vendredi 3 juillet 2015

هل جاء الرسول ۖ للناس بالذبح؟







هل جاء الرسول ۖ للناس بالذبح؟

من الأحاديث العمدة في العنف وقتل الناس بغير حق ما يُستشهد به من حديث النبي ? "لقد جئتكم بالذبح"، وهذا الحديث يجب الوقوف على فقهه ومعرفة مغزاه، وسبب وروده والمخاطبين به، وهل هو عام أم خاص، حتى يمكن لنا أن ندرك فهم السنة النبوية ومراد الرسول ? حتى لا نلصق بالدين ما ليس منه، وندعي على الرسول ? مالم يقله.
نص الحديث:
عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشا، أصابت من رسول الله ۖ  فيما كانت تظهر من عداوته ؟ قال:
حضرتهم، وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله ۖ  ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا. لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا. قال: فبينما هم كذلك، إذ طلع عليهم رسول الله ۖ ، فأقبل يمشي، حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول. قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فلما مر بهم الثانية، غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها. فقال: تسمعون، يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وطأة قبل ذلك، ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف، يا أبا القاسم، انصرف راشدا، فوالله ما كنت جهولا. قال: فانصرف رسول الله ۖ ، حتى إذا كان الغد، اجتمعوا في الحجر، وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك، إذ طلع عليهم رسول الله ۖ ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به، يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم. قال: فيقول رسول الله ۖ : نعم، أنا الذي أقول ذلك. قال: فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه. قال: وقام أبو بكر الصديق ۖ  دونه يقول، وهو يبكي: "أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله"؟ ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا بلغت منه قط.
تخريج الحديث
الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأخرج البخاري في صحيحه بعضا منه، وابن حبان في صحيحه، والطبراني وغيرهم
أقوال العلماء عن سند الحديث
قال الإمام الهيثمي: "رواه الطبراني في الأوسط والكبير إلا أنه قال من جلس مكان كبس، وأبو يعلى باختصار يسير من أوله، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. وعن عائشة قالت قال رسول الله ۖ  ما زالت قريش كافة عني حتى مات أبو طالب. رواه الطبراني في الأوسط وفيه أبو بلال الأشعري وهو ضعيف. وعن أبي هريرة قال لما مات أبو طالب تحينوا النبي ۖ فقال ما أسرع ما وجدت فقدك يا عم. رواه الطبراني في الأوسط عن شخص لقي ابن سعيد الرازي قال الدارقطني ليس بذاك، وعيسى بن عبد السلام لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
وقال عن رواية عروة: رواه أحمد وقد صرح ابن اسحق بالسماع، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وقد حسن الإمام الألباني رواية أحمد، وقال عنه أحمد شاكر في تحقيقه لمسند أحمد: "إسناده صحيح" .
فقه الحديث
وتستدل بعض الفئات بهذا الحديث على مشروعية القتل، سواء أكان قتل غير المسلمين، أو المسلمين المخالفين لهم في بعض القضايا الفقهية التي يرون أنهم على صواب فيها، وغيرهم على باطل، والحجة في هذا أن النبي ۖ جاء بالذبح والقتل، كما يفهمون من ظاهر الحديث.
وهذا يجرنا إلى بعض ضوابط التعامل مع السنة، وعلى رأسها فهم السنة في سياق القرآن الكريم، بحكم أنها مبينة وموضحة ومفسرة له، ومنها أيضا فهم السنة حسب قواعد اللغة العربية، ففي اللغة العربية الحقيقة والمجاز، والمطلق والمقيد، والخاص والعام، ولهذا ورد أن الشعر ديوان العرب، وأن كثيرا من المفسرين كانوا يرجعون إلى اللغة العربية في فهم النص القرآني، وكذلك النص النبوي.
ومن ضوابط فهم السنة فهم المعاني التي وردت الكلمة فيها في سياقات مختلفة، ولهذا نظير في القرآن الكريم، كما فعل الإمام السيوطي حيث كان يأتي بالكلمة ومعانيها المتعددة مستشهدا بمواطن من القرآن الكريم.
وقد جاءت كلمة الذبح وتحمل عددا من المعاني وكلمة "الذبح" لها معان متعددة، أهمها:
الأول: أن الذبح جاء بمعنى قطع العروق من موضع الذبح من الحلق بالسكين.
الثاني: أنه جاء بمعنى الهلاك، وهو مجاز، ومنه قول النبي ۖ في ولاية القضاء: "من جعل قاضيًا، فقد ذبح بغير سكين" .
الثالث: أن الذبح جاء بمعنى التزكية، ودلالته قول النبي ۖ : "إن الله ذبح كل ما في البحر لابن آدم" .
ومنه ما جاء في الأثر: "كل شيء في البحر مذبوح" .
الرابع: كما جاء الذبح بمعنى الاستحالة، وقلب الشيء المحرم إلى مباح الإحلال: ومن ذلك حديث أبي الدرداء : "ذبح الخمر: الملح، والشمس، والنّينان". والمعنى: أن وضع الملح والسمك في الخمر مع وضعها في الشمس يذبحها، أي يحولها خلاً فتصبح حلالاً.
والراجح من تلك المعاني السابقة أن المشركين وقد غمزوه  وعابوه، وشتموه، وهو يطوف بالبيت؛ فمن المقبول أن يهددهم بالهلاك: بأن يدعو الله عليهم كما فعل بعض السابقين من الأنبياء.
ومن المقبول أيضاً أن نقول: إنهم إذ فعلوا ذلك وقف  وأخبرهم بحقيقة رسالته، وأنها لا تستأهل ما قابلوه به فهو إنما جاءهم بالتزكية والتطهير مما هم فيه من الشرك، وبتحليل الطيبات وتحريم الخبائث .
وأشد ما يكون المعنى هو أن قوله: "أتيتكم بالذبح" هو مثل قول المسيح ¬عليه السلام¬: "ما جئت لألقي سلاماً على العالم بل سيفاً". والمراد قتال المجرمين أعداء الرسل والرسالات، والذين يقفون بقوتهم في وجه الإصلاح ويحاربون أتباع الرسل ويريدون استئصالهم، ولذا قال الله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدو}(البقرة:190). فمن اعتدى على الرسل وأتباعهم فسيواجه عدوانه وظلمه بما يردعه
وقد وجه بعض الباحثين هذا الحديث بعدد من التوجيهات، هي:
أولاً¬ إن الحديث ليس عاماً بأي حالٍ من الأحوال، لأن صيغه كلها مصدرة بقوله ۖ : "يا معشر قريش"، فهذه الصِّيغ ابتداء تنفي حمله على العموم المطلق، كما يذهب إلى ذلك من أراد أن يذهب.
ثانياً ولا نستطيع أيضاً أن نحمله على العموم المقيد، أي أن الحديث عاماً في قريش، فالوعيد يكون ثابت في حقهم جميعاً، وذلك للأسباب التالية:
1 إنه ثبت يقينا أن النبي ۖ  لم يُبعث بالذبح لا إلى قريش ولا إلى غيرها، بل إن محكم القرآن وصحيح السنة يقفان بوجه من يفسر خلاف ذلك، إذ ان الله تعالى قال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107)، وذكر الطبري آراء المفسرين في هذه الآية، على أن المراد بها رحمة للمسلمين فحسب، أم رحمة للناس أجمعين مؤمنهم وكافرهم، ومال إلى ترجيح رأي ترجمان القرآن ابن عباس من أنه ۖ  بعث رحمة للناس جميعهم كافرهم ومؤمنهم.
وهذا يؤكده قوله ۖ : "إنما أنا رحمة مهداة"، وكذا سلوكه ۖ  الذي يتناقض مع فكرة الذبح، كعدم تعجله العذاب لقومه، والدعاء بالهداية لهم، وعدم الدعاء عليهم.
2 ما ثبت كونه كان أشد رحمة على قريش من رحمته على من سواها، بدليل ما حصل يوم فتح مكة، من قوله ۖ  لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، ومن قوله ۖ  لأصحابه "لا تجهزوا على جريح، ولا تتبعوا مدبراً".
أنه عندما كان النبي ۖ  في أشد لحظات الكرب والشدة عندما رجع من الطائف على الحالة التي رجع فيها، وجاءه ملك الجبال منتظراً إشارة منه ۖ  ليُطبق عليهم الأخشبين قال: "بل أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً"، فلو كان أُرسل لقريش بالذبح لكانت هذه فرصة سانحة، بل ومؤيدة، ولكنه لم يفعل لتعارض هذا مع أصل رسالته ۖ .
4 كان كثيراً ما يردد: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" برغم إيذائهم له، فلو كان أرسل لهم جميعاً بالذبح لدعا عليهم لا لهم.
ثالثاً إن المدقق في الحديث يرى أنه خاص بأشخاص بأعيانهم، ولسنا بحاجة إلا لقليل من التدبر لنعرف هذا، وهذا نراه في الروايات الأخرى، بل في هذه الروايات التي تم الاستشهاد بها كما في إحدى الروايات عندما قال له أبو جهل بعدما أخذته الرعدة من قول النبي ۖ : يا محمد ما كنت جهولاً ؟ فأجابه النبي ۖ : "أنت منهم"، أي: أنت ممن يُذبح، مما يدل على أنه خاص بأناس محددين معروفين.
رابعاً: لو أردنا أن نحمله على العموم المطلق "للناس كافة"، أو للعموم المقيد أي لقريش فقط فإن الواقع يعارضه، لأن النبي ۖ  لم يُبعث بالذبح لا للناس جميعاً، ولا لقريش وحدها، وهذا بيِّنٌ ظاهر من سيرته ۖ ، وهذا ينافي كونه من دلائل النبوة أيضاً، ولهذا قلنا إنه خاص بعدد محدود من الكفار، وهم السبعة الذين عدهم النبي ۖ ، وعرفت أماكن مصارعهم في بدر .
وإن كانت هذه توجيهات حديث النبي ۖ ، فإن أهم ما يؤخذ منها هو إدراك منهج التعامل مع السنة النبوية، وعدم التسرع في أخذ المعنى الظاهر، والرجوع إلى شراح الحديث وما دونه علماؤنا الأقدمون من مراد النبي ۖ  من أقواله، حتى نقف جيدا على مراد النبي ۖ دون أن نَضِل أو نُضل.
نسأل الله تعالى أن يفقهنا في ديننا، وأن ينفعنا بسنة حبيبنا ۖ .

Aucun commentaire: