mardi 13 octobre 2015

فضل الاعتزال بقلم عمر ابو رصاع


تراث وفقـه
 
 

 فضل الاعتزال

الجزء الاول
 
مقدمة
كان لاكتشاف فرقة في التاريخ الاسلامي العربي اسمها المعتزلة أثرا استثنائيا في حياة العبد الفقير الذي هو أنا حدث كان من شأنه أن ينقذ ايماني بالله عز وجل ويعمق فهمي لدينه ، ولا ضير فقد كان شأني شأن جل الناشئين في الطبقة المتوسطة من مجتمعنا العربي إبان النكسة الكبرى حيث كان الاعتصام بحبل الايمان العميق رد فعل عام و أساسي في تربيتنا وانكببت بجهد واجتهاد كبيرين احفظ كتاب الله عز وجل وألتهم كتب الحديث الشريف الصحيحين والترمذي ثم تفسير ابن كثير وقبله الجلالين وقصص الانبياء والصالحين والصديقين وسيرة ابن هشام وفقه السنة .....الخ حتى صرت اصنف نفسي حافظا لكن ما لم يكن ليخطر في بالي هو أن أناقشا كافرا بديني يومها بدأت أسرد عليه مما أحفظ قال تعالى وقال عليه الصلاة والسلام لكن صاحبنا قال يا حبيبي أنا لست مؤمنا لا بكتابك ولا بنبيك ، فسقط في يدي وغلب عقلي على أمره كيف لي أن اجابه حجته إذا كان لا يؤمن أصلا بأن القرآن من عند الله وبأن سيدنا المصطفى نبيه وخليله؟!

أخذ يجادلني بالمنطق ولا علم لي بالجدل والحجة العقلية وأنا الذي ارتاح ضميره واستقرت نفسه للمعرفة النصية ولما جاء به السلف فاستغنيت بها عن تعب البحث ورهق العقل . ومن شدة حنقي وكنت يومها أذود عن ما نذرت له نفسي كيف لا وأنا من أنجب طلبة الكلية الاسلامية وشاعر المدرسة وخطيبها يسقط في يدي فلا املك حيال كافر بديني جوابا! وكان أوسع الناس علما في ذهني ذلك الوقت شيوخي واساتذتي في مدرستي لكن بلا جدوى فكلهم أعاد علي من كتاب الله وسنة نبيه فلما قلت لكن مناقشي كافر بهما كيف اقنعه ؟
قال قائلهم : دعك منه إنه يفتنك عن دينك وإنك لا تهدي من احببت .

والحمد لله لم اعمل بنصيحته وذهبت وأنا طالب في الأول الاعدادي إلى الجامعة ودخلت على رئيس قسم اللغة العربية آن ذاك الأستاذ الدكتور عبد المجيد المحتسب تغمده الله برحمته فضحك مني لما اطلعته على ما يؤرقني وقال : هل سمعت بالجاحظ يا بني؟
قلت بلى أليس هو صاحب البخلاء ؟

قال : هو عينه له كتاب اسمه رسائل الجاحظ قد تجد فيها ما يعينك وإن أشكل عليك فهم شيء فعد إلي.
وكانت البداية التي عرفت فيها لأول مرة أن تاريخ الثقافة الاسلامية ليس فقط تاريخ النقلة والحفظة بل أنه وذلك هو الأهم تاريخ العقل لا النقل ، وعرفت كيف تقوم الأدلة بالوجوب وبالعقل كما يوافقها النقل، نسيت محاوري الكافر لأنه لم يعد لي موضوعا بعد أن اكتشفت أن كل ما عرفته وكنت أظنه العلم الكامل ليس إلا ذرة في بحر الفكر الانساني ، وأن في تاريخنا علماء ومفكرين لا يقلون عن أبو حنيفة و مالك والشافعي وابن حنبل وابن تيمية ورواة الحديث إن لم يفضلوهم في الكثير من الأمور كواصل بن عطاء والجاحظ وابن رشد وابن سينا والكندي والفارابي ، وعرفت أن الكافر جان جاك روسو مثلا لم يكن كافرا وانما نبي بغير وحي واكتشفت وذلك الأهم أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ختم النبأ من السماء لكن عظماء من بني الانسان بعده حملوا رايات النور من اجل مستقبل افضل للبشرية فكانوا انبياء العلم والعقل ومرسيوا قواعد العدل والخير التي من اجلها كانت كل الرسالات وأن التاريخ لم ينتهي عند ابن تيمية وابن القيم الجوزية بل تجاوزهما بمراحل ربما أعظمها تجريبية فرانسوا بيكون وقوانين نيوتن نبي الفيزياء العظيم .

لكن ظلت للمعتزلة مكانة خاصة في النفس فنذرت لدراستها زمنا غير يسير من عمري خرجت منه بمخطوطة لم تنشر بعد لأني لا أكل النظر فيها والتنقيح والإضافة والتعديل وكلما رأيت فيها ما أجيزه كتابا اقدمه للناس اعادني عن نشره عدم استقرار رضاي عن شكله ، وها أنا ذا أضع بين يديك بعضا مما جاء فيه تعريفا بهذه الفرقة الاسلامية وأصولها الخمس العدل والتوحيد والمنزلة بين المنزلتين والوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

*النشأة والتسمية :
هناك فارق أساسي بين نشأة الاعتزال كفرقة كلامية مستقلة وبين ظهور مسائلها وأصولها كمسائل كلامية ، فأصول الاعتزال هي مثار بحث منذ بواكير الفكر الاسلامي جلها مما خاضت فيه كل المذاهب التي تقدمت نشأة المعتزلة فالقول بالقدر قالت به القدرية والقول بنفي الصفات وخلق القرآن وانكار رؤية الخالق بالعين قال بها الجهم (1) كما قال مقالهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الخوارج ، ووافقوا الشيعة بوجوب الإمامة وإن انكروا الوصية والعصمة كما جوزوا التأويل (2) وقالوا مقالة الحسن البصري في العدل والاختيار(3)
وكلها مقالات لها جذورها في النص القرآني نفسه وتكلم بها أيضا سواء بما وافق الاعتزال أو خالفه العديد من المتقدمين من الصحابة .

أما نشأة المعتزلة كفرقة كلامية فتعود إلى أواخر القرن الهجري الأول أوائل القرن الثاني ، ويعتبر المؤرخون كل من واصل بن عطاء الغزال (80-131هج 699-748م) و عمرو بن عبيد (80-144هج 699-761م) (4) شيخيها المؤسسان ، و قبل النشأة كانت الجماعة المؤتلفة حول الحسن البصري تكنى بأهل العدل والتوحيد حتى حصل الخلاف بين الحسن وواصل في القول في مرتكب الكبيرة أهو مؤمن مناق كما ذهب الحسن أم في منزلة بين المنزلتين كما قال واصل معترضا فقام واصل عن الحسن وترك مجلسه مؤسسا له حلقته الخاصة وفي ذلك يقول الشهرستاني أن تسمية المعتزلة بهذا الاسم إنما ترجع لعبارة اطلقها الحسن إبان خلافهما "اعتزلنا واصل" فسمي وجماعته بالمعتزلة (5) .

أما البغدادي فيرى أن هذه التسمية جاءتهم لأنهم اعتزلوا اجماع الأمة (6) ، والمسعودي من جانبه رأى أن تسميتهم بالمعتزلة لأن قولهم بالمنزلة بين المنزلتين إنما يعني عزل مرتكب الكبيرة عن المؤمنين والكافرين فسمي أصحاب هذا القول أي المنزلة بين المنزلتين بالمعتزلة (7) بينما يرى المرتضى المعتزلي انهم من اطلق التسمية على انفسهم لاعتزالهم الاقوال المحدثة والمبتدعة (المنية والأمل-ص4 ) بينما يذهب المستشرق نيللينو أنهم استعاروا التسمية من من وقفوا موقفهم السياسي الشهير في اعتزال الفتنة الكبرى وهو رأي ساقه ايضا النوبختي "لما قتل عثمان افترق الناس ثلاث فرق ..... وفرقة اعتزلت مع سعد بن ابي وقاص وعبدالله بن عمر ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد ....... فسموا المعتزلة وصاروا أسلاف المعتزلة إلى آخر الأبد"(8) ويرجحه ما ذكره السبكي من أنه وقع على كتب للمعتزلة يصنف عبدالله بن مسعود المعلوم اعتزاله القتال بين علي ومعاوية كأحد روادهم (9).

إلا أننا نميل مع ما ذهب إليه جل المؤرخين من أن تسمية المعتزلة إنما جاءت من اعتزال واصل لمجلس الحسن لأن رأي البغدادي فقير للمنطق ويعكس تعصبه ضدهم فكيف يقبل المعتزلة أن يكنوا بذلك لأنهم اعتزلوا اجماع الأمة على رغم أنهم كانوا يحبون أن يكنوا أهل العدل والتوحيد لكن لم يكن يضيرهم تسميتهم بالمعتزلة بل كان واحدهم يعرف بنفسه أنه فلان المعتزلي لذا لا نطمئن لرأي البغدادي ، وأما رأي المسعودي ففيه شيء من الصناعة الاشتقاقية أنهم عزلوا مرتكب الكبيرة عن مرتبتي الكفر والايمان فسموا معتزلة فهذا أيضا لا نطمئن إليه لميله لإفتعال التسمية وهو من طبائع المسعودي وعنايته باللفظ والصنعة اللفظية ، وفول المرتضى وإن كان صحيحا فعله لكنه مما شارك فيه المعتزلة غيرهم كالحسن نفسه فلا يدل عندي على خصوصهم ولذا لا اطمئن إليه أيضا ، أما رأي نيللينو والنوبختي والدمشقي أن مرد التسمية لمن اعتزلوا القتال بين معاوية و على فعلى وجاهته فهو انتحال دالة لدالة أخرى لإن نشأة المعتزلة كفرقة لحقت ذلك بزمن زالت فيه الفرقة التي اعتزلت القتال أصلا ناهيك عن أنه لم يكن ينتظمها غير ذلك الموقف من القتال لذا فنحن لا نطمئن أيضا لهذا الرأي ، بينما يأتي الرأي الأول من أن التسمية اشتقت من قولة الحسن اعتزلنا واصل أصوب وأقرب للمنطق فهي تعكس فعلا لحظة الانبعاث للفرقة الكلامية "المعتزلة" وهي لحظة القول بالمنزلة بين المنزلتين.

(1) الدمشقي-تاريخ الجهمية والمعتزلة-ص5
(2) المرتضى-المنية والأمل_ص 4و5
(3) احمد امين-فجر الاسلام –ص 296 و297
(4) عبد الوهاب الكيالي-ط1 1990الموسوعة السياسية الجزء السادس-ص 241.
(5) الملل والنحل – ج1 – ص55.
(6) الفرق بين الفرق – ص94.
(7) مروج الذهب-ج6-ص22.
(8) فرق الشيعة – ص 4 و5.
(9) الدمشقي – تاريخ الجهمية والمعتزلة – ص16. 




  


تراث وفقـه
 
 


 فضل الاعتزال

الجزء الثاني: اصول الاعتزال الخمسة
إليك عزيزي القارئ أصول الأعتزال الخمسة مع شرح مبسط منا لكل أصل من هذه الأصول مع الاعتبار لتداخلها وتعاضدها معا وعلى قدر ما استطعنا إلى الاختصار سبيلا.

أول الأصول العدل :
معناه :
معناه ابتداء حرية الانسان في الاختيار ، لأن الله عادل ابتداء فلا يتفق إذ هو كذلك أن يسير الانسان إلى ما يحاسبه عليه ، فإذا قلنا أنه تعالى سير الانسان إلى فعله فكيف يكون عدل حسابه إياه على ما سيره إليه ، وعند المعتزلة يعد قوله تعالى { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} من محكم الكتاب وهي الدليل الموافق لما استحسنه العقل من أن الانسان مخير وليس مسير ، وإذا عدنا لسياق الآية وجدناه عز من قال يقول :{ هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا (*) إنّا خلقنا الانسان من نطفة امشاج "نبتليه" فجعلناه سميعا بصيرا(*) إنّا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا(*)}(1) صدق الله العظيم هذه الآيات الثلاثة الأول من سورة الانسان تقدم بأن الله عز وجل ابتلى الانسان من البلاء وهو الاختبار هنا والابتلاء منه على وزن "افتعال" وفي اللسان :"...وابتلاه الله : امتحنه ..... والبلاء يكون في الخير والشر ، يقال إبتليته بلاء حسنا وبلاء سيء ..."(2) ، وعليه لا تفهم الآية الثالثة من السورة إلى بالآية الثانية والتي فيها يقرر الخالق أنه خلق الانسان من نطفة امشاج (يبتليه) ولكن كيف يكون الابتلاء لغير العاقل فإنما بيانه ببيان أدوات العقل دالة عليه ومؤسسة لمصدر المعرفة العقلية عند البشر كما قرر عز وجل فقال {فجعلناه سميعا بصيرا} وقد يسأل السائل لماذا لم يقل عاقلا ونقول بل أنه تجاوز العقل إلا أدواته ولهذا يقرر في غير موضع من كتابه عز وجل {إن السمع والبصر والفؤاد كل أؤلئك كان عنه مسؤولا} وهنا أيضا ذكر لآلة الوعي وتأكيد منه وتشديد على أولويتها وعلى كونها الأداة التي بها تتحصل المعرفة ولذا قال جعلناه سميعا بصيرا أي جعلناه يعقل ما يبصر وما يسمع ، فتجد المعتزلة – وسيتبع بيان هذا - يؤكدون دائما على المعرفة الحسية وسيلة للعلم والمعرفة ضدا على الكشوف الباطنية والصوفية والفتوح الإمامية المعصومة ممهدين السبيل بذلك لمن تبعهم من علماء عرب سبقوا فرانسوا بيكون وتجريبيته بقرون مؤكدين على أولوية التجربة والمشاهدة، بعد أن قرر الخالق وقوع خلق الانسان من نطفة أمشاج والابتلاء هداه السبيل وجعله يعقل ما تدركه الحاسة ثم قرر أن الأمر له من بعد ذلك أن يختار وعليه يحاسب لذلك قررت المعتزلة أن عدل الله يقتضي وجوبا حرية الانسان وخلقه لأفعاله.

وقد يحتج علينا أحدهم فيقول أن تقرير حرية الإنسان وخلقه لأفعاله شرك بالله تعالى ، نقول هذا استدلال باطل لإن الله ابتداء هو خالق الإرادة للإنسان فإرادة الانسان إرادة جزئية مشتقة من ارادة المولى عز وجل الكلية القدرة ، فلا تعارض لأنه عز وجل هو الخالق وهو موجد هذه الإرادة الانسانية ولذا يقول عز من قائل في سورة البقرة:{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟! قال إني أعلم ما لا تعلمون} (3) فهنا يتساءل الملائكة اتجعل فيها من يفسد ويسفك الدم ؟!!! لماذا لأنه أي الإنسان لما كانت له إرادته فقد يجعلها في غير طاعة الله وهنا وجه استغرابهم على القبول لأنه لو صح من الله تسير الانسان لما كان لينتج عن ارادته ما هو معصية له عز وجل فانكرته الملائكة وتساءلوا كيف يترك الله له ذلك ؟ كيف يمنحه هذه الحرية حريته في معصيته؟! فيأتي الجواب الإلهي القاطع إني أعلم ما لا تعلمون ويأتيك السياق بعدها {وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة ، فقال : { انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} وهنا السؤال من باب انكاره عليهم قدرتهم الذاتية وارادتهم المستقلة والله أعلم لأن جوابهم كان سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا فأمر آدم الذي ميزه بقدرته على التعلم والتحصيل فأنبأهم بأسمائهم فجاء قوله عز من قائل { ...فلما انبأهم باسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} ، فنحن إذا أمام توليفة من امتحان لعاقل بوسائله السمع والبصر ، مسؤول عن ما يفعل لأنه منح إرادة مستقلة سيحاسبه الله على توظيفها.

وقد صاغ المعتزلة نظريتهم في العدل الإلهي على عمومها في مقولات نقتبسها عن قاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي :" مادام الله عادلا فهو لن يفعل إلا ما هو أصلح لعباده .... ولأنه خلق العالم لغرض وغاية وحكمة ...... ولأن العمل دون غاية تبرره .....أو حكمة يتوجه إليها ويستهدفها يصبح عبثا " (4) .

"ولما كان الله حكيما عادلا فإنه خلق كل شيء لصالح الإنسان وصلاح عالمه" (5) ، "ولذلك فإن كل أفعال الله صلاح للإنسان" (6)

واختلف شيوخهم في تأويل عموم الفكرة فالبغداديون منهم مثلا أوجبوا على الله فعل الأصلح للانسان في دينه ودنياه ، وأن يفعل أقصى القدرة في استصلاح عباده وإلا كان بخيلا ظالما ومن هنا الوجوب (7)

فيما رفضت ذلك معتزلة البصرة ورأت فيه مسا بالذات الإلهية واجبة التنزيه ، فعند القاضي " لا يجب الفعل على الله لأنه صلاح أو اصلاح فهو لا يفعل مع عباده إلا ما ينفعهم لأن أفعاله ابتداء كلها كاملة حسنة"(8) وهكذا فقد قررت المعتزلة انه لا ياتي من الله إلا الصالح الاصلح البغداديون قالوا وجوبا والبصريون منهم قالوا بل بكماله عز وجل فلا وجوب على الله ، ومثلهم ذهب ابن رشد فيما تبع مستدلا بفساد منطق الاستدلال على فعل الخالق بالوجوب لأنه عز وجل له الكمال ابتداء(9).

أما في خلق الافعال الناشئ عن عدل الخالق وحرية المخلوق فقد اتفق جمهور المعتزلة عليه لكنهم اختلفوا في خلق الارادة وخلق النتيجة فبشر بن المعتمر يرى "كل ما تولد من فعلنا مخلوق لنا....من خلق الانسان وصنعه الارادي"(10) بينما نشز عنه العلاف إذ ميز بين المتولدات فقال " إن كل ما يولد من فعلي مما أعلم كيفيته فهو فعلي ، وما لا أعلم فلا " (11) لكن نظرية التولد تبلغ كمالها مع النظام " الانسان لا يفعل إلا الحركة ، فما ليس بحركة ليس من صنعه ولا يفعل الانسان الحركة إلا في نفسه ، فإذا رمى الانسان حجرا وتحرك ... ليس من فعل الانسان حركته وإنما هو من فعل الله ، بمعنى أن الله طبع الحجر أن يتحرك إذا دفعه دافع ، فصلاة الانسان وصيامه وحبه وكرهه كلها حركاته ، أما الألوان والطعوم والأرياح فليست من فعله لأنها ليست حركته"(12) خلاصة قولنا في التولد أنه مفتاح فهم المعتزلة للإرادة والحركة ، وربما تستغرب عزيزي القارئ أن المعتزلة تقدمت وبمراحل واسعة المدارس الفلسفية الإغريقية بأصالة ما اشتقته من فهمها لمناط التكليف وتأسيسه على الحس دون أن يجرهم ذلك لما اختارته الرواقية من تأسيس للمادية المطلقة كما هو حالها عند دمقريطس مثلا ، فالإنسان عند المعتزلة مادة ، وقد اتخذت المعتزلة موقفا ماديا بحتا من النفس يقول الرازي :"
جمهور المتكلمين اعتقدوا أن النفس جسم مادي ، أو عرض من جواهر مادية "(13) وابرز من قال منهم في ذلك البصري أبو الأصم :"الانسان هو الذي يرى وهو شيء واحد لا روح له وهو جوهر واحد"(14)
ونقل عنه الأشعري قوله " النفس هذا البدن بعينه لا غير" (15) وهي بوضوحها وكمال دلالتها عند العلاف أبو الهذيل المعتزلي "الانسان هو الجسد وهو المرئي الظاهري الذي له يدان ورجلان"(16) وعند القاضي عبد الجبار المعتزلي الانسان :"الجملة التي نشاهدها ، لا أنه خارج عنها أو شيء بداخلها ، وأوضح دليل عليه هو الاشارة المخصوصة" (17) وقرن قاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي ذلك بالدليل السمعي {ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة} صدق الله العظيم(18) ، فالقاضي يرى الانسان هذا الكيان المادي المدرك ولا يثبت له شيء غيره (19) ولذا لا تقر المعتزلة ما ذهب إليه الغزالي من أنه أي الانسان جوهرا روحيا (20) وشذ عن جمهور المعتزلة بشر بن المعتمر لأنه ميز بين الروح والمادة.

من هذا الفهم المادي للإنسان تتبنى نظرية الاعتزال في العدل الإلهي لتنتج رؤيتهم لحرية الارادة ضدا على المرجئة والجبرية في الجبر والارجاء وضدا على الأشاعرة في الكسب ، وهذا موضوع حلقتنا القادمة إن شاء الله.-يتنع-

1- الانسان : الآيات 1- 3.
2- ابن منظور : لسان العرب ، بيروت دار صادر –ط3 -1994- ج14-ص84 مادة الواو والياء.
3- البقرة : الآية 30.
4- القاضي : المحيط بالتكليف ،ص120،171،234.
5- القاضي: المغني – الأصلح ، 14/18-19 .
6- الحاكم : شرح العيون ، ص64 ، ط تونس – 1974.
7- الجويني : الارشاد ، ص 287 ، ط مصر 1950.
8- القاضي : المغني – الأصلح ، ص 23 وما يليها .
9- انظر مثالا لا حصرا تهافت التهافت – وقد يكون لنا رجوعا إلا ابن رشد في سلسلة خاصة به .
10- الخياط : الانتصار ، ص 62 ، ط مصر 1925 – وانظر ايضا دائرة المعارف الاسلامية الجزء الثالث ص660.
11- القاضي : المغني – التولد ص 12 وانظر كذلك في التولد الخياط في الانتصار ، ص 62، 63 ، 72 ، 77 للتوسع.
12- الشهرستاني : الملل والنحل ، 1/55 وما يليها ، ط مصر 1968.
13- الرازي : مفاتيح الغيب ، 5/331 ، ط مصر 1980/1981.
14- أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم من الطبقة السادسة في الاعتزال وهو معتزلي
بصري عرف بغرابة تفسيره وله مع الجبائي المعتزلي مناظرات طوال راجع بشأنه : ابن المرتضى : طبقات المعتزلة ، ص 56 و 57 ، ط بيروت 1961.
15- الاشعري : مقالات الاسلاميين ، 2/24 و 25 ، ط مصر 1954.
16- المصدر نفسه ، 2/25.
17- القاضي : المحيط بالتكليف ، المجلد 2 ، ص250أ.
18- المؤمنون : الآية 13.
19- للتوسع انظر القاضي : المحيط بالتكليف ، المجلد 2 ، ص 251 وما يليها وكذلك عبد الكريم عثمان : نظرية التكليف ، ص 311و312.
20- راجع الدكتور جلال شرف : الله والعالم والانسان ، ص 258 وما يليها ، ط مصر 1975.



 فضل الاعتزال

الجزء الثالث
العدل ونظرية الإرادة الانسانية بين الاختيار المعتزلي والجبربشكليه الجبر المطلق عند الجبرية والجبر المقنع عند الأشاعرة.

نشأ القول بالجبر ابتداء كتبرير ايديولوجي لهيمنة بني أمية على الحكم وجعله ملكا عضودا ، بحيث تنسب هذه التغيرات إلى الله عز وجل باعتبارها ارادة الخالق ومشيئته فهو الخالق لأفعال البشر ، من هنا مثار قضية الحرية والاختيار أساسا ، فهي في جوهرها إذا قضية سياسية عربية صرفة ، وهذا ما يفسر لنا لماذا تبنت القول بالجبر المذاهب التي كانت في خدمة السلطة عندما قامت كالجبرية والأشعرية بينما تبنت القول بحرية الانسان ومسؤوليته عن خلق افعاله المذاهب والحركات المعارضة للدولة وعلى رأسها المعتزلة والخوارج والشيعة بوجه عام.

يقول غلاة الجبرية بالجبر المحض ويسمون بالبرية الخلص وهم فرقة الجهمية اتباع الجهم بن صفوان (128هج745م) ، بينما إلتزم الأشاعرة موقفا تلفيقيا واشد تهافتا من الجبر الميتافيزيقي الخالص لإنعدام وضوحه النظري ولإشتماله على قدر أكبر من عدم الاتساق والحسم والانسجام (1) إلا أنها وللأسف أصبحت عقيدة عامة ، ذلك أنها كانت في خدمة الدولة وقضت قضاء مبرما على كل من عارضها أو اختلف معها ، ويغلوا الأشاعرة في الجبر دليلا على ذلك عندما يتعلق الأمر بطاعة الأمراء ، ويرى الاشعري " أن الانسان يريد الفعل الذي يختاره ... ولكن التنفيذ من الله خالق كل شيء وحرية الاختيار هذه إنما يخلقها الله في الانسان ، وكذلك الفعل الذي تنفذ بمقتضاه هذه الحرية وهذا ما يعرف باسم الكسب أي ما يكسبه الانسان من الله "(2) .

الغريب والملفت للنظر حقا أن الاشعري صب جام غضبه في حواراته وردوده تكفيرا ونهشاً على الاعتزال وطبقاته ، وعند القاضي عبد الجبار المعتزلي ينقض زعم أبي الحسن من جذوره ذلك أن الكسب لغة هو كل فعل يستجلب به نفع أو يستدفع به ضرر ، وتحتاج اسم قبل المصطلح فهي كذلك فاسدة من باب كونها اشتقاق لغوي خاطئ أساسا (3) ، وما نظرية الكسب الاشعري إلا التفاف على المقاصد الواضحة ، فالكسب في اصله فعل إرادي وهكذا يردنا الاشعري إلى حيث بدأنا في حلقة جهنمية مفرغة لا مقر لها فلا تكون بنزعه القدرة وخلق الفعل عن الانسان إلى جبرية مقنعة تفقد الانسان كل شكل للإرادة الحرة.
أثبت المعتزلة للإنسان إرادة ومشيئة مستقلة عن إرادة الخالق وهي حرية الفعل في تنفيذه أو العول عنه بالكيفية ذاتها (4) .

لكنها بطبيعة الحال مشيئة قيدت واشتقت من مشيئة الخالق ، "ولو شاء الله أن يهدي الجميع جبرا لفعله ولكنه لم يشأه (من هنا انتفاء تعارض المشيئتين) إلا بالخير لأنه لو أجبرهم على ذلك وادخلهم فيه غصبا جبرا- قهرا كان المستوجب للثواب دونهم "(5) ، وتتأكد مشيئة الانسان عند المعتزلة عبر فعله بشروط " وهذه الشروط هي :
1) الوعي الإرادي.
2) غائية الفعل .
3) استقلالية الفعل.
4) ارتفاع الموانع"(6)

بمعنى أنه إذا سقطت إرادة الفعل سقط حسابه وليس من فعل له حساب إن لم يكن له غاية من فعله فالغاية من شروط صحة الفعل ومعناه ، وإن لم يكن الفعل مستقلا من ذاته لما جرى ولا ينبغي أن يجري عليه حساب ، أما ارتفاع الموانع فهي التي بين إرادة الفعل وانفاذه وموانع الفعل مادة الطبيعة والانسان التي هي اشراط الخالق المحددة لقدرة الفعل ، فالفعل إذا ما قام له المانع المادي امتنع عن الحدوث وليس عليه حساب مالم ينتفي المانع فيقع الفعل ماديا ، وهنا يكرس المعتزلة مفهومهم المادي للفعل فأفعال الثواب والعقاب إنما تكون بالعمل الإرادي الذي يتحقق في المتعين الانساني المادي ، على عكس الفهم الغائي فحسب للفعل الذي لا يستند لوقوعه ماديا إنما لغايات الفعل فلا تكتمل فيه عناصر الإرادة كما يراها المعتزلة لازمة لخلق الفعل ولا فعل إلا بها ، فيما تجد أكثر الفرق قالت بالعقاب والثواب بالنيات وهو ما انكرته المعتزلة انكارا تاما فانعقاد النية ليس كافيا وليس بفعل في ذاته وإنما لا بد من ارتفاع الموانع عنها فتتحقق فعلا ماديا فإذا ما وقع وجب حسابه.

ويشتمل أصل العدل فيما يشتمل على عدة أصول نظرية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

• إثبات البوة : ورد فيه المعتزلة على منكري النبوة من شتى لمذاهب والفرق المتزندقة وقال بعضهم أنها واجب لإقامة الحجة من الله على الناس وقال البعض الآخر بل النبوة ضرورة تقوم بذاتها ولا يستقيم الخلق إلا بها ، ليس من قبيل إثبات الألوهة الواجب بالعقل ولكن من قبيل اثبات التكليف.

• الصلاح والإصلاح الإلهي : أن الله لأنه عادل بالضرورة فلا يكون منه إلا الصالح وإن نسب ما ليس بصالح إلى الله حط من عدل الله الكامل وتشويه للألوهة عن كمالها وعدلها ، وان إرادة الله في خلقه إصلاحهم لا بجبرهم وإنما بإختيارهم وبهذا تقوم عليهم الحجة والدليل.

• اللطف الإلهي : فالله لطيف بخلقه لطفا ليس كمثله لطف منه أنه جعل اشراط الحياة ونظامها مما يسر للانسان تسيره ، وأنه رغم عظم التكليف لطف بهم هاديا وحسيبا وتوابا.

• التوليد .(اشرنا إليه)

• الإرادة الإنسانية الحرة.(أشرنا إليه)

في الحلقة الثانية نتناول بالشرح ثاني الأصول الخمسة في الاعتزال وهو أصل التوحيد ، الذي أقدمه أنا على غير نهج أشياخ المعتزلة وأجعله الأصل الأول في كتابي لكني هنا من قبيل التعريف بهم نهجت نهجهم في الترتيب أيضا. – يتبع -


1) محمد عمارة : المعتزلة ومشكلة الحرية ،ص 75 ،ط بيروت 1972.
2) الاشعري : اللمع ، ص 38-39 ، ط بيروت 1952 وأنظر أيضا الشهرستاني : نهاية الإقدام ص
567 وما يليها ، ط اكسفورد 1934 ، وأنظر أوجريان : تاريخ الفكر الفلسفي في الاسلام ص 206 ، ط مصر 1974.
3) القاضي : شرح الأصول الخمسة ص 495 ، ط مصر 1965.
4) القاضي : فضل الاعتزال ، ص 172-173.
5) راجع الإمام يحيى بن الحسين الزيدي ، رسائل العدل والتوحيد 2/40 ، ط مصر 1971.
6) القاضي : شرح الأصول الخمسة ، ص 456.





فضل الاعتزال 

الجزء الرابع: ثاني الاصول: التوحيد
هو أصل الأصول جميعا وفق تقديرنا على الخصوص واكرمها منزلة من الاعتزال والدين بعامة ، فالاسلام إن اردنا وصفه لقلنا هو دين التوحيد ، على أن جل اشياخ الاعتزال إنما ابتدرو أصولهم بالعدل إلا أننا نرى أن نقديمه أوجب فالعدل اعظم صفاته عز وجل إنما مشتق من التوحيد وهو الأصوب عندنا لأن التوحيد في الاعتقاد إنما يشتمل على معرفة الخالق عز وجل ، ومن كمال معرفته معرفة صفته ولذا وجب أن يقدم التوحيد مقدمة للعدل لا العكس كما أرى ، فمن التوحيد ينتقل بالأصول إلى العدل ومن العدل إلى الوعد والوعيد فالمنزلة بين المنزلتين إلى أن ينتهي الأعتزال اعتقادا بالتطبيق السياسي في أصله الخامس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي يشتمل على نظريتهم في سياسة الأمر العام كما سيتبع بيانه إن شاء الله .

يبتدأ البحث في التوحيد بما عرف بالفكر الاعتزالي بمبدأ الضرورة في معرفة الله ، ولعل العلاف أول من قال به من المعتزلة ومعرفة الله عند أبي الهذيل العلاف قسمان :

أ‌) معرفة اضطرارية : وهي معرفة الله ومعرفة الدليل الداعي إلى معرفته.

ب‌) معرفة اختيارية : وهي العلوم التي تكون غير معرفة الله ومعرفة الدليل الداعي إلى معرفته ويكون منشؤها الحواس أو القياس.

وأخذ عنه وأضاف البلخي البغدادي الذي أكد ضرورة المعرفة لجميع المكلفين لأن وجوبها الاضطراري يعين الانسان المكلف على اجتناب القبيح وفعل الحسن ، يقول :"انه تعالى كما يعرف دلالة في الدنيا فكذلك في الآخرة لأن ما يعرف دلالة لا يعرف إلا بها كما أن ما يعرف ضرورة لا يعرف إلا بها ايضا"(1) .

ويعمق القاضي فهم مبدأ الضرورة في معرفة الخالق أنه إنما يجب ابتداء بالتفكر والتدبر والنظر والاستدلال و"قد أفاد القاضي من رأي ثمامة في تأكيد مبدأ وجوب النظر العقلي"(2) لكن تأخر القاضي عبد الجبار أدخل في رأيه شيء من الجبائية الاعتزالية التي خالف فيها جمهور المعتزلة البصريين والبغداديين من أن طريق المعرفة هو النظر العقلي المجرد وهنا ينبغي التنويه على ما سيتبع بيانه لاحقا من أن جل الباحثين قد وقعوا في خطأ منهجي كبير عندما درسوا آثار الاعتزال وكأنها وحدة واحدة لم يطرأ عليها تطور وبالتالي اختلط عليهم الأمر ووقعوا في تناقض كبير ، لكن لو احكم الدارسون عملهم واستبصروا الآثار بعقل الفاحص العارف لمسار التاريخ لأدركوا من أين يأتي الاختلاف فكما هو واضح في كل أثر اعتزالي تقدم إنما طريق المعرفة هي الحاسة المادية ولذا فإن الدليل الذي تكلم عنه أبي الهذيل وهو من معتزلة البصرة المتقدمين إنما هو دليل الحس لقوله بمعرفة الدليل والمعرفة هنا إنما بالمادة الحسية وكأنه يقول يقوم الدليل المادي شاهدا بالضرورة على المصدر وهو الله ، أما عند القاضي عبد الجبار فالديل الحسي والمعرفة الحسية بجملتها موضع شك وإنما الدليل يصح عنده بالنظر العقلي!

من أين جاء هذا التمايز ؟ إنك لو عرفت أن القاضي عاش في بلاط بني عباد لعرفت تأخره ولعرفت أنه تأثر كما أشرنا بالجبائية الاعتزالية حيث دخل أثر أرسطو الفلسفي ونحن نعلم أن الدليل الحسي عند أرسطو ليس بحجة وأن الدليل لا يستقيم عنده إلا بالمنطق ، وإذا استقام لك هذا الفهم لعرفة فضل الاعتزال على ابن رشد ومن كان بعده ، وستجد معي في المراجع التي بين أيدينا والتي وردتنا عن القاضي ما يثبت عمق تأثره بذلك :"فالحس لا يصلح لأن يكون أداة للمعرفة اليقينية ومعرفة الله على وجه الخصوص "(3) وكذلك :"إن الحواس لا يمكن أن تكون طريقا للعلم"(4) وكذلك :"إن العلم بالله وبمعرفته يستند إلى العقل نظرا وتأملا وليس اضطرارا أو حسيا"(5)

فإننا إذا ما استقر في ذهننا أن المعتزلة الأوائل وبالأخص منهم البصريون قد قام عندهم الدليل على الحس وقدموا الطبيعة المادية على المجردة الفاصلة بين البدن والروح وأن القاضي خالفهم في ذلك فقامت عنده المعرفة على النظر العقلي المحض وشكك في معرفة الحاسة طريقا للعلم وقال بثنائية التكوين الانساني البدن والروح لعرفنا تماما أن التأثر بالفلسفة الإغريقية إنما دخل الاعتزال متأخرا في أواخر عهدهم في بغداد وفي الأندلس خاصة ، وهذا الخطأ المنهجي الذي استغرقنا الكثير من الجهد حتى نستظهره عندما تعارضت بين ايدينا الأدلة مما وصل عن متقدمي المعتزلة (وهو القليل) ومتأخره وهو الذي حفظ بجملته الخطأ الذي وقع فيه حتى كبار البحاثة وعلى رأسهم حسين مروة(6) عندما اقتصر الاعتزال عندهم على آثار متأخريه وقالوا بوجود خطل في منظومة الاعتقاد عندهم عندما تضاربة الأدلة وهو ما استقصيناه على النحو الذي بيناه أعلاه.

المعتزلة كما رأينا يقوم عندها الدليل على الخالق بالضرورة العقلية وإن اختلفوا في مصدر المعرفة والدليل أهو الحس أم النظر العقلي المحض ، على خلاف من قال بمصدر المعرفة بالنقل أو التقليد أو بالقلة والكثرة وكلها مصادر تفسد عند المعتزلة فلا يصح ويصفوا اكتساب معرفته تعالى عندهم إلا بالدليل العقلي كضرورة لا محيص عنها ، في الحلقة القادمة سنتعرض لنقد المعتزلة لهذه الطرق التي ذكرناها آنفا كمصادر لمعرفة الحق تبارك وتعالى والأسس التي تقوم عليها نظرية القاضي عبد الجبار في معرفة الله قبل أن نلج إلى نظرية الاعتزال في صفات الله تعالى وهي ثاني أسس التوحيد عندهم .- يتبع –


1- القاضي عبد الجبار المعتزلي : شرح الأصول الخمسة ، ص52-60، ط مصر -1965 وكذلك ايضا القاضي: المحيط بالتكليف ، ص 24 ، ط مصر 1965.
2- الخياط المعتزلي : الانتصار ، ص86-87 ، ط مصر الأولى 1925.
3- القاضي : المغني – النظر والمعارف ، 12/325.
4- نفس المصدر ، 12/16.
5- القاضي : فضل الاعتزال ، ص 138 وكذلك : متشابه القرآن ،2/629 وكذلك : تنزيه القرآن
عن المطاعن
ص 131 ، طبيروت بدون تاريخ.
6- (أنظر النزعات المادية بجزئيه طبعة بيروت الثالثة.






 فضل الاعتزال

الجزء الخامس
ذكرنا فيما سبق أن منهاج الاستدلال العقلي هو الطريق المقبول عند اشياخ الاعتزال إلى معرفة الله ، وقلنا أنهم لا يقبلون بغير العقل طريقا لتلك المعرفة وبينا كيف أن متقدميهم قالوا بأن معرفته بالعقل ضرورة يستخلصها الانسان من المشاهدة المادية وبالدليل المادي بينما مال متأخريهم والجبائية ابتداء والقاضي عبد الجبار على وجه الخصوص إلى القول بالاستدلال العقلي البرهاني المحض.

هنا نعرض إلى ما ذهبت إليه المعتزلة من فساد معرفة الله بغير طريق العقل :

أولاً : طريق التقليد :
التقليد هو قبول قول الغير بدون طلب الحجة أو البينة حتى يجعل كالقلادة في العنق.
لا يمكن بحال أن يحل التقليد بديلا للعقل في معرفة الله أو العلم به ، لأن ذلك لو وقع فبالضرورة هو إلغاء للعقل من جذره ، وهذا ما يجعلنا نرى كيف يهوي الإيمان النقلي عند التعرض لضربات أي منطق يستند إلى عقلانية غيرية ، وهذا تماما هو السبب الذي جعل المعتزلة يرفضون دعوة التقليديين للإكتفاء بالاتباع وتعطيل العقل ذلك أنه

1) يبني إيمانا وهمي بالوكالة لا يستقيم إلى باستقالة العقل من دوره وهو ما ينتفي عند العاقل الإنسان والذي جعل عقله له مناط تكليفه.

2) لا يصلح حجة على من عارض الإيمان بالله وكفر به ، وتلك كانت المهمة الكبرى التي نذر المعتزلة لها انفسهم ، فانفقوا جل وقتهم في الدفاع العقلي عن الاسلام وبينوا لغير المسلمين وبالدلالات العقلية صحة الايمان بالله الواحد النزه بالعقل والدليل العقلي إذ لا تصلح الحجج النصية في مثل ذلك الجدل ولا بد بالضرورة أن يقوم الدليل العقلي عليه وهذا ما اخرجه المعتزلة بجهدهم وفكرهم من أن الإيمان بالله الواحد الذي ليس كمثله شيء ضرورة عقلية يستدل عليها بالدليل العقلي سواء كان المادي أو المنطقي .

أما التقليد فلا يصح أبدا طريقا لمعرفة الله حتى إذا استبعدنا من حوارنا من كفر بالدين ، فهو إذ ذاك لا يستطيع استبانة صحة اتباعه وعليه فهو مضطر إما إلى اتباع كل الطرق في معرفة الله أي كل المذاهب لإنتفاء الاختصاص بشرط النص والاعتماد على التقليد وإما أنه لا يقلد أحدا ويعتمد على عقله في النظر والاستدلال وهو ما صح عند المعتزلة ، بهذا ينسف المعتزلة الاتباع من جذوره وينفون الكهنوت في الدين ويقولون أن الانسان ليس بحاجة شيخ ولا طريقة ولا مذهب ليعرف الله ، لا يصلح عندهم أيضا الاحتجاج بذهد الزاهدين ، لماذا؟ لأنه ما من طائفة إلى وفيها زهادها وعبادها "فهو إما أن يقلد زهاد الطوائف جميعا أو أن لا يقلد أيا منهم إذ لا معنى لتقليد بعضهم دون بعض لفقد المزية والاختصاص"(1) .

كما رأينا فإن المتبع لا دليل بعقل لديه لذا فهو لا يدري مكمن الاتباع الحق ولا يملك قدرة التميز التي لا تقوم إلا بالعقل ولذا فإنه أمام أحد اختيارين إما أن يتبع الجميع بدون استثناء وهو ما لا يمكنه وإما أن لا يتبع ويعتمد على عقله وذلك هو طريق الاعتزال في المعرفة .

ثانياً : طريق الأخذ بالكثرة على القلة:
أي طريق اتباع ما لقينا عليه الكثرة ورفض ما وجدنا عليه القلة ، طبعا هو فاسد ليس فقط لفساد الاتباع كطريق كما سبق بيانه وإنما أيضا لفساد الاستدلال بالكثرة على الصحة ابتداء "فلا يأمن المقلد من أخطاء المقلدين" (2) والله عز وجل يقول {وأكثرهم للحق كارهون}(3) ويقول :{وقليل من عبادي الشكور}(4) ، والأشد من كل الادلة ثقة في نكران الصحة فيما مالت له الأكثرية بالضرورة هو أن الأكثرية كان تعارض الرسول صلى الله عليه وسلم حين كان فردا في دعوته فهل كان الأكثرية على الحق ؟! بل أن المشركين كانوا يحتجون عليه بالكثرة التي خالفها ، وكثيرا ما تجد اليوم من يقول لك هذا رأي أغلب المسلمين فمخالفتك له خطأ وخرق للإجماع ، ولذا تجد المعتزلة ايضا لا تعترف بالاجماع شرط صحة وهو الاصوب بالضرورة لأن الابداع بذاته كسر اجماع في ذاته ولذا وصف المبدع باللامنتمي ولذا ايضا تمسك الاتباعيون واللا عقليون بشعار كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار فيما يرى أهل الاعتزال ما غاير ذلك تماما فقال قائلهم قول المعري:

إني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تأت به الأوائل

وإن جازت الكثرة في الأمر -الأمر هو المفردة الصحيحة كما أرى في الشأن العام لأنها وردت في القرآن دالة على سياسة للأمر العام وليست مفردة حكم الخاصة بالقضاء ومن شائع الاخطاء وقصور فهم القرآن أن تستخدم الآيات التي جاء فيها الكلام على الحكم للدلالة على سياسة الأمر العام ولنا في ذلك مقالات تطول- فهي لا تجوز في الرأي والفكر والاعتقاد لأن هذه إنما ترجح بالدليل ولا ترجح بالكثرة .

ثالثاً : طريق النقل:
في هذه الطريق أحد منازع خلاف المتكلمة الحاد خاصة المعتزلة والاشاعرة فالمعتزلة ترى أن النقل لا يغني عن العقل ولا يقوم عنه بديلا في معرفة الله تعالى ، أكثر من ذلك المعتزلة تستغني عن النقل في معرفة الله وتستوجبه في معرفة عبادته كما يرى القاضي بالتحديد ، فالدليل يقوم على العبد بعقله في معرفة الخالق ولا يقوم عليه دليل في عبادته إلا بالنص ، لذا قرر أن "المعارف بالله ورسوله وشرائعه اكتسابية"(5 ) وهذا ما رفضه الأشاعرة رفضا قاطعا " ذلك أن البراهين العقلي المنطقية إنما تثير الشبهات عند العامة "(6) فالغزالي يرى قطعا أن "كل اعتقاد ما جاء به رسول الله (ص) واستعمل عليه القرآن اعتقادا جازما فهو مؤمن وإن لم يعرف أدلته"(7) ، وهكذا فالاعتقاد يصح عند الغزالي من المؤمن وإن جهل الأدلة بينما لا يصح الاعتقاد إلا بالدليل عند المعتزلة ، للأسف وافق إبن رشد ذلك ضمنيا في رأيه في إيمان العوام وفرق بين وعي العامة والخاصة أما المعتزلة فلا تفرق وتستوجب الايمان بالعقل والدليل ، لأن الايمان بالاتباع باطل عندها ، وأرى ما تراه فلو كان الله ليقبله لقبله من الاتباعية في غير أمة الاسلام ، فبما يفضل الاتباعي المسلم غيره من الاتباعية إلا بصدفة وجوده متبعا للحق ولو حق ذلك لما عدل الله فيه ، وهذا انتقاص للذات الإلهية فكيف يكون الله غير عادل إذن؟ ذلك دليلي على فساد القول بصحة الاتباع والنقل ، فالعقل هو مناط التكليف لا يقبل إلا به ومنه ولو قبل الاتباع من طريق لقبل من غيره ولإنتفت حجة الله على الناس لأن دليله عليهم لا يقوم إلا بالعقل لا بالنقل ولا بالاتباع.
والقاضي عبد الجبار المعتزلي معنا يرى " أن معرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل"(8) وأما ما عدا العقل :"فليس إلا فرع على معرفة الله في توحيده وعدله وهو شأن المصادر الثلاثة الكتاب والسنة والاجماع"(9).

العقل أعلى حجج الله على الانسان في معرفته وما أقام عليه بقرآنه من دليل إلى قال ألا تنظرون وألا تتفكرون ...الخ ولم يقل أبدا ألا تتبعون ألا تنقلون بل هو في جوهر رسالته ثائر على الاتباع والتقليد وعلى الغاء العقل والكهنوت لو كنتم تعلمون،" أما حجة الكتاب ففي معرفة التعبد إليه وحجة النبي في معرفة العبادة" (10) "العقل المقياس الشرطي للحقيقة وهو الطريق الوحيد للمعرفة اليقينية "(11)

أما عند أبي الهذيل العلاف فالبرهان :"النظر في الحوادث من الاجسام ونحوه وملاحظة التغيرات الناتجة عنها مما يؤكد حدوثها ، فالبنظر إلى المُحدَث لا يمكن أن يكون الانسان المُحدِث نفسه ولا مماثل له فهو بالضرورة مخالف لكل المواصفات الانسانية والمقياس المادي وهو الله". ولذا فإن الله قادر قدرة مطلقة لأنها لا تحدها اشراط المادة ولا تجوز عليها قوانين الطبيعة وما يجب بقانون المادة لا يجب على الله ولا يحد قدرته فهي مطلقة ، وعملا بقانون التداعي الذي أعمله المعتزلة هنا تتوالى الدلالات فبكون الله قادر فهو عالم بالضرورة ، وبما أنه قادر عالم فإنه لا آفة فيه ولا يعتريه نقص فهو سميع بصير بسمع وبصر لا يقبل تخيلا ماديا إنما سمع وبصر مطلقان لا يحدان ولا يوصفان إلا بالإطلاق ، فهو مدرك للمدركات ما وقعت ، ولما كان قادرا عالما بصيرا فهو قديم قدم لا يحده زمن لأنه صنع الزمن فلا يقبل هنا منك أن تبتدرني بسؤالك ومتى يقع قدمه من الزمن فينتج أنه يحدث إذا لأنه هو الذي أوجد الزمن فلا يجوز إذا أن نخضعه للقياس بما خلق وهذا من ما يكثر أن يسألنا فيه المتشككين وجوابه كما قلت أن الزمن من مادة الادراك حادث فهو مخلوق لله وكل مخلوق لله بعده لا يقع على الله حكمه وقياسه والعياذ بالله ، وبتقريرنا بقدمه على الزمن فلا يكون جسما أو عرضا ولا يجوز عليه ما يجوز على المادة من صفات كالمجاورة والحلول وسائر التغيرات كالصعود والنزول والارتفاع والهبوط والحلول في المادة والانحدار والانتقال ولا تجوز عليه ايضا الزيادة والنقصان وهو إذا الغني فلا تجوز عليه الحاجة ، ولا يبصر بأداة بصر لأنه لا تجوز عليه خصائص المادة القابلة للإدراك ببصر كما ذهب جمهرة من اتباع المذاهب ، ولا تجوز عليه التثنية لأنها لو وقعت لتمانعا وإن انتفى التمانع فلا تثنية له كما أن التثنية تضعف والضعف لا يجوز على القديم القادر فلا يتفق إذا إلا توحيده .

في حلقتنا القادمة نعرض للصفات عن المعتزلة ما هي وكيف يتصورونها ونخص في البحث صفة الكلام وفيها مبحث خاص عن عقيدة خلق القرآن ومنزلتها العظيمة من عقيدة المعتزلة في تنزيه الخالق وتوحيده.- يتبع -

1- القاضي : شرح الاصول الخمسة ، ص 60-61.
2- القاضي شرح الأصول الخمسة ،ص63.
3- المائدة 103.
4- سورة ص 24 وسورة هود 40 وسورة سبأ 13.
5- القاضي : متشابه القرآن 2/629.
6- أبو ريان : تاريخ الفكر الفلسفي في الاسلام ، ص396.
7- الغزالي : فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة ، ص 204 ، ط. مصر 1961.
8- شرح الأصول ، ص 88.
9- فضل الاعتزال ، ص 138 ، ط. تونس 1974 راجع أيضا : الإمام يحيى ابن الحسين : رسائل
العدل والتوحيد – المقدمة 2/355، ط. مصر 1971 وكذلك : محمد عمارة : المعتزلة 1/30 ، ط. مصر
1971.
10- وهذا رد من القاضي على من تساءل عن مكمن معرفة طريقة أداء العبادة حسب رأي القاضي عبد الجبار.
11- شرح الأصول ،ص 88.




 
  

 
 
 
 





  • التاريخ : السبت 8 ذوالحجّه 1433

الآثار الباقية من المعتزلة. (1)


           

 
 
 
كان مشايخ الاعتزال و أئمّتهم ذوي قرائح خصبة، وكفاءات خاصّة في نضد القريض و ارتجال الخطب. فكان إلقاء الكلام على الوجه البليغ، المطابق لمقتضى الحال، أحد أسلحتهم الفتّاكة في باب المناظرة. ومن المحتمل أيضاً أنّ تسمية علم الكلام به لأنّ المعتزلة هم الأُسس لتدوين علم الكلام بين أهل السنّة، وبما أنّهم قد بلغوا الذّروة والسّنام في البلاغة والفصاحة و إلقاء الكلام، سمّيت صناعتهم بأوصافهم و خصوصيّاتهم، فأطلقوا على منهجهم الفكري لفظ الكلام و علمه. ويظهر ذلك من الرّجوع إلى تاريخ حياتهم، وقد عرفت أنّ واصل بن عطاء مع أنّه كان به لثغة بالرّاء ولكن كان يتجنّب عن الراء في خطبه، فيتكلّم بالقمح مكان البُرّ، والغيث مكان المطر. ولم يكن التفوّق في البلاغة مختصّاً به، بل هو الغالب على أئمّة المعتزلة. فلا عجب لأن يتركوا كتباً قيّمةً في مجالات العقيدة والأدب والتفسير، غير أنّ الدهر لعب بكتبهم، المطاف.
وأعان على حرقها و إعدامها خصماؤهم، فلم يصل إلينا إلاّ النّزر القليل الّذي حفظته الصدفة. و نذكر من آثار المعتزلة ما طبع و نشر، وأمّا المخطوطة منها الموجودة في المكتبات العالميّة فهي على عاتق الفهارس، ولو قمنا به لطال بنا المقام فنذكر المطبوع حسب التّسلسل التّاريخي للتأليف.
1 ـ « المعيار والموازنة » لأبي جعفر الاسكافي ( م 240 )، في فضائل الإمام أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ تحقيق محمد باقر المحمودي، طبع في بيروت / 1402.
2 ـ « درّة التنزيل و غرّة التأويل » له أيضاً طبع في مطبعة السعادة، عام ( 1326هـ ).
3 ـ « البيان و التبيين » لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ( م 255هـ ) في أربعة أجزاء، طبع عدّة مرّات، آخرها طبعة دار الفكر عام 1968.
4 ـ « المحاسن والاضداد » له أيضاً طبع في القاهرة ( عام 1331هـ ).
5 ـ « الفصول المختارة من كتب الجاحظ » جمعها الإمام عبيد الله بن حسّان، طبع على هامش « الكامل » للمبّرد في القاهرة، ( عام 1324هـ ).
6 ـ « العثمانيّة » تحقيق محمّد هارون المصري طبع مصر، واستقصى المحقّق ما بثّه ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة من كتاب ( نقض العثمانية ) لأبي جعفر الاسكافي، فجمعه وطبعه في آخر « العثمانيّة » فجاء الكتاب ونقضه في مجلّد واحد. وتعرّفت على شأن الكتاب في ترجمة الجاحظ.
7 ـ « رسائل الجاحظ » في جزءين، تحقيق عبدالسلام هارون، طبع في القاهرة عام ( 1964م ).
8 ـ « البخلاء » له أيضاً، تحقيق طه الحاجزي، طبع في مصر.
9 ـ « الانتصار » في الردّ على ابن الرّاوندي، تأليف أبي الحسين المعروف بالخيّاط، طبع مع مقدّمة و تحقيق وتعليق للدكتور نيبرج الاستاذ بجامعة ( آبسالة ) في ( مملكة السويد ). وفي آخره قائمة لفهرس الكتب المذكورة في هذا الكتاب أكثرها للمعتزلة يبلغ عددها أربعين كتاباً (1).
10 ـ « فضل الاعتزال أو ذكر المعتزلة » لأبي القاسم البلخي ( م 317 أو 319 هـ ) تحقيق فؤاد سيّد، طبع الدّار التونسية، عام ( 1406هـ ).
11 ـ « شرح الأُصول الخمسة » لقاضي القضاة عبدالجبّار بن أحمد ( 415هـ ). حقّقه وقدّم له الدّكتور عبدالكريم عثمان، المطبوع بمصر، عام ( 1364هـ )، في ( 804 ) صفحة وراء الفهارس وهو أجمع كتاب لتبيين الأُصول الخمسة الّتي تتبنّاها المعتزلة في مجال العقائد.
12 ـ « المغني » له أيضاً، وهو إملاء القاضي لتلاميذه، وقد طبع منه لحدّ الآن أربعة عشر جزءاً وهو في عشرين جزءاً، وقد اكتشفته البعثة العلميّة المصريّة باليمن، وهو أبسط كتاب للمعتزلة في مجال الكلام، والجزء الأخير منه في الإمامة، الّذي نقضه السيّد المرتضى بكتاب أسماه ب ـ « الشافي » ولخّصة الشيخ الطُّوسي، والأصل والملخّص مطبوعان.
13 ـ « تنزيه القرآن عن المطاعن » طبع عن النسخة المخطوطة بدار الكتب المصريّة. له أيضاً ما يلي:
14 ـ « متشابه القرآن » له في جزءين. طبع في القاهرة، دار التراث، تحقيق الدكتور عدنان زرزور.
15 ـ « المجموع المحيط بالتكليف له ».
16 ـ « المختصر في أُصول الدّين » من رسائل العدل والتوحيد تحقيق محمد عمارة.
17 ـ « طبقات المعتزلة » له أيضاً، تحقيق فؤاد سيّد، طبع الدار التونسية، عام ( 1406هـ ).
18 ـ « ديوان الأُصول في التوحيد » لأبي رشيد سعيد بن محمّد النيسابوري رئيس المعتزلة بعد القاضي عبدالجبّار، طبع مصر، عام ( 1968م )، تحقيق محمّد عبدالهادي أبو ريدة، وقد تبعنا في نسبة الكتاب إليه، رأي محقِّق الكتاب.
19 ـ « الطبقتان الحادية عشرة والثانية عشرة من طبقات المعتزلة » لأبي السعد المحسن بن محمّد كلام الجشمي البيهقي ( م 494 هـ )، وكأنّه ذيل لكتاب « طبقات المعتزلة » للقاضي حيث ترجم فيه الطبقتين الحادية عشرة والثانية عشرة من المعتزلة، تحقيق فؤاد سيّد، طبع الدّار التونسية، وهو جزء من كتابه « شرح العيون ».
20 ـ « رسالة إبليس إلى إخوانه المناحيس » له أيضاً، تحقيق حسين المدرسي الطباطبائي، طبع عام ( 1406 )، وقد ألّفه بصورة روائيّة على النهج المعروف اليوم.
21 ـ « تفسير الكشّاف » للشّيخ محمود بن عمر بن محمود الزمخشري ( م 538 هـ ) وقد طبع عدّة مرّات، وهو أحد التفاسير الّتي يرجع إليها جميع المسلمين في الوقوف على بلاغة القرآن، ولا يزال إلى اليوم ينظر إليه كأحد التفاسير المهمّة، وقد أدرج في تفسيره حسب تناسب الآيات آراء المعتزلة و أخضع الآيات لتلك المبادىء. وله أيضاً ما يلي:
22 ـ « أساس البلاغة » في اللّغة، طبع في مصر.
23 ـ « أطواق الذهب في المواعظ والخطب » تحتوي مائة مقالة في النصايح، طبع في مصر و بيروت و استنبول.
24 ـ « عجب العجاب في شرح لامية العرب » طبع في القاهرة و استنبول.
25 ـ « الانموذج » طبع في ايران مع شرح عبدالغني الأردبيلي.
26 ـ « الجبال و الأمكنة والمياه » طبع في ليدن.
27 ـ « ربيع الأبرار و نصوص الأخبار ».
28 ـ « الفائق في غريب الحديث » طبع في حيدرآباد.
29 ـ « الكلم النوابغ أو نوابغ الكلم » طبع في القاهرة و بيروت.
30 ـ « المفصّل في صناعة الإعراب » طبع في مصر و غيرها.
31 ـ « مقدّمة الأدب » في اللّغة، طبع في ليبسيك.
32 ـ « شرح نهج البلاغة » لعز الدين عبدالحميد بن أبي الحديد البغدادي المدائني ( م655هـ ) وهو أعظم الشّروح و أطولها و أشملها بالعلوم والآداب والتّاريخ والمعارف، ألّفه لمؤيّد الدّين محمد بن أحمد بن العلقمي وزير المستعصم بالله آخر الخلفاء والملوك العبّاسيّين، وكان له كتب فيها عشرة آلاف مجلّد من نفاس الكتب (2) طبع في عشرين جزءاً بتحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم في القاهرة.
33 ـ « طبقات المعتزلة » لأحمد بن يحيى بن المرتضى أحد أئمّة الزّيدية، ولد عام ( م 764هـ ) وتوفّي بظفار عام ( 840هـ )، وهو جزء من كتابه الآخر « المنية والأمل » في شرح كتاب الملل والنحل.
34 ـ البحر الزخّار دورة فقهية على مذهب الإمام زيد طبع في ستة أجزاء.
35 ـ « كتاب الأساس لعقائد الأكياس » تأليف القاسم بن محمّد بن علىّ الزيديّ العلويّ ( م 1029هـ ). حقّقه و قدّم له الدكتور البيرنصري نادر، طبع دار الطليعة بيروت، عام 1980.
36 ـ « العلم الشامخ في إيثار الحقّ على الآباء والمشايخ » للشيخ صالح المقبلي ( م 1108 هـ )، طبع القاهرة عام ( 1331هـ ) (3).
هذه هي المعتزلة و تأريخها، هذه تعاليمها و مشايخها و آثارها، فمن أراد الكتابة عن المعتزلة فعليه الرجوع إلى هذه المصادر وإن كانت قليلة، لكنّها تغنيه عن الرجوع إلى كتب خصمائهم كـ « الفرق بين الفرق » للبغدادي، فإنّه أخذ ما أخذه عن خصمهم ابن الراونديّ فنسب إليهم فى كتابه فضائح لا يمكن الرّكون عليه، فإنّ الخصم لا يصدّق في النّسبة والنقل.
نعم، كان انقراض المعتزلة انهزاماً لدعاة الحرّيّة و انتصاراً للتحجّر و تقوية لقوى الجهل والأُميّة، ولو كانت الحرّيّة سائدة على الأُمّة الإسلاميّة لكان الوضع غير ما نشاهده بين الأُمّة، والحكم لله العليّ القدير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ هذا هو البحث الثاني الذي وعدنا به في صدر خاتمة 1 ـ الانتصار: قسم الفهرس، ص 249 ـ 252.
2 ـ مقدمة نهج البلاغة، بقلم المحقق.
3 ـ ولعل الفائت منّي أكثر من المذكور، والتكليف على حدّ المقدور، وقد اكتفينا بذكر ما وقفنا على المطبوع من كتبهم، أمّا المخطوط منها فحدّث عنه ولا حرج، يقف عليها من راجع فهرس مخطوطات المكتبة المتوكلية في جامع صنعاء باليمن، وقد صور أكثرها دار الكتب المصرية ونشر قسماً كبيراً منها.
 
 
 
المصدر: « بحوث في الملل والنحل الجزء الاول » « الاستاذ جعفر السبحاني»





Aucun commentaire: