dimanche 2 février 2014

لَقِيتُها لَيْتَنِـي مَا كُنْتُ أَلْقَاهَـا معروف الرصافي


لَقِيتُها لَيْتَنِـي مَا كُنْتُ أَلْقَاهَـا

معروف الرصافي

لَقِيتُها لَيْتَنِـي مَا كُنْتُ أَلْقَاهَـا

      تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَـا



أَثْوَابُـهَا رَثَّـةٌ والرِّجْلُ حَافِيَـةٌ
                   وَالدَّمْعُ تَذْرِفُهُ في الخَدِّ عَيْنَاهَـا



بَكَتْ مِنَ الفَقْرِ فَاحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا
                   وَاصْفَرَّ كَالوَرْسِ مِنْ جُوعٍ مُحَيَّاهَـا



مَاتَ الذي كَانَ يَحْمِيهَا وَيُسْعِدُهَا
                   فَالدَّهْرُ مِنْ بَعْدِهِ بِالفَقْرِ أَشْقَاهَـا



المَوْتُ أَفْجَعَهَـا وَالفَقْرُ أَوْجَعَهَا
                   وَالهَمُّ أَنْحَلَهَا وَالغَمُّ أَضْنَاهَـا



فَمَنْظَرُ الحُزْنِ مَشْهُودٌ بِمَنْظَرِهَـا
                   وَالبُؤْسُ مَرْآهُ مَقْرُونٌ بِمَرْآهَـا



كَرُّ الجَدِيدَيْنِ قَدْ أَبْلَى عَبَاءَتَهَـا
                   فَانْشَقَّ أَسْفَلُهَا وَانْشَقَّ أَعْلاَهَـا



وَمَزَّقَ الدَّهْرُ، وَيْلَ الدَّهْرِ، مِئْزَرَهَا
                   حَتَّى بَدَا مِنْ شُقُوقِ الثَّوْبِ جَنْبَاهَـا



تَمْشِي بِأَطْمَارِهَا وَالبَرْدُ يَلْسَعُهَـا
                   كَأَنَّهُ عَقْرَبٌ شَالَـتْ زُبَانَاهَـا



حَتَّى غَدَا جِسْمُهَا بِالبَرْدِ مُرْتَجِفَاً
                   كَالغُصْنِ في الرِّيحِ وَاصْطَكَّتْ ثَنَايَاهَا



تَمْشِي وَتَحْمِلُ بِاليُسْرَى وَلِيدَتَهَا
                   حَمْلاً عَلَى الصَّدْرِ مَدْعُومَاً بِيُمْنَاهَـا



قَدْ قَمَّطَتْهَا بِأَهْـدَامٍ مُمَزَّقَـةٍ
                   في العَيْنِ مَنْشَرُهَا سَمْجٌ وَمَطْوَاهَـا



مَا أَنْسَ لا أنْسَ أَنِّي كُنْتُ أَسْمَعُهَا
                   تَشْكُو إِلَى رَبِّهَا أوْصَابَ دُنْيَاهَـا



تَقُولُ يَا رَبِّ، لا تَتْرُكْ بِلاَ لَبَنٍ
                   هَذِي الرَّضِيعَةَ وَارْحَمْنِي وَإيَاهَـا



مَا تَصْنَعُ الأُمُّ في تَرْبِيبِ طِفْلَتِهَا
                   إِنْ مَسَّهَا الضُّرُّ حَتَّى جَفَّ ثَدْيَاهَـا



يَا رَبِّ مَا حِيلَتِي فِيهَا وَقَدْ ذَبُلَتْ
                   كَزَهْرَةِ الرَّوْضِ فَقْدُ الغَيْثِ أَظْمَاهَـا



مَا بَالُهَا وَهْيَ طُولَ اللَّيْلِ بَاكِيَةٌ
                   وَالأُمُّ سَاهِرَةٌ تَبْكِي لِمَبْكَاهَـا



يَكَادُ يَنْقَدُّ قَلْبِي حِينَ أَنْظُرُهَـا
                   تَبْكِي وَتَفْتَحُ لِي مِنْ جُوعِهَا فَاهَـا



وَيْلُمِّهَا طِفْلَـةً بَاتَـتْ مُرَوَّعَـةً
                   وَبِتُّ مِنْ حَوْلِهَا في اللَّيْلِ أَرْعَاهَـا



تَبْكِي لِتَشْكُوَ مِنْ دَاءٍ أَلَمَّ بِهَـا
                   وَلَسْتُ أَفْهَمُ مِنْهَا كُنْهَ شَكْوَاهَـا



قَدْ فَاتَهَا النُّطْقُ كَالعَجْمَاءِ، أَرْحَمُهَـا
                   وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيَّ السُّقْمِ آذَاهَـا
معروف عبد الغني البغدادي الرصافي. شاعر العراق في عصره. من أعضاء المجمع العلمي العربي (بدمشق) أصله من عشيرة الجبارة في كركوك، ويقال أنها علوية النسب. ولد ببغداد ونشأ بها في (الرصافة) وتلقى دروسه الابتدائية في المدرسة الرشدية العسكرية، ولم يحرز شهادتها. وتتلمذ لمحمود شكري الآلوسي في العلوم العربية وغيرها، زهاء عشر سنوات. واشتغل بالتعليم. ونظم أروع قصائده، في الاجتماع والثورة على الظلم، قبل الدستور العثماني. ورحل بعد الدستور إلى الأستانة، فعين معلماً للعربية في المدرسة الملكية. وانتخب نائباً عن (المنتفق) في مجلس (المبعوثان) العثماني. وهجا دعاة (الإصلاح) و (اللامركزية) من العرب. وانتقل بعد الحرب العامة الأولى (سنة 1918) إلى دمشق. ثم عين أستاذاً للأدب العربي في دار المعلمين بالقدس، فأقام مدة. وعاد إلى بغداد فعين نائباً لرئيس لجنة (الترجمة والتعريب) ثم أصدر جريدة (الأمل) يومية (سنة 1923) فعاشت أقل من ثلاثة أشهر. وعين مفتشاً في المعارف، فمدرساً للعربية وآدابها في دار المعلمين، فرئيساً للجنة الاصطلاحات العلمية. واستقال من الأعمال الحكومية سنة 1928 فانتخب (عضواً) في مجلس النواب، خمس مرات، مدة ثمانية أعوام. وزار مصر سنة 1936 وقامت ثورة رشيد عالي الكيلاني ببغداد، في أوائل الحرب العامة الثانية، فنظم (أناشيدها) وكان من خطبائها. وفشلت، فعاش بعدها في شبه انزواء عن الناس إلى أن توفي ببيته، في الأعظمية، ببغداد. وكان جزل الألفاظ في أكثر شعره، عالي الأسلوب، حتى في مجونه، هجاءاً مراً، وصافاً مجيداً، ملأ الأسماع دوياً في بدء شهرته. وتبارى والزهاوي زمناً، وتهاجياً، ثم كان لكل منهما ميدانه: الرصافي برصفه، والزهاوي بفلسفته. نشأ وعاش ومات فقيراً. له كتب، منها (ديوان الرصافي - ط) جزآن اشتملت الطبعة الثانية منه على أكثر شعره، إلا أهاجي ومجونيات ما زالت مخطوطة متفرقة فيما أحسب، و (دفع الهجنة - ط) رسالة في الألفاظ العربية المستعملة في اللغة التركية وبالعكس، و (دفع المراق في لغة العامة من أهل العراق) نشر متسلسلاً في مجلة العرب، و (رسائل التعليقات - ط) في نقد كتاب النثر الفني وكتاب التصوف الإسلامي، كلاهما للدكتور زكي مبارك، و (نفح الطيب في الخطابة والخطيب - ط) و (محاضرات الأدب العربي - ط) جزآن، و (ديوان الأناشيد المدرسية - ط).

Aucun commentaire: