mercredi 10 août 2016

رواية [ أشواك ] لسيد قطب ..!



 



رواية [ أشواك ] لـ / سيد قطب ..!




عنوان الرواية : أشواك

المؤلف : سيد قطـب

دار النشر : دار سعد

* لم تُطبع إلا مرة واحده فقط عام 1947 .. تحوي 148 صفحة ..
 مقسمة إلى ثلاثة عشر فصلا .. وذات حجم متوسّط .


إهداء :

إلى التي سـارت معي في الأشواك ، فدميت ودميَت ،
وشقيتُ وشقيَت . ثمّ سـارت في طريق وسرتُ في طريق :
جريحين بعد المعركة . لا نفسها إلى قرار . ولا نفسي إلى
استقرار . . .



...................................... سيد قطب .........



.. أشواكـ ..




حينما أمسك بيدها ليلبسها خاتم الخطوبة ، في حفل من الأهل والأصدقــاء ، وفي ضوء الأنوار الساطعة ، وعلى أنغام الموسيقى في الحجرة المجاورة ... أحس بيدها ترتعش متقلّصة في يده ، ونظر فإذا دمعة تند من عينيها .

شعرَ بشوكة حادة تنغرز في فؤاده ، وغامت الدنيا في عينيه ، وتوقّع شراً غامضاً يوشك أن ينقضّ ، بل شعر بالكارثة تظلله ، وتغشى حياته . ولكنه تماسك ، وأسرع يدعوها إلى المقصف المعد في مكان آخر ، غير ملتفت لدعوة المدعوين !
وهنـاك – قبل أن يحضر أحد – نظرَ في عينيها المغرورقتين ، فإذا هي تحاول بشدّة أن تبتسم ، وتحاول أن تبدو خفيفة رشيقة كعهدها في غالب الأحيان .
أمسك بيديها بين يديه ، وحدق في وجهها ، وهو يقول :
= ماذا ؟
قالت :
= لا شيء !
قال :
= بل هناك أشياء .. ويجب أن أعلم هذه الأشياء .
قالت :
= أوه ! قلت لا شيء . ثم اسكت لقد بدأوا يحضرون !
قال :
= أسكت .. على أن تعديني بكل شيء بعد انصرافهم
قالت :
= وهو كذلك !
وكانوا قد أقبلوا يتغامزون ، فسحبت يدها من يده ، متظاهرة بالدلال والخفة ، كأنما كانا يتناجيان ويتعابثان في غفلة من عيون الرقباء .




***


قالت في لهجة مناورة :
= ولماذا تصر على أن هناك شيئاً ؟ ألا تتأثر الفتاة ، وهي تقف في مفترق الطريق بين عهدين ؟
قال في لهجة جادة :
= اسمعي يا سميرة ، إنني أعرفك جيداً ، ولم تعد خافية منك تخفى عليّ ، ولقد لاحظت تلك النوبات التي تفجؤك وأنت معي في أبهج اللحظات ، وهي علامة لا تخطيء على أن هناك شيئاً . ثم إنني أحبك ذلك الحب الذي تعرفينه ، وإن بين قلبي وقلبك تلك " الشيفرة " الخفية ، التي تجعل لكل دقة في فؤادك صداها القوي في فؤادي ، فلا تحاولي أن تغالطيني أو تغالطي نفسك ،بعد اليوم .


فارقتها ابتسامتها ، وخذلها تماسكها ، وغامت على وجهها سحابة من الأسى ، وقالت في صوتٍ غائر كأنما ينبعثُ من أعماق هاوية :
= أعلم أنك تحبني فوق مقدور الإنسان ، وهذا ما يعذب ضميري .
ثم سكتت سكته رهيبة فتناول يدها في صمت ، وهو يحس هول العاصفة تجتاح نفسها فتحطمها وتوشك أن تجتاح حياتهما جميعاً ، وحدّق بشدة في عينيها ونظر إليها مستزيداً !
قالت :
= اغفر لي أن أقول لك كل شيء . إنني أثق بك ثقة عميقة ، وأشعر بمقدار حبك لي ، ولو فتشت في قلبي لوجدت لك مثل هذا الشعور فيه . ولكن هنالك في ضميري أشواكاً سأضع عليها يدك ، وأترك لك التصرف فيها كما تريد ...
قال :
= قولي كل شيء ولا تخـافي !
قالت :
= لقد عزمت أن أقول ....................


***


....... في نهاية قصتها كانت تقول ، وهي تهتز وتختلج : (( وهذه الدمعة التي رأيتها لم يكن منها بد . كنتُ أشيّع بها عهداً عزيزاً . كان اللحن الموسيقي من حولي هو لحن الجنازة ، أشيع به نعشه للمرة الأخيرة ..... والآن لقد انتهى ............. )) !


وحينما بلغت القصة إلى هذا الحد كان قد اعتزم في نفسه أمراً ، لا يدري كيف اعتزمه ، ولا بأي شعور اتجه إليه . كان الفارق بينه وبين فتاته عشر سنوات ، ولكنه أحس في هذه اللحظات القصار أنه يشيخ . وكان يحبها حبا عنيفاً مجنونا ، ولكنه أحس في هذه اللحظات القصار أنه يحبها حبا سماويا شفيفاً . وكان شديد الغيرة متوفز الإحساس . ولكنه أحس في هذه اللحظات القصـار أنه فوق العواطف البشرية ، وفوق غرائز الإنسان .


قال في صـوت خفيض رتيب رهيب :
= يا بنيتي . إنني أعطف عليكما ، فاعتمدي علي وسأساعدكمـا !
قالت في دهشة :
= تساعدنا ؟ وكيف ؟
قال في توكيد :
= ستكونين له !
قالت في ذعر :
= وأنت ؟
قال :
= سأكون لك منذ اليوم أخا وصديقاً !
قالت :
= وتضحي حبك لي كله ، وماضيك معي كله ، وجهدك من أجلي كله ؟
قال :
= نعم أضحيه . ولا زلت على استعداد لغيره من التضحيات . أضحيه وأنا أعلم أنني ضحيت بالحياة !

قالت مبهورة :
= يا الله : إنك نبيل . بل أنت أنبل من إنسان .....


وحينما آوى إلى فراشه ! انجلى عنه هذا الخُـمار المريح ، وتنبّهت أعصـابه ، وواجه كأنما هوّة تنفتح بين قدميه ، وفجوة تفصـل شطري حياته ، ومدى من العمر لا يقاس بالآباد !


لقد بنى في أحلامه عشهما المنتظر ، ولقد مضى بخياله يطوي الأيام ، ولقد عاش هذه الأحلام عيشة الواقع ، واستغرق في هذا الخيال ، حتى لم يعد يفرق بينه وبين الحقيقة !
فأين هو الآن من هذه الأحلام ؟


لقد أحسّ بالطعنة ، وعرف انه فقد الحلم القديم : حلم الحورية الهاربة التي سيقودها مغمضة العينين إلى العش المسحور . بعد أن عاش في هذا الحلم عامين كاملين ، وبعد أن سحر بها منذ اللقاء الأول ، وأعدّ نفسه وأحاسيسه كلها لارتقاب اليوم الموعود .
وجد نفسهُ يبكي ..
ثم أدركته رحمة الله فنـــــــام .



.



.



.. وكان الصبـاح ..






وصل إلى مكتبهِ في الصباح – ولا يدري كيف وصل – ، لم يلق باله في هذا اليوم إلى شيء في الطريق . تم كل شيء كما تتم الحركة الآلية .

وكان يبدو على مظهره السكون والاستسلام والانقياد ، لم يكن له رأي ولا هدف ولا اتجاه . صحا فذهب إلى مرافق المياه ، ولبس ملابسه في صمت ، وانطلق إلى الطريق فركب القطار ، وجلس في مقعده ، ووصل إلى الديوان ..!

وقال أحد زملائه في المكتب :
= خير إن شاء الله . مالك يا فلان ؟
فافترت شفتاه عن ابتسامة مغتصبة ذابلة وقال :
= خير ! لاشيء ! أترى شيئاً ؟
قال زميله :
= ألمح عليك الإجهاد . لا بد أنك كنت سهران !
قال :
= أي والله ! كنتُ سهران !

ثم انصرف الزملاء إلى أحاديثهم اليومية التافهة ، وانصرف هو إلى نفسه ، لا يحاول حتى أن يتكلف فيتجمل أمام الزملاء .
كان لا يحس بأي أحد ، بل لم يكن يحس بالمكان !

ودق جرس التليفون . فإذا بالموظف القريب يناديه . وصحا فجأة فاختل توازنه ، وهو يلبي النداء وأمسك بالسماعة ، وفي يده بقية من اضطراب .
قال : آلـو ...!
قالت :
= آلو . أنت سامي ؟
قال ولم يدرك بعد شيئاً :
= نعم يا سيدتي !
قالت في لهجة مرحة مستخفّة :
= أتعرف من التي تكلمك ؟
ولم يكن يدري صوتها في التليفون ، ولكنه وجد في نفسه بعض الانتعاش على كل حال .
قال :
= لا . من أنت ؟
قالت :
= سميرة !

نسي أنه في الحجرة بين زملائه . وأحس بالوحدة والانفراد ، بل غابت عنه معالم المكان والزمان ! وارتجفت كل ذرة في كيانه وحاول أن يقول أشياء كثيرة لا يدريها ، فاضطربت في دمه الكلمات . وأخيراً فتح الله عليه بجملة تافهة بعد مضي لحظات :
= صحيح ؟ أنت سميرة !
قالت وقد جلجل صوتها بضحكة عذبة ، نفذت إلى ذرات جسمه وحناياه :
= والله أنا ! ألا تصدق ؟
قال وقد استردّ شيئاً من إرادته ونفسه :
= إن صوتك رائع في التليفون !
قالت مشرقة مبتهجة :
= صحيح ؟
قال :
= والله !
وخاف ألا يجد ألفاظاً ، وألا يهتدي إلى موضوع يطيل به الحديث ، فقال :
= وأين أنتِ الآن ؟
قالت :
= أتكلم من صيدلية في العتبة .
فاستمر في هذا الحديث التافه الذي هو أبعد ما يكون عما يريد أن يقول :
= وإلى متى ستمكثين هناك ؟!
قالت :
= إنني عائدة إلى البيت الآن .
وأغلق عليه الحديث . فصمت لحظة . وبحث عن موضوع جديد ، أو عن طريقة لإنهاء المحادثة ، فلم يفتح الله عليه بشيء . فما أنقذه إلا صوتها هي ، تراجع الحديث :
= .... وستأتي الليلة ؟!
قال في توكيد ظاهر :
= طبعاً ! متى يحسن أن أجيء ؟
قالت :
= في أي وقت . ولكن حـذار ألا تأتي !
قال في نشوة وخفة :
= لا آتي ؟ وكيف ؟ سأكون عندكم في الساعة الخامسة .

وفي هذه اللحظة تنبه إلى أنه بين زملائه . فأراد في محاولة ساذجة أن يبعد عن نفسه الريب ، وعنها هي أولا! وإن لم يعلم أحد من تكون ! قال :
= أخبري (( بابا )) أنني سأحضر في هذه الساعة !
قالت :
= هو بطبيعته يكون موجوداً ... سعيدة !
قال :
= سعيدة .. إلى اللقــاء .


***

ووضع السماعة ، وهو في نشوة حقيقية كالتي يحدثها الشراب . كان يحس أن وجهه يلتهب وأنفاسه تفور ! وكان يحس أن كيانه يختلج ، وأنه لو سار لتلجلجت خطاه .

وقال زميله الذي لقيه في الصباح :
= يبدو أنها محادثة سارة . لقد أشرق محياك !
قال وهو يتلعثم ويضحك ويضبط شفتيه في آن :
= نعم ( وبلا سابق إنذار ) .... إنها خطيبتي !

وأثار هذا التصريح عاصفة بين الزملاء : قال أحدهم : مبروك ! . وقال الآخر : لم تدعنـا إلى الحفلة ! . وقال الثالث : ولا أخذنا (( الملبس )) ! وقال أحدهم : والله وقعت يا أخانا في النهاية ، وجاءت رجلك ! . فرد عليه زميله : اسكت .. المهم أن لا تفوتنا الحفلة الثانية ولا (( الملبّس )) !

ووجد نفسه يقول في دعابة وبشر وانطلاق :
= اطمئنوا .. فلن يفوتكم شيء إن شاء الله .

وكانت هذه الفترة وتلك الضجة ، كفيلتين باسترجاع اتزانه . فتحرك يغادر الحجرة لا يدري إلى أي اتجاه . ولكنه يسير بخطوات سريعة قافزة نشيطة ، يقطع المشي الطويل أمام الحجر حيث لا يتبيّن له قصـدا ، فيرتد يقطعه كرة أخرى !


***

وثقلت عليه ساعات الديوان – وإن كان غير مقيد بالمواعيد – فظل يغالب رغبته في الخروج – وإن كان لا يدري إلى أين يخرج – حتى بقى على الموعد الرسمي ثلاثة أرباع الساعة . وهنا أفتت منه أعصابه ، واستعصى عليه البقاء . فخرج إلى الفضــاء !

وحينما وجد نفسه خارج الديوان ، واجهته مشكلة الاتجاه : أين يذهب الآن ؟ إلى منزله ليتناول الغداء ، ثم يعود في الميعاد !
وسار بضع خطوات ، ولكن جـاذبا قويا كان في نفسه يشده عن المسير ، فعاد أدراجه حتى وقف أمام الديوان ...

ولم لا يتغدى في المدينة ، ويستريح في مقهى ، حتى يأتي الميعاد ؟
واندفع في هذا الاتجاه .. وشعر بأنه استراح إليه ! إنه هنا في المدينة يكون قريباً من الدار !

وأحس انه سعيد .. وغابت عن حسه الأشواك . وسـار في خطوات خفيفة ، مشرق النفس ، نشيط الجسم ، مفتح الحواس .

وفي مطعم يعتاده حين يتخلف في القاهرة ، تناول غداءه بنهم ، وإن لم يشعر بما يذوق . ثم انتقل إلى مشرب هـاديء يستريح إلى هدوئه . وجلس يرتقب الميعاد .

ولكن الساعة لا تزال الثالثة . وأمامه ساعتان طويلتان . فأين ينفق ذلك الوقت الطويل ؟ وثقل عليه الزمن – كما ثقل عليه الطعام – وفارقه نشاطه وخفته ، وبدأ يجثم على صدره نوع من الكآبة تسرب إلى نفسه من حيث لا يدري . وفي هذا الجو الذي استحال كامداً بعد فترة ، أخذت تتوارد على خواطره صور الأمس القريب : يداها وهي ترتعش في يده ، ودمعتها تندّ من عينيها ، وخلوتها بعد انصراف المدعوين ، واعترافها له بالأشواك ، فيشعر بهوة عميقة تفصل بينه وبينها . وهنا يحس بيد تقبض أعصابه وتضغطها ، فينتفض كمن يريد الخلاص .

ويثقل عليه جو المكان وهدوؤه ، والظلال التي تبعثها الأنوار الملونة المضاءة نهاراً في الركن الذي آوى إليه ، ويحس انه يلتقط أنفاسه بصعوبة ، فينتفض واقفاً كما يفاجأ بخطر ، ويتناول أوراقه وجرائده ، ثم ينطلق مسرعا إلى الشارع ، كالذي يفر من شيء مخيف ! ثم يسير في الطريق خطوات سريعة بعض الشيء ، ثم يهديء سرعته قليلاً ، وهو يتطلع إلى بعض واجهات المتاجر الزجاجية في غير انتباه .

وفجأة يقف أمام دكانة روائح عطرية ، ويتفحص الزجاجات الأنيقة ، فتعجبه إحداها . وفجأة تهتف به خواطره بأن يختار واحدة منها هدية ، فيدب في كيانه النشاط المرح ، وتنجلي عنه الغمرة الثقيلة ، ويشعر في جسده بالخفة والانتعاش .

ولم يطل لحديث بينه وبين البائع . فقد اختار زجاجة على هيئة قلب ، من عطر فرنسي قديم التعبئة ( كما كتب على الزجاجة ) ونقده الثمن المرتفع بعض الشيء ، وأخذها في علبتها الأنيقة وخرج ....


خرج فرحان كالطفل باللعبة الجديدة . وسار وفي يده الزجاجة يمسكها بحرص واحتراس . واندفعت خطواتته مرحه نشيطة قافزة . ولكن إلى غير اتجاه ...

كان سائراً في الشارع وهو نشوان ، فكان كالمفاجأة له أن ينظر فيرى الترام الذي يركبه إلى هناك ، وكاد يقفز لولا أنه استيقظ إلى أن الموعد بعيد . فترك الترام يمضي وفي نفسه شوق ملهوف !


***


وبعد خطوات وجد مقهى مطروقاً ، ووجد نفسه يجلس إلى مقعد فيه ، كالذي طال عليه السرى فألقى بجسمه ليستريح . وطلب شايا ، فأحس بعد تناوله بالنشاط واليقظة .. ونظر ساعته فإذا هي الرابعة إلا ربعاً . بقيت ساعة وربع .. والطريق لا يستغرق أكثر من نصف ساعة . واستثقل الزمن الباقي . فقام يمشي .

وفي هذه المرة لم يستطع أن يغالب جاذبية الترام حينما جاء مرة أخرى ، فقفز في وسط المحطتين ، وآوى إلى مقاعد الدرجة الأولى الخالية . لقد كان يحس دائما وهو ذاهب إلى هناك أنه أعز من أن يندس في غمار الجماهير !

وعندما كان في محطة المنزل كانت الساعة بالضبط الرابعة والربع . وكان يحرص على أن يبدو هادئاً مضبوطاً في تصرفاته وأقواله . يداري بهذا المظهر ما يضطرب في نفسه من نوازع وهواتف واندفاعات ، فعز عليه أن يخلف ميعاده ، وأن يزعجهم قبل الميعاد ، فراح يتمشى !

وكان قريبا من المنزل فضاء فسيح ، يحمل له في نفسه بعض الذكريات . لقد كان يسكن هنا قبل عشرة اعوام ، وكان يومها فتى يافعا ، كان هذا الفضاء الفسيح يعجبه فيجول فيه ، حيث يخلو إلى الهواء والفضاء ... والشعر في بعض الأحيان !

راح ينقل خطوه في هذا الفضاء ويجوس خلاله ، وخلال الذكريات التي استطاعت أن تطغى على الحاضر بكل ما فيه .

وحينما انتبه . وجد الساعة الخامسة إلا دقائق معدودات . فأبهجه هذا ونشطه ، وانطلق يغذ السير ويسرع الخطوات في اتجاه الدار !



.



.



.. صراع ..




استقبلته مشرقة متهللة كأن لم يكن بالأمس شيء ، واستقبله الجميع في ابتهاج ، وقدم لها زجاجة العطر الثمينة . وبدلاً من أن يزيد هذا في إشراقها وتهللها . لاحظ في يدها رجفة وهي تتناول الهدية ! فانقبضت نفسه ، وتذكر خاتم الخطوبة ! وغاض البشر في وجهه على الرغم من تظاهره بالبشاشة .

ولم يلحظ أحد من أهل المنزل شيئاً مما حدث . بل بدا عليهم وعلى الأم خاصة نوع من الاستبشار المتخفف الطليق . كانوا قوماً طيبين ، لا تنطوي نفوسهم على شيء من التركيب والتعقيد . وكانوا مغرقين في ثقة مريحة بمستقبل ابنتهم السعيد ، مع هذا الشاب الودود . وكانت ألفته بهم قد توثقت خلال فترة طويلة ، فعاد فرداً من الأسرة ، موثوقا به كل الوثوق ، محبوباً من كل فرد في المنزل ، حتى من كلبهم الصغير الذي كان يبصبص له بذنبه ، ويتواثب على قدميه ، يشاركه في ذلك أخواها الصغيران !

وانطلق الجميع إلى لون من ألوان الحديث المرح اللطيف ، يناسب جو الخطوبة السعيدة ! ثم أخذ الجميع ينسحبون واحداً إثر واحد ، ليخلو الجو للخطيبين السعيدين !



***


قالت – بعد أن خلا بهما المكان – وقد علا وجهها نوع من الجد والكآبة :
= اسمع يا سامي ... أرجو أن لا تحضر لي شيئاً من الهدايا !
وأحس لهذا الحديث بوقع الشوك المسموم ، فقال في ألم يخفيه :
= ولماذا يا سميرة ؟
قالت :
= لا أستحق !
قالتها في وجوم ثقيل ، وفي همود حسير . وطأطأت رأسها إلى الأرض كأنما هي آخر كلمة تقال !

قال :
= اسمعي . إنني لا أستريح لمثل هذه الكلمات . فهل لديك حديث آخر ؟ من فضلك أنا لست في حاجة إلى المزيد .
ولمحت في وجهه مرارة ، وفي قسماته وجوماً . فحاولت أن تغير الجو بابتسامة مغتصبة .ولكنها راحت تقول :
= صحيح ! أنا لا أستحق منك كل هذا الاهتمام . إنك إنسان طيب القلب ، خالص النية . أما أنا فبنت شريرة من الذي يرى كل هذا النبل ثم لا يخلص لك . ولكن أنا . أنا التي تسيء إليك في ليلة خطوبتك !

وأربد وجهها وتغيّر ، وهي تلقي إليه بالكلمات الأخيرة . وهنا واجهته المشكلة كلها ، وقد كان قد ركنها جانبا ، ووخزته الأشواك بحدة ، فبدت على وجهه أمارات الألم الحاد . وأدركت بغريزتها الفطنة حقيقة الألم وعمقه ، فارتدت بسرعة إلى الجانب الآخر .

قالت في تودد مغر ، وفي استسلام وديع :
= ولكنني أرجو أم تكون بجانبي . وألا تدعني وحيدة . إنني أستطيع أن أقاوم الماضي ، وأن أنتزع الأشواك حين أراك معي ، أستمد منك الثقة والحرارة . وإنك لصاحب حق في أن تمتليء نفسك بالشوك ، وفي أن تقطع ما بيننا كله ، وأن تفصم هذه الخطبة المعقودة ، وأن تسترد (( شبكتك )) أو تطوح بها في الفضاء . ولكن لتذكر مع ذلك أنني كشفت لك عن كل شيء راغبة غير مضطرة . وأنني أثق بك ثقة لا حد لها ، وأن أحداً من اهلي – حتى أمي – لا يعلم شيئاً مما حدثتك عنه ، واعترفت لك به ...... إنك الآن الرجل الوحيد الذي أعوذ به من الماضي وألوذ به من الأشواك !!!

ونظر إلى جبينها المطرق ، وإلى عينيها الذابلتين فإذا كل معاني الاستسلام : (( إنك الآن الرجل الوحيد ، الذي أعوذ به من الماضي ، وألوذ به من الأشواك )) !
قال :
= وهو ؟ ما رأيه ؟ وما موقفه من موقفك الآن ؟
قالت :
= لست أدري . فإني لم أعد أراه . لقد رفضوه كل الرفض حينما تقدم لخطبتي قبل عام .
قال :
= ما رأيك في أنني أحب أن أراه ؟
قالت :
= تراه ؟ وماذا تصنع به ؟ ( وبدا عليها الاضطراب ) .
قال :
= لست أدري ، ولكن لا بد لي أن أراه !
قالت متوسلة :
= لست أفهم معنى هذا الإصرار ، نفسي تحدثني أن الخير في ألا تراه !
وكان هذا وحده كفيلاً بأن يزيده إصراراً . فارتفعت نبرة صوته في لهجة جازمة :
= علاقتنا كلها متوقفة على أن أراه . فأعطني عنوانه ، ولا عليك مما يحدث بعد الآن !
قالت :
= تهدد ! إذن فإليك عنوانه ... ( ونظرت إليه نظرة طويلة مليئة بالرجاء والتوسل والاستفسار ) !


***


لم يكن يدري – في الحقيقة – لماذا يود أن يراه . إنه لم يسأل نفسه هذا السؤال .. أ لعله يود أن يقيس نفسه إليه في حومة الصراع !
على أيه حال لقد اندفع يصفق في فناء منزله القريب من منزلها ، وهو يسأل عن الشاب الضابط (( ضياء )) !

وخرج له شاب أبيض البشرة قصير بعض الشيء ، في حركاته شيء من البرود ، وأحس في نفسه بشيء من الراحة والاطمئنان لا يدري مأتاه !

قال له :
= حضرتك ضياء أفندي
قال :
= نعم
قال :
= أنا سامي ... وأرغب في أن أحادثك في أمر خاص .
ولو أنك لا تعرفني من قبل ! ، قال الشاب :
= آه .. سامي ... لا .. أنا أعرفك .. سأرتدي ملابسي حالا .. وأخرج إليك بعيداً عن المنزل ... تفضل ...!!!
قال :
= لا .. لا داعي للدخول .. أنا في انتظارك على محطة الترام .


***


ووقف على محطة الترام يقطعها جيئة وذهوبا ، وفي خطواته آلية ، وفي نفسه اضطراب : لماذا قابله ؟ ومالذي سيحدثه به ؟ ...
وأحس في رأسه بغليان !
ولم تمض دقائق حتى كان الشاب بملابسه الرسمية ! فقطع عليه اضطرابه .
قال الشاب :
= أين نجلس ؟
قال :
= في أي مكان . ليس في الشارع إلا قهوة (( نصف بلدية )) ولكن لا بأس بها . فهي أقرب من مقاهي القاهرة .
ها هو ذا الترام ، فلنركب هاتين المحطتين .

وقفزا فأدركا الترام .



***



لم يكن يدري كيف يبدأ الحديث .. فصفق للنادل وكلفه إحضار (( الطلبين )) وكان في هذا مهلة عله يجد مفتاح الحديث .. ولكن النادل مضى ثم عاد ، دون أن يفتح الله عليه بكلمة تقال ..

وأخيراً زالت الحبسة من لسانه ، فتحرك ، ودار الحوار .
= لقد أخذت عنوانك من سميرة !
= آه .. إنها بنت طيبة ، لقد عرفت أنك خطيبها . وهي بنت حلال !
= لقد خطبتها قبل أن أعلم قصتكما . أما الآن فقد تتغير الأحوال .
= إذن هي قصت عليك كل شيء ؟
= نعم وبالتفصيل .. وإني لأحب أن أعرف : ما إذا كنتما اليوم راغبين في محاولة ما أخفقتما فيه قبل عام ، إنني أضع بين يديكما نفوذي لدى أهلها الذين يعدونني واحداً منهم ، ونقودي التي أعددتها إذا كان هذا عائقاً أيضاً .

لم يدرك كيف اندفعت من فيه هذه الكلمات .. أهي رغبته الحقيقية في التخلي عنها بعد أن ظهر له ما ظهر ؟ أم هو إيثاره لسعادتها كما كان يزعم لنفسه ؟ أم هو استطلاع ما بينهما من تماسك واتصال ؟

ولكن الشاب لم يتحمس لهذا العرض – كما كان ينتظر – بل راح يقول في لهجة باردة فيها شيء من الطراوة ومط الألفاظ :
= ولكن ماذا نصنع لأهلها .. لقد قابلوني مقابلة سيئة جداً حينما ذهبت أخطبها .. ثم إن أهلي كذلك يمانعون في زواجي منها إلى حد تهديدي بالقتل إذا أنا أخذتها .. إن أمي تريد لي بنتا غنية .. بنت صادق باشا .. وهم يعرفون اسمك وصلتك بسميرة .. ولذا لم أرد أن أستقبلك في المنزل !

ثم زايله البرود ، وعلت نبرة صوته ، وبدا فيها شيء من الصدق والإخلاص وهو يقول : لن أتزوج ما دامت سميرة ليست من نصيبي !

قال ، وقد تغيرت نفسه ، وبدا فيها غيظ مكتوم :
= قلت لك : إنني سأمهد لكما الطريق ، سأجعل أهلها يقبلونك ، أما أهلك أنت فعليك إقناعهم ، وإن لم يقتنعوا ..أفلست يا أخي رجلاً ؟ ( قالها في لهجة غيظ وازدراء ) !
قال الشاب – وقد ذهبت عنه حماسته الوقتية - :
= ولكنني مسافر للسودان بعد أيام ! فإذا كانت تنتظرني حتى أعود .. فسأتقدم إليها !
وكاد يصفعه ، ولكنه تمالك .. ثم اندفع يقول :
= هذا ليس كلاماً ، فإن كنت تريد شيئاً ، فتقدم اليوم ، وقدم مهراً ، إذا لم تستطع أن تكتب كتابك !

قال :
= إذا رضى أهلها فأنا على استعداد .

عندئذ أحس أن طعنة أصابته ، وأن الدنيا تظلم في عينيه ، وانقطع حبل الحديث ، ولكن الشاب عاود الكلام في رخاوة عجيبة :
= أنا لا أعرف لماذا تكرهها أمي كل هذه الكراهية ؟ إن أهلي يعتقدون أنها ستأخذني منهم ، مع أنها هي التي ردتني إليهم حين غضبت منهم في العام الماضي ، وبقيت في المعسكر لا أدخل بيتهم عدة أيام ؟
قال في استفسار مغيظ :
= وكيف ردتك إليهم ؟
قال الشاب :
= جاءت إلي في المعسكر عند الهرم ، وهددتني بقطع علاقاتها بي إذا أنا لم أعد للمنزل ، فعدت معها ...

جاءت إليه في المعسكر عند الهرم ! هنا أحس بالدوار ، هنا تراقصت في خياله عشرات من الصور المتتابعة ، كان يقف عند صورة منها ثم يطيل الوقوف . صورة (( خيمة )) في المعسكر . وهما منفردان . وهو هذا الشاب (( المائع )) وهي هذه الفتاة التي كانت ترتعش حينما تراه – كما قالت له في الاعتراف – والتي ودعته بدموعها في ليلة (( الشبكة )) وقالت : إن اللحن من حولها كان لحن الجنازة تشيعه به إلى مقره الأخير . مقره الأخير ؟ ها ها ها !

ووجد نفسه يقف للانصراف . ووجد نفسه يقول في حماسة :
= انتهينا ، ستتقدم لأهلها غداً ، وسأنسحب أنا الليلة ، وسأمهد لكما كل شيء منذ الآن !

***

لم يكن يدور في نفسه – وهو عائد إلى منزلها – إلا خاطر واحد :خاطر الانسحاب .. وإلا صورة واحدة : صورة (( الخيمة )) ، ولكنه يكذب على نفسه وعلى الناس لو قال : إن نفسه لم تكن شعلة من الجحيم ، وإن دماءه لم تكن تغلي في عروقه . وإنه لم تدر في أعماق حسه معركة بين شتى الاتجاهات ، وأنه لم يستسهل حماقة الجريمة على وضع من الأوضاع !

ودخل المنزل ، فبادرت إليه ، وفي عينيها نظرة استفهام متوسلة . فاتسعت حدقتاها – وهي تنظر إليه – وعلا صدرها وهبط ، وماتت على لسانها الكلمات !
وانقضت فترة طويلة قبل أن يجد لسانه يتكلم .

قال وهو يتكلف السخرية وعدم المبالاة :
= انتهينا يا ستي .. استعدي للعودة إلى ضياء !
فدنت منه ووضعت يدها على كتفه في خوف الطفلة المتوسلة وقالت :
= ضياء ! كيف ؟
قال وقد زايله هدوءه المتصنع :
= ضياء صاحب (( الخيمة )) في معسكر الهرم !
بدا على وجهها الذعر ، وعلى عينيها الاضطراب ، وتلعثم لسانها بالكلمات ، ثم قالت في انفعال :
= أي (( خيمة )) هو قال لك إنني ذهبت إليه في (( خيمة )) ؟ .. ( ثم جزت أسنانها في غيظ ) ... الكذاب !

لا يدري لم استراح وهي تلفظ هذه الكلمة ، وإن لم تصل إلى موضع الشك في نفسه ...
قال :
= ألم تذهبي إليه في المعسكر ، لترديه إلى أهله حين غضب منهم منذ عام ؟
قالت :
= نعم ذهبت ، ولكنني لم أقابله في (( خيمة )) لقد تمشينا بعيداً عن المعسكر في الرمال !

آه .. الرمال .. وهذه كارثة أخرى .. فما الفارق بين الخيمة والرمال ؟

قال :
= على أيه حال لقد انتهينا . ستكونين له . وسيأتي هنا غداً . وسأخبر أهلك الليلة بانسحابي ، دون إبداء الأسباب ، وإن كنت قد تعهدت بأن أمهد لكما الطريق . لأنه هو متخوف من معارضة أهلك وأهله .
قالت منفعلة :
= يا سيدي لك أن تنسحب إذا شئت ، ولكن ليس لك أن تقهرني على شيء لا أريده .. إنني أكرهه .. لم أعد أتصور أن أراه ..
قال وهو يتصنع السخرية والهدوء :
= يا (( ستي )) إنك تغالطين نفسك . فدعيني أؤدي واجبي !
قالت ، وقد شرقت بالدمع ، واختنق صوتها بالكلمات :
= تؤدي واجبك ! واجبك في أن تتخلى عن الفتاة التي اعترفت لك بكل شيء . التي لم ترد أن تغشك أو تغش ضميرها ، التي وثقت بك فطلبت معونتك . تؤدي واجبك ! ولم لم يؤد هو واجبه في هذا الأمد الطويل . أليس رجلاً . لم لا يذلل عقبات نفسه فيدع لك أنت أن تذللها له ... الجبان !


نطقت بهذه العبارة كلها في سرعة خاطفة ، ولم تكد تنتهي منها حتى بلغت أعلى طبقات النشيج ، وأخذ جسمها كله يرتجف ويهتز ... وبلا شعور ولا قصد ، وجد نفسه يقترب منها ، ثم يضمها إليه ، فتجاوبه في استسلام ، وتدفن وجهها في صدره بعنف ، ثم إذا هو يرفع وجهها بين يديه ، وعيناها مغرورقتان بالدموع ، وفي وجهها براءة معذبة . ثم لا يدري كيف قد نسي كل شيء .. فإذا شفتاه تهويان على شفتيها ، فتستجيب له بكل ما فيها .. ثم يستمعان إلى وقع أقدام ، فينتبهان !


***


قالت له – وقد أمنت واطمأنت ، وعاودتها روح الدعابة والشيطنة :
= كيف وجدته بالله ؟
قال :
= أتريدين أن أصدقك ؟ أم تراني أجامل ذوقك ؟
قالت – وقد فارقتها روح الدعابة ، وبدا على وجهها الجد والاهتمام :
= لا .. لا تقل لي عنه شيئاً . إنني أعرف عيوبه ، وأحب أن أقولها أنا . ولكنني لا أطيق أن يقولها لي أحد .. وبخاصة أنت ! .. إنه تافه ، وساذج و (( بلدي )) في ألفاظه وحركاته ... ولكنه طيب . طيب جدا ومخلص . وفي خلال عامين كاملين ، لم يرد أن يضع يده علي في مرة من المرات !

وأحس لهذه العبارة الأخيرة بوخزة في شعوره . لماذا هذه الإشارة ؟ لتنفي ريبته في المعسكر ؟ ولكن من قال : إن هذا يزيل ريبته ولا يقويها ؟ ثم لم لا تطيق حتى اليوم أم تسمع فيه قدحاً ؟ .... ولكنها تعرف حقيقته ، وتصفه بالتفاهة والسذاجة ، وإن وصفته بالطيبة والإخلاص !

وانطلق المارد . وقام في نفسه الصراع ...

وأدركت هي ما يجول في خاطره – ولم يكن شيء مما يدور في نفسه يخفى عليهافأرادت أن تأتيه من الناحية التي تعرف ضعفه فيها : من ناحية مروءته وناحية حبه .

قالت :
= أعرف أنك لم تعد تثق بي . معك حق . ولكن ألم أصارحك بكل شيء . ثق أنه لو كان هناك شيء ما أحجمت عن ذكره لك . إنني واثقة بك إلى حد لا تتصوره . فليس هناك ما يمنعني من التصريح ، ولست أخفي عليك أنني أصارع نفسي في بعض الأحيان ، وأنني أحس لهذا المخلوق التافه كثيرا من الإعزاز . لا تنس أنني أحببته في يوم من الأيام إلى حد العبادة ... كنت طفلة مجنونة وكان طفلا ساذجاً ! ولا يزال ! ثم إنني لم أكن قد صادفت رجلاً ... لم أكن قد عرفتك !

وتطلعت إليه بنظرة كلها نداء ... واستطاع أن ينسى في هذه اللحظة هواجسه كلها ليستجيب . ولكنها بعد لحظة كانت تنتفض مذعورة بين يديه ، وكأنها مست من شيطان . وكانت تنفلت إلى حجرة السرير فتدفن وجهها في الفراش ... وتستلم للبكاء !

إنه الصراع .....


***


لم ينسحب ، ولم ينبئ أهلها بشيء ، ولم يحضر الشاب كذلك . وانقضت ثلاثة أيام . وكان هناك . وعلم أنها ذهبت إلى عيادة الطبيب لتأخذ حقنة (( الكلسيوم )) ، وكانت عيادته في المنزل المجاور بالذات ، فلم يرافقها إلى العيادة القريبة .

ثم حضرت ... دخلت شاحبة الوجه ،تغرورق عيناها بالدموع . ثم انفلتت إلى حجرة النوم فأغلقتها عليها ، دون أن تعرج على حجرة الاستقبال ، حيث كانت هناك بعض الزائرات .

ولمحها تدخل ، فتبعها دون أن يُخطر أمها وزائراتها . ولم يكد يفتح الباب حتى وقع نظره على منظر مؤذ جداً : الفتاة منحنية على السرير في اضطراب ، وجسدها كله يتقلص كالملدوغ .

قال :
= هل أدخل ؟
فأومأت إليه أن يجيء . ولم يكد يحاذيها . حتى انتصبت انحائها ، فألقت بنفسها عليه ، ودفنت وجهها في صدره وطوقته بذراعيها في عنف ، وانطلقت تبكي ...

وقف حائراً بعض الوقت ، وتركها تهدأ بالبكاء .. ثم لمع في ذهنه خاطر غريب . قال :
= هل قابلته في الطريق ؟
وفوجئت بكشف سرها على هذا النحو اليسير . وكأنما استراحت لهذا الكشف أيضاً دون أن تقول . فقالت ، ووجهها في صدره :
= نعم قابلته الآن ؟
قال :
= وماذا قال لك ؟ ولماذا تبكين ؟
قالت :
= لقد طلب إلي أن أرد له صوره ورسائله ، ما دمت قد صرت إلى رجل آخر ، وانتهى كل شيء !

وهنا علا نشيجها وزاد اضطرابها فأحنقه هذا . ولكن أدركته رقته عليها ، فقال في نبرة تمزج بين الغيظ والرقة ، وفي لهجة مريرة مغلفة بقلة اللامبالاة :
= ألم أقل لك يا بنية : إنك تغالطين نفسك ، وإن الأفضل هو التسليم والاعتراف ؟
فسكتت فجأة عن البكاء ، ورفعت وجهها إليه ، وقد علته مسحة من الجد الصارم وقالت ، وهي تمسح دموعها بالمنديل :
= في غير هذه اللحظة يحسن منك هذا الكلام !
وكان ينبغي أن يسكت أو يثور . ولكنه وجد في نفسه خفة وانطلاقا . قال :
= إنني لأعجب لك يا بنية : أفي حضني أنا تنشجين عليه ؟
قالت وقد خفت هي الأخرى وانتعشت :
= معك حق . ولكنني والله لست أفهم . إنني كلما وجدت نفسي في ضيقة تطلعت إليك أنت ، وكلما خفت من شيء لجأت إليك أنت ، ولم أفكر في أن ألجأ إلى أحد آخر : لا والدتي ، ولا والدي ، ولا هذا الذي أبكي عليه منذ لحظة ! . أقول لك الحق : إنني بنت مجنونة .. إنني لا أعرف حقيقة اتجاهي ، لا تضحك إذا قلت لك : إنني في بعض اللحظات أتمنى أن يباح لي زواجكما معاً .. أنت وهو .. ليت ذلك ممكناً ! إنني أحبه فقط حينما أحس أن كل شيء بيننا سينتهي إلى الأبد ، وأحبك أنت عندما أحس أنني سأحرم منك .

ومع أن هذا التصريح آذاه ، فإنه وجد نفسه يفكر ، ووجد نفسه يعطف على هذه الفتاة التي يتصارع الماضي والحاضر في نفسها مثل هذا الصراع . فقال في دعابة :
= وهو كذلك يا بنيتي ، أنا قابل لهذا الحل الأخير !!!
قالت وقد عاودها الجد :
= لا . إنني لك .وليست هذه إلا جذوراً لماض سخيف . ساعدني على اقتلاعها من نفسي . قل إنك لن تتخلى عني .. قل .. ( وأمسكت بيده بين يديها في إعزاز ظاهر ) .......... فقال !
 







Aucun commentaire: