عنه الحيوان؟
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 254

(1/245)

و قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ » دعوة إلى التزام الطريق القويم لمن كان قد انحرف عنه ، وأتى المرأة من غير المأتى الطبيعي لها ، فباب التوبة مفتوح لمن أناب إلى اللّه والتزم حدوده : « إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ » فالتوبة تغسل الحوبة .. وليس مصيبة الإنسان فى أن يخطى ء ويزل ، فالإنسان بحكم أنه بشر عرضة للخطأ والزلل ، ولكن المصيبة ألّا يتأثّم من الإثم ، ولا يتحرج من الانحراف ، فيقيم على إثمه ، ويصر على انحرافه .. وليس يستنقذ الإنسان من أن يحيط به ذنبه إلّا أن يرجع إلى اللّه من قريب ، وأن يلقاه نادما تائبا .. هنالك يجد من ربه رحمة ومغفرة ، ورضى ورضوانا « إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ » أي المتطهرين من كل أذى يمسّ أجسادهم وأرواحهم ..!
الآية : (223) [سورة البقرة (2) : آية 223]
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)
التفسير : قوله تعالى : « نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ » أي محترث ومزدرع ، تبتغون منهن ما يبتغى الحارث والزارع مما يحرثه ويزرعه ، وهو الثمرة التي يجتنيها من زرعه .. وفى هذا دعوة إلى أمور ، منها : رعاية المرأة ، وتدبير أمرها ، وإصلاح شأنها ، وتوفير وسائل الحياة الطبيعية لها ، شأن الزارع الذي يقوم على رعاية زرعه ، وحمايته من كل ما يعرض له من سوء .. ومنها غرس ما يرجى ثمره ، وما ينتفع به من ثمر ، وذلك لا يكون إلا بمباشرة المرأة من حيث يؤتى بالولد الذي هو الثمرة المرجوة من هذا الغرس.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 255

(1/246)

و قوله تعالى : « فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ » إطلاق لأى قيد فى اتصال الرجل بزوجه ، بعد أن يلتزم الحدود التي بينها اللّه ، وهو ألا يباشرها إلا بعد أن تطهر من الحيض ، ثم أن تكون المباشرة فيما ينفع ويثمر ..
قوله سبحانه : « وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ » دعوة إلى ألا يكون همّ الرجل كلّه فى مباشر المرأة هو اللذة المجرّدة من كل قصد ، إلا إشباع شهوته وإرواء ظمئه ..
فذلك عمل مستهلك لا يبقى للإنسان منه شى ء بعد ساعته .. والأولى بالإنسان هنا أن يطلب فى مباشرته للمرأة النّسل ، وأن يقوم على رعاية هذا النسل ، وإعداده إعدادا صالحا للحياة ، ليشارك فى بنائها وعمرانها ، وبهذا يكون قد استجاب لأمر اللّه تعالى فى قوله : « وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ » فقدم لنفسه عملا صالحا يلقاه يوم القيامة : « مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ » (20 : الشورى).
قوله تعالى : « وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ » تعقيب على تلك المحظورات التي بينها اللّه سبحانه وتعالى فى هذه الآيات ، وتنبيه إلى أنها من حرمات اللّه ، وأن اتقاءها ومجانبتها هو الذي يرضى اللّه ، ويحقق للمؤمن إيمانه ، فيلقى اللّه آمنا يوم القيامة « وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ » بما أعدّ اللّه سبحانه وتعالى لهم يوم القيامة من مغفرة ورضوان.
الآية : (224) [سورة البقرة (2) : آية 224]
وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224)
التفسير : ذات اللّه سبحانه وتعالى ، فى جلالها وبهائها وعظمتها ، ينبغى
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 256

(1/247)

أن تكون فى قلب المؤمن بمكانتها المكينة من الإجلال والتعظيم ، وأن تصان من كل ما يمسّ هذه المكانة من اهتزاز أو إزعاج!.
وأسماؤه تعالى ، لها ما لذاته سبحانه ، من هذا الإجلال والتوقير والإعظام ، فلا يتلفظ المؤمن باسم من أسمائه جلّ وعلا إلّا فى مقام العبادة والتسبيح ، وإلا فى حال الضراعة والابتهال.
فليس بالذي يقدر اللّه حقّ قدره من يتخذ اسم اللّه يمينا يحلف به ، ويقدّمه بين يدى كل أمر يعرض له ، ويتخذ من جلال الاسم الكريم وعظمته وسيلة يتوسل بها إلى نفاذ ما يحلف عليه إلى مشاعر من يحلف له ، فيحترم حرمة اليمين ، ويصدقه.
فقوله تعالى : « وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ » أي لا تعرّضوا اسم اللّه تعالى للحلف به فى كل ما يعترضكم من أمور دنياكم ، تريدون لها التوثيق والتوكيد.
وقوله سبحانه : « أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ » أي لا تجعلوا اللّه عرضة لأيمانكم ولو كان الحلف من أجل أمر تلتزمون فيه قول الحق ، وترعون فيه تقوى اللّه ، وتصلحون به بين الناس .. لأن الإكثار من الحلف باللّه مقام الصدق والتقوى والإصلاح بين الناس ، يفتح للإنسان الطريق إلى الحلف باللّه فى مجال الكذب والفجور والإفساد بين الناس!.
فالنهى عن الحلف باللّه فى مقام الصدق والتقوى والإصلاح بين الناس ، ليس نهيا مطلقا ، وإنما هو نهى عن الإكثار واللامبالاة ، حيث لا يتحرج المرء من الحلف فى هذا المقام ، وهو يلتزم حدود الصدق والتقوى .. فإن هذا الإكثار فى الصدق ـ كما قلنا ـ يفتح الطريق إلى الحلف بالكذب والفجور!.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 257
الآية : (225) [سورة البقرة (2) : آية 225]
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)

(1/248)

التفسير : من رحمة اللّه سبحانه وتعالى بعباده أن تجاوز عنهم فيما يقع منهم من أيمان يجرى بها اللسان من غير قصد ، فلا يراد بها إبطال حق ، ولا إحقاق باطل .. فهذه الأيمان قد تجاوز اللّه عنها. ولكن ما انعقد عليه القلب منها ، واحتوته النية ، وصحبته العزيمة هو الذي تقع المؤاخذة عليه ، فمن برّ وصدق فلا إثم عليه ، ومن كذب وفجر فعليه وزر ما اكتسب ، « وَ اللَّهُ غَفُورٌ » يتجاوز عن سيئات المسيئين إذا أنابوا إليه ، ومدّوا يد الرجاء إلى أبواب رحمته ، « حليم » لا يعجل بأخذ المذنب بذنبه ، بل يمهله الأيام والشهور والسنين ، ليراجع نفسه ، ويستغفر لذنبه ، ويصطلح مع ربه.
الآيتان : (226 ـ 227) [سورة البقرة (2) : الآيات 226 الى 227]
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)
تبين هاتان الآيتان الكريمتان ، حكما من أحكام اللّه فى العلاقة بين الرجل والمرأة ، حين تتأزم بينهما الأمور ، وتتصادم النفوس! ومما يأخذ الرجل به المرأة من أدب أن يهجرها ، أي لا يتصل بها اتصال الرجل بالمرأة ، وذلك ما تشير إليه الآية الكريمة فى قوله تعالى : واللاتي تخافون نشوزهن
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 258

(1/249)

فعظوهن واهجروهنّ فى المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن اللّه كان عليا كبيرا (34 : النساء) وليس لهذا الهجر زمن محدد ، إذ هو مقدور بالقدر الذي يعدّ كافيا للتأديب والإصلاح! هذا ، إذا لم يكن الهجر محكوما بيمين آلى بها الرجل على نفسه ألا يقرب زوجه ، فإذا كان ذلك عن يمين ، وهو ما يسمى « بالإيلاء » لم يكن المزوج أن يهجر زوجه أكثر من أربعة أشهر ، فإن رجع خلال هذه الأشهر ، وقبل انتهائها ، إلى زوجه وأعاد الحياة الزوجية إلى ما كانت عليه قبل هذا الإيلاء ، فزوجه حل له ، وعليه كفارة يمينه : « فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » يقابل سيئاتكم بالغفران والرحمة ، فليذكر الزوجان ذلك ، وليلق كل منهما صاحبه بالغفران والرحمة ، فذلك هو الذي يمسك الحياة الزوجية بينهما ، ويقيمها على طريق السلامة والأمن.
وإن أصر الرجل على موقفه طوال هذه الأشهر الأربعة ـ فإن إمساك المرأة بعدها فى عصمته هو إضرار بها ، والطلاق فى تلك الحال خير لها ، إذ بهذا يتحدد موقفها وتتعرف إلى مكانها فى الحياة ، وذلك على ما فيه من أذى ، خير من إمساكها بهذا القيد الثقيل الذي يحول بينها وبين أن تتحرك إلى أي اتجاه. « وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » والدلالة على عزيمة الطلاق هنا هو عدم مراجعة الزوجة خلال أربعة الأشهر ، فإن طلق الزوج عند انتهاء هذه الأشهر انتهى الأمر ، وإلا طلق عليه القاضي ، وأخلى سبيل المرأة من هذا المقام الذي أقامها فيه الزوج ، والذي لا يراد منه غير الإضرار ، لا الإصلاح ، كما دلّ على ذلك هذا الزمن المتطاول .. أربعة أشهر ، لم ير فيها الزوج بابا يدخل منه ليصلح ما بينه وبين زوجه .. فلم يبق إلا التفرقة بينهما : « وَ إِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ » .
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 259
الآية : (228) [سورة البقرة (2) : آية 228]

(1/250)

وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)
التفسير : من أحكام المطلقة المدخول بها ، غير المتوفّى عنها زوجها ، وغير الحامل ، وغير اليائسة من الحيض ـ أن تعتد ثلاثة قروء.
والقرء يجى ء لغة بمعنى الطهر ، وبمعنى الحيض أيضا ، فهو ضد.
والمراد بالعدة هنا هو استبراء الرحم ، ولا يتحقق الاستبراء ويقع موقع اليقين إلا بأن ترى المرأة الدم ثلاث مرات .. أي تحيض وتطهر ، ثم تحيض وتطهر ، ثم تحيض وتطهر ، فإذا كان ذلك فقد استبرأت رحمها ، وتم انفصام العلاقة الزوجية بينها وبين زوجها ، وحل لها أن تتزوج.
والطلاق الشرعي هو أن يطلق من انتهى موقفه إلى الطلاق ـ امرأته فى طهر لم يمسسها فيه ، فإذا جاءها الحيض طلقها طلقة أولى رجعية ، ثم إذا طهرت وجاءها الحيض طلقها طلقة ثانية ، ثم إذا طهرت وجاءها الحيض طلقها الطلقة الثالثة.
قوله تعالى : « وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ » أي يحرم على المرأة المطلقة المعتدة بالقروء أن تكتم ما خلق اللّه فى رحمها من الولد ، فتقر بالواقع ، إذ القول هنا قولها ، وما تعلمه هو أمانة حملتها ، فإذا لم تؤد الأمانة على وجهها فقد أصبحت فى الخائنات الآثمات.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 260
و قوله تعالى : « إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ » تذكير لهن باللّه وبالإيمان به ، فإن من شأن من يؤمن باللّه أن يتقيه وأن يستقيم على طريقه القويم ، وأن يقول قولة الحق ، له أو عليه.

(1/251)

قوله تعالى : « وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً » ذلك إشارة إلى الوقت الذي تكون المرأة فيه حلّا لزوجها لم تحرم عليه ، بأن كانت فى العدّة بعد طلاقها للمرة الثانية .. فهو أحق بها من غيره ، إن أراد أن يصلح ما أفسد ، ويقيم البيت الذي تهدم.
وفى قوله تعالى : « أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ » إشارة إلى أن هذا الحق ليس خالصا للأزواج فى ذلك الوقت. فللمرأة هنا أن تتزوج من تشاء ، وزوجها لا يعدو أن تكون واحدا ممن يتقدمون لها ، وأحقيته بها ليست حقا شرعيا ، وإنما هى حق أدبىّ ، لسالف العشرة بينها وبين زوجها.
قوله تعالى : « وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ » أي للنساء من الحقوق على أزواجهن مثل ما للأزواج على النساء من حقوق .. فهذا ما يقتضيه العدل ، وما تقوم عليه الحياة بين شريكين ، أراد اللّه لهما أن يكون كل منهما سكنا لصاحبه.
وليست هذه الحقوق التي للرجل على المرأة ، والتي للمرأة على الرجل من قبيل الحقوق التي يقتضيها الغريم من غريمه ، ويأخذها بيد السلطان والقانون إن ماطله الغريم والتوى بحقه.
وإنما هى حقوق تفيض بها النفس فى سماحة ورضى ، وتنبع من عاطفة إنسانية لا يملك الإنسان دفعها ، أشبه بتلك العاطفة التي بين الآباء والأبناء ، بل ربما كانت أكثر من هذا .. إنها عاطفة الأليف إلى أليفه ، والعاشق إلى معشوقه.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 261

(1/252)

هذا ما ينبغى أن يكون عليه ما بين الزوجين من تواد وتعاطف ، وحبّ ، وتراحم ، وتعاون .. طواعية واختيارا ، لا قهرا ولا قسرا .. وإلا فقدت الحياة لزوجية روحها ، وصارت جسدا باردا ، لا يلبث أن يذيل ويموت! قوله تعالى : « وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ » أي درجة فى التفاوت بينهما فى الحقوق والواجبات ، بمعنى أن للرجل على المرأة حقوقا أكثر درجة مما لها عليه من حقوق ، وأن عليه لها من الواجبات أكثر مما لها عليه .. وصاحب الحق أولى بالفضل ممن لزمه الواجب المقابل لهذا الحق! والتعبير بدرجة يعنى أن هذا التفاوت لا يمسّ جوهر الاعتبارات الإنسانية فيهما ، فهما إنسانان متساويان فى الإنسانية ، ولكن اختلافهما النوعي أدى إلى الاختلاف الوظيفى فى الحياة بينهما : فكما كانا رجلا وامرأة .. فى الجنس ، كانا أولا وثانيا ، فى الرتبة .. وليس هذا بالذي يدخل الضيم على أي منهما ، ما دام يحيا حياته على النحو الذي يلائم طبيعته.
هذا ، والدرجة التي للرجل على المرأة ليست بالتي تجى ء عن طريق القهر والقسر ، وإنما تستدعيها تصرفات الرجل وآثاره فى الحياة الزوجية ، وفى مدّها بأسباب الحياة والنماء والاستقرار .. فهذا هو الذي يعطى الرجل ـ من غير أن يطلب ـ مكان الصدارة والقيادة ، وإلا كان متخليا عن هذا المكان لمن هو أولى به منه ، من زوجة أو ولد! قوله تعالى : « وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » إشارة إلى أن العزة التي تقوم إلى جانبها الحكمة هى العزة الرشيدة البارة بأهلها وبالناس حولها .. فالمكانة التي منحتها الحياة للرجال ، فجعلت لهم على النساء درجة ، وأقامت لهم سلطانا عليهن ـ هذه المكانة إن لم تلتزم جانب الحكمة والاعتدال كانت أداة سفه وطيش ،
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 262

(1/253)

تدمر حياة صاحبها ، وتفسد الحياة على من يصحبه ، وسنعرض لقضية المرأة والرجل عند تفسير قوله تعالى : « الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ » (34 : النساء) إن شاء اللّه.
الآية : (229) [سورة البقرة (2) : آية 229]
الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)
[الطّلاق وحكمته ]
فى هذه الآية يبين اللّه سبحانه وتعالى الأسلوب الذي يتم به الانفصال بين الزوجين ، وإنهاء الحياة الزوجية بينهما! إنه كان لا بد أن يشرّع الإسلام لهذه العلاقة التي كانت قائمة بين الزوجين ، ثم طرأ عليها ما يجعل بقاءها غير ممكن ، لسبب أو لأكثر من سبب! وذلك ما تسميه الشريعة الإسلامية « الطلاق » .
«و الطلاق » مشتق من الإطلاق ، وهو ضد الإمساك والحبس ..!
و هذا يعنى أنه عمل فيه خلاص وفكاك من ضيق ، ونجاة وعافية من بلاء .. وذلك حين تصبح الحياة الزوجية ـ لسبب أو لأكثر ، من جهة الزوج أو الزوجة أو منهما معا ـ ثقيلة ثقل العلة القاتلة ، بغيضة بغض العدو المقيم!
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 263

(1/254)

و عجيب أن ينكر بعض السفهاء على شريعة الإسلام هذا التدبير الحكيم ، ويرميها ـ زورا بهتانا ـ أنها تحمل للناس هذا السلاح الذي يفصم عرى الزوجية ، ويقطع أوصالها .. وذلك قطع لما أمر اللّه به أن يوصل! وبمفهوم هذا السفه الجهول علا صراخ بعض المتهوسين من الرجال والنساء ـ فى المجتمع الإسلامى ـ ممن يحملون ـ كذبا وادعاء ـ رايات الإصلاح ، ويدّعون ـ زورا وبهتانا ـ أنهم صوت العصر ، ووجه المدنية والحضارة! نعم ، علا صراخ هؤلاء المتهوسين من الرجال والنساء ، يتهمون الشريعة الإسلامية ، بأنها تفرض على المرأة فى القرن العشرين ، أسلوب الحياة البادية فى عصر الجاهلية الأولى ، إذ تعطى الرجل هذا الحق الذي يتحكم به فى حياة المرأة بكلمة واحدة ، يرسلها من فمه فإذا هى بالعراء ، منبوذة نبذ النواة ، وإذا هذا العش الذي كانت تأوى إليه ، وتجد فيه السكن والاستقرار قد عصفت به عاصفة مدمرة ، فذهبت به ، وبددت شمله الجميع! وكذبوا وضلّوا! فما جاءت شريعة الإسلام هنا إلا بالدواء الناجع ، والرحمة الراحمة لحياة مريضة ، وداء عضال ، لا يجد أصحابه للحياة طعما ، ولا للراحة سبيلا ..!
إن الشريعة الإسلامية لم تفرض الطلاق فرضا ، ولم تجعله واجبا يؤديه الرجال ابتغاء المثوبة والرضوان .. بل هو فى شريعة الإسلام أمر كريه مبغّض ، لا يجيئه المرء إلا مكرها ، ولا يلجأ إليه إلا مضطرا .. وحسبه شناعة وضلالا أن يقول فيه النبي الكريم : « أبغض الحلال إلى اللّه الطلاق » .
فالأصل فى شريعة الإسلام أن تقوم الحياة الزوجية بين الزوجين على
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 264

(1/255)

أساس الاستمرار والدوام إلى آخر العمر المقدّر لها .. ما دامت الحياة تجرى بهما فى مجراها الطبيعي ، وما دام الوفاق والإلف بينهما قائما .. وليس يعقل ـ والأمر كذلك ـ أن تجى ء شريعة ـ سماوية أو وضعية ـ فتدعو إلى الفرقة بين الزوجين ، ولو فعلت ـ ولن تفعل ـ لما وجدت من يسمع أو يجيب! ولكن هل من طبيعة الحياة أن تلزم الأزواج ـ فى جميع الأحوال ، وعلى امتداد الأزمان ـ أن يجمعهما الوفاق وألا يقع بينهما خلاف ، وألا يتحول هذا الخلاف إلى عداوة ، ثم لا تكون هذه العداوة جحيما يحترق به الزوج والزوجة معا؟
و إذا كانت الحياة بين الأزواج والزوجات ـ فى غالبيتها وعمومها ـ تسير فى مجرى طبيعى من مبدئها إلى نهايتها ، فهل يمنع هذا من أن تكون هناك ـ وفى أعداد غير قليلة ـ علاقات زوجية مفككة الأوصال ، واهية العرى ، تنعقد على سمائها سحابات ممطرة دائما بشتى الآلام وصنوف العذاب؟
إن ذلك أمر واقع لا ينكره أحد ، حتى أولئك الذين يصرخون فى وجه الشريعة الإسلامية ، من غير المسلمين أو المحسوبين على الإسلام ، وينددون بأحكام الطلاق فيها .. وإن كثيرا منهم ـ من رجال ونساء ـ عاشوا فى هذه التجربة ، أو هم يعيشون فيها ، ولكنهم مع هذا يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم! ونسأل : ماذا يكون الرأى والتدبير فى أمر هذا الخلاف الذي يقع بين زوجين ، فيحيل حياتهما على هذا النحو الذي رأيناه؟ أ يتركان هكذا يكيد كل منهما كيده لصاحبه؟ أ يقطعان الحياة معا فى هذا الصراع الظاهر والخفي ، حتى يقضى أحدهما على صاحبه؟ وماذا يظن بأخوين استحكم بينهما الشر
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 265

(1/256)

فالتقيا بسيفيهما ، يريد كل منهما أن يقتل الآخر ، وهما فى مكان مطبق عليهما وليس لهما من منفذ ينفذان منه؟ إنه لا بد أن تقع الجريمة ، وتزهق روح أو روحان! وشواهد هذا كثيرة فى محيط الجماعات التي حرّمت الطلاق .. فما أكثر المآسى والفواجع ، وما أكثر الويلات والمصائب التي امتدت آثارها فجاوزت الأزواج إلى المجتمع كله ، وأشاعت فيه الفساد والانحلال ، وأقامت الحياة الزوجية على دخل وفساد ونفاق!! وما كان لشريعة الإسلام ـ وقد جاءت لتسع الحياة الإنسانية كلها ، فى امتداد أزمانها ـ ما كان لشريعة الإسلام ـ وتلك رسالتها ـ أن تغمض العين عن هذا الواقع من الحياة ، وأن تدع داء كهذ الداء يأكل الناس فى غير مرحمة ، ويقيم فى المجتمع صداعا حادا تتصدع به الأخلاق ، وتفسد معه الضمائر ، وتروج به سوق الكذب والنفاق! فكان عن تدبير الشريعة الإسلامية الحكيم أن رصدت لهذا الداء الذي يدخل على الحياة الزوجية ويفسد المشاعر التي بين الزوجين ـ الدواء الناجع ، وهو فصم تلك الحياة بالطلاق ، وإطلاق كل من الزوجين من هذا الوثاق الذي يشدّهما ، والذي كان يوما ما داعية بهجة ومسرة ، فأصبح سبب عذاب وبلاء! إن « الطلاق » شرّ .. ولكنه شر لا بد منه ، إذ يدفع به ما هو أكثر منه شرا .. والشرّ حين يدفع به شر أعظم منه يكون رحمة ، ونعمة!
و بعض السمّ ترياق لبعض وقد يشفى العضال من العضال
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 266

(1/257)

هكذا ينظر الإسلام إلى الطلاق .. إنه أمر مكروه ، ولكنه مع كراهيته قد يركبه المرء مضطرا ليسلم ، ولو بفقد عضو عزيز عليه من أعضائه! يقول نبىّ الإسلام صلوات اللّه وسلامه عليه : « أبغض الحلال إلى اللّه الطلاق » فهو ـ مع أنه رخصة ـ بغيض كريه ، لا يقدم عليه المرء إلا مضطرا ، ولا يتناوله إلا مكرها ، شأنه فى هذا شأن المحرمات التي أباحتها الشريعة فى أحوال الاضطرار ، كالخمر ، والميتة والدم ، ولحم الخنزير ، وغير ذلك مما تتقذره النفس وتعافه ـ فإنه عند المخمصة ، وتعرض الإنسان للهلاك ، قد أبيح أكلها ، والأخذ منها بالقدر الذي يحفظ الحياة ، ويدفع التلف .. واللّه سبحانه وتعالى يقول : « فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » ذلك هو « الطلاق » فى شريعة الإسلام ، دواء مرّ ، يطبّ به لداء موجع ، وطعام خبيث ، يدفع به جوع قاتل! وإذا كان بعض الجاهلين والحمقى ، وذوى الجرأة على دين اللّه ، قد ترخّصوا فى هذه الرخصة ، واستخفوا بأمر اللّه فيها ، فجاوزوا الحدود ، واستباحوا الحرام فى غير اضطرار ، فليس ذلك بالذي يحسب على الإسلام ولا بالذي يشوّه من جلال أحكامه ، وينال من حكمة شريعته .. فالتشريع شى ء ، والمشرّع له شى ء آخر إذ ليس هناك من قوة تحجز الناس عن مخالفة الشرع ، ومجاوزة حدوده! « وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ » (29 : الكهف) إنّ أكثر الذين ينظرون إلى « الطلاق » وتعلوا صيحاتهم فى وجهه ، لا ينظرون إليه فى الشريعة التي حملته وحددت حدوده ، ورسمت معالمه ، وإنما ينظرون إلى من جهلوه ، أو تجاهلوه ، فعبثوا به ، واتخذوا دينهم لهوا
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 267
و لعبا ، فطلقوا فى غير حرج أو تأثم ، وفى غير اضطرار لدفع بلاء ، والتماس نجاة وعافية!.

(1/258)

و قد نبهت الشريعة فى أكثر من موضع إلى قداسة الحياة الزوجية وحرمتها ، وعملت على تغذية المشاعر الإنسانية بين الزوجين ، بآدابها وأحكامها ، وجعلت من الزوجين كيانا واحدا ، يغتذى من نبع واحد ، هو المودة والرحمة .. فقال تعالى : « وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً » (21 : الروم) وقال سبحانه : « يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها » (1 : النساء).
ويتجه الإسلام إلى الأزواج الذين فى أيديهم عقدة النكاح فيدعوهم إلى الصبر والأناة ، واحتمال ما يقع من مكروه فى الحياة الزوجية ، رجاء أن ينجلى هذا المكروه ، وتنقشع سحبه ، ويعود إلى الحياة الزوجية صفاؤها ، وجمالها ، بل ربما كان هذا المكروه هو ضرورة لازمة لتلك الحياة ، حيث تنصر فيه الآلام ، وتشتد العزائم ، وينكشف لكلا الزوجين معدن صاحبه ، وربما تكشف عن جوهر نفيس ، كان خافيا فى ظلال هذه الحياة الساكنة ، فلما ماجت أمواجها بين مد وجزر ، ظهر ما كان يكمن فى أطواء النفس من خير كثير .. وفى هذا يقول اللّه تعالى مخاطبا الأزواج فى شأن النساء :
«وَ عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً » (19 : النساء).
فأى عدل بعد هذا العدل؟ وأي رحمة بعد تلك الرحمة؟ فى هذا التشريع السماوي الذي لا تقوم الحياة الزوجية على دعائم سليمة إلا إذا كانت تلك
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 268

(1/259)

الشريعة شأنا من شئونها ، وحالا من أحوالها ، ودواء عتيدا ، يستطبّ به عند الحاجة ، ويؤخذ منه بالقدر المطلوب .. جرعة ، جرعة ، فإن ذهب هذا الدواء بالداء فى المرة الأولى ، لزم التوقف والإمساك ، وإلا كانت الجرعة الثانية ، فإن كان فيها الشفاء ، وإلا فالثالثة ، ولا بعدها! فقد عظم الداء ولا أمل فى الشفاء! وقوله تعالى : « الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ » بيان لإجراء عملية الطلاق.
وكلمة الطلاق : لفظ ينطق به الزوج فى مواجهة الزوجة أو بعلمها به علما متيقنا نافيا للظن ، مرادا به فصم عرا الزوجية .. وكل لفظ يؤدى هذا المعنى هو طلاق .. أما إذا وقع على غير تلك الصورة فلا يعتدّ به ، ولا يحمل على محمل الجدّ فى فصم علاقة أراد اللّه لها الاستقرار والتمكين.
ثم هو « مرّتان » أي عمليتان ، أو عملية على مرحلتين .. ومن هنا كان القول بالطلاق جملة فى لفظة واحدة ، قولا بعيدا عن منطوق الآية ، مجانبا الصواب والحكمة اللذين هما مناط كل حكم من أحكام الشريعة.
ولفظ « مرّتان » دال دلالة صريحة فى منطوقه ومفهومه على التكرار ، مرّة ثم مرة .. وإذا طلق الرجل للمرّة الأولى ، فإنه يدخل فى تجربة نفسية وروحية وجسدية لأول مرة فى حياته مع المرأة التي اتخذ هذا القرار بشأنها.
وفى هذه التجربة تعرض له خواطر وصور ، وربما امتد نظره فرأى طريقه موحشا مقفرا بغير هذا الرفيق الذي كان يصحبه ، وهنا كان من حكمة التشريع أن أعفاه من مغبة هذه التجربة ، فجعلها له ، يتعرف بها على ما هو مقدم عليه ، فيقدم أو يحجم ، بعد اختبار وتجربة ..
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 269
و للمرأة ما للرجل فى هذه التجربة ، إذ تعرف حالها بعد هذا الموقف ، وتدبر أمرها على ضوئه ، وربما كان فى سلوكها وعنادها ما حمل الزوج على أن يقدم على هذا الذي أقدم عليه ، فتراجع نفسها ، وتصلح من أمرها ، وتسترضى زوجها .. فيكون الوفاق والوئام!.

(1/260)

و للمرأة والرجل معا خير كثير فى هذه المهلة. ذلك أنه إذا لم يكن عندهما من الرأى والحكمة ما يجمعهما على الوفاق ، كان فى نصح الناصحين لهما من الأهل والأقارب والأصدقاء ، ما يبصرهما بالخير ، ويكشف لهما ما غاب عنهما من رشد ، وما عزب من رأى.
هذه مرحلة أولى ، من مراحل الطلاق ، وللرجل أن يراجع زوجه خلال فترة العدة ، فإذا انتهت العدة دون مراجعة بانت منه زوجه بينونة صغرى ، وصارت المرأة أجنبية عنه ، لا تحلّ له إلا بعقد ومهر جديدين ، برضاها أو رضى وليّها.
وسواء أعاد الرجل زوجه إليه بالمراجعة ، أو بعقد ومهر جديدين ، فقد حسبت عليه تطليقة .. فإذا عاد الرجل وطلق هذه الزوجة مرة أخرى .. كان له أن يراجعها ما دامت فى العدة ، فإذا انتهت العدة دون مراجعة صارت المرأة أجنبية عنه ، وكان له أن يعيدها إليه بعقد ومهر جديدين ، وبرضاها أو رضا وليها أيضا .. وحسبت عليه تطليقة أخرى .. أي أنه يكون فى تلك الحال قد أوقع على زوجه تلك ، تطليقتين! وهنا تصبح الحياة الزوجية بينهما واقعة تحت الحكم الوارد فى قوله تعالى :
«فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ » .. حيث كان ما جرى بين الزوجين غاية ما يمكن أن يصلح به شأنهما ، إن كان هناك سبيل للإصلاح والاستقرار! بمعنى أنه إذا طلق الزوج زوجه هذه ، بعد ذلك ، كان هذا الطلاق خاتمة المطاف فى تلك الدورة للحياة الزوجية بينهما ، وتصبح المرأة بمجرد وقوع هذا الطلاق
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 270
محرّمة عليه ، بائنة بينونة كبرى ، فلا تحل له ، حتى تنكح زوجا غيره ثم يطلقها ذلك الزوج ، أو يموت عنها ، وتنتهى عدتها وهذا ما يقرره قوله تعالى :
«فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ .. الآية » والمراد بالطلقة هنا ، الطلقة الثالثة.

(1/261)

و قوله سبحانه : « وَ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ » .
بعد أن بيّن اللّه سبحانه وتعالى الطريق الذي يسلكه أولئك الذين تنتهى حياتهم الزوجية بالطلاق ـ بيّن أسلوب العمل فى تسوية ما بين الزوجين من علاقات مادية ، كانت قائمة بحكم الرابطة الزوجية بينهما.
فهناك المهر الذي قدّمه الرجل للمرأة ، وهو ملك خالص للمرأة للدخول بها ، ولا يحق للرجل أن يسألها شيئا منه .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى « وَ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً » ولكن قد تكون المرأة متضررة بالحياة الزوجية ، كارهة لها ، غير محتملة أعباءها ، والرجل حريص عليها ، محبّ لها .. هو يريدها وهى لا تريده.
وأما وقد أصبحت الحياة الزوجية على هذا الوضع المضطرب القلق ، وأما والمرأة هى صاحبة المصلحة المحققة فى قطع هذه الحياة الزوجية ، فإنه لا بأس من أن تفتدى نفسها بشى ء مما فى يدها من المهر الذي قدمه الزوج لها .. وفى هذا الذي يأخذه الرجل منها ، تعويض له عن بعض ما ذهب منه ، على حين تنال المرأة خلاصها ، وتدير وجهها على الوجه الذي تحب .. وهذا ما يشير إليه الاستثناء الوارد على الحكم فى قوله تعالى : « تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً .. إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ » .
والحياة الزوجية المضطربة لا يمكن أن تظل هكذا وتقام فيها حدود اللّه.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 271
و إنه لا جناح على كل من الرجل والمرأة أن يتصالحا على فدية تقدمها المرأة ليفصما بها علائق الزوجية وهذا ما يسمّى بالخلع.

(1/262)

و على هذا فإنه يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق ، وأن تجاب إلى هذا الطلب إذا نزلت للزوج عن مهرها.
وقد طلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « جميلة » امرأة الصحابي الجليل « قيس بن ثابت » .. ففى الحديث أن جميلة امرأة قيس بن ثابت جاءت إلى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فقالت : يا رسول اللّه ، لا أجد فى قيس بن ثابت عيبا من خلق أو إيمان ، ولكنى لا أجد فى طوقى مجاراته « 1 » ، فسألها النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : « هل تعيدين إليه حائطه؟ « 2 » » فقالت : نعم .. فأمر النبي بردّ الحائط إلى قيس بن ثابت ، وتطليقها! وقوله تعالى « تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ » تنبيه إلى أن هذه الأحكام قائمة داخل حدود اللّه ، وأن التزامها واجب ، وأن مجاوزتها هو عدوان عليها .. « وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ »
آية : (230) [سورة البقرة (2) : آية 230]
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)
__________________________________________________
(1) أي فى انقطاعه عن الدنيا
(2) الحائط : البستان الذي أقيم حوله سور « حائط » وكان قيس قد أصدقها هذا البستان.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 272
بينت الآية السابقة حدود الطّلاق ، وأنه مرّتان تنتهى بعدهما علاقة الزوجية بين الزوجين ، ويصبح كل منهما أجنبيا عن الآخر ، وقد أشارت الآية السابقة أيضا إلى ما انتهى إليه الموقف بعد هذا ، فقال تعالى « فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ » أي رجعة بعقد ومهر جديدين ، أو التطليقة الثالثة.

(1/263)

و فى هذه الآية يبين اللّه تعالى الموقف بين الزوجين بعد أن ينتهى الأمر بينهما إلى التطليقة الثالثة ، حيث يقول سبحانه : « فَإِنْ طَلَّقَها » أي الطلقة الثالثة ـ لفظا أو حكما ـ « فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ » أي تصبح هذه المرأة أكثر من أجنبية عنه ، فليس له أن يتقدم إلى خطبتها إلا بعد أن تتزوج غيره ثم يطلقها ذلك الغير ، ثم تنقضى عدتها من ذلك الغير ، وعندئذ فقط يحلّ له أن يخطبها ، بعقد ومهر جديدين.
وقوله تعالى : « فَإِنْ طَلَّقَها » أي الزوج الآخر « فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا » أي يراجع كل منهما الآخر فى الزواج وإعادة الأمور بينهما إلى ما كانت عليه .. « إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ » أي إن غلب على ظنهما أنهما سيعودان إلى الحياة الزوجية السليمة ، بعد أن يعزلا عنها ما كان سببا فى الخلاف الذي نجم عند الانفصال بينهما ، فتقوم الحياة الزوجية بينهما على الحدود التي رسمها اللّه للزوجين .. « وَ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ » فيفيدهم العلم ويعملون به ، ويقيمون سلوكهم عليه.
وفى قوله تعالى : « حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ » فوق أنه تأديب للزوج ، فيه إثارة لحميته ، وبعث لغيرته أن تصبح هذه التي كانت زوجا له وحرما غير مباح من حرماته ـ أن تصبح ليد غيره ، حمى مستباحا له ، محرّما على غيره ، وعلى هذا الذي كانت له من قبل .. وفى هذا ما يبعث فى الزوج رغبة فى إمساكها قبل
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 273
أن تخرج من يده فيراجعها قبل الطلقة الثالثة .. ولا شك أن هذا الموقف له أثر كبير فى الحرص على الحياة الزوجية ، وفى حمل الأزواج على مراجعة زوجاتهن ، إن لم يكن ذلك فى كل الأحوال ، فهو فى كثير منها.
الآية : (231) [سورة البقرة (2) : آية 231]

(1/264)

وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَ لا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ ما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَ الْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيمٌ (231)
أشار سبحانه وتعالى فى الآية (229) فى قوله سبحانه : « الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ » إلى الموقف الذي ينبغى أن يلتزمه الرجل من زوجه إن طلقها للمرة الثانية ، وهو إما أن يمسكها على نية خالصة وقلب سليم ، ورغبة صادقة فى أن يقيم الحياة الزوجية معها كما أمر اللّه ، من إحسان ومودة ، وإما أن يرسلها ويخلى سبيلها ، لتستقبل حياتها الجديدة كما تريد.
وفى هذه الآية تحذير آخر للأزواج ، وما تنعقد عليه قلوبهم تجاه الزوجات اللائي طلقن الطلقة الثانية .. إذ الزوجة فى تلك الحال صالحة لأن يراجعها زوجها ، وأن يعيدها إليه بعقد ومهر جديدين ، وقد تستجيب الزوجة لهذا وفى ظنها أن رجلها قد عاودته الرغبة فيها وفى السّكن إليها ، وقد يكون الرجل على نية غير هذا ، إذ يعيدها إليه للمضارّة بها ، وليخضعها لضروب من الضرّ
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 274

(1/265)

و الأذى .. وهذا مما لا يعلمه إلا الرجل وحده .. فجاء قول اللّه سبحانه : « وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا » خطابا موجها إلى ضمائر الرجال ، وما انطوت عليه ، وما بيتته من خير أو شر فى إمساك زوجاتهن ، فاللّه سبحانه وتعالى مطلع على السرائر ، لا تخفى عليه خافية ، فمن بيّت الشرّ ، ورمى بالضرّ والأذى ، فقد ظلم نفسه ، ووضعها موضع الحساب والعقاب : « وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ » لأنه عبث بآيات اللّه ، واتخذ الرخصة التي جعلها اللّه له فى مراجعة زوجه والتي من شأنها أن تصلح ما أفسد ـ اتخذها وسيلة لمزيد من الإفساد.
قوله تعالى : « وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ » ونعمة اللّه هنا هى المرأة التي جعلها اللّه سكنا لزوجها ، ومن تمام هذه النعمة أن أتاح اللّه المزوج فرصة مراجعتها وإمساكها بعد أن قطع حبل الزوجية مرة ومرة ، فإذا أعادها إليه فليذكر أنها نعمة فى يده ، فلا يطلقها من يده مرة أخرى!!
الآية : (232) [سورة البقرة (2) : آية 232]
وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَ أَطْهَرُ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232)
فى الآية السابقة (230) نبه اللّه سبحانه وتعالى الأزواج الذين طلقوا للمرة الثانية وأرادوا مراجعة زوجاتهن ـ أن يكونوا جادّين فى مراجعتهنّ ، يريدون منها الخير والإصلاح ، وإلا فقد تعرضوا لغضب اللّه وباءوا بسخطه.
وفى هذه الآية يحذر اللّه سبحانه أولياء هؤلاء المطلقات من أن يكونوا
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 275

(1/266)

حجر عثرة فى طريق المراجعة بين المطلقة ومطلقها ، وأن يمسكوا المطلقات عن أن يعدن إلى أزواجهن مرة ثانية بعقد جديد ومهر جديد ، فإن فى هذا إضرارا بالزوجة من حيث يقدّر وليّها أنه إضرار بالزوج وحده .. فإذا تراضى الزوجان وقدرا أنهما قادران على بناء الحياة الزوجية من جديد ، كان على وليّها أن يستجيب لهذه الرغبة .. وفى هذا يقول اللّه تعالى : « وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً » .
وقوله تعالى .. « ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ » تنبيه لأولياء الزوجات إلى ما قضى اللّه به فى هذا الموقف. وهو قوله : « وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً » وقوله :
«فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ » فمن آمن باللّه واليوم الآخر لم يكن له أن يعطل حكما من أحكام اللّه ، وأن يقيم لذلك المعاذير الواهية والعلل الكاذبة.

(1/267)

و قوله سبحانه : « ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَ أَطْهَرُ » إشارة إلى الوقوف عند حدود اللّه وأحكامه فى موقف الأولياء من المطلقات اللاتي يرغب أزواجهن فى مراجعتهن ، ثم هو من جهة أخرى لفت لهؤلاء الأولياء إلى أن مراجعة الزوج لزوجه وإمساكها فى بيت الزوجية خير لها من أن تعيش من غير زوج أو أن تتزوج رجلا آخر ، ففى الحالة الأولى لا تكون المرأة بمأمن من أن تزلّ وتنحرف ، وفى الحالة الثانية تنكشف المرأة لرجل آخر ، وهو وإن كان حلالا مباحا إلّا أن فيه شيئا ما يخدش به حياء المرأة الحرة ، ويتأذى منه وليّها الرجل! وخير من هذا كلّه أن تعود المرأة إلى زوجها الذي عرفها وعرفته! « ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَ أَطْهَرُ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » أي أن اللّه سبحانه يعلم من عواقب الأمور ما لا تعلمون ، وأن عضل المطلقة التي ترغب فى العودة إلى زوجها يخفى وراءه أضرارا ومآثم لا يعلمها إلّا علام الغيوب.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 276
الآية : (233) [سورة البقرة (2) : آية 233]
وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَ تَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)
التفسير : بيّن اللّه فى الآيات السابقة أحكام الطلاق وحدوده ، والأخلاقيات التي ينبغى رعايتها فيه.

(1/268)

و فى هذه الآية يبيّن اللّه أحكام الرضاع ، لمن كان ثمرة الحياة الزوجية من بين وبنات.
والوالدة هى التي تتولى إرضاع ولدها ، إذ هى أولى به ، رعاية للمولود ، وصيانة لحياته ، إذ كان لبن الأم وحنانها ورعايتها فى تلك المرحلة من حياته مما لم يكن ممكنا أن يعوض من امرأة أخرى غيرها.
وقد جاء هذا الحكم : « وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ » فى صورة الخبر ولكنه يحمل فى طياته الأمر والإلزام ، فهو خبر وأمر معا ، حتى لا يكون على سبيل الواجب الذي لا فكاك للمرأة عنه من جهة ، وحتى لا تتحلّل منه المرأة من غير ضرورة ، من جهة أخرى .. وبين هذين الموقفين يقع الحكم.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 277
ثم إنه لم يجى ء الأمر على سبيل الوجوب والإلزام ، لأن عاطفة الأم فى غنى عن أن يعطفها على وليدها أمر ، وإنها لن تتخلّى عن هذا الواجب الطبيعي إلا إذا كانت تحت ظروف أكبر من عاطفتها ، فكان من تدبير الحكيم العليم أن جعل ذلك حقّا لها فى الجانب الخبرى من الحكم ، وجعله أمرا متوجها إلى الآباء فى الجانب الأمرى منه!! وقوله تعالى : « حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ » بيان للمدة اللازمة لفطام الصبىّ ، وليس هذا التحديد على سبيل الوجوب ، بل هو محكوم بتقدير حال الرضيع وحاجته ، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى :
لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ » .. وفائدة هذا التحديد ليضمن للأم حقّا فى مدة الرضاع وهى سنتان ، وقد لا تكون كلها لإرضاع الوليد ، ولكن لمعالجة حاله بعد فطامه ، وأخذه بالحياة المناسبة له بعد الفطام ، وجعلها عادة له ، حتى إذا بعد عن أمّه كان من الممكن تدبير شئون حياته.

(1/269)

قوله تعالى : « وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ » حكم على الآباء بالنفقة الواجبة للأم المرضع ، فى مدة إرضاعها ، وهذه النفقة هى مما يكفل للأم الحياة المناسبة من مسكن ومطعم وملبس .. على اختلاف فى النوع والقدر ، حسب يسر الوالد وإعساره.
وقوله تعالى : « لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها » رفع للحرج عن الآباء فى النفقة الواجبة للأم ، فلا يتكلف لها الأب ما لا يطيق ، ولا يحمل منها على ما يكره .. بل يطلب منه ما يقدر عليه ، حسب يسره وإعساره ، وفى هذا يقول اللّه تعالى : « لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً » (7 : الطلاق)
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 278
و قوله سبحانه : « لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ » بيان لقوله سبحانه « لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها » فكما لا يجوز أن يرهق الأب من أمره عسرا فى النفقة على المولود ، كذلك لا يجار على حق الأم فى النفقة المطلوبة لها من والده .. فلا يكون الولد وهو نعمة من نعم اللّه على الوالدين ، سببا فى شقاء أحدهما وتعاسته.
وقوله تعالى : « وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ » أي وعلى وارث الأب أن يتكفّل فى مال مورّثه ما يكفى حاجة الأم من مسكن وملبس وطعام ، بالقدر الذي يتحمله ما ورث المولود من والده ، فإن يكن المتوفى لم يترك شيئا ، أو ترك ما لا يكفل حاجة الأم ، كان على وارثه القيام بهذا من مالهم ، حسب درجتهم فى القرابة ، وحسب يسرهم وعسرهم.
وقوله تعالى : « فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَ تَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما » أي إن أراد الوالدان فطام الصبىّ قبل عامين فلا جناح عليهما بعد أن يتشاورا ويتراضيا على ما فيه من مصلحة المولود.

(1/270)

قوله تعالى : « وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ » أي وإن أردتم أن تطيلوا مدة الرضاعة بعد العامين ، وذلك لما يبدو من حال الطفل ومن حاجته إلى التغذية بيد أمه ، كما كان يتغذى من ثديها .. فلا حرج فى هذا.
فكلمة استرضاع تشير إلى مدّ فترة الرضاع ، وذلك بكثرة حروفها ، وامتداد جرسها .. ثم إنها تفيد لونا آخر غير الرضاعة المعروفة ، وإن كان من جنسها ، وطبيعتها! وقوله تعالى : « إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ » أي لا جناح عليكم أيها
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 279
الوالدون أن تطيلوا مدة الاسترضاع إذا أديتم ما وجب عليكم من كفالة حاجة الأم ، أداء لا حيف فيه ، ولا مطل معه.
وقوله سبحانه : « وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ » تذكير باللّه فى هذه المقامات ، لرعاية أحكامه ، وتوقيرها ، والوفاء بها ، فإن عين اللّه اللّه لا تغفل ، وعلمه لا بعزب عنه شى ء!
الآية : (234) [سورة البقرة (2) : آية 234]
وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234)
التفسير : هذا حكم المرأة المتوفى عنها زوجها فى عدتها ، فتعتد أربعة أشهر وعشر ليال .. هذا إذا لم تكن حاملا وامتد حملها إلى ما بعد هذا الأجل ، فعدتها حينئذ وضع حملها.
والخطاب هنا موجه للأزواج الذين يتوفون ويتركون زوجات لهم ..
فكيف يخاطب الأموات؟
و السر فى هذا هو بعض إعجاز القرآن الكريم ، ذلك الإعجاز الذي تحمله كل كلمة من كلماته ، بل وكل حرف من حروفه.

(1/271)

فهذه العدة التي تعتدها المتوفّى عنها زوجها إنما هى رعاية للحياة الزوجية التي انقطعت بموت الزوج ، وهى توقير لقداستها وحرمتها .. ومن حق هذه الحياة أن تظل حية فى نفس الزوجة ، وأن يظل الزوج المتوفى ماثلا فى خيالها ، حاضرا فى خاطرها! ثم إنها ـ أي العدة ـ من جهة أخرى مجاوبة لمشاعر أهل الزوج ، ومشاركة عملية فى الأسى على فراقه.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 280
من أجل هذا كان حكم العدة هنا موجها إلى المرأة فى مواجهة الزوج ، وكأنه حاضر يشهد مدى رعايتها للعلاقة التي كانت بينه وبينها.
ولهذا ينبغى للمرأة خلال هذه العدة ألّا تتزين زينتها للزوج ، وألا يبدو منها ما ينم عن نسيانها لهذه الذكرى ، فذلك أقل ما يجب أن يكون منها! وللزوجة على الزوج مثل هذا الحق ، وإن لم توجبه الشريعة حكما ، فقد أشارت إليه من طرف خفى ، فى هذا الحكم الذي فرضته على الزوجة فى مواجهة زوجها ، إذ حين يرى الزوج أن زوجه سوف تلتزم بنوع من الأسى عليه والحزن لفراقه ، يجد فى نفسه مثل هذا الشعور نحوها حين تسبقه هى إلى الدار الآخرة.
والأمر فى ذاته ليس فى حاجة إلى تشريع ، ولكن لما كان بعض المتوفّى عنهن أزواجهن يذهب بهن النزق والطيش إلى قطع علائق الزوجية وآثارها من أول يوم يغيب فيه الزوج عن شخصها ، وفى ذلك ما فيه من اعتداء على حرمة تلك الرابطة المقدسة ، واستخفاف بشأنها ، الأمر الذي إن ترك هكذا سرت عدواه فى المجتمع ، وصار تقليدا سيئا ، يدخل الضيم على العلاقات الزوجية ، ويذهب بجلالها! فكان لا بد من وضع حد لهذا الاستهتار ، حماية الحياة الزوجية منه ، حتى بعد انقطاعها.

(1/272)

و قوله تعالى : « فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ » بيان للجانب الآخر من جانبى المرأة وموقفها من الرجل بعد موته ـ فإنه كما تكون هناك بعض الزوجات غير آبهات إلى فقد الزوج ، ضائقات بهذه العدّة التي فرضتها الشريعة عليهن ، فإن بعضهن لأخريات قد يذهب بهن الأسى والوحشة ، إلى زمن أبعد من هذا الزمن ، الذي حددته العدة لهن ، فتظل
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 281
عاما أو أعواما تحيا فى ذكرى زوجها الذي ذهب ، وإنه لا حرج عليها فى هذا إذا هى وقفت فى ذلك الحزن والأسى عند الحد الذي لا يخرج عن المعروف المعقول.
وفى قوله تعالى : « فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ » قد يكون الخطاب للأزواج الغائبين ليذكر الزوجات اللاتي يخرجن بهن الأسى والحزن عن حد الاعتدال أنّ فى هذا أذى للزوج ، تتأذى به روحه التي تدرك الزوجة أنها قريبة منها ، وقد يكون خطابا لأولياء الزوجات على نحو ما هو خطاب للأزواج المتوفّين! وفى قوله تعالى « بِالْمَعْرُوفِ » ضبط لمشاعر المرأة التي قد يستبد بها الحزن على زوجها إلى حد التلف .. وهذا شعور غير محمود ، بل الشعور المحمود هو القائم على حدود المعروف من الطبائع البشرية فى مثل تلك الحال!
الآية : (235) [سورة البقرة (2) : آية 235]
وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)

(1/273)

التفسير : أباح اللّه سبحانه وتعالى للرجال الذين يرغبون فى زواج النساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن وهنّ فى العدة ـ إن يعرّضن بخطبتهن تعريضا لا تصريحا ، وهذا من الرحمة واللطف بالمرأة ، فهى وإن كانت فى فترة العدة إلا أنها مطلقة إطلاقا تاما من عقدة النكاح ، ليس لزوجها المتوفى عنها
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 282
متعلّق بها ، إلا هذه العدة التي تعتدها رعاية للرابطة الزوجية التي بينها وبينه ، واستبراء لرحمها منه .. وهذا لا يمنع من أن تكون موضع نظر من يريد الزواج منها .. فقد يكون من العزاء لها أن تجد فى فترة الحزن والوحشة أملا يجى ء إليها فى صورة زوج منتظر ، بعد انقضاء عدتها! وإنه لكى لا يدخل على هذه العدة ما يجرحها ويذهب بحكمتها ، فقد أبيح للرجل أن يعرّض بخطبة المعتدة لوفاة ولا يصرح بهذه الخطبة ، فهذا التصريح يقضى على كل أثر لهذه العدة.
وإنه لخير من هذا أن يضمر الرجل فى نفسه خطبة المعتدة لوفاة .. فذلك ما لا حرج فيه ، ولا إثم فيه! وقوله تعالى : « عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً » أي علم اللّه أنكم لا تقدرون على كتمان ما فى أنفسكم ، وسيجرى ذكرهن على ألسنتكم ، وقد تجاوز سبحانه وتعالى لكم عن ذلك ، ولم يبح لكم لقاءهن والتحدث إليهن فى تكتم وخفاء ، فذلك مما يثير الشكوك والريب ، ويجعل لألسنة السوء مقالا ، فإذا كان لكم معهن حديث فليكن حديثا مشهودا ممن يؤتمن عليه ، فيعرف ما يقال ، ولا يدع سبيلا إلى قالة سوء.

(1/274)

و قوله تعالى : « وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ » المراد بالكتاب هنا ما كتب على المرأة من عدّة ، وأجل الكتاب عمره ومدته .. والآية تنهى عن المعالنة الصريحة ، واتخاذ ما يدل على القطع بالرابطة الزوجية التي ستكون بين المعتدة المتوفى عنها زوجها وبين من يرغب فى الزواج منها ، فذلك من شأنه ـ كما أشرنا إلى ذلك من قبل ـ أن يفسد الحكمة من هذه العدة ، ويقضى على مظهر الرعاية لحرمة المتوفّى ولمشاعر أهله!
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 283
و قوله تعالى : « وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ » رصد لما فى النفوس من وساوس وخواطر ، ونيات منعقدة على الخير أو الشر ، ومبيتة للإخلاص أو الخداع .. فاللّه سبحانه وتعالى مطلع على كل شى ء ، مجاز على كل شى ء .. فليحذره أولئك الذين يدبرون السوء ، وينوون الغدر ..
وفى قوله سبحانه : « وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ » دعوة إلى التسامح والمغفرة فى تلك الهنات التي تبدو من الزوجة ، ووصاة بحمل هذه الهنات على محمل حسن ، وألا يبادر المطلعون على هذه الهنات بإصدار أحكام الاتهام ..
ولينظروا إلى مغفرة اللّه التي وسعت ذنوبهم. وإلى حلمه الذي أمهلهم فلم يمجل بأخذهم بها!
الآية : (236) [سورة البقرة (2) : آية 236]
لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236)

(1/275)

التفسير : تبين الآية الكريمة هنا حكم المرأة غير المدخول بها ، وغير المسمى لها مهر ، إذا أريد طلاقها. وأن شأنها فى الطلاق شأن المرأة المدخول بها والمسمى لها مهرا ، فللزوج أن يطلّق إذا لم يكن له بد من الطلاق! وللمرأة المطلقة هنا نصف مهر مثلها ، منظورا فيه إلى يسار الرجل وإعساره ، فذلك مما يخفف عن المرأة من تلك الصدمة ، ويضمد جراحها.
وفى قوله تعالى : « مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ » ما يشير إلى تلك
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 284
المواساة ، التي ينبغى أن يسمح بها الرجل فى كرم ورضى ، وأن يستدعى لها مروءته ، ورجولته ، ودينه ، فلا يطعن المرأة هذه الطعنة ، ثم لا يمد لها يد الرحمة والمواساة! إذ ليس ذلك من الإحسان فى شى ء ، والنبىّ الكريم يقول فى قتل الحيوان المؤذى : « إذا قتلتم فأحسنوا القتلة » ! فكيف بإنسان؟
الآية : (237) [سورة البقرة (2) : آية 237]
وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)
التفسير : إنّها المتعة المفروضة للمرأة المطلقة قبل الدّخول بها ولكن قد سمّى لها مهر! فلها نصف المهر المسمّى ، للاعتبارات التي أشرنا إليها فى الآية السابقة.

(1/276)

و قوله تعالى : « إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ » إشارة إلى أن هذا الحكم لا يمنع التراضي بين الزوجين ، فإنه ـ مع هذا ـ يجوز للمرأة أن تنزل عن حقّها فى نصف المهر ، فقد تكون فى سعة ، ويكون الزوج فى حال يضيره فيه المهر الذي قدمه ، فتعيده إليه ، واضعة فى اعتبارها ـ إلى هذا الاعتبار ـ أن الزوج لم ينل شيئا منها ، وأنه ربما اضطر إلى الطلاق لظروف خارجة عن إرادته .. فكان هذا الفضل منها داعية إلى الحفاظ على الروابط الإنسانية بينه وبينها ، وبين أهله وأهلها ، وربما كان ذلك داعيا إلى حسن الأحدوثة عنها والرغبة فيها من زوج آخر .. ولولىّ المرأة مثل هذا الحق الذي لها فى التنازل
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 285
عن نصف المهر المسمّى. « أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ » .
وقوله تعالى : « وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » خطاب للأزواج ، وتحريض لهم على التنازل عن نصف المهر من جهتهم ، فتذهب المرأة بالمهر كلّه ، وذلك على سبيل التسامح والتفضل.
وبين التسامح من جهة الزوجة أو وليها ، والتسامح من جهة الزوج ، يلتقى الطرفان على طريق سواء ، لا مشاحّة فيه ، ولا كيد ، ولا عداوة ، فيفترقان من غير أن تتصدع روابط الإنسانية فى مجتمعهما الأسرىّ ، الذي هو أساس البناء للمجتمع كله.
وقوله تعالى : « وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ » دعوة للطرفين معا أن ييسّرا ولا يعسّرا ، وأن يحسنا ولا يسيئا ، فذلك هو الأقرب إلى التقوى ، والأليق بالمتقين : « إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ » فيجازى الفضل بالفضل والإحسان بالإحسان ، أضعافا مضاعفة : « وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » .
الآية : (238) [سورة البقرة (2) : آية 238]
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (238)

(1/277)

التفسير : الدعوة إلى الصّلاة فى هذا المقام استحضار للدعوة الإسلامية كلها ، وتذكير باللّه ، وبجلاله وعظمته ورحمته ، وبما يبعث هذا التذكير فى نفس المؤمن من استجابة لأوامره ، وامتثال لأحكامه ، إذ كانت الصلاة عماد الدين ، وأكثر العبادات أثرا فى تثبيت مغارس الإيمان ، وفى النهى عن الفحشاء والمنكر ، كما يقول سبحانه : « إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ » (45 العنكبوت)
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 286
و قد اختلف فى الصلاة الوسطى على وجوه شملت الصلوات الخمس لمفروضة كلها ، حيث لم تحددها الآية .. فالصلوات المفروضة خمس ، وأي صلاة منها هى وسط بين اثنتين واثنتين! وقالوا فى تعليل إشاعة الصلاة الوسطى بين الصلوات الخمس : إن ذلك من جل أن يحرص المصلّى على الصلوات جميعها ، وأن يؤدى كل صلاة منها على نها الصلاة الوسطى ، فيحرص على أدائها جميعها فى وقتها ، ويستحضر لها مشاعره كلها.
وأقول ـ واللّه أعلم ـ إن الصلاة الوسطى هى الصلوات الخمس جميعها ، وهى صلاة المسلمين ، التي هى وسط بين الصلوات المفروضة على أهل الكتاب ، كما أن الشريعة الاسلامية هى الشريعة الوسطى بين الشرائع السماوية ، والأمة الإسلامية هى الأمة الوسط بين الأمم.
والعطف على الصلوات بقوله تعالى « وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى » هو عطف بيان ، والتقدير حافظوا على الصّلوات وهى الصلاة الوسطى ، أي الصلاة المحمودة التي رضيها اللّه لكم على الوجه المفروض عليكم من عدد الركعات ، والركوع والسجود.
قوله تعالى : « وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ » أي استحضروا وجودكم كله عند الصلاة ، وأدوها قياما فى خشوع ، وخضوع ، وسكون!
الآية (239) [سورة البقرة (2) : آية 239]
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 287

(1/278)

التفسير : هذا بيان لصلاة الخوف ، أو الصلاة فى غير حال السكن والاستقرار ، كأن يصلى الإنسان فى طائرة ، أو على ظهر دابة ، أو فى مواجهة عدو ..
والرّجال : هم المشاة ، والركبان : هم الراكبون ..
فليصلّ المصلّى فى مثل هذه الأحوال ماشيا أو راكبا .. وذلك حتى لا تفوته الصلاة على أي حال كان عليها! وفى هذا ما فيه من تعظيم شأن الصلاة ، والحرص على أدائها فى أي ظرف ، وفى أي حال .. حيث لا رخصة تدخل عليها بالإسقاط أبدا ، إلا فى حال المرأة مدة الحيض.
الآيات : (240 ـ 241 ـ 242) [سورة البقرة (2) : الآيات 240 الى 242]
وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَ لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)
التفسير : جاء فى الآية الكريمة (234) قول اللّه تعالى : « وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً » وقد قلنا إن توجيه الخطاب هنا للأزواج المتوفين يحمل دلالة على وثاقة الرابطة بين الزوجين ، وقداستها ، وأنها لا تنقطع بموت أحدهما.
وفى هذه الآية (240) يجى ء الخطاب أيضا إلى الأزواج المتوفّين ، ليقيم
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 288
بينهم وبين زوجاتهن صلة ممتدة إلى ما بعد الموت أيضا ، ولكنها فى هذه المرة محمولة على الرجال ، كما حمل الحكم فى الآية السابقة (234) على النساء ، وهو أن يتربصن أربعة أشهر وعشرة أيام ، حدادا على أزواجهن.

(1/279)

و الحكم المحمول على الرجال هنا هو أن يكون للمرأة المقام فى بيت الزوجية مكفولة النفقة عاما كاملا بعد وفاة الزوج ، لا يعرض لها أحد بإزعاج من بيت الزوجية ، مادامت راغبة فى السكن إليه.
وفى قوله تعالى : « وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ » إشارة إلى أن هذه الوصية مفروضة بأمر اللّه ، سواء أوصى بها الزوج قبل وفاته أم لم يوص ، وعلى هذا نصب لفظ الوصية بهذا الأمر ، على تقدير : فرضنا « وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ ، مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ ، غَيْرَ إِخْراجٍ » « و متاعا » بدل من « وصية » و«غير إخراج » صفة لمتاع.
النفقة للمتوفّى عنها ، زوجها
و للمفسرين رأى فى هذه الآية ، وأنها منسوخة بآية المواريث ، وما فرض للزوجة فيها من فريضة الربع أو الثمن.
ونقول ـ واللّه أعلم ـ : إنه لا نسخ فى هذه الآية الكريمة ، ولا تعطيل لحكمها ، وحكمتها! ونسأل : لما ذا هذا النسخ وما حكمته؟ ولما ذا يحمل القرآن الكريم آية كريمة ، متلوة ، متعبدا بها ، وتحمل حكما صريحا مؤكدا موثقا. ثم تجى ء آية أخرى بحكم آخر يعطل هذا الحكم ، ويبقيه هكذا ، يعلن فى وجه المرأة سلب حكم كان فيه خيرا لها وبرّا بها؟ أ هذا مما تقتضيه حكمة الحكيم العليم ، فى حال كحال تلك المرأة التي ذهب عنها زوجها ، وتركها تعانى الوحدة والوحشة ، وربما الفاقة ،
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 289
من بعده؟ وإذا كان من تقدير اللّه ألا يكون للمرأة مثل هذا الحق ، أ فكان من التدبير الحكيم أن يلوّح لها بهذا البر وتلك المواساة فى آية كريمة ، ثم تحرمه وتذاد عنه بآية أخرى من آيات الكتاب الكريم؟
و إذا أقمنا الآية الكريمة على تلك الموازين التي يزن بها علماء التفسير ضوابط الناسخ والمنسوخ ، نجد أن أهمّ الاعتبارات التي جاء من أجلها النسخ عندهم هى :

(1/280)

1 ـ التدرج فى الأحكام ، رحمة بالناس ، وتخفيفا عليهم ، وذلك حين يكون الحكم متعلقا بعادة متأصله فى النفوس ، ثم تقضى الشريعة بتحريمه ، فإنها حينئذ لا نفجأ الناس بهذا الحكم مرة واحدة ، بل تدخل عليهم به على عدة مراحل ، فى رفق وأناة ، وفى تدرج .. من الخفيف ، إلى الثقيل ، إلى ما هو أثقل منه ، كما حدث ذلك فى تحريم الخمر والربا ، على ما يقولون فى الآيات الناسخة والمنسوخة فيها ، وهو ما لا نقول به ، كما عرضنا له من قبل.
2 ـ التخفيف على الناس ، مراعاة لتغير الظروف .. كما كان الأمر فى قتال المسلم عشرة من المشركين ، وذلك فى أول الإسلام ، فلما كثرت أعداد المسلمين ، خفف اللّه عنهم ، هذا فكان على المسلم قتال مشركين اثنين بدلا من عشرة.
3 ـ تغليظ الحكم لا تخفيفه ، وذلك لتغير الظروف أيضا .. فلم يكن على المسلمين قتال فى أول الدعوة الإسلامية ، ثم لما دخل فى الإسلام الأنصار واجتمع إليهم المهاجرون أذن اللّه لهم فى قتال من قاتلهم .. ثم لما قويت شوكة الإسلام ودخل الناس فى دين اللّه أفواجا جاء الأمر بقتال المشركين متى طالتهم يد المسلمين.
تلك هى أهم الضوابط التي رآها علماء التفسير داعية إلى نسخ ما نسخ من آيات الكتاب الكريم.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 290
و إذا أقمنا الآية الكريمة ـ كما قلنا ـ على تلك الضوابط لم نجدها تستقيم عليها ، أو تستجيب لها ..
فما جاءت الشريعة السمحاء فى كتابها الكريم ولا فى السنّة المطهرة ، بمباح ثم حظرته ، ولا حملت إلى الناس خيرا ثم عادت فسلبته ، ولا بسطت يدها الكريمة بإحسان ثم قبضتها .. بل العكس هو الصحيح ، وهو الواقع ..
ولا نسوق الشواهد لهذا .. فأمر الشريعة كله قائم على اليسر والخير والرحمة .. فما كان على غير هذه السبيل فهو مدخول على الشريعة ، مفترى عليها.

(1/281)

و ننظر فى الآية الكريمة : « وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ » فنرى المرأة الموصى لها ـ بأمر اللّه ـ بهذه الوصية ، قد كانت فى ظل زوج كفل لها الاستقرار والسّكن ، وأنها قد اطمأنت إلى تلك الحياة ، وأنست بها ، وقرت فيها .. ثم إذا هى تمسى أو تصبح فتجد الرجل الذي كان يظللها بجناحيه قد طواه الموت ، وذهب به بعيدا عنها إلى غير رجعة!! فانظر ماذا يكون حالها وهى تستقبل هذا الوجه الجديد من الحياة؟ ثم ضع فى تقديرك أنها ربما تكون قد استهلكت شبابها ، وصحتها ، وقواها ، فى هذا البيت الذي دخلته فتاة مل ء إهابها الشباب والصحة والقوة .. ثم ضع فى تقديرك أيضا أن هذه المرأة ـ مع ذهاب شبابها واستهلاك صحتها ـ قد لا تكون أمّا لولد يؤنس وحشتها ، ويحمى حماها ، ويرعى شيخوختها.
انظر ماذا يكون من شأن هذه المرأة وقد جاءها من ورثة زوجها ، عشيّة موته أو ضحاها ـ جاءها من يمسك بيدها لينتزعها من عشّها الذي عاشت فيه ، ويقودها إلى ما بعد الباب ، ثم يقول لها : « مع السلامة » ! إن رفق وتلطف ،
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 291
أو « بلا رجعة » ! إن اشتدّ وعنف!؟ وفاعل هذه الفعلة ، وقائل هذا القول لا يتأثّم أو يتحرج ، لأنه يستعمل حقّا له ، ولم ينتقص المرأة حقّا من حقوقها ، لأنه يعلم ـ كما يقول المفسرون ـ أن الآية التي تعطى المرأة حق السكن والمتعة حولا كاملا ، هى آية منسوخة ، غير عاملة!!.

(1/282)

و كلّا ، فإن شريعة الإسلام أبرّ وأرحم من أن تعرّض تلك المرأة الجريحة لمثل هذه التجربة القاسية ، وتلقى بها بين متلاطم أمواج الحياة قبل أن تندمل جراحها ، وتجفّ دموعها ، وتعتاد النظر إلى الحياة فى وضعها الجديد! ولقد كان من تدبير الشريعة الحكيم أن قدمت للمرأة فى هذا الحدث الأليم ، جميل العزاء ، ووضعت فى يدها حق القرار فى بيت الزوجية عاما كاملا ، وكفلت لها من مال زوجها نفقة هذا العام على نحو ما كانت تعيش فيه مع زوجها ، إن كان فيما ترك الزوج ما يسع تلك النفقة ، فذلك هو الذي يمسك المرأة فى محنتها تلك. وذلك هو البرّ من جهة الورثة بمورثهم ، إذ حفظوا أهله ، وصانوا عرضه! وأكثر من هذا .. فإنه إذا لم يكن فيما ترك المتوفى ما يقوم بنفقة المرأة خلال هذا العام فإن ورثة الزوج ، ورحمهم الماسّة به توجب على الموسر منهم أن يكفل للزوجة حاجتها من ماله .. فكما أنه كان سيرته إذا ترك مالا ، فإن عليه أن يؤدى عنه دينا هو فى عنقه لزوجته! ذلك ما نراه أقرب إلى شرع اللّه ، وأنسب لدينه الذي ارتضاه.
ولا بد لنا من قولة فى هذا المقام.
فلقد أعطى الإسلام المرأة كثيرا ، وأضفى عليها حماية ورعاية ، وجاءت
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 292
آيات القرآن الكريم توصى بالنساء فى كل دور من أدوار حياتهن ، وفى كل موقف من موقفهن فى الحياة : أوصت بهن متزوجات ، وأمهات ، ورعتهن يتيمات ، ومطلقات ، وأيامى. وأعطتهن من الحقوق مثل ما عليهن من الواجبات كما يقول اللّه تعالى : « وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ » وكانت آخر وصاة للرسول الكريم ، ختم بها رسالته العظيمة الرحيمة قوله : « اتّقوا اللّه فى الضعيفين : المرأة والمملوك » .

(1/283)

إن الإسلام إنما جاءت رسالته لاستنقاذ المجتمع البشرى من عوامل التصدع والهدم التي كانت عاملة فيه ، وهو من أجل هذا قد نفذ إلى الصميم من كيان هذا المجتمع. وهو الفرد الذي يتكون من وحداته المجتمع كله ، فأخذ الفرد بآدابه وتعاليمه وأحكامه كى ينقّى جوهره ، ويصفّى عناصره من من الشوائب والأدران ، حتى إذا أصبح الفرد صالحا ليكون لبنة فى بناء المجتمع ، كان أول تلاحم له فى هذا المجتمع هو وصله بالمرأة ، ليكونا معا حجر الزاوية فى هذا البناء ، وعلى قدر التحامهما وتماسكهما تكون قدرته على الصمود والاحتمال! فكيف يعقل والأمر على ما ترى أن يقيم الإسلام بناء يقوم على دعامتين ، هما : الرجل والمرأة ، ثم يجعل من إحدى هاتين الدعامتين قوة تتسلط على الأخرى ، وتفتّت كيانها ، وتغتال وجودها ، وتأتى على عناصر التفاعل والالتحام المهيأة لتوليد القوة وبعث النشاط فى المجتمع البشرى كله؟ أ هذا يكون من تدبير حكيم أو من عمل عاقل؟ يريد البناء فيهدم؟ ويغزل وينسج.
ثم ينقض ما غزل ونسج؟ وإذا جاز هذا على أحد المخلوقين فهل يجوز هذا على رب العالمين وأحكم الحاكمين؟
و تعالت حكمة اللّه عن هذا علوّا كبيرا ..
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 293
و فى القرآن الكريم ، وفى السنة المطهرة ـ كما قلنا ـ منهاج متكامل حكيم لإقامة هذا البناء. وإحكام هذا النسج المتلاحم بين الرجل والمرأة ، إذا استقام المجتمع الإنسانى عليه ، ونسج على منواله.

(1/284)

و لكن الذي حدث كان على غير هذا الاتجاه ، إذ أنّ تفسير القرآن بدأ فى عصر كانت فيه المرأة قد أخذت وضعا جائرا فى المجتمع ، لكثرة ما ازدحم فى عصور الخلفاء والأمراء والوزراء وأصحاب الجاه والثراء ـ من الإماء ، اللائي غلبن على الحرائر ، واستأثرن بالنصيب الأوفر عند الرجال ، وبهذا صرن الوجه البارز للمرأة فى هذا العصر ، فى حين أصبحت المرأة الحرة فى بيت الرجل شيئا كماليّا ، لا يراد منه غير أن يكون للرجل امرأة ، يكون له منها الولد أو الأولاد! وحين أخذ المفسرون ينظرون فى كتاب اللّه ، وفى الآيات التي تمسّ المرأة ، وتقرر الأحكام التي تربط بينها وبين الرجل ، وتحدد مالها من حقوق وما عليها من واجبات ـ حينئذ كانت نظرة المفسرين إلى المرأة واقعة على هذه الصورة الشائهة لها ، المعزولة عن الوضع الصحيح الذي أقامتها الشريعة عليه .. ومن هنا كان تأويل آيات الكتاب الكريم واقعا تحت هذا المفهوم الجديد للمرأة ، متأثرا به ، مقدورا بقدره! وقد جاء الفقهاء على آثار المفسّرين فنظروا من وراء نظرتهم ، وبنوا أحكامهم على أساس تلك النظرة ، فبخسوا المرأة حقّها وأزالوها عن تلك المنزلة التي رفعها الإسلام إليها ، وأعادوها إلى أنزل من الوضع الذي كانت عليه فى الجاهلية.
والشي ء الذي يلفت النظر فى هذا هو أن كلمة المفسّرين الأولى فى تأويل كتاب اللّه كانت طريقا سلكه كل من جاءه بعدهم ، فنظر بنظرهم ، وأخذ
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 294
مأخذهم ، إذ وجد من الحرج أن يعيد نظره فيما نظر فيه السلف ، الذين كانوا أقرب إلى عصر النبوة وإلى تنسّم أنسامها الطيبة.

(1/285)

و الحقّ أن هذا الشعور قد حجز كثيرا من العقول عن أن تتصل بكتاب اللّه وبالسنة المطهرة اتصالا مباشرا ، غير واقع تحت تأثير هؤلاء السّلف الذين اجتهدوا فأخلصوا الاجتهاد ، ولكن لا عليهم أن يجتهد غيرهم ، بل لم يكن فى تقديرهم أن يقولوا ثم لا يكون لغيرهم مقالا فيما قالوا! والسبب فى جمود التشريع الإسلامى ، يرجع فى الواقع إلى هذا الشعور الذي دخل على العلماء والفقهاء من التزام الخطوة الأولى التي خطاها السلف فى طريق هذا التشريع ، الذي كان من طبيعة الأمور ومن معطيات الأصول التشريعية له ـ أن تتبع هذه الخطوة بخطوات ، ممتدة امتداد الزمن ، متفتحة على مسالك الحياة ، مسايرة لسيرها!! وأحسب أنه لو تخففنا من هذا الشعور إلى الحدّ الذي يسمح لنا بحرية الحركة ، واستقلال النظرة لوحدنا بين أيدينا التشريع الإسلامى الذي يقيمنا على أوضاع سليمة مستقرة فى حياتنا المادية والروحية ، وفى نظمنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، ولكانت صحبتنا للدين صحبة نأنس بها ، ونطمئن إليها ، ونثق فيها ، ولذهب ما بيننا وبين الدين من جفوة ، ولتحولت نظرتنا تلك الفاترة الضائعة فى اتصالنا به ، إلى نظرة حيّة واثقة من أنها إنما تنظر إلى الحياة كلها ، وإلى أجمل ما فى هذه الحياة ، حين تنظر فى هذا الدين ، وتقيم حياتها عليه! وأكثر من هذا ـ فإننا لو ذهبنا نأخذ شريعتنا من مصدرها الأول ـ الكتاب والسنة ـ لوجدنا أن كثيرا من القضايا الهامة فى حياتنا التي جاءت إلينا باسم الدين ، وصارت وجها من وجوهه ، ومادة من مواد دستوره ،
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 295

(1/286)

لم تكن من الدين ، وإنما وقعت من تأويلات ، تحكّم فيها يومئذ واقع الحياة ، وتحيف فيها المتأولون! إننا لو فعلنا هذا لأخر سنا تلك الألسنة التي ترمى الإسلام بالجمود والتخلف ، وتحكم عليه بأنه دين الحياة القبلية ، الذي لا يصلح لحياة المجتمع المتحضر ، ولا يتفق والزىّ الذي يتزيا به إنسان القرن العشرين!
الطلاق مثلا
هو عند من يفهمون الإسلام هذا الفهم السقيم ـ لا يعدو أن يكون كلمة يتلفظ بها فى جد أو هزل ، وفى صحو أو سكر ، فإذا هى سيف قاطع يصيب المرأة فى مقتلها ، وإذا هى جثة هامدة لا حياة فيها! وليس الطلاق هكذا فى شريعة الإسلام ، ولا هو على تلك الصورة الهزيلة الباردة!
الطلاق قضية :
و نعم قضية .. مثيرة .. خطيرة .. لها شأنها ووزنها فى حساب الحياة ، وفى بناء المجتمع الإنسانى! وبهذا الاعتبار ، وعلى هذا التقدير ، فإن أي انحراف يقع فى النظر إليها ، أو أي سوء فهم يرد على تصورها ، لا يصيب المرأة وحدها ، وإنما تمتد آثاره السيئة إلى المجتمع كله ، ونصيب الصميم من مركز القوة والحياة فيه.
بهذا التقدير الحكيم كانت نظرة الإسلام إلى الطلاق .. إنه فى نظر الإسلام قضية من أهم قضايا المجتمع البشرى ، بل هى عملية جراحية خطيرة يقتطع بها الإنسان بضعة منه ، على تكره واضطرار.
وقد رأينا فيما نظرنا فيه من آيات الكتاب الكريم فى شأن الطلاق كيف كانت نظرة الإسلام إلى الطلاق ، وكيف كان تقديره له. فى كل مرحلة ، وفى كل خطوة يخطوها الرجل نحوه ..
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 296

(1/287)

و قد رأينا كذلك مفهوم قوله تعالى « الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ » وأشرنا إلى ما تشير إليه لفظة « مرتان » من أن الطلاق ليس مجرد تلفظ بكلمة الطلاق ، بل هو عمليّة قاسية ، وأنه ليس عملية واحدة ، بل هو عمليتان موجعتان .. قلنا هذا أو نحوه وهو شى ء قليل مما يمكن أن يقال! ولكن انظر كيف وقع مفهوم هذه الآية الكريمة فى العصر الذي أشرنا إليه ، عصر تدوين التفسير ، والفقه ، وما كان لأحداث العصر من أثر فى إعطاء الآية الكريمة هذا المفهوم! كان الخلفاء يأخذون البيعة من الناس لأولياء العهد من بعدهم ، لمن يختارونه من أبنائهم ، وإنهم لكى يسدّوا على المبايعين منافذ التحلل من تلك البيعة ، كانوا يوثقونهم بأيمان مغلظة لا يستطيعون الفكاك منها ..
ومن هذه الأيمان يمين الطلاق! فكان فيما يحلف به المبايع أنه إن تحلل من هذه البيعة التي بايعها فكل نسائه طالق ثلاثا! على اعتبار أن التلفظ بأعداد الطلاق الثلاث مرة واحدة هو الطلاق الباتّ الذي لا رجوع فيه .. وبهذا تصبح المرأة طالقا بمجرد الحنث فى هذا اليمين ..
وعلى هذا أصبح الحكم الشرعىّ للطلاق عموما هو أن يحسب الطلاق بالعدد الملفوظ به ، طلقة واحدة ، أو اثنتين ، أو ثلاثة ، وبهذا يمكن أن يقع الطلاق البات ، وتنفصم عرا الحياة الزوجية فى لحظة واحدة بكلمة واحدة! وأغرب ما فى هذا المفهوم الخاطئ للطلاق ، أنه يحتسب « الطلاق » يمينا يحلف به ، مع أنه إجراء أو عملية ، يتم بها الانفصال بين الزوجين ، كما تم الاتصال بينهما بعملية مماثلة فى الزواج ، وإن كانت عملية الاتصال بين طرفين ، وعملية الانفصال من طرف واحد .. فذلك لا يعدو أن يكون فسخا من جانب واحد لعقدتم بين طرفين. وهذا أمر جائز فى بعض العقود ، كعقد الهبة ، وعقد الوصية.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 297

(1/288)

و لا شك أن هذا المفهوم للطلاق بعيد غاية البعد عن ملفوظ الآية ومفهومها ، مضاد كل التضاد للنظرة التي نظرت بها الشريعة إليه كدواء مر ، لا يتجرعه الرجل إلا عند ما تعتلّ الحياة الزوجية ، ويهدد الداء حياتها ، عندئذ يجاء إلى هذا الدواء المر ، ولكن لا يؤخذ منه إلا جرعة واحدة ، فإن ذهبت بالداء ، وإلا فالثانية ، فإن لم يكن ثمة أمل فالثالثة .. ولا شى ء بعدها! أ رأيت إذن كيف كان أثر العصر الذي دوّن فيه تفسير القرآن فى تلوين هذا التفسير بلون الحياة الغالبة على الناس يومئذ ، وفى تخريجه على نحو يستجيب لمنازع هذه الحياة ، ولا يتصادم مع أحداثها! ولك أن تنظر بعد هذا فيما يقال من أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه هو الذي أفتى بهذه الصورة الكريهة التي يقع بها الطلاق مرة واحدة بلفظ واحد ، وأنه ألزم المتلفظ بكلمة الطلاق أن يقع طلاقه بائنا بينونة كبرى إذا حملت اللفظة معها ما يدل على عدد الثلاث ، كأن يقول : هى طالق ـ طالق ، طالق ، أو هى طالق ثلاثا .. أو يقع يمينى ثلاث طلقات إذا حدث كذا أو كذا ثم لم يحدث هذا أو ذاك! لك أن تنظر فى هذا الذي يقال عن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ، فى أمر هذا الطلاق ، وما يقام له من تعليل ينسب إلى عمر أيضا ، وهو أن الناس استعجلوا أمرا كان لهم فيه أناة ، فكان ذلك عقابا لهم! يا سبحان اللّه! أ هذا عمر بن الخطاب ، وهذا توقيره لدين اللّه ، وحياطته له ، وحرصه عليه؟
و معاذ اللّه أن يستحلّ ابن الخطاب حرمة من حرمات اللّه ، فيحل حراما أو يحرم حلالا!! أ فلأن خرج بعض الناس على منهج الدين يلقاهم ابن الخطاب
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 298

(1/289)

بهذا الدين وقد غير لهم وجهه ، وأدار لهم ظهره؟ وماذا لو رأى ابن الخطاب أن المسلمين قد أكثروا فى عهده من التزوج بالكتابيات ، ورغبوا فيهن عن المسلمات؟ أ كان عليه ـ حسب هذا المنطق ـ أن يحى ء إلى المسلمين بفتوى تحرم عليهم التزوج بهن؟ إن هذا من ذاك سواء بسواء! إننا نلغى عقولنا ونبيعها بأبخس ثمن إذا قبلنا مثل هذه الروايات التاريخية المتهافتة ، التي تدين الإسلام ، وتدين رجلا من رجالات الإسلام كعمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه وأرضاه.
ندع هذا ، ونسير فى طريقنا مع كتاب اللّه ، ومع آياته البينات.
قوله تعالى : « فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ » .
بعد أن قضى اللّه سبحانه وتعالى للمرأة المتوفى عنها زوجها بالمقام فى بيت الزوجية حولا كاملا ، مكفولة النفقة ، غير متوجه إليها بكيد يفسد عليها المقام فيه ، ويحملها على الخروج منه ـ بعد أن بين اللّه سبحانه هذا ، أباح للمرأة أن تخرج من هذا البيت متى شاءت خلال هذا الحول ، حسب تقديرها وتدبيرها لشئوون نفسها ، فهذا الحق ملك لها تستعمله أو لا تستعمله ، كله ، أو بعضه ، ولا سبيل لأحد عليها ، ولا حرج على أهل الزوج إن هى خرجت راغبة غير مكرهة ، ولا ضائقة! وقوله تعالى : « وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » تذكير لأهل الزوج وورثته بعزة اللّه وقوته ، حتى لا يعتزوا بعزتهم ، أو يغترّوا بقوتهم ، إزاء ضعف المرأة واستكانتها فى الحال التي هى فيها ، فيجوروا على حقها ، ويعتدوا على ما وضع اللّه فى يدها .. فما قضى اللّه به هو حكم الحكيم العليم ، وليس لأحد أن يعترض على هذا الحكم أو يقف فى سبيل إمضائه ، وإلا كان معتديا آثما.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 299

(1/290)

و فى قوله تعالى : « وَ لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ » تأكيد لهذا البرّ الإنسانى بالمرأة المتوفّى عنها زوجها ، إذ جعله اللّه حقّا للمطلقات عموما ، فالمتوفّى عنها زوجها أحق وأولى بهذا البر منهن.
وإذ جعل الإسلام هذا البرّ حقا واجبا للمرأة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها ، على الزوج المطلّق ، أو على ورثة المتوفى ، فإنه لم يكتف بهذا الأمر الملزم ، بل استدعى له إنسانية الإنسان كلها ، وخاطب فيه جانب المروءة والرجولة ، ليكون من ذوى الفضل والإحسان ، وذلك ليشد الأمر الديني إلى ضمير الإنسان ، وليوقظ له المشاعر الطيبة الرحيمة فيه ، حتى يستقبل الأمر الديني ، طيب النفس ، منشرح الصدر ، فيخف عليه أداؤه ، والوفاء به على أكمل وجه وأتمه .. فسبحان الحكيم العليم المستولى بحكمته وبعلمه على ما تكن الضمائر وما تخفى الصدور! قوله تعالى : « كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » أي بمثل هذا البيان المبين ، يخاطبكم اللّه بآياته ، ويعلمكم آدابه وأحكامه ، حتى تكونوا على هدى وبصيرة ، لما التقى بعقولكم من هذا العلم الرّبّانى الوضي ء.
آية (243) [سورة البقرة (2) : آية 243]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (243)
التفسير : من هم هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت؟
تختلف أقوال المفسرين اختلافا كبيرا فى هؤلاء القوم .. وفى الأمة التي ينتسبون إليها ، وفى العصر الذي كانوا فيه ، وفى الحدث الذي خرجوا من
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 300

(1/291)

أجله ، وفى المعتقد الذي كانوا يعتقدونه .. إلى غير ذلك من وجوه الأقوال فيهم ، والتي لا يجد المرء فيها ـ مجتمعة أو متفرقة ـ شيئا يستريح له ، ويقف عنده! وندع هذه الأقوال جميعها ، لنأخذ بما يقع فى وجداننا ، ونحن نتلو الآية الكريمة ، وما بعدها من آيات.
فنقول ـ واللّه أعلم ـ إن كلمة « الذين » تجى ء أكثر ما تجى ء فى القرآن الكريم مرادا بها جنسا خاصا من الناس ، مثل : الذين آمنوا ، والذين كفروا والذين جاهدوا ، والذين صبروا ..
1 ـ فهؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف لا بد أن يكونوا على صفة واحدة ، اجتمعوا عليها ، وعاشوا فيها.
2 ـ ثم إنهم من جهة أخرى ـ قد شملتهم حال واحدة ، أحاطت بهم وعرضتهم للموت ، فخرجوا من ديارهم طلبا للنجاة من وجه هذا الخطر الجاثم عليهم : « خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ 3 ـ ثم إنهم ـ من جهة ثالثة ـ خرجوا بتدبير من عند أنفسهم ، وأنهم تركوا ديارهم خفية دون أن يشعر بهم العدو المتربّص بهم ، وأنه لو كان هذا الخروج من عمل عدوهم لكان التعبير عن هذا الخروج بلفظ « أخرجوا » لا بلفظ خرجوا كما جاء به الخبر القرآنى! هذه دلالات ثلاث نجدها فى الآية الكريمة.
ونتفرس فى وجوه الأحداث التي كانت تستدعيها الدعوة الإسلامية ، وتقيم منها العبرة والعظة للمؤمنين ، وفى الجماعة التي كانت مضرب المثل للمؤمنين ـ فى الخير والشر ـ فنجد هذه الجماعة هى جماعة بنى إسرائيل
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 301
و الحدث الذي يعطى هذه الدلالات ، هو خروجهم من مصر على يد نبى اللّه موسى عليه السلام! فالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف إذن ، على هذا التفسير ـ هم بنو إسرائيل.
1 ـ فهم الذين كانوا جماعة مستقلة بذاتها ، متميزة بعاداتها وأوضاعها فى المجتمع المصري.
2 ـ وهم « الذين » أخذهم فرعون بالبأساء والضراء ، وأنزلهم منازل الهون والذلة : « يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ » (4 : القصص).

(1/292)

3 ـ وهم « الذين » خرجوا بليل مستخفين تحت جنح الظلام ، دون أن يشعر بهم فرعون وجنوده ، إلا بعد أن قطعوا معظم الطريق ، جادّين فى الهرب : « فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ : (23 : الدخان).
والآية القرآنية تقول : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ » .. ولا تحتاج الآية بعد هذا إلى شرح أو تأويل! وتقول الآية بعد ذلك : « فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا .. ثُمَّ أَحْياهُمْ » .
والسؤال هنا : هل كتب اللّه سبحانه وتعالى على هؤلاء القوم ، الموت ، بعد أن خرجوا من ديارهم ، وهم ألوف ، حذر الموت؟
نعم ..!
فإنه بعد أن خرج بنو إسرائيل من مصر ، وبعد أن رأوا من آيات اللّه ما رأوا عادوا فكفروا بآيات اللّه وعبدوا العجل ، واتخذوه إلها من دون اللّه.
فكان أن عاقبهم اللّه بأن كتب عليهم التيه فى الصحراء أربعين سنة ، كما قال اللّه تعالى : « قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ »
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 302
(26 : المائدة) .. وهذا موت أدبى ومادىّ معا .. فقد عزلهم اللّه بهذا التّيه عن الحياة ، وعن المجتمع البشرى كله ، لا يدرون أين هم فى هذا القبر الكبير الذي أطبق عليهم ، وسدّ دونهم منافذ الخروج منه! ثم تقول الآية الكريمة بعد هذا : « ثم أحياهم » أي قال لهم اللّه موتوا ، فماتوا .. ثم أحياهم أي أخرجهم من هذا التيه ، وبعثهم من هذا القبر المشتمل عليهم ، بعد أن قضوا الأربعين سنة المحكوم عليهم بها.

(1/293)

و تقول الآية فى خاتمتها : « إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ » تنبيها لأولئك الغافلين عن نعم اللّه وأفضاله ، ليقوموا بحق شكرها ، بالإخبات للّه والحمد له ، ولكن أكثر الناس يجحدون بآيات اللّه ويكفرون بنعمه! وفى قوله تعالى : « وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ » تشنيع على بنى إسرائيل وإدانة لهم بأنهم استقبلوا نعم اللّه بالجحد والكفران .. كانوا فى قبضة فرعون أمواتا أو كالأموات فأحياهم اللّه ، إذ خلصهم من عدوهم ، ولكنهم كفروا النعمة وجحدوا المنّة فأماتهم اللّه بالتيه فى الصحراء أربعين سنة ، ثم أحياهم إذ أخرجهم من هذا التّيه ، فلم يكن منهم إلا الجحود والكفران.
هذا ، ومورد الآية الكريمة هنا ، أنها تمثل للمسلمين موقفا أشبه بالموقف الذي كانوا يقفونه يومئذ ، وأنه إذا كان بنو إسرائيل قد مكروا بآيات اللّه وجحدوا فضله فليكن المسلمون على حذر من أن يضلوا كما ضل القوم ، وأن يقعوا فيما وقعوا فيه! والآية الكريمة نزلت فى سورة البقرة التي كانت أول القرآن نزولا بعد الهجرة .. فهى تذكّر الرسول والمسلمين بأن قوما قبلهم قد خرجوا من ديارهم فرارا بأنفسهم من وجه الظلم والقهر والإذلال ، كما خرج النبىّ
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 303
و المهاجرون معه من ديارهم فرارا بدينهم ، وأن يفتنهم المشركون فيه « وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ » .
وأن اللّه ـ سبحانه ـ الذي نجّى بنى إسرائيل من عدوهم سينجّى النبي وأصحابه من عدوّهم ، وأنه كما أحيا هؤلاء القوم وحفظ عليهم حياتهم سيحيى المسلمين ويحفظ عليهم دينهم! ثم إنه سبحانه ـ وقد جحد بنو إسرائيل نعمته فرماهم فى التيه ـ يرصد عقابه لكل من لا يشكر له ، ويستقيم على طريقه القويم.
فليأخذ المسلمون العظة من هذا الحدث. وإلا صاروا إلى ما صار إليه هؤلاء القوم من فتنة وضلال!

(1/294)

آية : (244) [سورة البقرة (2) : آية 244]
وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)
التفسير : لقد نجّى اللّه المسلمين من عدوّهم ، كما نجّى بنى إسرائيل من عدوّهم ، ولكن بنى إسرائيل كفروا وجحدوا ، وضنّوا أن يعطوا شيئا من أنفسهم للّه الذي استنقذها وخلّصها. وهذه دعوة للمسلمين الذين خلصهم اللّه من البلاء ، وعافاهم من السوء الذي كانت ترميهم به قريش ـ دعوة لهم أن يقاتلوا فى سبيل اللّه ، وأن يدفعوا يد الضلّال والمفسدين عن طريق الحق والخير والسلام ، فتلك هى الزكاة التي يؤدونها عن هذه النعمة التي ألبسهم اللّه إياها ، وبذلك تضعف قوى البطش والطغيان ، فلا تتسلط على عباد اللّه كما كانت متسلطة عليهم هم ، من قبل أن يمنّ للّه عليهم ، وينجّيهم مما كانوا فيه من بلاء!
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 304
آية : (245) [سورة البقرة (2) : آية 245]
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)
التفسير : إن مجال الجهاد فى سبيل اللّه متعدد الميادين ، مختلف الوسائل.
فمن جهاد بالنفس وبيع لها فى سبيل اللّه ، إلى جهاد بالمال ، وبذل له فى وجوه الخير والنفع ، إلى جهاد بالكلمة الطيبة الصادقة فى دعوة الحق والخير ..
كل أولئك وما شابهه جهاد مبرور فى سبيل اللّه.

(1/295)

و من لطف اللّه بعباده ورحمته لهم أنه يمنحهم الحياة ، ويفضل عليهم بالمال ، ثم يجعل ذلك ملكا خالصا لهم ، ثم يعود بفضله عليهم فيشترى منهم تلك الأنفس ، ويقترض منهم هذا المال ، ثم يعود بفضله وكرمه فيؤدى إليهم ثمن ما اشترى ، وقيمة ما اقترض أضعافا مضاعفة .. وكان له ـ سبحانه ـ أن يأخذ ما منح ، ويسلب ما أعطى ، بلا عوض ، ودون مقابل ، ولكنه ذو رحمة واسعة وفضل عميم! « إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ »
آية : (246) [سورة البقرة (2) : آية 246]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَ ما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَ أَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 305

(1/296)

التفسير : مثل آخر من بنى إسرائيل تعرضه الآية الكريمة لأنظار المسلمين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلّا أن يقولوا ربنا اللّه .. وفى هذا المثل يرى المسلمون صورة كريهة للمهانة والذلة تركب القوم ، فإذا هم جبناء أذلّاء ، لا يدفعون عن حرماتهم ، ولا يردّون يد العدوّ المتسلط عليهم! إن هؤلاء الملأ من بنى إسرائيل ـ وهم سادة القوم وأشرافهم ـ هم أبناء أولئك الذين أماتهم اللّه ثم أحياهم ، بأن أدخلهم الأرض المقدسة ، وجعل لهم مقاما فيها ، فلما ركبهم البغي والعدوان سلط اللّه عليهم من بدّد شملهم ، وخرب ديارهم وأزال ملكهم ، ونبذهم بالعراء فى تيه أشبه بالتيه الذي عاش فيه سلفهم .. وإذ دبّ فى القوم دبيب الحياة ، وتحركت فيهم أثارة من نخوة ورجولة قالوا لنبيهم : اختر لنا ملكا نجتمع إليه ، ونقاتل تحت رايته ، لنستعيد ملكنا ، ونجتمع إلى ديارنا! ونبيهم يعلم من أمرهم ما لا يعلمون ، ويرى من أنفسهم ما لا يرون .. إنهم أكثر الناس أقوالا وأقلّهم أفعالا .. يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم! « قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » .
فيلقاهم النبىّ بما يتوقع أن يكون منهم ..
«قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا؟ » .
وتأخذهم الحميّة ، وتغلب عليهم شهوة القول .. فيقولون :
«وَ ما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَ أَبْنائِنا؟ » ..
إنهم يجدون أكثر من دافع يدفعهم إلى القتال .. لقد أخرجوا من ديارهم وأموالهم ، وشرّدوا هم وأبناؤهم .. فهل يصبر على هذا الضيم أحرار الرجال؟
و لكن أين هم الرجال؟
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 306
«فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ » .

(1/297)

لقد فضحوا أنفسهم حين دخلوا فى هذه التجربة ، وكانوا من قبل أن يطلبوا الدخول فيها ، فى ستر من أمرهم ، ولكن أبوا إلا أن يركبوا مراكب الرجال ، فزلت أقدامهم ، وعفرت وجوههم فى تراب الخزي والمهانة .. إلا قليلا ممن أراد اللّه له السلامة والأمن ، فثبت قدمه ، وربط على قلبه.
الآية : (247) [سورة البقرة (2) : آية 247]
وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (247)
التفسير : وتشرح هذه الآية والآيات التي بعدها ما أجملته الآية السابقة ، من هذا الموقف المتخاذل الذي كان من هؤلاء القوم ، الذين يمكرون بآيات اللّه ، ويستخفّون بأوامره وأحكامه.
لقد اختار لهم اللّه ملكا يقاتلون معه ، وذلك إجابة لمقترحهم الذين اقترحوه .. فجعلوا يفتشون فى هذا الملك المختار من قبل اللّه ، ويفندون الأسس التي قام عليها اختياره ، وفى ذلك ما فيه من جرأة على اللّه ، وعدوان على ما يقضى به ويحكم فيه ..
وليتهم إذ نظروا ، وقعت أنظارهم على ما فى الإنسان من فضائل نفسية وروحية ، هى التي يكون بها التفاضل والتمايز بين إنسان وإنسان .. ولكنهم لم ينظروا إلا إلى ما أشربته قلوبهم من حبّ المال ، الذي هو ميزان المفاضلة
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 307
و الفضل عندهم .. فحين رأوا أن الملك المختار لم يكن أكثرهم مالا ، وأوسعهم ثراء ، أنكروا أن يكون ملكا عليهم ، وقالوا : « أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ؟ » .

(1/298)

و تلقّوا الإجابة من نبيهم مسكتة مفحمة : « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ » ! فهل لهم أن يحتكموا على اللّه؟ لقد اصطفاه اللّه عليهم .. « وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ » ثم إن هذا الذي اصطفاه عليهم قد زاده اللّه بسطة فى العلم والجسم ، فإذا كان فيهم من يفضله فى المال ، فهو يفضلهم فى كمال الجسم وتمام العقل ، وذلك مما يكمل به الملك ويجمل به الملوك! جمال وروعة فى المظهر ، وفى المخبر .. معا ..
«وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ » يصطفى من يشاء لما يشاء ، وسع فضله كل شى ء ، وأحاط علمه بكل شى ء ، فلا معقّب لحكمه ، ولا منازع له فى سلطانه. « فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً » ؟
الآية : (248) [سورة البقرة (2) : آية 248]
وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)
التفسير : لم يطمئن القوم إلى ما أخبرهم به نبيّهم عن طالوت ، وأن اللّه قد اصطفاه لهذه المهمة ، وأن عنده من مستلزمات الملك ما ليس لأحد منهم .. بسطة فى العلم والجسم .. ولكنهم أبوا أن يخفّوا للانضواء إليه والقتال تحت رايته ..
فجاءهم نبيهم بآية محسوسة ، يجدونها بين أيديهم ، أمارة على اصطفاء اللّه له ، وهو أن يعود إليهم التابوت الذي افتقدوه من زمن بعيد ، وفى هذا التابوت سكينة
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 308
و اطمئنان لهم ، إذ كانوا يجدون فى وجوده بينهم دلالة على رضى اللّه عنهم وتأييده لهم فى القتال. وفى هذا الصندوق أيضا بعض من مخلفات موسى وهرون ..

(1/299)

و فى هذا شاهد واقعي يشهد لصدق النبىّ ، ويؤيد ما بلّغ به عن ربّه فى شأن طالوت! والتابوت هو « صندوق » يقال إنه هو الذي كان قد وضع فيه موسى حين ألقته أمه فى اليمّ ، ويمكن أن يكون صندوقا من صنع موسى كان يضع فيه الألواح والعصا ، وغير ذلك من آثاره وآثار هارون ، وكانوا يصحبون التابوت معهم فى حروبهم ، تبركا به ، فلما كان القوم فى بعض حروبهم مع عدوّهم ، وغلبوا على أمرهم ، واستبيحت ديارهم وأموالهم ، حمل أعداؤهم هذا التابوت ، فيما حملوا من مال ومتاع! فكانوا بعد ذلك لا يجرءون على ملاقاة عدو! وجاءهم التابوت وما كان فيه من آثار ، وعندها وجدوا السكينة ، والاطمئنان .. فآمنوا وصدّقوا ، ورضوا بطالوت ملكا وقائدا .. وهكذا يقاد القوم قسرا ، بيد الآيات المعجزة القاهرة ، التي تسدّ عليهم منافذ ، المعاذير والعلل ، التي يقيمونها بين يدى كل أمر يدعون إليه من اللّه!
الآية : (249) [سورة البقرة (2) : آية 249]
فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 309

(1/300)

التفسير : أما والقوم قد أبوا أن يصدّقوا إلا أن يروا بأعينهم ، فقد ابتلاهم اللّه ، ووضعهم أمام تجربة حسيّة يدعوهم إليها « طالوت » الذي جاءهم بالآيات ليحملهم على التصديق به .. وليس لهم بعد ذلك أن يخرجوا عن طاعته ، بعد أن استيقنوا أن اللّه قد اصطفاه عليهم .. وها هوذا يدعوهم إلى محنة قاسية ، لم يكن لهم أن يتحللوا منها بحال أبدا .. إنها من طالوت ، وإن طالوت من اللّه ، وشاهده فى يده!! « قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ » .
هذه هى التجربة ، وهذا هو الابتلاء.! فالقوم عطشى والماء بين أيديهم ، وكلمة اللّه إليهم : « ألّا يشربوا من هذا الماء وألا يرووا ظمأهم » . وفى هذا :
أولا : امتحان لإيمانهم ، واستجابتهم لما يدعون إليه ، وهم فى وجه تجربة أقسى وأمر ، هى لقاء العدوّ الذي عرفوه وعرفوا بأسه وجبروته وبطشه بهم ، وبآبائهم من قبل! وثانيا : أن ذلك رياضة لهم وتدريب على احتمال مكاره الحرب وأهوالها ، وربما كان الظمأ أهون شى ء فيها.
هذا بعض ما تنطوى عليه التجربة فى كيانها ، ولكن القوم لا يرون إلا ما يطفو على ظاهرها ، وأنها ليست إلا تحكما من طالوت ، لا يمليه عليه إلا حبّ التسلط والاستبداد ، وهذا ما يضاعف من كمدهم وحقدهم .. ليجعل اللّه ذلك حسرة فى قلوبهم .. إنهم يحومون حول الماء ولا يردونه ، وتحترق أكبادهم ظمأ ويحرم عليهم أن يشربوا منه .. « كَذلِكَ الْعَذابُ ، وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَ هُمْ لا يُنْصَرُونَ » (16 : فصلت).
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 310

(1/301)


و إن القوم لعلى ما هم عليه من فساد طوية واعتلال نية .. فخرجوا عن أمر نبيهم ، وشربوا من النهر وعبّوا ، إلا قليلا منهم ممن عافاه اللّه من هذه المحنة ، فتجنّب النهر ولم يشرب منه! وقد اعتزل طالوت أولئك الذين شربوا ، وخلص بالذين لم يشربوا أو اغترفوا غرفة بأيديهم .. وحين رأى القوم عدوّهم يقودهم قائدهم الجبار « جالوت » فزعوا واضطربوا وقالوا : « لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ » ولكن قلة قليلة منهم ممن آمن باللّه ، ووثق بما أعده فى الآخرة لعباده المؤمنين ، فآثروا الآخرة على الدنيا ، وزهدوا بما فى أيديهم طمعا بما فى يد اللّه ـ هؤلاء لم يلتفوا إلى ماوراءهم من أهل وولد ومال ، ولم يخفهم الموت الراصد لهم فى يد أعدائهم ، فلم يهابوا العدوّ وكثرته وقوته ، وأطمعهم هذا الشعور فى عدوّهم ، ورأوا أنهم فى قلتهم المؤمنة الصابرة أقوى من عدوّهم الذي لا يؤمن باللّه ولا يصبر على المكروه ، إلا طمعا فى مغانم الدنيا ومتاعها .. وإذ قال غيرهم : « لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ » قالوا هم : « كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » .
الآيتان : (250 ـ 251) [سورة البقرة (2) : الآيات 250 الى 251]
وَ لَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (251)
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 311

(1/302)

التفسير : تلك عاقبة الصابرين فى مواقع الحق ، المجاهدين فى سبيل اللّه ، على بصيرة وهدى ، لا يخطئهم النصر أبدا.
وواضح من الآية الكريمة أن داود عليه السلام كان فى هذه الحرب جنديا من جنود طالوت ، وأنه ببسالته وشجاعته قد تولى قتل قائد العدو جالوت ، وبفعله هذا كان النصر والغلب .. ثم كان من فضل اللّه على داود بعد هذا أن أتاه اللّه الملك والحكمة ، وعلمه مما يشاء من علمه ، فألان له الحديد ، وعلمه صنعة الدروع للحرب ، وجعل لصوته من حسن النغم ما جعل الحياة كلها من حوله تنسجم معه ، وتستجيب له ، وإذا هى معه صوت واحد ، يسبح بحمد اللّه رب العالمين!! وقوله تعالى : « وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ » .
يبيّن أن هذا التدافع بين الناس .. بين الخير والشر .. بين الحق والباطل ..
بين الأقوياء والضعفاء .. بين الأغنياء والفقراء .. بين الأفراد والأفراد ..
وبين الجماعات والجماعات .. وبين الأمم والأمم ـ هذا التدافع فى كل موقع من مواقع الحياة ، وفى كل متجه فيها ، وعلى كل مورد مواردها ـ هو الذي يحرك دولاب العمل على هذه الأرض ، ويبعث الحياة فى كل جانب منها .. ولو كان النّاس متجها واحدا ، ومذهبا واحدا ، وشعورا واحدا ، وتفكيرا واحدا ، ومنزعا واحدا ـ لكانوا شيئا واحدا .. كانوا كتلة باردة متضحمة ، أشبه بجبل من الجليد ، لا تطلع عليه الشمس أبدا!! فسبحان من خالف بين النّاس فجعل من هذا التخالف مادة الحياة والبناء والعمران ، ولو لا ذلك لفسدت الأرض وضاع الناس : « وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ » .
التفسير القرآني للقرآن ، ج 1 ، ص : 312
الآية : (252) [سورة البقرة (2) : آية 252]
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)
التفسير : هذه الآيات التي يتلقّاها النبىّ الكريم ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ إنما هى كلمات اللّه ، يتلوها عليه رسول كريم من رسل اللّه ، وإنها لحقّ من ربّ العالمين ، تقرر الحق بأنه من المرسلين الذين أنعم اللّه عليهم.
واصطفاهم للسفارة بينه بين خلقه ، يحملون بين أيديهم وعلى ألسنتهم النور والهدى.

(1/303)


التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 313
[الجزء الثاني ]
[تتمة سورة البقرة]
الآية : (253) [سورة البقرة (2) : آية 253]
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253)
التفسير : للّه سبحانه وتعالى أن يصطفى من يشاء من عباده .. والرسل عليهم الصلاة والسلام هم ممن اصطفاهم اللّه ، لحمل رسالته إلى عباده ، فجعلهم سفراءه إلى الناس بالرحمة والهدى .. وهؤلاء الرسل ـ على علوّ مقامهم وشرف منزلتهم ـ هم درجات عند اللّه في الفضل .. بعضهم أفضل من بعض ، فكما اصطفى سبحانه وتعالى هؤلاء الرسل من بين خلقه ، اصطفى منهم صفوة جعلها في الدرجة العليا من هؤلاء المصطفين الأخيار .. والإشارة إلى الرسل بالمؤنث ، إنما هى إشارة إلى جملتهم ، أو جماعتهم ، باعتبارهم كيانا واحدا ، يحملون شعلة الهدى ، ويتجهون بها إلى غاية واحدة ، هى هداية الناس واستنقاذهم من الضلال.

(1/304)

و قد نوّه سبحانه بالنبيين الكريمين : موسى ، وعيسى ، بهذا الفضل الذي فضل به عليهما ، إذ شرّف اللّه موسى بأن أسمعه كلامه سبحانه ، من غير واسطة ، وأكرم عيسى بأن جعل على لسانه الحكمة ، وفى قلبه روح القدس ، حيث كان نفخة من روح اللّه ، فكان في قلبه شعاعة من نور الحق لا تخبو أبدا ، ولا يستملى لسانه منها غير الحق أبدا!.
واختصاص هذين النبيّين الكريمين بهذا الذكر هنا دون سائر الأنبياء والمرسلين لا يحصر الفضل فيهما وحدهما ، ولا يعطيهما المنزلة العليا فى الأنبياء جميعا ،
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 314
و إنما كان ذلك الذكر لاستحضار أتباعهما من اليهود والنصارى ، وتذكيرهم بما حمل إليهم موسى وعيسى من الهدى والرحمة ، وما كان من أتباعهما من خلاف وشقاق ، ذهب بهم فى الفرقة والعداوة كل مذهب.
وهذا الخلاف بين أتباع موسى وعيسى ـ فيما بين كل فريق منهم ، ثم فيما بين الفريقين ، ثم فيما بينهم وبين المسلمين ـ هذا الخلاف هو مما تقتضية طبيعة الحياة ، وهو بعض مما أشار إليه سبحانه وتعالى فى قوله في الآية السابقة : « وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ » .. فهناك حقّ وباطل ، وهناك محقّون ومبطلون ، وإنه لا بد أن يصطدم هؤلاء وهؤلاء ، ويقتتل هؤلاء وهؤلاء ، ولو لا ذلك لتسلط الشر على الخير ، وغلب الباطل على الحق ، وكان في ذلك فساد كل شى ء ، وضياع كل شى ء.

(1/305)

و فى قوله تعالى : « وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ » إشارة إلى أن هذا الخلاف الذي وقع بين أتباع الأنبياء ، وأوقع القتال بينهم ، إنما هو بتقدير اللّه وحكمته ، ليكون فى ذلك ابتلاء واختبار ، وليميز اللّه به الخبيث من الطيب .. فالضمير في « مِنْ بَعْدِهِمْ » يرجع إلى أتباع الأنبياء الذين اختلفوا بعد أنبيائهم ، الذين هم جميعا على دين واحد ، هو دين اللّه ، وهو الإسلام.
قوله تعالى : « وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ » أي وقع الاختلاف بين أتباع الرسل ، فكان منهم المؤمنون وكان منهم الكافرون ، وكان من ذلك أن اقتتل المؤمنون والكافرون .. « وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا » أي ولو شاء اللّه ما اقتتلوا مع وجود هذا الخلاف بينهم .. « وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ » أي فوقع القتال بينهم لما أراد اللّه من حكمة يعلمها ، ولما قضى به من خير وراء هذا الذي يحسبه الناس شرا. ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 315
الآية : (254) [سورة البقرة (2) : آية 254]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خُلَّةٌ وَ لا شَفاعَةٌ وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)

(1/306)

التفسير : الناس فريقان : مؤمن وكافر .. والمؤمنون هم الذين يتقبلون دعوة الحق ، ويستجيبون لها .. والنداء هنا موجه للمؤمنين ، إذ يحمل إليهم أمر اللّه بأن ينفقوا فى سبيل اللّه مما رزقهم اللّه .. فمن هذا الذي ينفقونه فى هذه الدنيا يكون رصيدهم من الخير الذي يجدونه يوم القيامة ، يوم لا يلقى الإنسان شيئا إلا ما أعده من قبل لهذا اليوم .. حيث انقطع الإنسان من كل شى ء ، وانقطع عنه كل شى ء ، فلا بيع ولا شراء ، ولا ربح ولا خسارة .. فقد انفضّت السوق من قبل ، فربح من ربح وخسر من خسر .. وليس هناك من صديق أو معين يمد يده إلى غيره بشى ء مما عنده ، فلكل امرئ يومئذ شأن يغنيه ، وليس لأحد شفاعة من أحد أو فى أحد ، فقد صار الأمر كله إلى يد غير يد الأصدقاء والشفعاء .. إنه فى يد اللّه رب العالمين.
وقوله تعالى : « وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ » تنديد بالكافرين ، وإثارة لمشاعر الحسرة والندامة فيهم ، إذ ظلموا أنفسهم ، ولم يعملوا لها حسابا لهذا اليوم العظيم .. وحصر الظلم فيهم إشارة إلى أن كل ظلم هو تبع لظلمهم ، وفرع من أصل.
الآية : (255) [سورة البقرة (2) : آية 255]
اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْ ءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 316
تستعرض هذه الآية الكريمة أمجاد اللّه وعظمته وقدرته ، ليكون من هذا العرض الكاشف مجلّى لأبصار المستبصرين ، ونور لبصائر الراشدين ، حتى يتعرفوا على اللّه ، ويؤمنوا به ، ويخبتوا له ، ليرشدوا ويسعدوا.

(1/307)

فاللّه هو الذي لا إله إلا هو .. وكل ما يعرف الضالون من أرباب وآلهة غيره ، ضلال فى ضلال.
واللّه ـ سبحانه ـ هو الحىّ حياة أبدية سرمدية. لم يسبقه عدم ، ولا يلحقه فناء.
واللّه ـ سبحانه ـ هو القيوم ، المالك لكل شى ء ، والقائم على كل شى ء ، والمهيمن على كل شى ء.
واللّه ـ سبحانه ـ منزه عن العوارض التي تعرض للمخلوقات ، فلا يعرض له تعب أو كلال ، ولا يلحقه سهو أو نسيان ، ولا تأخذه سنة ولا نوم .. مما يأخذ الناس من جهد العمل.
واللّه ـ سبحانه ـ له ملك السموات والأرض وما فيهن ، يدبرها بحكمته ، ويسعها بعلمه.
واللّه ـ سبحانه ـ قد بسط سلطانه على السموات والأرض ، ووسع كرسيه السموات والأرض.
واللّه ـ سبحانه ـ هو العلى العظيم ، الذي لا يطاوله فى علوه أحد ، ولا يشاركه فى عظمته أحد .. هكذا يتجلّى اللّه سبحانه فى عظمته وجلاله ، وفى حكمته وعلمه ، وفى قدرته وحياطته ، وفى ملكه وسلطانه ـ هكذا يتجلّى لمن نظر فى هذا الوجود ، وهكذا يتجلّى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وفى قوله سبحانه : « مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ » استحضار لنتيجة
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 317
لازمة من هذا العرض المبسوط لسلطان اللّه وقدرته ، يشهد منه أولئك الذين يتخذون من اللّه أربابا يقولون عنهم إنهم شفعاؤنا عند اللّه ، ويقولون فيهم :
«ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى » (3 : الزمر) ـ يشهد منه هؤلاء ألّا سلطان لأحد مع سلطان اللّه ، ولا شفاعة لأحد فى أحد عند اللّه ، إلا لمن يأذن له اللّه ، ويرضى له الشفاعة ، فضلا منه وكرما وإحسانا! وفى قوله تعالى : « وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ » إشارة إلى امتداد سلطانه ، وسعته ، ونفوذه إلى كل شى ء فى هذا الوجود ، وامتلاكه ناصية كل شى ء فيه!.

(1/308)

فالكرسى عادة يحتوى السلطان الجالس عليه ، وهو فى حقيقته ليس إلّا شيئا صغيرا ، لا يشغل إلا حيّزا محدودا مما يقع تحت يد السلطان من ملك.
ولكن كرسىّ اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ هو الوجود كلّه ، بل إن الوجود كله ـ فى أرضه وسمائه ، وما تحوى أرضه وسماؤه ـ هو مما يحويه هذا الكرسىّ ، ويشتمل عليه ..
فانظر إلى هذا الكرسي ، الذي يضم فى كيانه الوجود كلّه ، ثم انظر إلى عظمة اللّه سبحانه وتعالى ، الذي لا يمثل كرسيّه إلا حيزا محدودا من سلطانه ، على نحو ما يمثل كرسىّ صاحب الملك من ملكه .. وللّه سبحانه وتعالى المثل الأعلى ، وهو العزيز الحكيم.
الآية : (256) [سورة البقرة (2) : آية 256]
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 318
الدين فى صميمه جذوة من الحق ، تسكن ضمير المؤمن ، فتكون النور الهادي له ، والقوة الموجهة لأفعاله وتصرفاته.
ومن هنا كان الدّين عقيدة ينعقد عليها الضمير ، فلا يعرف أحد كنه ما انطوى عليه الضمير من الدين .. إنه سرّ بين الدّين وصاحبه .. لا سبيل لأحد إليه ، ولا سلطان لمخلوق عليه.
ومن هنا أيضا لم يكن دينا ذلك الدين ـ إن سمّى دينا ـ الذي يجى ء إلى الإنسان أو يجى ء إليه الإنسان قسرا من غير اقتناع أو رضى.
ولهذا كانت دعوات الرسل إلى دين اللّه محملة بالشواهد والآيات التي تشهد بصدقها ، وتحدّث بخبرها وما تحمل إلى الناس من هدى ونور. ، حتى يكون الإيمان عن نظر واقتناع.

(1/309)

و إذا كانت الرسالات السماوية التي سبقت الإسلام قد جاءت إلى الناس بالآيات القاهرة ، وبالمعجزات المذهلة ، التي تقهر العقل وتتعامل مع الحواس ، حيث كان العقل يومئذ غير أهل لأن يفكر ويقدر ـ فإن رسالة الإسلام ، وقد التقت بالإنسانية فى رشدها ، وبالعقل فى نضجه واكتماله ـ قد جاءت بآياتها ومعجزاتها فى مواجهة العقل ، تحاجّه بالمنطق ، وتجادله بالحكمة ، وتأخذه بالموعظة الحسنة ، حتى إذا اطمأن الإنسان ووجد برد السكينة فى صدره آمن عن يقين ، ودان للّه عن رضى! وهذا هو الدين الذي يعيش مع الإنسان ، ما عاش معه عقله ، وسلم له تفكيره.
وقوله تعالى : « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ » تقرير لحقيقة من أهم الحقائق العاملة فى الحياة ، ومن أبرز السّمات التي قامت عليها دعوة الإسلام .. « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ » .. فهو نفى مطلق لكل صور الإكراه ، المادية والمعنوية ، التي تختل النّاس عن الحق ، وتحملهم حملا على معتقد لم يعتقدوه ، ولم يجدوا من جهته مقنعا!.
وليس هذا شأن الدين وحده ، بل هو الشأن أو ما ينبغى أن يكون الشأن
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 319
فى حياة الإنسان كلها ، لا يتلبّس بأمر إلا بعد أن ينظر فيه ، ويطمئن إليه ، ويرضى عنه ، فيقدم أو يحجم عن هدى وبصيرة ، وهذا هو ملاك النجاح فى كل أمر ، ومنطلق الملكات الإنسانية كلّها فى وثاب وقوة ، إلى أنيل؟؟؟
الغايات وأعظمها.
إن تحرير ضمير الفرد من الضلال والعمى ، وفك عقله من الضّيق والإظلام ، لا يكون إلا بتحرير إرادة الإنسان وإطلاقها من كل قهر أو قسر .. وإنه لن تصحّ إنسانية الإنسان ، ولن يكتمل وجوده ، إلا بالضمير الحر ، والعقل المتحرر .. وإنه لا فرق بين الأحرار والعبيد وبين الإنسان وغير الإنسان إلا فى تلك المشاعر التي يجدها الإنسان فى كيانه من طاقات الحرية والتحرر ، فيمتلك بها أمر نفسه ، ويكتب بها خطّ مسيره ومصيره ، كيف شاء ، وعلى أي وجه أراد ..

(1/310)

و فى الواقع أن ركوب الخطأ عن رأى الإنسان وتقديره ، غير المدخول عليه بإكراه أو خداع ، أو تضليل ـ هو خير من الانقياد للصواب عن قهر وقسر ، وعن تمويه وتلبيس .. إذ الأول يسير ومعه عقله ، وتفكيره ، وليس ببعيد أن يلتقى يوما بالصواب الذي ضل عنه .. أما الآخر ، فإنه يسير بلا عقل ولا تفكير ..
يسير بعقل غيره ، وبتفكير غيره ، وليس ببعيد أن يلتفت يوما فلا يجد من أعاره عقله وتفكيره ، فإذا هو كتلة جامدة ، أو تمثال من لحم ودم ، لا حياة فيه ، ولا معقول له! .. إن الأول مبصر يتخبط فى الظلام ، ولكنه إذا رأى النور ، أبصر ، واهتدى واستقام على سواء السبيل ..
أما الآخر .. فهو أعمى يقاد لكل يد تمتد إليه .. وكما انقاد ليد من ينصح له ويهديه ، فإنه لن يمتنع عن الانقياد لمن يمكر به ، ويضلّه .. وهل يملك الأعمى أن يأخذ طريقا غير طريق من يقوده ، ويمسك بيده؟
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 320
و قوله تعالى : « قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » هو ليس قيدا واردا على إطلاق الحرية فى الدّين ، وإنما هو تقرير لبيان الحال من أمر الدعوة الإسلامية ، وهو أنه يجب ألا يطوف حول دعوتها طائف من القهر والقسر ، إذ قد استبانت معالمها ، ووضحت حدودها ، وإن الذي ينظر فى مقرراتها ، وفى شواهدها وآياتها ثم لا يجد الهدى ، ولا يقبل عليه ، فلا سبيل إلى هداه ، ولا جدوى من إيمانه! إنه فى حساب الناس .. لا شى ء!.
قوله تعالى : « فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها » .
«الطاغوت » شى ء مخيف ، مفزع ، أشبه بالشيطان .. لا تقع عليه العين ، وإنما يصوره الوهم من هذا الاسم الذي يطلق عليه « الطاغوت » ، ويشكلّه من هذه الأحرف المتنافرة التي يتشكل منها اسمه : .. الطاء ، والغين ، والتاء ، يجمعها كيان واحد.

(1/311)

و إن الذي يحترم عقله ، ويكرم إنسانيته ليأبى أن ينقاد للوهم ، ويتعبّد لآلهة من مواليد الباطل والضلال ، إنه يجرى وراء سراب ، ويتعلق بما هو أوهى من خيوط العناكب!.
والموقف الصحيح الذي ينبغى أن يأخذه الإنسان العاقل الرشيد ، هو أن يعلو بعقله فوق هذه الأوهام ، ويرتفع بإنسانيته عن هذا الهوان ، وأن يجعل ولاءه وخضوعه لمن بيده ملكوت السموات والأرض ، رب كل شى ء ، وخالق كل شى ء .. وبهذا يمسك الإنسان بالسبب الأقوى ، ويعلق بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، وبهذا تكتب له النجاة والسلامة.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 321
الآية : (257) [سورة البقرة (2) : آية 257]
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (257)
التفسير : منذ يدخل الإنسان ساحة الإيمان ويسلم وجهه للّه وحده ، وهو فى ضمانة اللّه ، يتولاه برحمته وهدايته وتوفيقه ، ويخرجه من ظلمة الضلال إلى نور الحق ، وإذا هو على نور من ربّه « وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ » (40 : النور).
أما حين يعطى المرء وجوده للطاغوت ، ويسلم إليه زمامه ، فهو في ضمانة هذا الطاغوت .. أعنى فى ضمانة الباطل والضلال .. فانظر إلى أين يقاد من كان قائده الباطل وحاديه الضلال؟ إنه يخرجه من النور إلى الظلمات ، إذ يفسد عليه تلك الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها ، فيطمس عليها فى كيانه ، فإذا هو أعمى يتخبط فى ظلام ، ، ويقاد بيد الضلال إلى كل مضلّة وكل مهلكة.

(1/312)

و انظر إلى كلمة « الطاغوت » مرة أخرى ، وقد جاءت مسندة إلى الفرد في الآية السابقة : « فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ » ، ثم جاءت مسندة إلى الجمع فى هذه الآية : « وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ » دون أن تتغير صورتها فى الحالتين ، بل ظلت هكذا : « الطاغوت » .. وهذا ما يؤيد ما ذهبنا إليه من أنه لا مشخّص لهذه الكلمة ، وإنما هى اسم جامع لكل باطل ، وكل ضلال ، وكل غواية ، وهو قادر على أن يحمل فى كيانه الضخم كل هذه المخازي والضلالات .. إنه « الطاغوت » !!. بناء ضخم شامخ من الوهم والضلال.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 322
الآية : (258) [سورة البقرة (2) : آية 258]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)

(1/313)

التفسير : هنا نجد المثل لمن آمن باللّه فكان اللّه وليّه ، يخرجه من الظلمات إلى النور ، ومن كفر فكان الطاغوت وليّه ، يخرجه من النور إلى الظلمات! ومثل الأول نجده على أكمل صورة وأتمها ، فى إبراهيم عليه السّلام ، كما نجد مثل الثاني فى هذا الذي آتاه اللّه الملك ، وغمره بالنعم ، فاستقبلها بالجحود والكفران ، والإغراق فى البهت والضلال .. ولم يذكر القرآن اسم هذا الإنسان المتمرد على اللّه ، ولم يدل عليه ، لأنه ساقط من حساب الإنسانية ، إذ باع إنسانيته للشيطان ، وأسلمها للطاغوت .. ثم إنه لا ضرورة لذكره ، حتى لا يتعرف عليه أحد ، فتصيبه عدواه ولو من بعيد ، كما تصيب الرائحة الخبيثة بالأذى كلّ من يمر به حامل الجيف .. ثم لمن أراد أن يعرف وجه هذا الشر ، وحامل هذا المنكر فإن التاريخ يقول إنه « النمرود » ملك كنعان .. وكم فى الناس من نمرود؟
و الذي تعرضه الآية الكريمة هنا ، وتحرص على كشفه وتجليته ، وهو هذا الصّدام الفكرى بين منطق الحق وسفاهة الباطل ، بين نور الإيمان وهداه ، وظلام الشرك وضلاله! يقول اللّه تعالى : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ » فهذا الإنسان الذي فضل اللّه عليه وأوسع له فى فضله ، ومكّن له فى الأرض ، قد غرّه ما بيده من سلطان ، فكفر بأنعم اللّه ، ثم لجّ به الكفر فحادّ اللّه ورسوله ، وادعى لنفسه الألوهية ، وقال قولة فرعون : « أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى » !
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 323
فلما جاءه نبىّ اللّه ، إبراهيم ، يدعوه إلى اللّه ، أنكر هذه الدعوة ، وجحد أن يكون فى الأرض إله معه ، وجعل يلقى إلى إبراهيم بالحجج الدالة على ألوهيته ، وأهليته لتلك الألوهية ، بما فى يده من سلطان بتصرف به كيف يشاء ..

(1/314)

و كثرت بينه وبين إبراهيم المحاجّة والمناظرة .. وتخير القرآن الكريم من هذه المواقف مشهدين ، يلخصان القضية كلها ، ويضبطان محتواها ومضمونها.
«قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ » ! هذا هو ربّ إبراهيم ، الذي يدين له ، ويدعو إليه .. هو الذي بيده الحياة والموت ، وهو الّذى أمات وأحيا .. فذلك أمر لا يشاركه فيه أحد ، ولا يدّعيه لنفسه مخلوق ، إلا أن يركب الحماقة والسّفه.
وقد ركب هذا الجهول الحماقة والسفه وانطلق بلا عنان .. « قالَ : أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ!! » هكذا يقولها بمل ء فيه! ولم يذكر من أين هو جاء ، ولا إلى أين هو يصير؟ « أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً » ؟
(67 : مريم).
ولم ير إبراهيم ـ إزاء هذا السّفه الوقاح ـ أن يقف عند هذا الجواب ، وأن يكشف باطل هذا الأحمق الجهول .. فقد يذهب بالرجل الحمق والجهل فيقول لإبراهيم : ألا تصدق ما أقول؟ أ تريد شاهدا؟ أنت نفسك أنا الذي أحييه ، لأنى لا أريد قتلك! وأنا أميتك لو أردت! فهل تريد مصداق ذلك؟
و قد يفعلها الرجل ولا معقّب عليه!! وتحاشى إبراهيم أن يدخل مع النمرود فى هذا الجدل ، وأن يمد له فى حبال السفسطة ، بل جاء إليه إبراهيم بما يخرسه ويفحمه! « قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ » .
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 324
فهذا النظام الذي ينتظم حركة الشمس قبل أن يولد هذا الإنسان المغرور بآلاف السنين وملايينها ، ليس من صنع إنسان من الناس ، إنه من عمل قدرة غير قدرة الناس .. فإذا كان النمرود إلها يناظر إله إبراهيم ، فليجب على هذا التحدّى ، ولينقض على إله إبراهيم عملا من عمله ، وتدبيرا من تدبيره! « فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ!! » .

(1/315)

و أسقط فى يد الرجل ، وخرس لسانه وشلّ تفكيره ، وسقط من عليائه مبللا فى ثيابه ، بعرق الخزي والخذلان! « فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » .
وهكذا يصاب الرجل فى مقاتله ، بطعنة نافذة من يد الحق : « وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » .
الآية : (259) [سورة البقرة (2) : آية 259]
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ (259)
التفسير : لمّا ذكر اللّه فى الآية (257) أنه ولىّ الذين آمنوا ، وأنه بهذه الولاية لهم يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وأن الذين كفروا أولياؤهم
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 325
الطاغوت ، وأنهم بهذه الولاية للطواغيت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ـ لما ذكر اللّه هذا الحكم ، لفت النبىّ الكريم إليه سبحانه ، ليريه له الأمثال والشواهد فى الناس ، ثم قدم له سبحانه شاهدين من التاريخ ، ليسكونا مثلين للمؤمنين والكافرين .. أولياء ، اللّه وأولياء الطاغوت .. والمثل البارز لأولياء الطاغوت هو ذلك الذي حاج إبراهيم فى ربه ، أما المثل الآخر لأولياء اللّه فهو ذلك الذي مرّ على قرية وهى خاوية على عروشها.

(1/316)

فهذا العطف فى قوله تعالى : « أَوْ كَالَّذِي » هو عطف لهذا المثل على المثل السابق .. والتقدير : أ تريد يا محمد شاهدا لهذا الحكم الذي حكمت به ، وهو أنى ولىّ الذين آمنوا أخرجهم من الظلمات إلى النور ، وأن الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات؟ أ تريد لهذا شاهدا؟ إليك شاهدين أو مثلين ..
أما المثل الأول فتجده فى هذا الذي حاجّ إبراهيم فى ربه ، وقد كان وليّا للطاغوت ، فأخرجه من النور إلى الظلمات.
وأما المثل الثاني فتجده فى ذلك الذي مرّ على قرية وهى خاوية على عروشها .. فهو رجل مؤمن باللّه ، وهو يريد أن يستوثق لإيمانه ، ويطلب له المزيد من الأدلة والشواهد ، وليس هذا بالذي يضير المؤمن أو يجور على إيمانه ، مادام حريصا على طلب الحق ، مجتهدا فى السعى إليه ، والبحث عنه ، فإنه بهذه النية المخلصة سيجد العون والتوفيق من اللّه : « اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » .
وفى قوله تعالى : « أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها؟ » ما يكشف عن مشاعر هذا المؤمن باللّه ، حين مرّ بقرية قد اندثرت معالمها ، وخمدت الحياة فيها ، فتمثل له
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 326
منها ما كانت عليه فى سالف الزمن ، وما كانت تزخر به من عمران ، وما كان يموج فيه أهلها من ألوان الحياة ، ومذاهب العمل .. لقد صار كل ذلك ترابا فى تراب! واهتاجت مشاعر الرجل ، وتمثل له من هذا الهمود الموحش صور من الماضي البعيد ، وإذا القرية وأهلها حاضرة فى خياله ، تنبض بالحياة ، وتفور بالنشاط ، كإحدى القرى الحية الماثلة لعينيه هنا أو هناك .. وفتح الرجل عينيه فطار حلم اليقظة الذي ارتسم فى خياله .. وتساءل : أ هذا الحلم يمكن أن يصبح حقيقة؟

(1/317)

و هل تعود هذه الأجساد التي بلاها البلى وأكلها التراب؟ هل تعود مرة أخرى إلى الحياة؟ أ ذلك ممكن؟ ويهتف به هاتف الإيمان : أ هذا امتحان لقدرة اللّه؟
أ أنت فى شك من تلك القدرة القادرة على كل شى ء؟ ويجيب على نفسه : معاذ اللّه أن أمتحن أو أشك .. ولكن!! وتموت الكلمات بعد ذلك فى صدره ، ويمضى فى طريقه في صمت ووجوم!! وهنا تجى ء نجدة السماء فى أطواء قوله تعالى : « اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » .. وكانت تجربة حية وجدها الرجل فى نفسه ، وفى الأشياء التي بين يديه .. الرجل ، وحماره ، وطعامه ، وشرابه .. وذلك يمثل الإنسان ، والحيوان ، والطعام ، والماء .. إنها صورة مصغرة للقرية بكل مشخصاتها ، مما يدخل عليه الفساد والانحلال مع الزمن .. الرجل وأشياؤه التي يضمها إليه .. فى رحلة إلى غاية يقصدها ، ومنزلة يحط عندها رحاله .. والقرية وأشياؤها التي تضمها إليها .. في رحلة إلى غاية هى سائرة إليها ، ومنزلة هى منتهية عندها .. يوم يقوم الناس لربّ العالمين! وما يكاد الرجل يعطى القرية ظهره ، حتى تتردد فى أذنيه من جنباتها أصداء تلك الكلمات التي همس بها إلى نفسه :
«أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها » ؟ فلا يلبث أن يخرّ صعقا! .. « فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ »
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 327
إنها رحلة طويلة فى عالم ما بعد الحياة ، استغرقت مئة عام قطعها الرجل وأشياؤه مع القرية فى مسيرتها .. وصحا الرجل بعدها ، فوجد من يسأله من قبل اللّه ، على لسان هاتف يهتف به : « كم لبثت » فى نومتك تلك؟

(1/318)

و ما حسب أنه طوى هذا الزمن الطويل فى هذا النوم الثقيل ، فقال : « لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ! » ذلك ما وقع فى تقديره ، قبل أن يفتح عينيه على الحياة من حوله ، ويرى سير الزمن بها ، وأثره فيها .. فلما قيل له : « بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ » فزع ، وكرب ، وجهد أن يستحضر وجوده كله ، ويقظته كلها ، ليعلم أهو فى يقظة أم منام .. وصحا الرجل صحوة مشرقة ، فرأى الأمر على ما أخبر به ..
لقد تغيرت وجوه الأرض من حوله ، فأنكرها وأنكرته ، بل لقد أنكر نفسه بما طرأ عليه خلال نومه الطويل ، من تغيّر فى هيئته .. ووقع فى يقينه أنه نام نومة استغرقت مئة عام ، وهتف به هاتف الحق : أن انظر إلى طعامك وشرابك .. إنه على ما هو عليه لم يدخل عليه فساد ، بل ما زال طيبا هنيئا « لم يتسنّه » أي لم تغيّره السنون ـ وأصله لم يتسنّ ، والهاء للسكت!! « وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ » إنه ما زال قائما إلى جوارك على عهدك به!! ففيك وفى أشيائك التي بين يديك آية لك وللناس ، يرون فيها قدرة اللّه التي لا يعجزها شى ء ، ويستيقنون منها إمكانية البعث الذي يرتاب فيه المرتابون.
وحين استبان للرجل كل شى ء حوله ، وأشرق قلبه بنور الحق ، واستنارت بصيرته بهدى اللّه ، دعى إلى أن ينظر نظرا أعمق وأشمل ، إذ قيل له :
«وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً » ونشز العظام هو بروزها من بين أخلاط الجنين .. وفى النظر تتكشف عملية الخلق ، وبعث الإنسان من عدم ، كما يقول اللّه تعالى : « أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً » (67 : مريم). فالذى أوجد الحياة من موات ، قادر على أن يرد هذه الحياة إلى موات ، كما أنه قادر على أن يعيد الحياة إلى هذا
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 328
الموات .. « كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ » (104 : الأنبياء).

(1/319)

و تنجلى هذه التجربة المثيرة عن إيمان عميق بقدرة اللّه ، يملأ كيان الرجل كله ، وتندفع به غيوم الشك من صدره ، ويزول دخان الريب من قلبه.
«فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » فهذا تصديق لما كان يعلمه من قبل ، وليس إنشاء لعلم جديد. ولكن شتان بين علم وعلم ، وإيمان وإيمان .. « وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً » (76 : مريم).
وهنا أسئلة :
فأولا : هل هذه حادثة وقعت ، أم هى مثل مضروب للعبرة والعظمة؟.
والذي نقول به هو أن كل قصص القرآن وأمثاله ، وما ورد فى هذا القصص والأمثال من أشخاص وأحداث ، هو من الواقع الذي لا شك فيه ، وإذا كان لنا نحن البشر أن نلجأ إلى الخيال والوهم لننسج منهما قصصا ، وذلك حين يعجز الواقع عن أن يسعفنا بما نتصوره ونتمناه ، فإن قدرة الخالق جلّ وعلا لا يعجزها شى ء .. تريد فيقع ما تريد ، كما أرادته ، دون قصور أو مهل ، إنها إرادة لا يخالطها وهم ، ولا يطوف بها خيال ، ولا تعللها الأمانىّ ..
تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.
فالذين يرون أن من قصص القرآن ومن أمثاله ما لا يقع ، إنما يتهمون قدرة اللّه ، وينسبون إليه ما ينسبون إلى البشر من عجز وقصور.
وثانيا : هل كان الذي حدث للرجل موتا حقيقيا ، أم كان سباتا ونوما طويلا ، كما حدث لأصحاب الكهف؟.
وكلا الأمرين يمكن أن يكون ، مادام ذلك متعلقا بقدرة اللّه ..
وكذلك الشأن فى حماره الذي كان معه!.
على أننا ـ مع هذا ـ نميل إلى القول بأن ما حدث للرجل كان نوما ثقيلا
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 329
عميقا ، فى مكان منعزل عن الناس والحياة ، وليكن كهفا ، وذلك على نحو ما حدث لأصحاب الكهف ، ولكلبهم ، الذي صحبهم فى نومهم الطويل.

(1/320)

و فى قوله تعالى : « فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ » مشابه كثيرة من قوله سبحانه فى أصحاب الكهف : « فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً » (11 : 12 الكهف) وثالثا : ماذا أفادت هذه التجربة فى واقع الحياة؟ ولم كانت مئة عام ولم تكن عاما ، أو بعض عام .. فإن امتداد الزمن وقصره سواء ، بعد أن يجاوز المدى الذي يمكن أن يحتمله الإنسان فى الحياة بلا طعام أو شراب؟.
والجواب عن الشق الأول من السؤال ، هو أن التجربة قد رفعت عن هذا الرجل المؤمن باللّه غشاوة كانت تظلل إيمانه ، وتزعج طمأنينة قلبه ، وفى هذا رحمة من رحمة اللّه بعبد من عباده ، إذ استنقذه من الضلال ، وأدخله فى عباده الصالحين .. وليس هذا بالشي ء القليل من معطيات هذه التجربة ، كما أن هذه التجربة ليست بالشي ء الكثير على قدرة اللّه ـ إنها لا تعدو أن تكون استيلادا لمولود جديد من مواليد الحياة! فإذا نظرنا إليها من هذه الزاوية هانت وصغرت بالنسبة لبابها الذي جاءت منه ، وإذا نظرنا إليها من جهة دلالتها كانت شيئا رائعا عظيما مثيرا ، للدلالة على قدرة اللّه وحكمته ، وسعة رحمته! والجواب عن الشق الآخر من السؤال هو أن امتداد رحلة النوم أو الموت إلى مئة عام ، إنما هو إخبار عن الحدث الذي وقع ، ولو كانت هذه الرحلة عاما أو بعض عام أو عشرة أعوام أو ألف عام ، لكان هذا السؤال واردا على أي زمن منها! وإذن فلا محلّ لهذا السؤال عن المائة عام! ولنؤمن بما أخبر اللّه به عنها ، وأنها مئة عام .. ولنترك حكمة هذا الزمن الطويل للّه وحده ..
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 330

(1/321)

على أنه ـ مع هذا ـ يمكن أن يقال إن المائة عام هى الزمن المناسب لتلك التجربة ، إذ أن هذه المدة كافية لتغير وجه الحياة تغيرا واضحا ، وخاصة فى الوجه البشرى منها ، فمئة عام يمكن أن تأتى فى نهايتها على كل من كان حيّا من الناس فى أولها .. وبهذا يكون هذا الرجل الواقع تحت التجربة فى الأموات حكما ، بعد أن كان فيهم فعلا وقد أماته اللّه .. وبهذا أيضا يكون كل من كان على ظهر الأرض من الناس حين قال الرجل قولته : « أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها » قد مات فى نهاية المائة عام ، فلما بعثه اللّه من بينهم وحده ، كان بعثه شاهدا على إمكان بعثهم جميعا ، وشاهدا على إمكان بعث من سبقهم ، ومن سيلحق بهم ..
الآية : (260) [سورة البقرة (2) : آية 260]
وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)
التفسير : في هذه الآية صورة أخرى ، تمثل المؤمن الذي يطلب المزيد من الإيمان ، ليقتل فى نفسه كل وسواس ، وليخمد فى صدره كل همسة من همسات الشيطان! .. ثم هى مثل آخر لمن كان وليّا للّه. : يخرجه من الظلمات إلى النور.
وهذا الموقف ـ كما قلنا ـ لا ينتقص من إيمان المؤمن ، إذ كانت غايته طلب المزيد من النور ، والجديد من العلم. فذلك طريق لا نهاية له ، ولا ضلالة فيه!
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 331

(1/322)

و قضية الموت والبعث هى القضية الأولى فى باب الإيمان ، وهى الثغرة التي تنفذ منها رميات الشيطان إلى قلوب المؤمنين! وإبراهيم ـ عليه السّلام ـ فى وثاقة إيمانه ، وقوة يقينه ـ لا عليه إذا هو وجد طريقا إلى مزيد من الإيمان ، حتى يمتلى ء به قلبه ، فلا يبقى فيه مكان لم يغمره نور اليقين ، ولم تعمره الطمأنينة ـ لا عليه أن يطلب المزيد حتى يرتوى ريّا لا ظمأ بعده! وقد وجد أن ألطاف اللّه تحف به ، ونفحاته ورحماته لا تنقطع عنه ، فهفت نفسه إلى أن يسأل اللّه هذا السؤال الذي يشهد به جلال اللّه وعظمته من قريب :
«رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ؟ » وقد سأل موسى عليه السّلام سؤالا أعظم من هذا ، فقال : « رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » (143 الأعراف).
والسؤال « بكيف » لا يكون جوابه إلا بأن يشهد إبراهيم عملية الإحياء وكيف تتم هذه العملية ، والعناصر التي تعمل فيها .. وأمر كهذا هو فوق مستوى الإدراك البشرى ، إنه سرّ من أسرار الألوهية ، لا يستطيع أحد أن يحتمله ، أو يعرف السبيل إليه.
ومن أجل هذا كان الجواب آخذا اتجاها آخر غير متجه السؤال .. فيه عرض لقدرة اللّه ، دون كشف عن سرّ هذه القدرة .. وذلك بما رأى إبراهيم بين يديه من تجليات هذه القدرة وآثارها.
وفى قوله تعالى لإبراهيم : « أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ؟ » إثارة لمشاعر إبراهيم ، واستحضار للإيمان الذي يعقد عليه قلبه .. ولهذا كان جواب إبراهيم :
«بلى » أي أنا مؤمن كل الإيمان « وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي » وتلك درجة فوق درجة الإيمان .. إذ لا سلطان للإنسان على قلبه ، وليس من شأن القلب
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 332
أن يستقر على حال واحدة فى جميع الأحوال ، لما يموج فيه من شتى المشاعر ، ومختلف العواطف والنزعات .. واطمئنان القلب اطمئنانا مطلقا أمر يكاد يكون مستحيلا ، لا يبلغه إلّا المصطفين من عباد اللّه! ، بعد إبتلاء ومجاهد ..

(1/323)

و قوله تعالى : « قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً » .
هو كشف عن تجربة يجريها إبراهيم بنفسه ، ويصنعها بيده ، ويشهد آثارها بعينه.
وتمر التجربة فى مراحل :
1 ـ أن يأخذ إبراهيم أربعة من الطير.
2 ـ أن يضمها إليه ، ويتعرّف عليها ، ويجعل لكل منها سمة خاصة يدعوها بها ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : « فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ » أي تألفهن إليك.
3 ـ أن يقطعهنّ قطعا ، ويمزقهنّ أشلاء.
4 ـ أن يوزع أشلاءها على رءوس الجبال.
5 ـ ثم يدعوها إليه بأسمائها ، كما يدعو أهله ومعارفه بأسمائهم!.
وبهذا تتم التجربة ، وتجى ء الطيور الأربعة مسرعة!.
وقد كان .. فتمت التجربة على هذا التدبير والتقدير!.
هذا ، وفى الحديث عن الطير بنون النسوة ومعاملتها معاملة المؤنث العاقل ، ما يدل على أنها كانت فى خضوعها لإبراهيم ، واستجابتها لندائه ، تفعل فعل العقلاء ، وتتصرف تصرف من يعى ويعقل! وهذا يعنى أنها عند ما دعيت استجابت للدعوة فى غير توقف أو تردد! لأنها تعرف وجه الذي دعاها ، وتفهم مدلول كلماته.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 333
آية : (261) [سورة البقرة (2) : آية 261]
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (261)

(1/324)

التفسير : المشاهد التي عرضتها الآيات السابقة ، لقدرة اللّه وحكمته ، من شأنها أن تذكى وقدة الإيمان فى النفوس ، وتفتح القلوب إلى الخير ، وتهيئها لاستقبال دعوات الحق وتقبلها .. وإن النصح فى تلك الحال لأشبه بالضرب على الحديد وهو ساخن! وهذا ما نجده فى تلك الآية الكريمة من الدعوة إلى البر والإحسان ، بعد تلك الآيات الكريمة ، التي كانت معرضا مثيرا لجلال اللّه وقدرته وحكمته ، حيث تهتاج لها المشاعر ، وتخفق القلوب!.
وهنا يقول اللّه تعالى : « مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ » .
فهذا مثل للخير يربو وينمو فى مغارس الحق والخير ، كما يربو العمل وينمو فى مناهج الحق والخير ، وكما يربو الإيمان وينمو فى طريق الهداية والعلم! فالذين ينفقون أموالهم فى سبيل اللّه ، أي فى كل وجه من وجوه الخير والحق ، إذ سبيل اللّه كلها حق ، وكلها خير ـ هؤلاء إنما يجنون ثمرة هذا الغرس الذي غرسوه فى سبيل اللّه .. أضعافا مضاعفة ، كما يزرع الزارع حبة فى أرض طيبة فتنبت سبع سنابل ، تحمل كل سنبلة مئة حبة! هكذا الحبة تعطى سبع مئة حبة ، والحسنة تجازى بسبع مئة حسنة « وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 334
يَشاءُ »
أي يضاعف هذه الحسنات ، فلا تكون الحسنة بسبع مئة حسنة ، بل بأضعاف هذه السّبع مئة « وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ » لا حدّ لفضله ، ولا نفاد لرزقه ، يضع ذلك حيث شاء علمه ، الذي يحيط بكل شى ء ويعلم كل شى ء!.
ولعلّ سائلا يسأل : أ هذا تمثيل وتخييل ، أم أنه حقيقة واقعة؟ وهل هناك حبة تنبت سبع سنابل؟ وإذا صح هذا ، فهل هناك سنبلة تحمل سبع مئة حبة؟.

(1/325)

و قد قلنا من قبل إن أمثال القرآن الكريم ، وأحداث قصصه ، كلها من واقع الحياة ، ليس فيها شى ء على سبيل الفرض المستحيل أو للممكن ، بل هى الواقع المخبر عنه بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ..
إن الذي يلجأ إلى الفرض هو العاجز الذي لا يقدر على تحقيق ما افترضه ، وتعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.
وفى هذا المثل .. ليس ببعيد أن تكون هناك الحبة التي تنبت سبع سنابل ، وأن تحمل كل سنبلة منها مئة حبة ، فما أكثر غرائب الطبيعة وعجائبها ، وكم من امرأة ولدت ثلاثة توائم أو أربعة أو خمسة أو ستّة؟ كذلك اللّه يخلق ما يشاء! .. ولقد اهتدى العلم الحديث إلى معجزات فى عالم النبات بحيث تلد الحبة أكثر من سبع مئة حبة.
الآية : (262) [سورة البقرة (2) : آية 262]
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)
التفسير : الإنفاق فى سبيل ، اللّه لا يكون إنفاقا فى سبيل اللّه حقّا ، حتى يكون خالصا للّه ، صافيا من كلّ كدر ، ليصل إلى جهته طيبا ، نافعا ، لا يصيبها منه ضر أو أذى .. فإن الخير إذا شيب بالمكروه ، واتصل بالضرّ
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 335
شاه وجهه ، وفسدت طبيعته ، ولم يكن إحسانا بقدر ما هو إساءة .. وبهذا تضيع الحكمة منه ، ويذهب الأثر المعلق عليه.

(1/326)

فالذين ينفقون أموالهم فى سبيل اللّه ، طيبة بها نفوسهم ، سخية بها أيديهم ، محسنة بها ألسنتهم ، يتقبّل اللّه سبحانه منهم عملهم ، ويجزيهم به الجزاء الحسن الذي وعدهم : « لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ » إذا خاف الناس يوم القيامة ، لما بين أيديهم من هول ، وإذا حزن الناس يوم القيامة لما فاتهم من عمل صالح يقدمونه لهذا اليوم .. فهؤلاء قد آمنهم اللّه من الخوف لما يرون من بشريات الجزاء الحسن لأعمالهم الصالحة ، وقد أخلى قلوبهم من الحزن على أن لم يكونوا قدموا لهذا اليوم العظيم.
الآية : (263) [سورة البقرة (2) : آية 263]
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَ اللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)
التفسير : الكلمة الطيبة صدقة ..
والصدقة التي تحمل وراءها الأذى ، فى كلمة جارحة للمتصدّق عليه ، تخدش حياءه ، أو تمس إنسانيته وكرامته ـ هذه الصدقة منعها خير من إعطائها .. فإن كرامة الإنسان فوق شبع البطن أو كسوة الجسد! بهذا الأدب الربانىّ يؤدب اللّه عباده ، ويحفظ عليهم إنسانيتهم ، ويصون كرامتهم ، ويعليهم فوق حاجة الجسد ومطالبه .. فليستعفف الإنسان عن أن يمدّ يده ما استطاع ، ثم ليتأدب المحسن ، وليقدم إحسانه فى لطف ويسر وستر ، حتى يتقبّل اللّه منه إحسانه ، وحتى يكون محسنا حقّا! ، وليمسك المحتاج ،
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 336

(1/327)

و ليتجمل بالصبر ، حتى لا يكون بالمكان الذي قد يتعرض فيه لكلمة جارحة من أحمق أو سفيه ، يمدّ إليه يده بشى ء من الإحسان ، محمّلا بالمن والأذى! قوله تعالى : « وَ مَغْفِرَةٌ » هى مغفرة مطلوبة من المتصدّق ، فهو الجانب القوى الذي يملك العفو والمغفرة ، وذلك كأن يساء إليه ممن أحسن هو إليه ، فلا يلقى هذه الإساءة بالمنّ عليه وفضحه بين الناس ، حين يمنّ عليه بما كان من سابق إحسانه إليه .. وليذكر أنه إنما وضع إحسانه فى سبيل اللّه ، وقدمه خالصا لوجه اللّه ..
وقوله تعالى : « وَ اللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ » تذكير للمحسنين بأنهم إنما يحسنون بما أحسن اللّه به إليهم ، وأن غناهم مستمد من غنى اللّه ، واللّه الذي أعطاهم هذا العطاء يغفر لهم الكثير ، ويتجاوز لهم عن الكثير ، حلما منه وفضلا وكرما ، فليغفروا هم لمن أحسنوا إليهم ، ثم قابلوا الإحسان بالإساءة ..
الآية : (264) [سورة البقرة (2) : آية 264]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْ ءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264)
قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى » تنبيه للمؤمنين الذين يغرسون فى مغارس الخير ، من أن تسطو على هذا الغرس آفة فتذهب به ، ويضيع أجرهم الذي كانوا يرجونه عند اللّه.
والمنّ .. هو إزعاج المحسن إليه من المحسن بما يذكر ـ بمناسبة أو بغير مناسبة ـ من إحسانه إليه وفضله عليه ، يريد بذلك استصغاره وامتهانه ، على حين ينبغى لنفسه تفاخرا وتعاليا.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 337

(1/328)

فالمنّ أذّى جارح قد يصيب الإنسان فى مقاتله .. ولهذا كان هو الآفة التي تأكل الصدقة كما تأكل النار الحطب ، إذ قد استوفى بها صاحبها حقّه من المتصدق عليه ، حين أحسن أولا ، ثم أساء ثانيا .. فذهبت إساءته بإحسانه.
وقوله تعالى : « كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ » هو مثل رفعه اللّه لأعين المؤمنين الذين يتصدقون ، فيذهب بصدقتهم ما سلطوه عليها من منّ وأذى ، وفى هذا المثل يرون صورة واضحة ناطقة ، للإحسان الذي يذهب هباء ويضيع هدرا.
فالكافر الذي يؤمن باللّه واليوم الآخر ، لا يتقبل اللّه منه صالحا أبدا ، لأنه أبطل كل صالح بهذا الكفر الذي انعقد عليه قلبه ، وفسد به كيانه كلّه.
وقد يتصدق هذا الكافر لا لوجه اللّه ، ولا فى سبيل اللّه ، ولكن ليرى الناس إحسانه ، أو ليملك وجودهم بإحسانه إليهم ، أو ليحتل منزلة فى قلوبهم ..
فهذه الصدقة وغيرها مما يحسب فى وجوه البر والإحسان مما تجود به يد الكافر ، لا يتقبلها اللّه ، ولا يجزى الجزاء الحسن عليها ، واللّه سبحانه وتعالى يقول : « مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْ ءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ » (18 : إبراهيم).
وإنها لصورة كريهة مفزعة للمؤمن الذي يتصدق فيبطل صدقته بيده كما يبطل الكافر إحسانه بكفره! وهنا يتمثل المنّ والأذى كأنه الكفر ..
وإذ تجنب المؤمن الكفر حتى حسب فى المؤمنين ، فليتجنب المنّ والأذى حتى يكون فى المحسنين ، وإلا فهو والكافر فى هذا الموقف سواء بسواء .. لا يقبل اللّه من أىّ منهما عمله الذي عمل.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 338
ثم ضرب اللّه سبحانه مثلا للكافر ولأعماله التي تدخل فى باب الإحسان ، وما لهذه الأعمال من وزن عند اللّه!.

(1/329)

فالكافر فى ذاته حجر صلد ، أصمّ ، لا يمسك خيرا ، ولا يجود بخير!.
وأما ما يكون منه من أعمال حسنة فى ظاهرها ، فهى أشبه بما يعلو هذا الحجر الصلد الأصم من تراب .. والتراب من شأنها أن تنبت الزرع ، وتخرج الثمر ، إذا رواها الماء واختلط بها.
والصورة تبدو هكذا : الكافر وأعماله التي يرجى خيرها ، والحجر الصلد وما عليه من تراب ، يرجى منه أن يكون يوما أرضا معشبة ، أو حبة مثمرة! وينجلى الأمر عن هذا الموقف هكذا :
الكافر يوم القيامة ، وقد جاء عريانا مجردا من كل عمل ينفعه فى هذا اليوم .. والحجر الصلد وقد أصابه الغيث فجرف بتياره العنيف كل ما عليه من تراب ، فانكشف وتعرّى ، وأصبح ولا موضع فيه لنبت يطلع منه! وفى هذا يقول اللّه تعالى : « فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْ ءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ » والصفوان : الحجر الأصم. والوابل : المطر الغزير ، والصلد : الأصم الأملس.
وقوله تعالى : « لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْ ءٍ مِمَّا كَسَبُوا » استحضار للكافرين جميعا ليشهدوا هذا الموقف الذي يتعرّى فيه الكافر من كل شى ء ، كما أنه استحضار للمحسنين الذين أبطلوا إحسانهم بالمن والأذى.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 339
الآية : (265) [سورة البقرة (2) : آية 265]
وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)

(1/330)

التفسير : بعد أن ضرب اللّه سبحانه وتعالى مثلا للذين ينفقون ولا يتقبل اللّه ما ينفقون ، لأنهم إما كانوا كافرين باللّه ، وإما كانوا مؤمنين ولكن يتبعون ما أنفقوا المنّ والأذى ـ بعد أن ضرب اللّه مثلا لهؤلاء وأولئك ، ضرب ـ سبحانه ـ مثلا للمؤمنين الذين ينفقون أموالهم فى سبيل اللّه ، ابتغاء مرضاته.
فمثل ما ينفق هؤلاء المؤمنون كمثل من غرس جنة بربوة عالية ، وهى المكان المرتفع ، تستقبل أشعة الشمس صافية مطلقة ، وتتنفس أرواح النسيم عليلا بليلا ، وتمتص أنداء الليل نقية معطرة ، وترتضع أخلاف السحاب عذبة صافية ، وهذا ما يجعل ثمرها مباركا ، وعطاءها جزلا مضاعفا ، بما اجتمع لها من طيب المكان ، والماء الروىّ ، وسلامة المفترس من الآفات .. وهكذا يربى اللّه للمؤمنين المتصدقين صدقاتهم ، إذا غرسوها بعيدا عن متناول الآفات التي تأكلها وتأتى عليها ، وهى المنّ والأذى.
وقوله تعالى : « فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ » أي أن هذه الجنة التي قامت فوق الربوات العالية ، لا تنقطع عنها أمداد السماء ، فإن لم يسقها المطر الغزير فى بعض الأوقات ، سقتها أنداء الطل التي لا تنقطع أبدا فى تلك المواطن .. وكذلك إحسان المحسن المؤمن ، ينمو ويزدهر مثل تلك الجنّة ، فإن فضل اللّه دائما متصل بهذا الإحسان ، يغذيه وينميه لصاحبه ، حتى يجده شيئا عظيما يسر العين ، ويشرح الصدر!.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 340
الآية : (266) [سورة البقرة (2) : آية 266]
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَ أَصابَهُ الْكِبَرُ وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)

(1/331)

التفسير : وفى مواجهة هذه الجنة المونقة المعجبة ، على صدر تلك الربوة الشامخة ، جنة من نخيل وأعناب ، ومن كل الثمرات .. قد آتت أكلها ، ونضجت ثمارها .. يملكها رجل أصابه الكبر ، ودنا منه شبح الموت ، وبين يدى الرجل ذرية ضعفاء ، لم يقدروا بعد على العمل والكسب ، فهم فى حاجة إلى من يعولهم ، ويدبر لهم وسائل العيش ، وهو ينظر إليهم فى حالهم تلك ، وقلبه يخفق إشفاقا عليهم ، وخوفا من أن تقسو عليهم الحياة من بعده ، ويمسّهم الضر والأذى بفقده ، ولكنه ينظر من جهة أخرى إلى تلك الجنة التي بين يديه ، وما فيها من خير كثير ، ورزق موفور ، فيطيب خاطره ، ويطمئن قلبه ، أن ترك لصغاره هذه الجنة ، يسرحون فيها ويمرحون ..
وفيما الرجل يردد النظر بين صغاره وبين جنته ، وفيما هو بين نوازع الألم والحزن ، وبارقات الرجاء والرضى ، يطلع عليه من وراء الأفق عاصف مجنون ، يسوق بين يديه شواظا من سموم ، فيرمى به تلك الجنة ، فإذا هى رماد تذروه الرياح!.
إنها القيامة .. ولقد وجد الرجل نفسه عاريا من كل شى ء ، لم يترك لصغاره شيئا بعده ، ولم يجد بين يديه شيئا لمصيره! فما أشأم هذا الموقف وما أنكده وأقساه .. وحزن مرير على ما فات ، وخوف شديد مما هو آت!.
وإنها لحسرة تأكل الإنسان ظهرا لبطن ..!
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 341
و فى هذه الصورة المفزعة ، فى هذا الرجل الفاني ، وصغاره ، وجنته المزهرة المعجبة المثمرة ، عبرة لمعتبر!.
فلقد أضاع الرجل جنته بيده ، وحرقها بسموم أنفاسه! إنه كان من المحسنين ، الذين غرسوا فى مغارس الخير ، وكان يرجى لغراسه هذا أن يكون منه زاد لصغاره بعد مماته ، كما يكون منه الزاد الطيب العتيد له يوم حسابه ، فإن المحسن فى الدنيا تعود نفحات من إحسانه على ذريته من بعده ، كما يقول اللّه سبحانه وتعالى فى الغلامين صاحبى الجدار ، فى قصة موسى والعبد الصالح :
«

(1/332)

وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً » . (82 : الكهف) ولكن الرّجل أفسد كلّ شى ء ، وأتلف ما غرس بيده ، إما لأنه كان كافرا لم يتقبل اللّه منه عملا أصلا ، وإما لأنه كان مؤمنا محسنا ، ولكنه يبطل إحسانه بالمنّ والأذى!.
فلينظر الإنسان أين يكون مكانه فى المحسنين : أ يكون محسنا مؤمنا ، لا يبطل إحسانه بالمنّ والأذى .. أم محسنا مؤمنا ، يسلّط على إحسانه منّه وأذاه فلا يبقى على شى ء منه .. أم يكون كافرا يمحق كفره كل شى ء ، ويأتى على كل صالح؟ « كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ » .
الآية : (267) [سورة البقرة (2) : آية 267]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَ مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)
التفسير : آفة أخرى من الآفات التي تتسلط على إحسان المحسنين ،
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 342

(1/333)

و إن لم تكن من تلك الآفات التي تأتى على كل إحسان ، ولكنها تغيّر وجهه ، وتهزل كيانه ، وهى أن يمدّ المحسن يده إلى ما لا تطيب نفسه به ، ولا يشتد حرصه عليه ، من ماله أو متاعه ، أو طعامه ، فينفقه فى سبيل اللّه ، ونفسه مستغنية عنه ، زاهدة فيه .. واللّه سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، فكيف يقدّم إليه ما عافته النفس ، أو استثقلته أو زهدت فيه؟ واللّه سبحانه وتعالى يقول : « لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ » (92 : آل عمران) فقوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَ مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ » دعوة إلى الإنفاق من الطيب الذي تحبه النفس وتتعلق به ، وفى ذلك تغلّب على نوازع النفس ، واستعلاء على حرصها على هذا الطيب وتعلقها به ، الأمر الذي لا يكون إلا عن مجاهدة وإيثار وتضحية .. فإنه على قدر المشقة يكون الثواب! وقوله تعالى : « وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ » تنبيه وتحذير من نوازع النفس التي تغلبها الأثرة ، عن أن تنفق ـ حين تنفق ـ إلا من خبيث ما معها .. وتسمية الشي ء المكروه أو المزهود فيه أو المستغنى عنه ـ خبيثا ، للتنفير منه ، ولاستبعاده فى مجال الإحسان ، والإنفاق فى سبيل اللّه .. والتيمم هو القصد ، فما كان عن غفلة فليس تيمما.

(1/334)

و قوله تعالى : « وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ » الإغماض غمض الطرف تكرها ، وتقززا .. ومعنى هذا أن الإنسان لا يرضى أن يأخذ الشي ء المزهود فيه أو المستغنى عنه ، أو المشوب المعيب بأية شائبة أو عيب ـ ـ إلا متكرها ، فكيف يعطى الإنسان ما هو معطوب معيب ، وهو لا يقبل أن يأخذ مثل هذا المعطوب المعيب؟ إن ذلك ليس عدلا ، وليس إحسانا! قوله تعالى : « وَ اللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ » دعوة إلى البذل والإنفاق فى سخاء ، وعلى يقين بأن اللّه سبحانه هو الغنى الذي لا تنفد خزائنه ، يربى صدقة
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 343
المتصدقين ، ويضاعف إحسان المحسنين حيث يقول سبحانه : « وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ » (39 ، سبأ) ومع هذا السخاء فى البذل والإحسان ينبغى أن يكون المبذول والمحسن به مما هو طيب كريم محمود حتى يقبله اللّه ويحمده ، ويجزى الجزاء الحسن عليه.
الآية (268) [سورة البقرة (2) : آية 268]
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَ اللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلاً وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (268)
التفسير : (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) أي يخوّفكم منه ، وينذركم به ، إذا أنتم أنفقتم فى سبيل اللّه ، والأصل فى الوعد أن يكون بالخير ، والإيعاد بالشرّ ، ووعد الشيطان هنا لمن يوسوس له بالشحّ والإمساك مخافة الفقر ـ وعده له بالفقر ، إنما هو فى صورة الخير ، إذ يحذره ويربه عاقبة أمره ، فهو وعد الناصح الأمين الحريص على مصلحة من ينصحه .. هكذا يزين الشيطان للناس الشر ويلبسه وجه النفع والخير.
(

(1/335)

وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ). والفحشاء كل شى ء مكروه ، وكل رذيلة مستقبحة .. هذا ما يأمر به الشيطان ، وهو لا يأمر على الحقيقة ، ولكنه يزين ، ويوسوس ، ويخدع ، فإذا المنخدع له مستجيب لما يدعوه إليه ، ويوسوس له به ، فكأنه ـ والحال كذلك ـ ينفد مشيئة من ، لا يرد له أمرا.
(وَ اللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلًا) هذا ما يجى ء من قبل اللّه ، وما تحمله إلى الناس دعوات رسله .. المغفرة لمن تاب وأناب إلى اللّه ، وأصم أذنيه عن دعوة الشيطان ، والفضل وسعة العطاء ووفرته لمن أعطى
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 344
و بذل وأنفق فى سبيل اللّه .. (وَ اللَّهُ واسِعٌ) أي فى عطائه ومغفرته ، فلا حدود ولا قيود (عليم) بما تعملون من خير أو شر فيجازيكم بما تعملون.
فهاتان دعوتان : إحداهما من الشيطان ، والثانية من اللّه .. والأولى تسلك بمتبعها مسالك الهلاك والبوار ، على حين تسلك الثانية بسالكها إلى موارد الرحمة والرضوان .. فلينظر المرء إلى نفسه ، وليستقم على أي طريق شاء « وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ » .
(29 : الكهف)
الآية : (269) [سورة البقرة (2) : آية 269]
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَ ما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (269)

(1/336)

التفسير : « الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ » (18 : الزمر). فهؤلاء هم الذين رزقهم اللّه بعض ما يرزق عباده من السداد والتوفيق ، والاستماع إلى دعوة العقل ، والاتهام لداعى الهوى ووساوس الشيطان .. وهذا من موارد الحكمة ، ومن ثمرات الحكماء « وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً » إذ يكون أمره إلى عقل يهديه ، وبصر يقيمه على سواء السبيل ، فلا يفعل إلا خيرا ، ولا يجنى إلا خيرا « وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ » « الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ » .
والحكمة : هى البصيرة النافذة ، التي تقدر الأمور قدرها ، وتضع كل شى ء موضعه.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 345
الآية : (270) [سورة البقرة (2) : آية 270]
وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (270)
التفسير : الذين ينفقون فى سبيل اللّه نفقة صغيرة أو كبيرة ، أو يعقدون أنفسهم على نذر للّه ويوفّون به ، فإن ذلك كلّه محسوب لهم عند اللّه ، لا يضيع منه شى ء ، وسيجازيهم عليه ، ويدفع عنهم أهوال يوم كان شره مستطيرا ، على حين يتلفت الظالمون يومئذ فلا يجدون لهم فى هذا اليوم وليا ولا نصيرا ، فقد ظلموا أنفسهم ، فلم يعملوا لها حسابا لاستنقاذها من شر ذلك اليوم وأهواله.
الآية : (271) [سورة البقرة (2) : آية 271]
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَ إِنْ تُخْفُوها وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ يُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)

(1/337)

التفسير : الصّدقات هى ما يتطوع له الإنسان من خير ، غير المفروض عليه من زكاة. وقد تدخل الزكاة فى باب الصّدقات.
وصدقة التطوع ، من الخير أن تقع ليد مستحقها من الفقراء فى ستر وخفية ، حتى لا يخدش حياؤه ، ولا يظهر للناس فى موقف يجرحه ويحرجه.
وفى هذا التدبير تبرز وجوه من الحكمة :
فأولا : حفظ الكرامة الإنسانية ، وصونها.
ثانيا : قهر مشاعر التعالي والتعاظم فى نفس من يتصدق.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 346
ثالثا : إشعار المتصدق عليه أنه بسؤاله واستجدائه ومدّ يده إلى الغير ، إنما يأتى عملا شائنا ، ومن الحكمة أن يفعله الإنسان ـ إذا اضطر إليه ـ فى ستر وخفاء ، وفى هذا تحريض له على التحول من هذا الموقف ، والتماس وجه للعمل ، حتى بكفّ يده عن السؤال!.
وكذلك الشأن فى الزكاة حين يضعها المزكّى فى يد مستحقيها .. فإنه من خير أن تحمل إليهم فى ستر وخفاء .. أما إذا كانت تقدم لجهة برّ عامة ، أو ليد ولىّ الأمر فإن إبداءها خير من إخفائها ، لما فى ذلك من تحريض للغير على أدائها.
وفى قوله تعالى : « إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ » بيان لفضل الإحسان ومنزلته عند اللّه ، وأنه مقبول على أي حال ، سواء كان فى سر أو فى جهر ، ما دامت النيّة الخالصة من ورائه ، غير متبوع بمن ولا أذى!.
الآية : (272) [سورة البقرة (2) : آية 272]
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَ ما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272)

(1/338)

التفسير : بعد أن دعا اللّه سبحانه وتعالى إلى الإنفاق فى سبيل اللّه ، وبيّن وجوه هذا الإنفاق وأسلوبه ، والعوارض التي تعرض له ، وما ينبغى على العاقل من تجنبها ، حتى يكون هذا الإحسان مقبولا عند اللّه ـ بعد أن بين سبحانه وتعالى كل هذا أوضح بيان ، لم يبق إلا أن ينظر الإنسان لنفسه ، وأن يتخيّر طريقه ، فاما أن يستمع إلى ما أمر اللّه به ويسير عليه ، فيسلم
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 347
و يسعد ، وإمّا أن يسلم يده للشيطان ، ويتبع سبيله فيضل ويشقى ، فليحمل الإنسان إذن مسئولية هذاه أو ضلاله « بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَ لَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ »
(14 ـ 15 القيامة).
وليس على النبىّ إذن حمل النّاس حملا على الإيمان ، وإكراههم إكراها على الهدى ، فما على الرسول إلّا البلاغ ، فمن أراد اللّه له الخير شرح اللّه صدره ، وشدّ عزمه ، وثبت قدمه على طريق الحق والخير. « لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ » .
قوله تعالى : « وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ » أي هو لكم ثوابه ، وإليكم عائدة ثمرته ، وذلك إذا كان هذا الإنفاق ابتغاء وجه اللّه ، خالصا له ، بعيدا عن الرياء والمنّ والأذى « وَ ما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ » فهو الوجه المقبول عند اللّه ، وهو الوجه الذي يجب أن يتوجه إليه الإنفاق « وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ » أي أن ما أنفقتموه على هذا الوجه فهو مقبول عند اللّه ، يجزيكم به أضعافا مضاعفة « نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ » (56 : يوسف).
الآية : (273) [سورة البقرة (2) : آية 273]

(1/339)

لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)
التفسير : فى قوله تعالى : « لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » الجار والمجرور « للفقراء » متعلق بمحذوف تقديره النفقة مطلوبة للفقراء الذين
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 348
أحصروا فى سبيل اللّه والحذف هنا أبلغ من الذكر ، حيث يشعر بأنّ أمر هؤلاء الفقراء فى غنىّ عن أن يحرّض عليه ، فحقّهم على المحسنين واجب لا يحتاج إلى بيان.
وقوله تعالى : « أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » أي حبسوا عن الكسب ، بسبب اشتغالهم بما هو أهم ، وهو أنهم يعملون فى سبيل اللّه ، كالمجاهدين أو الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم لإيمانهم باللّه ، ولم تتهيأ لهم أسباب الرزق ، أو قعد بهم المرض أو الكبر ، وهم يعملون فى سبيل اللّه .. أو غيرهم ممن افتقروا وهم قائمون فى سبيل اللّه .. « لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ » .
وقوله : « يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ » أي أنّ هؤلاء الفقراء ليسوا من الطفيليين الذين يعيشون عالة على كسب غيرهم ، وإنما هم أزهد الناس فيما فى يد الناس ، وقد بذلوا أنفسهم وخرجوا عن ديارهم وأموالهم فى سبيل المبدأ والعقيدة ، ومن أجل هذا فهم ـ على فقرهم وحاجتهم ـ متجملون بالتعفف والقناعة والصبر ، حتى ليحسبهم من لا نفاذ لبصره فى حقائق الأمور ، أنهم أغنياء لا حاجة بهم إلى شى ء من مال أو متاع ، وقد يكون أحدهم طاويا لأيام لم يذق طعاما.
ولكن البصير الذي يتفرس فى وجوههم ، فينفذ إلى دخيلة أمرهم يجد منهم ما يخفيه تعففهم وتجملهم من ضرّ الجوع ، وأذى المسغبة ..

(1/340)

و من هنا كان واجبا على المحسن أن يتحسّس حاجة المحتاجين ، وأن يتعرف على ذوى الحاجة المتسترين الذي يمنعهم الحياء والتعفف عن أن يسألوا .. فهؤلاء هم أحق الناس بالعون والإحسان!.
وقوله تعالى : « لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً » هو سمة من سمات المتعففين من ذوى الحاجة ، وأنهم إذا سألوا سألوا فى رفق ، وعلى استحياء .. وذلك فسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 349
أنهم لم يعتادوا السؤال ، ولم يقفوا هذا الموقف من قبل ، وإلا لذهب حياؤهم ، وانحلّت عقدة ألسنتهم ، وأصبح السؤال عادة عندهم .. ومثل هؤلاء لا يكونون على سبيل اللّه ، ولا فى سبيله!
الآية : (274) [سورة البقرة (2) : آية 274]
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)
التفسير : الإنفاق فى سبيل اللّه وابتغاء مرضاته ، مقبول فى كل وقت ، بالليل والنهار ، وعلى أي أسلوب .. سرّا وعلانية ، والمنفقون على هذا الوجه مقبولون عند اللّه ، مكفول لهم أجرهم ، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، يوم يخاف الناس ، ويحزن الناس!
الآية : (275) [سورة البقرة (2) : آية 275]
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَ مَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (275)

(1/341)

التفسير : لم تعطف هذه الآية على ما قبلها ، وإن كان سياق النظم يقضى بهذا ، على نحو ما تجرى عليه فى أسلوبنا ، بل وعلى ما جرى عليه نظم القرآن فى كثير من المواقف المشابهة لهذا ، حيث يعطف الليل على النهار ، والمحسن على المسي ء والمؤمن على الكافر ، وهكذا.
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 350
لم يقع العطف هنا بين الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ، والذين يأكلون الربا ـ على غير المألوف ـ وذلك للبعد البعيد الذي بين هؤلاء وأولئك ، حيث لا يمكن أن يلتقيا على أي وجه من الوجوه .. فهما أكثر من متناقضين. وأبعد من متضادّين ، وفى هذا تشنيع على الرّبا وآكليه ، وعلى عزلهم عن المجتمع الإنسانى كلّه ، حتى مجتمع الكافرين والمنافقين ، لأن كلا من المنافق والكافر يأكل نفسه على حين أن آكل الربا يأكل نفسه ويأكل ضحاياه المتعاملين معه! وقوله تعالى : « الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا » الرّبا فى الأصل الزيادة والنماء ، وفى عملية الرّبا زيادة فى مال المرابى ونماء له ، ثم أطلق على عملية الرّبا المعروفة ، شاملا جميع أطرافها المال المتعامل به ، وصاحب المال ، وآخذه.
فالذين يأكلون الربا هما الطرفان المتعاملان به .. المقرض ، والمقترض ، حيث لا تتم العملية إلا بهما معا .. والأظهر هنا أن المراد بهم ، هم المقترضون حيث يأخذون المال « الربا » ويأكلونه ، أي يستهلكونه فيما اقترضوا.
وفى قوله تعالى : « لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ » .
أكثر المفسّرون من التأويل والتخريج لهذا المقطع من الآية الكريمة ، واستهلكوا كثيرا من الجهد فى البحث عن معنى التخبط ، والشيطان ، والمسّ ، وفى الصورة المركبة من هذه الجزئيات ، وكلهم ناظر إلى أن المراد بآكل الربا هو المقرض دون المقترض.
غير أن جميع هذه الآراء ، وتلك التخريجات لم نجد منها ما نطمئن إليه ، ونقنع به.

(1/342)

و قد أوردنا النظر إلى الآية الكريمة على وجه غير الوجه الذي التفتوا إليه ، ووقفوا عنده ، فظهر لنا منها ما وجدنا له مفهوما ، وفيه مقنعا!
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 351
فنقول ـ واللّه أعلم ـ إن الضمير فى قوله تعالى : « الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ » يراد به المقترضون بالربا ، وهم ـ كما قلنا ـ الذين يأكلون هذا المال المقترض ، ويستهلكونه فى الأمر أو الأمور التي اقترضوا من أجلها.
ويسند هذا الرأى أن المقرض ـ وهو المرابى ـ لا يأكل المال الذي أقرضه بالرّبا ، ولا يستهلكه ، وهذا ما ينطق به ظاهر اللفظ « يأكلون » والحمل على الظاهر أولى ، ولا يصار إلى غيره إلا عند ما يكون للظاهر وجه مقبول! هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإننا لو نظرنا فى الصورة كلها على هذا الوجه ، لبدا لنا أن آكلي الرّبا ، وهم المقرضون ـ على ما ذهبنا إليه ـ قد رهقهم الدّين ، وأثقلهم حمله ، وأنهم أصبحوا فى يد المرابى كالسمكة فى شبكة الصياد ، كلّما ضربت برأسها وذنبها فى الشبكة لتجد طريقا إلى الخلاص كلما اشتد ضغط الشبكة عليها وإمساكها بها .. فالمقترض بالربا قد علقت به حبائل المرابى ، وكلما أراد أن يفلت من يده ، ويتخفف من الدين الذي أثقله به كلما ازداد إحكام يده عليه ، وتضاعف الدين الذي كان ينوء به! والصورة التي رسمها القرآن الكريم لآكلى الربا من المقترضين أحكم إحكاما ، وأردع روعة من كل صورة تكشف عن حال هؤلاء المقترضين وسوء المصبر الذي يتخبطون فيه! « الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ » .
إنهم كلما أرادوا أن يقوموا من هذا الهمّ الثقيل الذي أقعدهم وأعجزهم عن السير فى ركب الحياة مع الناس ، تخبطوا واضطربوا ، فقاموا ثم قعدوا ،
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 352

(1/343)

و قاموا ثم قعدوا .. ثم لا يكاد أحدهم بهم بالقيام حتى يسقط ، ثم يهم ويسقط ، ثم يختلج جسده كلّه ، ويضطرب كيانه كله ، فيخر صريعا ، ويضطرب على الأرض اضطراب الجمل المذبوح! والممسوس الذي أصابه الصّرع هو الذي يمثل تلك الحال أدق تمثيل ..
فى اضطرابه وتخبطه ، وقيامه ، وسقوطه ، ثم ارتماؤه أخيرا على الأرض يرتعش رعشة المحموم ، ويضطرب اضطراب الحيوان الذبيح! وسواء أ كان للشيطان مسّ أم لم يكن ، فإن النّاس يشهدون المصروعين ، ويرون النوبات التي ينتابهم فيها الصرع ، على هذا النحو الذي ذكرناه.
على أنه ليس بالمستبعد أن يتسلط الشيطان على بعض الأجساد ، فيصيبها بهذا الداء .. وقد ورد فى الإنجيل أن المسيح عليه السّلام كان يشفى الممسوسين والمصروعين ـ وأنه كان يخرج الشياطين الحالة بأجسادهم فيبرءون.
ففى إنجيل متى : « و لما جاءوا إلى الجمع تقدم إليه رجل جاثيا له ، وقائلا :
يا سيد ارحم ابني ، فإنه يصرع ويتألم شديدا ، ويقع كثيرا فى النار ، وكثيرا فى الماء .. فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان ، فشفى الغلام من تلك الساعة » (الإصحاح 17) وإذا فهمنا الآية على هذا الوجه بدا لنا أنها؟؟؟ تتجه إلى المقترضين بالرّبا والمقترضين ، وأنها تمثل لهم المصير الذي سيصيرون إليه إذا هم تعاملوا بالربا ، ووقعوا فى شباك المرابين .. وبهذا يظهر حرص الإسلام على حماية هؤلاء المقترضين ، وهم من ذوى الحاجات وتحذيرهم من أن يغريهم المطعم فى هذا الفخ المنصوب لهم.
إن المقترض بالربا لا يكون غالبا إلا من ذوى الحاجة والمعسرة ، وأن يده
التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص : 353
أعجز من أن تسعفه بحاجاته التي تمسك عليه حياته .. فهو يلجأ إلى المقرضين بالرّبا ، تحت هذا الظرف القاسي ، فيقدم على القرض بالرّبا مضطرا ، ويحمل هذا العب ء الثقيل مكرها ، ليدفع بذلك خطرا داهما ، بتهدده ويتهدد أهله بالموت جوعا ..

(1/344)

Aucun commentaire: