samedi 9 août 2014

الزيدية الجزء 2

الزيدية الجزء 2




بحوث في الملل والنّحل - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني

المحقق: المترجم: الموضوع : الفرق والمذاهب الناشر: مؤسسة الامام الصادق عليه السلام 



الفصل الرابع عشر

ثورة زيد بن علي بن الحسين

كانت استمراراً لثورة الحسين عليهم‌السلام

هذه هي الثورة السادسة من الثورات المتتابعة لثورة الاِمام أبي الشهداء الحسين عليه‌السلام المستلهمة منها ولم تكن آخرتها ، وقد جاءت الثورات بعد ثورة زيد أيضاً تترى على تقويض النظام الأموي ثم النظام العباسي وكان الهدف المشترك بين الجميع مكافحة الظلم والفساد ونشر العدل والقسط بين الناس. وإن لم تخلّ بعضها عن تحوير وانحراف.

نعم كانت في حياة زيد أحداث جزئية لم يكن لها دور في تكون الثورة واختمارها في نفسه وإنّما أشعلت الفتيل ، وفجّرت الثورة ، ولو صحّ ما ذكروه من الأمور ، فإنّما كانت سبباً لظهور ما كان يختمره زيد طيلة سنوات عصر أخيه الاِمام الباقر عليه‌السلام (٥٧ ـ ١١٤ هـ) وبعده عصر الاِمام الصادق عليه‌السلام.

وبعبارة واضحة : أنّ جفاء هشام (١) مثلاً له في مجلسه ـ كما يذكره الموَرخون ـ

__________________

١ ـ أبو الفرج : مقاتل الطالبيين : ٧٧ ـ ٨٦ وغيره كالصفدي في فوات الوفيات.
٢٧٧

لايكون دليلاً شرعياً على النهضة وإراقة الدماء وقتل النفوس ، وإنّما يكون موجباً لأن يندفع إلى ما يراه منذ سنوات من لزوم تطهير المجتمع الاِسلامي من هوَلاء الظالمين الناصبين ، المفسدين وفي النهاية المحقِّرين للرسول وآله.

فإذا كان زيد الثائر إنساناً إذا ذكر اللّه عنده يغشى عليه حتى يقول القائل : ما يرجع إلى الدنيا ، وكان حليف القرآن وأثر السجود في وجهه واضحاً ـ ومن كانت هذه ملامحه ومواصفاته ـ فلا يخوض المعارك المدلهمّة ، ولايضحي بنفسه ونفيسه ودماء أصحابه الأبرياء إلاّ إذا كانت هناك مصلحة عامة ترجع إلى الدين ويرضى بها اللّه ورسوله وإمام عصره ، والذي يميط الستر عن نواياه وعن الحوافز التي دفعته إلى الثورة ، أمران :

١ ـ ما أثر عن النبي وعترته من التنبّوَ بشهادته.

٢ ـ ما أثر عنه من قول أوان النهضة.

فيجب علينا دراسة هذين الأمرين.

* * *
تنبّوَ النبي وعترته عليهم‌السلام بقتله :

إنّ النبي الأكرم تنبّأ بقتله واصفاً أصحابه بأنّهم يدخلون الجنّة بغير حساب ، ووصفه في رواية أُخرى بالمظلوم من أهل بيته ، وأنّه كان يحب زيد بن حارثة لكونه سميّ زيد من صلبه. كما أنّ علياً لما وقف بالكناسة بكى وأبكى أصحابه ، ووصفه أخوه الاِمام الباقر عليه‌السلام بأنّه سيد أهله والطالب بأوتارهم ، كل ذلك ينمّ عن أنّه لم يخرج إلاّ بدافع ديني استحق به التكريم. وإليك نفس النصوص في هذا المجال :
٢٧٨

١ ـ قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مخاطباً لولده الحسين عليه‌السلام « ياحسين ، يخرج من صلبك رجل يقال له زيد ، يتخطى هو وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس غراً محجلين يدخلون الجنّة بغير حساب ». (١).

٢ ـ قال ـ مشيراً إلى الحسين عليه‌السلام ـ : « إنّه يخرج من ولده رجل يقال له زيد ويقتل بالكوفة ، ويصلب بالكناسة ، ويخرج من قبره نبشاً ، تفتح لروحه أبواب السماء ، وتبتهج به أهل السموات » (٢).

٣ ـ روى حذيفة قال : نظر النبي إلى زيد بن حارثة فقال : « المقتول في اللّه ، والمصلوب في أُمتي ، المظلوم من أهل بيتي سميّ ـ هذا وأشار بيده إلى زيد بن حارثة ـ ثم قال له : أُدن مني يا زيد زادك اسمك عندي حباً ، فأنت سميّ الحبيب من أهل بيتي » (٣).

٤ ـ روى أبو الفرج عن رجاله عن جرير بن حازم قال : رأيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام وهو متساند إلى جذع زيد بن علي وهو مصلوب ، وهو يقول : « أهكذا تفعلون بولدي؟! » (٤).

٥ ـ وقال أمير الموَمـنين عليه‌السلام وقد وقف على موضع صلبه بالكوفة ، فبكى وأبكى أصحابه فقالوا له : ما الذي أبكاك؟ قال : « إنّ رجلاً من ولدي يصلب في هذا الموضع. من رضى أن ينظر إلى عورته أكبّه اللّه على وجهه في النار » (٥).

__________________

١ ـ الصدوق : عيون أخبار الرضا عليه‌السلام الباب ٢٥ ، ص ٢٥٠ و ٢٥١ وفي بعض النسخ : : « حين ينشر » مكان « نبشا » والصحيح ما أثبتناه في المتن.

٢ ـ الصدوق : عيون أخبار الرضا عليه‌السلام الباب ٢٥ ، ص ٢٥٠ و ٢٥١ وفي بعض النسخ : : « حين ينشر » مكان « نبشا » والصحيح ما أثبتناه في المتن.

٣ ـ ابن إدريس : السرائر : ٣ / قسم المستطرفات ، فيما استطرفه من رواية أبي القاسم ابن قولويه.

٤ ـ أبو الفرج : مقاتل الطالبيين : ٩٨ ، ط النجف.

٥ ـ ابن طاووس : الملاحم : الباب ٣١.
٢٧٩

٦ ـ روى أبو الفرج عن مولى آل الزبير قال : كنّا عند علي بن الحسين عليه‌السلام فدعا ابناً له يقال له زيد : فكبا لوجهه وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول : « أُعيذك باللّه ، أن تكون زيداً المصلوب بالكناسة ، من نظر إلى عورته متعمداً أصلى اللّه وجهه النار » (١).

٧ ـ روى الكشي عن أبي الجارود قال : كنت عند أبي جعفر عليه‌السلام جالساً إذ أقبل زيد بن علي فلما نظر إليه أبو جعفر عليه‌السلام قال : « هذا سيد أهل بيتي والطالب بأوتارهم » (٢).

٨ ـ روى الصدوق عن معمر بن سعيد قال : « كنت جالساً عند الصادق عليه‌السلام فجاء زيد بن علي فأخذ بعضادتي الباب ، فقال له الصادق : « ياعم أُعيذك باللّه أن تكون المصلوب بالكناسة ـ إلى أن قال : ـ حدثني أبي عن جدي أنّه قال : يخرج من ولدي رجل يقال له زيد يقتل بالكوفة ، ويصلب بالكناسة ، يخرج من قبره حين ينشر ، تفتح له أبواب السماء يبتهج به أهل السماوات والأرض » (٣).

إلى غير ذلك من التنبّوَات الواردة حتى في كلمات غيرهم مثل عبد اللّه بن محمد الحنفية (٤).

هذه التنبّوَات وإن لم ترد عن طريق صحيح ، لكن بعضها يدعم بعضاً خصوصاً إذا أُضيفت إليه ماسننقله عن أئمة أهل البيت عليهم‌السلام حول ثورته ونهضته فتصبح جلالة الرجل ومكانته العالية أمراً قطعياً لاشك فيه وأنّ دافعه إلى الخروج كان أمراً إلهياً كما سنشرحه.

__________________

١ ـ ابو الفرج : مقاتل الطالبيين : ٨٩ ، ورواه المجلسي عن فرحة الغري بوجه مبسوط لاحظ البحار : ٤٦ / ١٨٣. فرحة الغري : ٥١ ، المطبوع ملحقاً بمكارم الأخلاق.

٢ ـ الكشي : الرجال : في ترجمة هارون بن سعد البجلي ، برقم : ١٠٥.

٣ ـ الصدوق : عيون أخبار الرضا : ١ / ٢٤٩ ، الباب ٢٥.

٤ ـ المجلسي : البحار : ٤٦ / ٢٠٩.
٢٨٠
ما أثر عنه من قول قبل الخروج وأوانه :

إنّ دراسة ما نقل عنه من كلمة أو كلمات يوقفنا على مرماه من الثورة ، فإن الاِنسان بصير على نفسه ومهما اهتم على كتمان ما يضمره لكنه سيظهر على لمحات وجهه وفلتات لسانه ، ولكن الثائر أصحر بهدفه في غير واحد من المواضع حتى أنّ الحاكم الأموي (هشام بن عبد الملك) اتّهمه بفكر الثورة والقيام على النظام ، وهذا يدلّ على أنّه كان يبوح بها آونة بعد أُخرى ، وإليك هذه الكلمات :

١ ـ إنّما خرجت على الذين أغاروا على المدينة يوم الحرة ثم رموا بيت اللّه بحجر المنجنيق والنار (١).

ويشير ثائرنا بكلامه هذا إلى ما ارتكبه الحجاج قائد الجيش الأموي ـ يوم التجأ ابن الزبير إلى البيت ـ فحصّبـه بالحجارة مستعيناً بالمنجنيق الذي نصبه الجيش على جبل أبي قبيس ، المشرف على الكعبة. كما مر في ثورة عبد اللّه بن الزبير.

٢ ـ إنّما خرجت على الذين قاتلوا جدي الحسين عليه‌السلام (٢).

٣ ـ روى عبد اللّه بن مسلم بن بابك ، قال : خرجنا مع زيد بن علي إلى مكة فلما كان نصف الليل واستوت الثريا فقال : يا بابكي ما ترى هذه الثريا؟ أترى أنّ أحداً ينالها؟ قلت : لا ، قال : واللّه لوددت أنّ يدي ملصقة بها فأقع إلى الأرض ، أو حيث أقع ، فأتقطع قطعة قطعة وأن اللّه أصلح بين أُمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٣).

إنّ هذه الكلمة إشراقة من كلام الحسين ووصيته إلى أخيه محمد ابن الحنفية : « إنّي ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ، ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الاِصلاح في أُمّة جدي ، وشيعة أبي علي بن أبي طالب فمن قبلني بقبول الحقّ فاللّه أولى

____________

١ و ٢ ـ البغدادي : الفرق بين الفرق : ٣٥ ـ ٣٦.

٣ ـ أبو الفرج الاصفهاني : مقاتل الطالبيين : ٨٧.
٢٨١

بالحقّ ، ومن ردّ على هذا أصبر حتى يقضي اللّه بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين » (١).

ترى أنّ بين الكلمتين تقارناً بل توافقاً ، وهذا ما يدفعنا إلى أنّ ثورته كانت امتداداً لثورة الحسين عليه‌السلام.

٤ ـ أقام زيد الثائر بالكوفة وبايعه أصحابه وكانت بيعته التي يبايع عليها الناس : إنّا ندعوكم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيه ، وجهاد الظالمين ، والدفع عن المستضعفين ، وإعطاء المحرومين وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء ، ورد المظالم ، وإقفال المجمر ، ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا ، وجهل حقنا. أتبايعون على ذلك فإذا قالوا نعم : وضع يده على يده ، ثم يقول : عليك عهد اللّه وميثاقه وذمته وذمّة رسوله لتفينّ ببيعتي ولتقاتلنّ عدوي ، ولتنصحنّ لي في السر والعلانية ، فإذا قال نعم : مسح يده على يده ، ثم قال : اللّهمّ اشهد (٢).

وفي كلامه هذا إلماع إلى كلام الاِمام الحسين عليه‌السلام ألقاه بالبيضة عندما حبسه الحرّ بن يزيد الرياحي عن الحركة : فقال : « أيها الناس إنّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من رأى سلطاناً جائراً ، مستحلاً لحرم اللّه ، ناكثاً لعهد اللّه ، مخالفاً لسنّة رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يعمل في عباد اللّه بالاِثم والعدوان. فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول ، كان حقّاً على اللّه أن يدخله مدخله ، ألا وإنّ هوَلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمان وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام اللّه وحرّموا حلاله وأنا أحقّ من غيّر » (٣).

٥ ـ ومن كلامه : وإنّا ندعوكم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيه ، وإلى السنن أن تحيى

__________________

١ ـ المجلسي : بحار الأنوار : ٤٤ / ٣٢٩.

٢ ـ الطبري : التاريخ : ٥ / ٤٩٢ ، ابن الأثير : الكامل : ٥ / ٢٣٣ باختلاف في التعبير.

٣ ـ الطبري : التاريخ : ٤ / ٣٠٤.
٢٨٢

وإلى البدع أن تدفع ، فإن أنتم أجبتمونا سعدتم ، وإن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل (١).

٦ ـ ومن كلامه لهشام بن عبد الملك : أنه لم يكره قوم قط حدّ السيف إلاّ ذلّوا (٢).

وهذه الكلمة من هشام تعرب عن أنّه تجاهر بالثورة في ظروف مناسبة حتى وُشِـيَ به إلى هشام.

٧ ـ روى ابن عساكر أنّ زيداً دخل على هشام فقال له : يازيد بلغني أنّ نفسك لتسمو بك إلى الاِمامة ، والاِمامة لاتصلح لأولاد الاِماء ـ فأجابه زيد بما مر عليك في الفصل الثالث المعقود لحياته فقال هشام : يازيد إنّ اللّه لايجمع النبوة والملك لأحد ، فقال زيد : قال اللّه تعالى : : « أم يَحْسُدُونَ الناسَ على ما آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آل إبراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ واتَينْاهُم مُلكاً عظِيماً » (٣).

٨ ـ روى المسعودي أنّه لما قامت الحرب بين أصحاب زيد وجيش يوسف ابن عمر الثقفي انهزم أصحاب زيد وبقي في جماعة يسيرة فقاتلهم أشد قتال وهو يقول متمثلاً :

أذل الحياة وعزّ الممات
    

    

وكلاً أراه طعاماً وبيلا

فإن كان لابد من واحد
    

    

فسيري إلى الموت سيراً جميلاً (٤)

__________________

١ ـ الطبري : التاريخ : ٥ / ٤٩٨ ، ابن الأثير : الكامل : ٥ / ٢٤٣.

٢ ـ المفيد : الاِرشاد : ٢٦٩.

٣ ـ ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ، كما في زيد الشهيد للسيد العاملي : ٩١.

٤ ـ المسعودي : مروج الذهب : ٣ / ٢٠٧.
٢٨٣

وما أنشأه زيد الثائر من الشعر نفس ما أنشده الاِمام الحسين عليه‌السلام :

سأمضي وما بالموت عار على الفتى
    

    

إذا في سبيل اللّه يمضي ويقتل (١)

٩ ـ روى المسعودي أنّه دخل زيد على هشام بالرصافة ، فقال له : ليس أحد يكبر عن تقوى اللّه ولا يصغر دون تقوى اللّه ، فقال هشام : اسكت لا أُمّ لك أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة وأنت ابن أمة ، ثم نقل جواب زيد وقال : وقام زيد عن المجلس وهو يقول :

شرَّدَهُ الخوف وأزرى به
    

    

كذاك من يكره حرَّ الجلاد

منخرق الكفين يشكو الجوى
    

    

تنكثه أطراف مَرْوٍ حداد

قد كان في الموت له راحة
    

    

والموت حتم في رقاب العباد

إن يُحدث اللّه له دولة
    

    

يترك آثار العدا كالرماد (٢)

١٠ ـ إنّ رسالة زيد إلى علماء الأمّة أوان خروجه تدل بوضوح على أنّ دافعه إلى الخروج هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد مر نصّها في الفصل الثالث.
توطين النفس على الشهادة :

خرج زيد موطناً نفسه على القتل والشهادة ، مقدّماً المنيّة على الدنيا الدنية ، وقتل العز على عيش الذل ، كيف وهو الذي كان يترنّم بقوله :

فأجبتها أنّ المنية منهل
    

    

لابدّ أن أُسقى بذاك المنهل

__________________

١ ـ الخوارزمي : مقتل الحسين عليه‌السلام : ٢ / ٣٣.

٢ ـ المسعودي : مروج الذهب : ٣ / ٢٠٦.
٢٨٤

ومن كان هذا كلامه ويترنّم بما ماثله أيضاً ، لا يخرج لطلب الملك والاِمارة وكسب الجاه والمقام وهو مشرف على القتل ، وطلب الجاه من شوَون من يريد البقاء والالتذاذ بلذائذ الدنيا لا من يريد ركوب الرماح والأسنّة.

ومن أراد اتهام زيد بطلب الاِمارة والخلافة فلم يعرف نفسيته ولا بيئته وظروفه المحدقة به فإنّها كانت تُحتِّم عليه الموت وهو كان يرى الشهادة أمامه.

والذي وطّن نفسه على القتل هو الأمور التالية :

١ ـ كان كلام جده وآبائه رنين سمعه وأنّه يخرج من ولده رجل يقال له زيد ويقتل بالكوفة ... وقد سمع عن والده عليّ بن الحسين عليهما‌السلام وهو صغير : « أُعيذك باللّه أن تكون زيداً المصلوب بالكناسة » كما سمع نظيره عن ابن أخيه الاِمام الصادق عليه‌السلام الذي أطبق المسلمون على صدقه ، ومع هذه الأخبار المتضافرة كيف لا يوطّن نفسه على الشهادة ، ويخرج لطلب الملك والجاه والمقام دون إباء الضيم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعريف الأمّة بواجبهم تجاه الطغمة الغاشمة.

٢ ـ إنّ الذين بايعوه ودعوه إلى النضال والكفاح كانوا ـ وللأسف ـ معروفين بالنفاق ، وعدم الثبات والصمود في مسيرة الدعوة وطريق البيعة ، فكانوا يبرمون أمراً وينقضونه من فوره ، وأهل الكوفة وإن لم يكن كلّهم كذلك وكان فيهم أبطال صامدون ولكن الأكثرية الساحقة كانوا بهذه الخصيصة وقد عرّفهم الاِمام عليّ عليه‌السلام في غير واحد من خطبه نقتطف منها ما يلي :

١ ـ يا أشباه الرجال ولا رجال حلوم الأطفال ، وعقول ربّات الحجال ، لوددت أنّي لم أركم ، ولم أعرفكم معرفة ـ واللّه ـ ... قاتلكم اللّه لقد ملأتم قلبي قيحاً ، وشحنتم صدري غيظاً (١).

__________________

١ ـ نهج البلاغة : الخطبة : ٢٧.
٢٨٥

٢ ـ ويقول في خطبة أُخرى : « يا أهل الكوفة منيت بكم بثلاث واثنتين ، صمّ ذو أسماع ، وبكم ذو كلام ، وعمي ذو أبصار ، لا أحرار صدقٍ عند اللقاء ، ولا إخوان ثقة عند البلاء ... لوددت واللّه أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم ، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلاً منهم » (١).

فإذا كان المبايعون هوَلاء الذين وصفهم جدّه بعدم الثبات والصدق عند اللقاء ، فكيف يصح له أن يعتمد على بيعتهم ويطلب الاِمارة؟! والكوفة وإن انجبت أبطالاً شهاماً كتبوا على جبين الدهر بطولاتهم وصدق مواقفهم في ميادين الحرب ، ولكن كانت الكوفة تحتضن موالي أتوا من هنا وهناك وتوطّنوا فيها ، وكان العرب المتوطِّنون فيها وافدين من نقاط شتّى وقبائل مختلفة لا تجمعهم فكرة واحدة وثقافة فريدة ، وقد مصّرت الكوفة أيام عمر بن الخطاب ولم تكن قبل ذلك حاضرة ، وهي بخلاف الشام فقد ضربت فيها حضارة عريقة بجرانها قبل قرون ، وكانت تسوسهم الوحدة الحضارية والعنصرية والتربية المدنية والدينية قبل الاِسلام ، فاستغلال هذه المنطقة بمالها من المواصفات أسهل من استغلال هوَلاء الذين لا يربطهم سوى شيء واحد وهو التوطّن في أرض الكوفة وما والاها.

وإن كنت في شكّ ممّا ذكرنا من هوَلاء فقارن عدد المبايعين لزيد وعدد الحاضرين في ساحة المعركة ، فقد أقام زيد بالكوفة خمسة أشهر وبالبصرة شهرين ، فأخذ الناس يبايعونه من الشيعة والمحكِّمة وبلغ ديوانه خمسة وعشرين ألفاً أو أزيد كما سيوافيك ، ولكن لم يحضر منهم في ميدان القتال إلاّ مائتان وثمانية عشر رجلاً ، ولمّا وقف زيد على قلّة المجيبين ، قال : سبحانه اللّه أين الناس؟ فقيل : إنّهم محصورون في المسجد ، فقال زيد : سبحان اللّه ما هذا عذر لمن بايعنا.

كل ذلك يدلنا على أنّ زيداً قام بالأمر وهو موطن نفسه على الشهادة وإراقة

__________________

١ ـ نهج البلاغة : الخطبة : ٩٧.
٢٨٦

دمه في طريق هدفه ، ألا وهو إيقاظ الأمّة وتوجيههم نحو واجبهم.

٣ ـ إنّ زيداً الشهيد كان يواجه دولة كبيرة أُموية ضربت بجرانها أقطار الأرض شرقها وغربها وبيدها مفاتيح الخير والشر وهو لا يملك من العدة إلاّ شيئاً قليلاً ، أفيصح أن يرمى مثل زيد بأنّه خرج لطلب السلطة والاِمامة لا للشهادة والفداء؟!
حول الأحداث الجزئية الدافعة إلى الخروج :

قد تعرفت على الدافع الواقعي لثورته غير أنّ الموَرخين ذكروا أسباباً أُخرى لخروجه لو صحت فإنّما يعتبر كونها معدات للثورة ، وأسباباً لتفجّرها وتقدّمها لا أنّها كوّنت فكرة الثورة في نفسه ، وفي غضون ما نذكره من الأسباب دلالة واضحة على أنّ الفكرة تكوّنت قبل وقوع هذه الأسباب وإليك بيانها :
١ ـ اتهامه بأخذ الجائزة من خالد القسري :

كان خالد بن عبد اللّه القسري عامل هشام على العراق فعزله ونصب يوسف بن عمر مكانه ، وتتبع الوالي الثاني مزالق أقدام خالد ، العامل الأوّل وكتب إلى هشام :

إنّ خالداً ابتاع من زيد ، أرضاً بالمدينة بعشرة آلاف دينار ، ثم ردّ الأرض عليه ، فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسيّرهم إليه ، ففعل ، فسألهم هشام عن ذلك فأقرّوا بالجائزة وأنكروا ما سوى ذلك وحلفوا ، فصدّقهم وأمرهم بالمسير إلى العراق ليقابلوا خالداً ، فساروا على كره وقابلوا خالداً ، فصدّقهم ، فعادوا نحو المدينة. فلمّا نزلوا القادسية راسل أهل الكوفة زيداً فعاد إليهم.

وقيل : بل ادّعى خالد بن عبد اللّه القسري أنّه أودع زيداً وداود بن علي ونفراً من قريش مالاً ، فكتب يوسف بذلك إلى هشام ، فأحضرهم هشام من المدينة
٢٨٧

وسيّرهم إلى يوسف ليجمع بينهم وبين خالد فقدموا عليه ، فقال يوسف لزيد : إنّ خالداً زعم أنّه أودعك مالاً. قال : كيف يودعني وهو يشتم آبائي على منبره؟! فأرسل إلى خالد فأحضره في عباءة ، فقال : هذا زيد قد أنكر أنّك قد أودعته شيئاً. فنظر خالد إليه وإلى داود بن علي وقال ليوسف : أتريد أن تجمع مع إثمك فيّ إثماً في هذا؟ كيف أودعه وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر! فقالوا لخالد : ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال : شدّدَ عليّ العذاب فادّعيت ذلك وأمَّلت أن يأتي اللّه بفرج قبل قدومكم. فرجعوا وأقام زيد وداود بالكوفة.

وقيل : إنّ يزيد بن خالد القسري هو الذي ادّعى المال وديعة عند زيد.

فلمّا أمرهم هشام بالمسير إلى العراق إلى يوسف استقالوه خوفاً من شر يوسف وظلمه ، فقال : أنا أكتب إليه بالكفّ عنكم ، وألزمه بذلك ، فساروا على كره.

وجمع يوسف بينهم وبين يزيد ، فقال يزيد : [ ما ] لي عندهم قليل ولا كثير. قال يوسف : أبيَ تهزأ أم بأمير الموَمنين؟ فعذبه يومئذ عذاباً كاد يهلكه ، ثم أمر بالفرّاشين فضُـربوا وترك زيداً. ثم استحلفهم وأطلقهم ، فلحقوا بالمدينة ، وأقام زيد بالكوفة ، وكان زيد قد قال لهشام لما أمره بالمسير إلى يوسف : ما آمن إن بعثتني إليه أن لا نجتمع أنا وأنت حيّين أبداً. قال : لابد من المسير إليه ، فساروا إليه (١).

لا شك أنّ هذا الحديث مهما كان صحيحاً ، لا يكون مبرراً للثورة ، لو لم يكن هناك عنصر قوي دفعه إليها. وأظن أنّ الوالي المتتبع لعثرات الوالي الأوّل اتّهمه بأنّه ابتاع من زيد أرضاً بالمدينة بعشرة آلاف دينار ثم ردّ الأرض عليه ولم يكن هناك أي بيع وشراء ، خصوصاً ، البائع يقطن المدينة والمشتري والى العراق ، والأرض المشتراة في المدينة ، ومن أين لزيد مثل هذه الأرض بهذه القيمة العالية؟

__________________

١ ـ ابن الأثير الجزري : ٥ / ٢٢٩ ـ ٢٣٠.
٢٨٨

وأمّا ما نقل عن خالد ، من أنّه اعترف على زيد بأنّه أودع عنده ، فلعله ذكره ليرفع العذاب عن نفسه ولم يكن عنده ولا عند غيره شيء فلذلك لما جمعهم يوسف ابن عمر تكلم بالحقيقة ، وقال : كيف أودعه وأنا أشتمه وأشتم آبائه؟! وعلى كل تقدير فهذا الحدث وإن كان ثقيلاً على مثل زيد لكن لا يكوّن الثورة في نفسه بل يعرب عن تكوّنه قبل هذا الحدث ولأجل ذلك قال لهشام : ما آمن إن بعثتني إليه أن لا نجتمع أنا وأنت حيين أبداً.
٢ ـ التخاصم في الأوقاف :

كان للنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفاطمة وعلي عليهما‌السلام أوقافاً يتوّلاها بنو الحسن وبنو الحسين وربما جرت بينهما مشاجرات وقد نقله غير واحد من الموَرخين نأتي بنص الجزري حيث قال :

كان السبب في ذلك أنّ زيداً كان يخاصم ابن عمه جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي في [ ولايةج وقوف علي عليه‌السلام ، [ وكان ] زيد يخاصم عن بني الحسين عليه‌السلام ، وجعفر يخاصم عن بني الحسن عليه‌السلام ، فكانا يتبالغان [ بين يدي الوالي إلىج كل غاية ويقومان فلا يعيدان مما كان بينهما حرفاً.

فلمّا مات جعفر نازعه عبد اللّه بن الحسن بن الحسن ، فتنازعا يوماً بين يدي خالد بن عبد الملك بن الحارث بالمدينة ، فأغلظ عبد اللّه لزيد وقال : يابن السندية! فضحك زيد وقال : قد كان إسماعيل لأمة ومع ذلك فقد صبرت بعد وفاة سيدها إذ لم يصبر غيرها ، يعني فاطمة ابنة الحسين أُم عبد اللّه ، فإنّها تزوجت بعد أبيه الحسن بن الحسن ، ثم ندم زيد واستحيا من فاطمة ، وهي عمته ، فلم يدخل عليها زماناً ، فأرسلت إليه : يابن أخي إنّي لأعلم أنّ أُمّك عندك كأُمّ عبد اللّه عنده. وقالت لعبد اللّه : بئس ما قلت لأم زيد! أما واللّه لنعم دخيلة القوم كانت! قال : فذكر أنّ خالداً قال لهما : أُغدوا علينا غداً فلست لعبد الملك إن لم أفصل
٢٨٩

بينكما. فباتت المدينة تغلي كالمرجل ، يقول قائل : قال زيد كذا ، ويقول قائل : قال عبد اللّه كذا.

فلما كان الغد جلس خالد في المسجد واجتمع الناس فمن بين شامت ومهموم ، فدعا بهما خالد وهو يحب أن يتشاتما ، فذهب عبد اللّه يتكلم ، فقال زيد : لاتعجل يا أبا محمد ، أعْتَقَ زَيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبداً. ثم أقبل على خالد فقال : جمعت ذرية رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأمرٍ ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر! فقال خالد : أما لهذا السفيه أحد؟ فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم فقال : يا ابن أبي تراب وابن حسين السفيه! أما ترى للوالي عليك حقاً ولا طاعة؟ فقال زيد : اسكت أيّها القحطاني فإنّا لا نجيب مثلك. قال : ولِـمَ ترغب عني؟ فو اللّه إنّي لخير منك ، وأبي خير من أبيك ، وأُمي خير من أُمّك. فتضاحك زيد وقال : يامعشر قريش هذا الدين قد ذهب فذهبت الأحساب ، فواللّه ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم. فتكلم عبد اللّه بن واقد بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ، فقال : كذبت واللّه أيّها القحطاني! فواللّه لهو خير منك نفساً وأُماً وأباً ومحتداً. وتناوله بكلام كثير ، وأخذ كفاً من حصباء وضرب بها الأرض ثم قال : إنّه واللّه ما لنا على هذا من صبر.

وشخص (١) زيد إلى هشام بن عبد الملك ، فجعل هشام لا يأذن له ، فيرفع إليه القصص ، فكلّما رفع قصة يكتب هشام في أسفلها : أرجع إلى أميرك ، فيقول زيد : واللّه لا أرجع إلى خالد أبداً. ثم أذن له يوماً بعد طول حبس ورَقِيَ (٢) عليّة طويلة ، وأمر خادماً أن يتبعه بحيث لا يراه زيد ويسمع ما يقول ، فصعد زيد ،

__________________

١ ـ سياق العبارة : أنّ شخوصه إلى هشام كان لحل عقدة تولية الأوقاف : ولكنه غير صحيح لما سيوافيك في تعليقنا للقصة.

٢ ـ أي هشام بن عبد الملك.
٢٩٠

وكان بديناً ، فوقف في بعض الدرجة ، فسمعه يقول : واللّه لا يحب الدنيا أحد إلاّ ذلّ. ثم صعد إلى هشام فحلف له على شيء ، فقال : لا أُصدقك ، فقال : يا أمير الموَمنين إنّ اللّه لم يرفع أحداً عن أن يرضى باللّه ، ولم يضع أحداً عن ألاّ يرضى بذلك منه. فقال هشام : لقد بلغني يازيد أنّك تذكر الخلافة وتتمناها ولست هنالك وأنت ابن أمة. قال زيد : إنّ لك جواباً. قال : فتكلم. قال : إنّه ليس أحد أولى باللّه ولا أرفع درجة عنده من نبي ابتعثه ، وقد كان إسماعيل ابن أمة وأخوه ابن صريحة فاختاره اللّه عليه وأخرج منه خير البشر ، وما على أحد من ذلك إذ كان جده رسول اللّه وأبوه علي بن أبي طالب ما كانت أُمّه. قال له هشام : أُخرج. قال : أخرجُ ثم لا أكون إلاّ بحيث تكره. فقال له سالم : يا أبا الحسين لاتظهرن هذا منك.

فخرج من عنده وسار إلى الكوفة ، فقال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب : أُذكّرك اللّه يازيد لما لحقت بأهلك ولا تأت أهل الكوفة ، فإنّهم لا يفون لك ، فلم يقبل. فقال له : خرج بنا أُسراء على غير ذنب من الحجاز إلى الشام ثم إلى الجزيرة ثم إلى العراق إلى قيس ثقيف يلعب بنا ، وقال :

بَكُرَت تخوّفني الحُتوف كأنّني
    

    

أصبحت عن عرض الحياة بمعزل (١)

إلفات نظر :

يظهر من الجزري أنّ زيداً دخل الشام مرتين وقابل فيهما هشاماً ، أحدهما : لأجل تحضير هشام إيّاه من المدينة وتسييره إلى يوسف بن عمر في قضية خالد بن عبد اللّه القسـري ، وأُخرى : بعد النزاع في تولية الأوقاف ، وسياق كلام الجزري هو أنّ الرحلة الثانية كانت عقيب ذلك الحدث وذلك لأنّه بعد ما فرغ من الكلام في النزاع في المدينة ، قال :

____________

١ ـ ابن الأثير الجزري : ٥ / ٢٣٠ ـ ٢٣٣.
٢٩١

« وشخص زيد إلى هشام بن عبد الملك فجعل هشام لا يأذن له فيرفع إليه القصص ... »

مومياً إلى أنّ الرحلة الثانية كانت لأجل فصل الخصومة عند هشام ولكن السياق متروك قطعاً ولو صحت الرحلة الثانية فإنّما كان لأجل شكايات وقصص مختلفة وصلت إليه وأراد رفعها إلى هشام لا لأجل فصل الخصومة بينه وبين بني الحسن في تولية الأوقاف ، ويدل على ذلك أمران :

١ ـ أنّه صاح على والي المدينة خالد بن عبد الملك عندما جمعه وعبد اللّه بن الحسن في المسجد لرفع الخصومة وقال : جمعت ذرية رسول اللّه لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر ، أفيصح بعد هذا أن يرفع الشكاية في ذلك الموضوع إلى هشام بن عبد الملك؟

٢ ـ قال الجزري عند بيان الرحلة الثانية : « فيرفع إليه القصص فكلّما رفع قصة يكتب هشام في أسفلها : ارجع إلى أميرك ... » فظاهر العبارة أنّه كانت هناك شكايات وقصص عديدة أراد أن يلفت نظر هشام إلى تلك الجرائم.

وأظن أنّ ما ذكره المسعودي في مروجه وشيخنا المفيد في إرشاده ليس قضية أُخرى ، بل هو نفس ما جاء به الجزري بتفصيل غير أنّ المسعودي اختزله. وإليك نصهما :

دخل زيد على هشام بالرصافة فلمّـا مثل بين يديه لم ير موضعاً يجلس فيه فجلس حيث انتهى به مجلسه وقال : يا أمير الموَمنين ليس أحد يكبر عن تقوى اللّه ولا يصغر دون تقوى اللّه ، فقال هشام : أُسكت لا أُمّ لك ، أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة ، وأنت ابن أمة ، قال : يا أمير الموَمنين إنّ لك جواباً إن أحببت أجبتك به وإن أحببت أسكت عنه ، فقال : بل أجب. قال : إنّ الأمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات ، وقد كانت أُم إسماعيل أمة لأمّ إسحاق ( صلى الله عليهما )
٢٩٢

فلم يمنعه ذلك أن بعثه اللّه نبياً ، وجعله للعرب أباً فأخرج من صلبه خير البشر محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتقول لي هذا وأنا ابن فاطمة وابن علي ، وقام وهو يقول :

شـرده الخـوف وأزرى بـه
    

    

كذاك من يكره حرّ الجلاد (١)

فمضى عليه إلى الكوفة وخرج عنها ومعه القراء والأشراف فحاربه يوسف ابن عمر الثقفي (٢).

ونقل الشيخ المفيد وأكمله بقوله :

« فوثب هشام عن مجلسه (بعد ما أجابه زيد) وقال : لايبيتنّ هذا في عسكري الليلة ، فخرج زيد وهو يقول : إنّه لم يكره قط قوم حدّ السيوف إلاّ ذلّوا فلمّا وصل إلى الكوفة اجتمع إليه أهلها فلم يزالوا به حتى بايعوه على الحرب ثم نقضوا بيعته وأسلموه ، فقتل وصلب بينهم أربع سنين لا ينكر أحد منهم ولا يعينوه بيد ولا لسان (٣).
٣ ـ ردّ زيد على تجرّوَ هشام :

دخل زيد على هشام وقد احتشد المجلس بأهل الشام فقال : ما يصنع أخوك البقرة؟ فغضب زيد حتى كاد يخرج من إهابه وقال : سمّاه رسول اللّه الباقر ، وأنت تسمّيه البقرة ، لشد ما اختلفتما ، لتخالفه في الآخرة كما خالفته في الدنيا فيرد الجنّة وترد النار ، فانقطع هشام عن الجواب وبان عليه العجز ، ولم يستطع دون أن صاح لغلمانه : أخرجوا هذا الأحمق المالق ، فأخذ الغلمان بيده فأقاموه (٤).

__________________

١ ـ مضت الأبيات : ص ٩٨ ، فراجع.

٢ ـ مروج الذهب : ٣ / ٢٠٦ ـ ٢٠٧.

٣ ـ المفيد : الاِرشاد : ٢٦٨ ـ ٢٦٩ وابن مهنا : عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ٢٥٥ ـ ٢٥٦.

٤ ـ ابن قتيبة : عيون الأخبار : ١ / ٢١٢ ، وابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة : ٣ / ٢٨٦ ، الطبرسي : أعلام الورى : ٢٥٧.
٢٩٣

وقال الصفدي : وفد على هشام بن عبد الملك فرأى منه جفوة ، فكان ذلك سبب خروجه وطلبه للخلافة (١).

لو أنّ الصفدي ومن لفَّ لفَّه عرف نفسيات زيد ، وروحياته الطاهرة ، لوقف على أنّ هذا الحدث وما أشبهه ، لم يكن سبباً للقيام ، فإنّه كان مختمراً في النهضة أيام إقامته في المدينة قبل أن يفد إلى هشام حتى أنّ الصفدي يروي نفسه ويقول : « دخل زيد بن علي مسجد رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في يوم حارّ من باب السوق فرأى سعد ابن إبراهيم في جماعة من القرشيين قد حان قيامهم ، فقاموا ، فأشار إليهم فقال : يا قوم أنتم أضعف من أهل الحرة! قالوا : لا ، قال : وأنا أشهد أنّ يزيد ليس شراً من هشام فما لكم؟ فقال سعد لأصحابه : مدة هذا قصيرة ، فلم ينشب أن خرج وقتل (٢).
زيد الثائر في الكوفة :

دخل زيد الكوفة في النصف الثاني من عام مائة وعشرين وأقام بها وذلك بعدما أمر به هشام بن عبد الملك من المسير إلى العراق حتى يحاكمه يوسف بن عمر فيما كان يدعيه خالد بن عبد اللّه القسري أو ابنه يزيد بن خالد من توديع أموال عنده وعند داود بن علي بن عبد اللّه بن العباس. فلما تبيّنت براءته عما يدّعى عليه لم يرحل إلى الحجاز بل أقام بها ظاهراً ومعه داود بن علي ، وأقبلت الشيعة تختلف إلى زيد وتأمره بالخروج ويقولون : إنّا لنرجو أن تكون أنت المنصور ، وان هذا الزمان هو الذي تهلك فيه بنو أُمية وفي خلال المدّة التي كان هو في الكوفة ، يرسل يوسف بن عمر إليه رسولاً بعد رسول ليغادر الكوفة ، ولكنه في كل مرّة يعتذر بعذر حتى أتى القادسية ، وقيل : الثعلبية ، فتبعه أهل الكوفة وقالوا : نحن أربعون ألفاً لم

__________________

١ ـ الصفدي : الوافي بالوفيات : ١٥ / ٣٣.

٢ ـ المصدر نفسه : ١٥ / ٣٦.
٢٩٤

يختلف عنك أحد نضرب عنك بأسيافنا وليس هيهنا من أهل الشام إلاّ عدّة يسيرة ، بعض قبائلنا يكفيكهم بإذن اللّه وحلفوا له بالأيمان المغلظة (١).

وهناك من يقول : إنّ زيداً لما قضى وطره في الشام ورأى عند هشام من التجبّر والأنانية غادر الشام إلى الكوفة فأقام بها مستخفياً فينتقل في المنازل ، وأقبلت الشيعة تختلف إليه فبايعه وجوه أهل الكوفة وكانت بيعته : إنا ندعوكم إلى كتاب اللّه ، وسنّة نبيه وجهاد الظالمين ، والدفع عن المستضعفين ، واعطاء المحرومين ، وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء ورد المظالم ونصر أهل البيت أتبايعون على ذلك؟ فإذا قالوا نعم وضع يده على أيديهم ويقول : عليك عهد اللّه وميثاقه وذمته وذمّة رسوله لتفين ببيعتي ولتقاتلنّ عدوي ولتنصحنَّ لي في السر والعلانيّة ، فإذا قال نعم ، مسح يده على يده ، ثم قال : اللهم اشهد ، فبايعه خمسة عشر ألفاً وقيل أربعون ألفاً فأمر أصحابه بالاستعداد ، فأقبل من يريد أن يفي له ، ويخرج معه ويستعد ويتهيّأ وشاع أمره في الناس (٢).

وبما أنّه من البعيد أن تكون لمثل زيد حليف القرآن والعبادة رحلات أو رحلتان إلى الشام فالظاهر هو الوجه الأوّل ، وأنّه بعدما سيّره هشام بن عبد الملك إلى الكوفة لأجل المحاكمة فأقام بها متهيّئاً للثورة ، وهذا هو الظاهر أيضاً من أبي الفرج الأصفهاني وبما أنّه زيدي له عناية خاصة بتحقيق مواقف زيد فاقتصر بالوجه الأوّل ، وقال : « فأقام زيد بعد خروجه من عند « يوسف » بالكوفة أياماً ، وجعل يوسف يستحثه بالخروج فيعتل عليه بالشغل ، وبأشياء يبتاعها فألحّ عليه حتى خرج فأتى القادسية ، ثم إنّ الشيعة لقوا زيداً فقالوا له : « أين تخرج عنّا رحمك اللّه ، ومعك مائة ألف سيف من أهل الكوفة والبصرة وخراسان يضربون بني أُمية بها دونك ، وليس قِبَلِنا من أهل الشام إلاّ عدّة يسيرة فأبى عليهم فما زالوا يناشدونه

__________________

١ ـ الجزري : الكامل : ٥ / ٢٣٤.

٢ ـ المصدر نفسه : ٥ / ٢٣٣.
٢٩٥

حتى رجع بعد أن أعطوه العهود والمواثيق ... وأقبلت الشيعة وغيرهم يختلفون إليه ويبايعونه حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة خاصة سوى أهل المدائن والبصرة وواسط والموصل وخراسان وجرجان وأقام بالكوفة بضعة عشر شهراً وأرسل دعاته إلى الآفاق والكور يدعو الناس إلى بيعته فلما دنا خروجه ، أمر أصحابه بالاستعداد والتهيّوَ ، فجعل من يريد أن يفي له يستعد (١).
من بايع زيداً من المحدثين والفقهاء :

قد عرفت أنّه بايعه وجوه أهل الكوفة كما بايعه أهل المدائن والبصرة وواسط والموصل وخراسان والري وجرجان (٢) ولكن نركز على أسماء أهل العلم ونقلة الآثار الذين أتى بأسمائهم أبو الفرج الأصفهاني في كتاب « مقاتل الطالبيين » فإنّ في التعرف عليهم تأثيراً للتعرّف على مكانة زيد في قلوب الفقهاء والمحدثين وأهل العلم في ذلك الزمان ، وأنّ الرجل ما لم تكن فيه مكانة كبرى في قلوب الناس لما بايعه نظراء أبي حنيفة والأعمش وابن أبي ليلى وغيرهم.

١ ـ منصور بن المعتمر :

عدّه الرجاليون من أصحاب الاِمام الباقر والصادق عليهما‌السلام (٣) كان يدعو إلى الخروج مع زيد بن علي ، أبطأ منصور عن زيد لما بعثه يدعو إليه ، فقتل زيد ومنصور غائب عنه ، فصام سنة يرجو أن يكفر ذلك عن تأخره ، ثم خرج بعد ذلك مع عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر (٤).

__________________

١ ـ أبو الفرج الأصفهاني : مقاتل الطالبيين : ٩١ ـ ٩٢.

٢ ـ ابن مهنا : عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ٢٥٦ ، وقد عرفت كلام أبي الفرج في مقاتل الطالبيين.

٣ ـ تنقيح المقال : ٣ / ٢٥٠ ، نقله عن الشيخ الطوسي.

٤ ـ ذكر خروجه (عبد اللّه بن معاوية) أبو الفرج في مقاتل الطالبيين١١١ ـ ١١٦.
٢٩٦

٢ ـ نعمان بن ثابت (أبو حنيفة) :

روى أبو الفرج عن الفضل بن الزبير ، قال : قال أبو حنيفة من يأتي زيداً في هذا الشأن من فقهاء الناس؟ قال : قلت : سلمة بن كهيل ، ويزيد بن أبي زياد ، وهارون بن سعد ، وهشام بن البريد وأبو هاشم الرماني ، والحجاج بن دينار وغيرهم ، فقال لي : قل لزيد : لك عندي معونة وقوة على جهاد عدوك فاستعن بها أنت وأصحابك في الكراع والسلاح ، ثم بعث ذلك معي إلى زيد فأخذه زيد.

٣ ـ سليمان بن مهران (الأعمش) :

أحد أعلام الشيعة بالكوفة ، وقد جاء عثمان بن عمير أبو اليقظان الفقيه فجلس إلى الأعمش فقال : أخلنا فإنّ لنا إليك حاجة ، فقال : وماخطبكم؟ هذا شريك وهذا عمرو بن سعيد ، أذكر حاجتك فقال : أرسلني إليك زيد بن علي أدعوك إلى نصرته والجهاد معه وهو من عرفت. قال : أجل ما أعرفني بفضله إقرياه مني السلام وقولا له : يقول لك الأعمش : لست أثق لك ـ جعلت فداك ـ بالناس ولو أنّا وجدنا لك ثلاثمائة رجل أثق بهم ، لغيّرنا لك جوانبها.

٤ ـ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري :

كان من أصحاب الرأي تولى قضاء الكوفة وأقام حاكماً ثلاث وثلاثين سنة ولي لبني أُمية ، ثم لبني العباس ومات على القضاء في سنة ١٤٨ هـ وله ٧٤ سنة ، نقل أبو الفرج عن أحمد بن محمد بن عمران بن أبي ليلى ، قال : حدثني أبي ، قال : كان محمد بن أبي ليلى ومنصور بن المعتمر بايعا زيد بن علي. قال : وبعث يوسف ابن عمر إلى الناس فأخذ عليهم أبواب المسجد فحال بينه وبينهم.
٢٩٧

٥ ـ هلال بن حباب :

كان عالماً فاضلاً راوياً تولى قضاء المدائن ومات بها. قال أبو الفرج : كتب زيد بن علي إلى هلال بن حباب وهو يومئذ قاضي المدائن فأجابه وبايع له.

٦ ـ زبيد بن الحارث اليامي :

ينتهي نسبه إلى يام ، بطن من همدان ، كان من الشيعة المحدثين في الكوفة ومن التابعين ، روى أبو الفرج عن سالم بن أبي الحديد ، قال : أرسلني زيد بن علي إلى زبيد اليامي أدعوه إلى الجهاد معه.

٧ ـ يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي :

كان هاشمياً ولاءً لا نسباً ، أحد أعلام الشيعة بالكوفة مات سنة مائة وسبع وثلاثين ، روى أبو الفرج عن عبدة بن كثير السراج الجرمي ، قال : قدم يزيد بن أبي زياد مولى بنى هاشم صاحب عبد الرحمن بن أبي ليلى الرقّة يدعو الناس إلى بيعة زيد بن علي ، وكان من دعاة زيد بن علي ، وأجابه الناس من أهل الرقّة ، وكنت فيمن أجابه.

٨ ـ قيس بن ربيع الأسدي :

كان من فقهاء الكوفة ولكثرة أحاديثه وسماعه الحديث قيل له الحوال ، قال أبو الوليد : كتبت عن قيس ستة آلاف حديث توفى بالكوفة سنة مائة وثمان وستين. روى أبو الفرج أنّ أبا حصين قال لقيس بن الربيع : ياقيس ، قال : لبيك. قال : لا لبيك ولا سعديك ، لتبايعن رجلاً من ولد رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم تخذله ، وذلك أنّه بلغه بايع زيد بن علي رضوان اللّه عليه.
٢٩٨

٩ ـ سلمة بن كهيل :

عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب علي بن الحسين والباقر والصادق عليهم‌السلام ويظهر من الروايات انحرافه عن الاِمام الباقر ، روى الكليني عن الاِمام الباقر عليه‌السلام أنّه قال لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة : « شرّقا وغرّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا » (١).

روى الكشي أنّه دخل سلمة بن كهيل ومعه جماعة على أبي جعفر وعنده أخوه زيد فقالوا لأبي جعفر عليه‌السلام : نتولّـى علياً وحسناً وحسيناً ونتبّرأ من أعدائهم؟ قال : نعم ، قالوا : فنتولى أبا بكر وعمر ونتبرّأ من أعدائهم؟فالتفت إليهم زيد بن علي وقال لهم : أتتبرّوَن من فاطمة ، بترتم أمرنا بتركم اللّه. فيومئذ سمّوا البترية (٢).

١٠ ـ هارون بن سعد العجلي :

ويقال له الجعفي الفقيه كان من حملة الآثار في الكوفة وقد عدّه أبو الفرج من المبايعين كما عرفت.

١١ ـ أبو هاشم الرماني :

اسمه يحيى بن دينار من الفقهاء التابعين.

١٢ ـ الحجاج بن دينار :

كثير الرواية كان من فقهاء التابعين.

__________________

١ ـ الكليني : الكافي : ١ / ٣٩٢.

٢ ـ الكشي : الرجال : ٢٣٦.
٢٩٩

١٣ ـ سفيان الثوري :

نسبه إلى ثور بن عبد مناة سمّي بذلك لأنّه نزل جبل ثور الذي به الغار ، كان من أعيان فقهاء الكوفة ورواة الحديث استقضاه المهدي على الكوفة فامتنع وتولاه شريك بن عبد اللّه النخعي فقال الشاعر :

تحـرز سفيان وفاز بدينه
    

    

وأمسى شريك مرصداً للدراهم

مات في البصرة عام ١٦١ هـ وله ٦٦ سنة وكان مختفياً من السلطان بايع زيداً على الخروج ولما بلغه قتل زيد. قال : لقد بذل مهجته لربّه وقام بالحقّ لخالقه ولحق بالشهداء المرزوقين.

١٤ ـ مسعر بن كدام الفدكي :

يعد من مشاهير رواة الحديث في الكوفة من بني صعصعة يبسط له في المسجد الأعظم ليجلس عليه ويحدث ، طلبه المنصور للقضاء فأبى ومات سنة ١٥٢ هـ ولم يتول شيئاً من ذلك.

هوَلاء هم الذين ذكرهم أبو الفرج في مقاتل الطالبيين إلا الأخير (١) وهناك شخصيات أُخرى بايعوه ولم يذكرهم بل جاءت في مصادر أُخرى ، فمن أراد التفصيل فليرجع إليها. (٢)

__________________

١ ـ أبو الفرج الأصفهاني : مقاتل الطالبيين : ٩٨ ـ ١٠١ ، ط النجف.

٢ ـ لاحظ الروض النضير : ج١ / ١١١ ؛ حميد بن أحمد المحلي : الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية : ١ / ١٤٤ ، السيد عبد الرزاق الموسوي المقرم : زيد الشهيد : ١٢٠ ـ ١٢٣.
٣٠٠
دعاته :

إنّ لمكانة دعاة الثورة ومنزلتهم بين الناس ، تأثيراً بالغاً في اجتذاب الناس وعطفهم إليها ، فإذا كان الداعي عالماً بارعاً ، أو فقيهاً ورعاً ، يأخذ بمجامع القلوب ، ويوَثر في الشعوب وقد تعرفت على أسماء بعض دعاته عند الكلام في المبايعين لزيد من الفقهاء ونقلة الآثار نظراء :

١ ـ منصور بن المعتمر

٢ ـ يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم

٣ ـ سالم بن أبي الحديد ـ كما في مقاتل الطالبيين ـ ويحتمل كونه مصحف سالم بن أبي حفصة ، الذي عنونه الكشي مع فريق ممن بايعوا زيداً كسلمة بن كهيل ، والحكم بن عتيبة وغيرهما (١).

٤ ـ الفضيل بن الزبير الذي دعا أبا حنيفة إلى بيعة زيد

٥ ـ عبدة بن كثير الجرمي

٦ ـ الحسن بن سعد الفقيه

قال أبو الفرج كان رسول زيد إلى خراسان عبدة بن كثير الجرمي ، والحسن بن سعد الفقيه.

٧ ـ عثمان بن عمير أبو اليقظان الفقيه رسول زيد إلى الأعمش

وذكر السياغي أنّ من دعاته :

٨ ـ نصر بن معاوية بن شداد العبسي

٩ ـ معمر بن خثيم العامري.

____________

١ ـ الكشي : الرجال : ٢٠٠ ـ ٢٠٢.
٣٠١

١٠ ـ معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري (١).

أنّ بث الدعاة في مختلف الأقطار ينم عن علو همة زيد ، وسعة دعوته وأنّه كان بصدد تشكيل حكومة إسلامية عادلة ، غير أنّ الظروف القاسية وتساهل المبايعين ، حالت بينه وبين أُمنيته.
تحذيره عن القيام :

قد حذره عن القيام غير واحد من أقاربه وأصدقائه ، حذروه عن الخروج معتضداً بالكوفيين وأنّهم أُناس لايوفون بمواثيقهم وعهودهم ، ويشهد بذلك ، حياتهم منذ عهد الاِمام إلى يومهم هذا نذكر كلمات بعض المحذّرين :

١ ـ روى الصدوق عن معمر بن سعيد قال : كنت جالساً عند الصادق عليه‌السلام فجاء زيد بن علي فأخذ بعضادتي الباب فقال : له الصادق عليه‌السلام : « ياعم أُعيذك باللّه أن تكون المصلوب بالكناسة ... » (٢).

٢ ـ قال محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب : أُذكّرك يازيد لما لحقت بأهلك ولا تأت أهل الكوفة فإنّهم لا يفون لك ، فلم يقبل (٣).

٣ ـ قال داود بن علي بن عبد اللّه بن عباس : يابن عم إنّ هوَلاء ليغرّونك من نفسك أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك : جدّك علي بن أبي طالب حتى قُتل ، والحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه وجرحوه ، أوليس أخرجوا جدّك الحسين وحلفوا له وخذلوه وأسلموه ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه؟ (٤).

__________________

١ ـ السياغي : الروض النضير : ١ / ١٣٠.

٢ ـ الصدوق : عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : ١ / ٢٤٩ ، الباب ٢٥.

٣ ـ الجزري : الكامل : ٥ / ٢٣٢.

٤ ـ الطبري : التاريخ : ٥ / ٤٨٨ ، الجزري : الكامل : ٥ / ٢٣٤.
٣٠٢

٤ ـ قال سلمة بن كهيل : ننشدك اللّه كم بايعك؟ قال : أربعون ألفاً ، قال : فكم بايع جدك؟ قال : ثمانون ألفاً ، قال : فكم حصل معه ، قال ثلاثمائة ، قال : نشدتك اللّه ، أنت خير أم جدك؟ قال : جدي.

قال : فهذا القرن خير أم ذلك القرن؟ قال : ذلك القرن. قال : أفتطمع أن يفي لك هوَلاء ، وقد غدر هوَلاء بجدك. قال : قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وأعناقهم ، قال : أفتأذن لي أن أخرج من هذا البلد؟ فلا آمن أن يحدث حدث فلا أملك نفسي ، فأذن له فخرج إلى اليمامة (١).

٥ ـ كتب عبد اللّه بن الحسن بن الحسن إلى زيد : أمّا بعد فإنّ أهل الكوفة نفخ العلانية ، خوَر السريرة ، هرج في الرخاء ، جزع في اللقاء ، تقدّمهم ألسنتهم ، ولاتشايعهم قلوبهم. ولقد تواترت إليّ كتبهم بدعوتهم فصممتُ عن ندائهم ، وألبست قلبي غشاءً عن ذكرهم ، يأساً منهم واطِّراحاً لهم ، ومالهم مثل إلاّ ما قال علي بن أبي طالب : « إن أُهملتم ، خضتم ، وإن حوربتم خرتم ، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم ، وإن أجبتم إلى مشاقة نكصتم » (٢).
أعذاره تجاه الناصحين :

هذه النصائح لم تكن رادعة لزيد عن أُمنيته وجهاده ، لأنّه كان واقفاً على ما تنطوي عليه سرائر أهل الكوفة من التساهل في مجال العمل بالمواثيق والعهود ، ولكنه عليه‌السلام لم يصغ إلى شيء منها ، لأنّه كان موطّناً نفسه على القتل والشهادة سواء أنال بغيته الظاهرة أي الحكومة والسلطة أم لا ، وذلك لأنّ من أهدافه العالية إنهاض المسلمين إلى الثورة ولو باستشهاده وقتله في سبيل اللّه

__________________

١ ـ الطبري : التاريخ : ٥ / ٤٨٩ ، الجزري : الكامل : ٥ / ٢٣٥.

٢ ـ الطبري : التاريخ : ٥ / ٤٨٩ ، الجزري : الكامل : ٥ / ٢٣٥.
٣٠٣

حتى يقضوا على عروش بني أُمية ، ومن حسن الحظ أنّ زيداً وصل إلى تلك الأمنية ، فقد تواترت الثورات بعد زيد هنا وهناك ضد النظام فأُزيلت عروشهم بعد استشهاده بمدّة لاتزيد على عشر سنوات ، فصارت جثث بني أُمية طعمة للكلاب والوحوش ، فاستوَصلوا من الأراضي الاِسلامية ولم يبق منهم إلا حثالات فرّوا إلى الأندلس أو كانوا فيها وما أجاب به زيد ، سلمة بن كهيل من كون بيعة الكوفيين على عنقه ولابد له من الوفاء بها فإنّما كان جواباً ظاهرياً لاقناع سلمة ، وإلاّ فللعمل بالميثاق شروط أوضحها كون الظروف هادئة والعدو غافلاً ، أو ضعيفاً والمبايعين صامدين في طريق بيعتهم ولم يكن واحد منها موجوداً.
الموَامرة على زيد من الداخل :

ولما استتب الأمر لزيد وكانت الثورة تستفحل يوماً بعد يوم ويرجع الناس إلى زيد زرافات ووحداناً.

اجتمعت إليه جماعة من المبايعين ، فقالوا : رحمك اللّه ما قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال : رحمهما اللّه وغفر لهما ما سمعت أحداً من أهل بيتي يتبرّأ منهما ولا يقول فيهما إلاّ خيراً ، قالوا : فلم تطلب إذاً بدم أهل هذا البيت؟ إلاّ أن وثبا على سلطانكم فنزعاه من أيديكم ، فقال لهم زيد : إنّ أشد ما أقول فيما ذكرتم إنّا كنّا أحقّ بسلطان رسول اللّه من الناس أجمعين وإنّ القوم استأثروا علينا ودفعونا عنه ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً ، قد ولّوا فعدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنّة. قالوا : فلم يظلمك هوَلاء إذا كان أُولئك لم يظلموك؟ فلمَ تدعو إلى قتال قوم ليسوا لك بظالمين؟ فقال : إنّ هوَلاء ليسوا كأُولئك ، إنّ هوَلاء ظالمون لي ولكم ولأنفسهم ، ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا : سبق الاِمام وكانوا يزعمون أنّ أبا جعفر محمد بن علي أخا زيد بن علي هو الاِمام وكان قد هلك يومئذ ، وكان ابنه جعفر بن محمد حياً.
٣٠٤

فقالوا : جعفر إمامنا اليوم بعد أبيه وهو أحقّ بالأمر بعد أبيه ، ولانتبع زيد بن علي فليس بإمام فسماهم زيد الرافضة ، فهم اليوم يزعمون أنّ الذي سمّاهم رافضة المغيرة حيث فارقوه (١).

ما ذكره الطبري في ذلك الموضع نقله أكثر الموَرّخين وأصحاب المقالات حتى اللغويين ، قال ابن منظور : الروافض قوم من الشيعة سمّوا بذلك لأنّهم تركوا زيد بن علي. قال الأصمعي : كانوا قد بايعوا زيد بن علي ، ثم قالوا له : إبرأ من الشيخين نقاتل معك فأبى. فقال : كانا وزيري جدي فلا أبرأ منهما فرفضوه وأرفضوا عنه فسمّوا رافضة (٢).

يقول البغدادي : وكان زيد بن علي قد بايعه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة ، وخرج بهم على والي العراق وهو يوسف بن عمر الثقفي. قالوا له : إنّا ننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر بعد أن ظلما جدك علي ابن أبي طالب ، فقال زيد بن علي : لا أقول فيهم إلاّ خيراً وما سمعت من أبي فيهم إلاّ خيراً ، وإنّما خرجت على بني أُمية الذين قتلوا جدي الحسين وأغاروا على المدينة يوم وقعة الحرة ثم رموا بيت اللّه بالمنجنيق والنار ففارقوه عند ذلك حتى قال لهم : رفضتموني ومن يومئذ سمّوا رافضة (٣).

قال البزدوي : وإنّما سمّوا روافض لأنّهم وقعوا في أبي بكر وعمر فزجرهم زيد فرفضوه فسمّوا روافض (٤).

قال نشوان في شرح رسالة الحور العين : وسميت الرافضة من الشيعة ،

__________________

١ ـ الطبري : التاريخ : ٥ / ٤٩٨.

٢ ـ لسان العرب : ٧ / ٤٥٧ ، مادة رفض.

٣ ـ الفرق بين الفرق : ٣٥ ، ولاحظ الروض النضير : ١ / ١٣٠.

٤ ـ البزدوي ، أُصول الدين : ٢٤٨.
٣٠٥

رافضة لرفضهم زيد بن علي بن الحسين وتركهم الخروج معه حين سألوه البراءة من أبي بكر وعمر فلم يجيبهم إلى ذلك ... (١).

نظرنا في الموضوع :

إنّ هذا الموضوع نقله الموَرخون وأرسله أصحاب المقالات وكتاب العقائد والمذاهب ، إرسال المسلّم ، ولكن لنا فيه ملاحظات نشير إليها :

١ ـ إنّ تسمية الشيعة بالرافضة لا تفارق التنابز بالألقاب المحرّم بنص الذكر الحكيم (٢) ولايصدر من إمام فقيه ورع مثل زيد خصوصاً أوان الثورة الذي هو أحوج في هذا الظرف ، إلى التآلف وتوحيد الكلمة ، وأظن أنّ القصة من أوهام حشوية المشارقة ، أو من صنايع نواصب المغاربة الذين كان لهم دور في عصر تدويـن التأريخ وتأليف الحديث(أيام المنصور ١٣٨ ـ ١٥٨ هـ) وبعدها فاختلقوها لتشويه سمعة الشيعة ونسبوها إلى أحد علماء أهل البيت عليهم‌السلام ليقع موقع القبول من الناس ، حتى أنّ المسكين « نشوان الحميري » لم يقتصر على ما ذكر وأردفه بأمر آخر وهو أنّ زيداً لمّا أحسّ أنّ السائلين بصدد نقض البيعة قال حدثني أبي عن جدي أنّه قال لعلي : « إنّه سيكون قوم يدعون حبّنا لهم نبز (٣) يعرفون به فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإنّهم مشركون » اذهبوا فأنتم الرافضة ، ففارقوا زيداً عليه‌السلام فسمّاهم الرافضة فجرى عليهم الاسم (٤).

يلاحظ عليه : أنّه كيف اعتمد على ذلك الحديث ويلوح عليه أثر الوضع إذ أيّ صلة بين نقض البيعة أو عدم المشاركة في جهاد زيد ونضاله ، وبين كونهم

__________________

١ ـ شرح رسالة الحور العين : ١٨٤.

٢ ـ الحجرات : الآية ١١.

٣ ـ النبز : اللقب.

٤ ـ السياغي : الروض النضير : ١ / ١٣١.
٣٠٦

مشركين. هب أنّهم يكونون بذلك فاسقين لامشركين.

٢ ـ إنّ النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن إنساناً فارغاً عن كل عملٍ حتى يتحدث عن هوَلاء الذين لم يكن لهم دور في الأوساط الاِسلامية إلاّ لمحاً وأياماً قلائل فهذا الحديث وزان سائر الأحاديث التي حشاها الحشوية في كتبهم حول الفرق والمذاهب كالقدرية والمعتزلة والمرجئة وغيرهم ، بل كسائر الأحاديث الموضوعة حول محاسن أو مساوىَ الأئمّة الأربعة الفقهية التي استدل بها الموافق والمخالف لصالح إمامه أو لضد إمام الغير ، أعاذنا اللّه وإياكم من دسائس الدجالين.

٣ ـ إنّ السوَال عن الشيخين في ذلك الوقت العصيب مع كون المبايعين بين محبّ وغير محبّ ، بين من يراهما خليفتي رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن يراهما غير مستحقي هذا المقام ، سوَالُ من يريد تشتيت الأمر ، وإيجاد الفرقة بين المجاهدين في ساحة الحرب خصوصاً أنّ السوَال طرح عندما رأى أصحاب زيد بن علي أنّ يوسف بن عمر قد بلغه أمر زيد وأنّه يدس إليه ويبحث في أمره (١).

فاللائق بقائد محنّك مثل زيد هو التعتيم والكف عن الاِجابة ، ولو اضطر إليها لكان له أن يأتي بجمل متشابهة لا تخدش العواطف كما فعله جده الاِمام أمير الموَمنين عليهم‌السلام في حرب صفين عند تقارع السيوف واشتباك الأسنّة ، ففوجىء بمثل هذا السوَال ، حيث قام أحد أصحابه سائلاً ـ والمجاهدون فيها بين شيعة يرى الاِمام هو الاِنسان المنصوص عليه بالخلافة ، ومن يراه الخليفة الذي بايعه الناس ـ : كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟ فقال عليه‌السلام :

يا أخا بني أسد ، إنّك لقلقُ الوضين ، ترسلُ في غير سدَد ، ولك بعدُ ذمامة الصهر وحقّ المسألة ، وقد استعلمت فاعلم.

أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام ، ونحن الأعلون نسباً ، والأشدّون بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

__________________

١ ـ الطبري : التاريخ : ٥ / ٤٩٩.
٣٠٧

نوطاً ، فإنّها كانت أثَرة شُحَّت عليها نفوس قومٍ ، وسخت عنها نفوس آخرين ، والحكم للّه والمعود (١) إليه يوم القيامة.

ودع عنك نهباً صيح في حجراته
    

    

ولكن حديثاً ما حديث الرواحل

وهلمّ الخطب في ابن أبي سفيان ، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه ، ولا غرو واللّه ، فياله خطباً يستفرغ العجب ، ويكثر الأود.

حاول القوم إطفاء نور اللّه من مصباحه ، وسد فوّاره من ينبوعه ، وجدحوا بيني وبينهم شرباً وبيئاً ، فإن ترتفع عنّا وعنهم محن البلوي ، أحملهم من الحقّ على محضه ، وإن تكن الأخرى ، « فَلأ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُون » (٢) (٣).

ترى أنّ الاِمام أوجز في الجواب وعطف نظر السائل إلى خطورة الموقف ولزوم الحرب مع ابن أبي سفيان ، قال ابن أبي الحديد : ولو أخذ الاِمام يصرح له بالنص ويعرفه تفاصيل باطن الأمر ، لنفر عنه ، واتّهمه ولم يقبل قوله ولم ينجذب إلى تصديقه ، فكان أولى الأمور في حكم السياسية وتدبير الناس أن يجيب بما لا نفرة منه ولا مطعن عليه فيه (٤).

وأين هو من الجواب المبسوط الذي أتى به زيد بن علي كأنّه يريد أن يدرس العقائد في ساحة الحرب. ونحن نجل قائدنا المحنك من الكلام الخارج عن طور البلاغة.

__________________

١ ـ المعود ـ بسكون العين وفتح الواو ـ كذا ضبطت في اللسان. وفي النهاية لابن الأثير : هكذا جاء « المعود » على الأصل ، وهو « مفعل » من عاد يعود ، ومن حقّ أمثاله أن تقلب واوه ألفاً ، كالمقام والمراح ، ولكنه استعمله على الأصل.

٢ ـ فاطر : ٨.

٣ ـ نهج البلاغة : الخطبة ١٦٣.

٤ ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة : ٩ / ٢٥١ ، الخطبة : ١٦٣.
٣٠٨

٤ ـ أنّ عليـاً وأهل بيته مقتفون أثر فاطمة بنت النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّ الخلفاء ولا يصح لمن ينتمي إلى ذلك البيت أن يبوح بخلاف ما عليه أُمّهم وجدهم ، هذا الأمام البخاري يذكر موقف فاطمة من الخلفاء ويقول : أبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها (فدك وميراثها من النبي) شيئاً فوجدت (١) فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يوَذن بها أبا بكر وصلّى عليها (٢).

هذا من جانب ، ومن جانب آخر ، روى الاِمام البخاري عن المسور بن مخرمة أنّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني (٣).

أفبعد هذين الحديثين هل يصحّ أن يترنّم ولد فاطمة بما نسب إليه؟!.

على أنّ المروي عن طريقنا عن سدير ما لا يلائم ذلك ، قال : دخلت على أبي جعفر ، ومعى سلَمة بن كهيل وأبو المقدام ثابت الحدّادوسالم بن أبي حفصة وكثير النوّاء ، وجماعة معه ، وعند أبي جعفر أخوه زيد بن علي فقالوا لأبي جعفر : نتولى علياً وحسناً وحسيناً ونتبرّأ من أعدائهم؟ قال : نعم ، قالوا : نتوّلى أبا بكر وعمر ونتبرّأ من أعدائهم؟ فالتفت إليهم زيد بن علي وقال : أتتبرّأون من فاطمة بتركم اللّه؟ بترتم أمرنا ، فيومئذ سموا البترية (٤).

وقد مضت أشعاره في ذلك في الفصل الثالث الخاص بخطبه وشعره.

٥ ـ أنّ ظاهر ما نقل عن زيد في هذا الموضع أنّه هو الذي ابتكر ذلك المصطلح وأطلقه على لفيف من الشيعة الذين رفضوه وتركوه في ساحة الحرب أو

__________________

١ ـ فوجدت : غضبت.

٢ ـ البخاري : الصحيح : ٥ / ١٧٧.

٣ ـ المصدر نفسه : ٥ / ٣٦ ، باب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب فاطمة.

٤ ـ الكشي : الرجال : برقم ١١٠ في ترجمة مسلمة بن كهيل.
٣٠٩

أنّه مما حدّث به النبي الأكرم علياً وهو حدّث أبناءه مع أنّ التاريخ يشهد بخلاف ذلك وأنّ كلمة (الرافضة) كانت كلمة سياسية تطلق على مخالف الدولة والحكومات الحاضرة من غير فرق بين علوي أو عثماني حتى أنّ معاوية بن أبي سفيان سمّى مخالفي علي عليه‌السلام رفضة ، وقد جاءت الكلمة في كلمات أبي جعفر الباقر قبل أن تكون لزيد فكرة الثورة أو نفسها وقد أتينا بماجاء حول الكلمة في الجزء الأوّل من هذا المشروع فلا نعيدها ، فلاحظ (١).

٦ ـ أنّ المنقول مسنداً عن طرقنا أنّه لم يذكرهما بخير في ذلك الموقف الرهيب (٢).
الكوفة في مخاض الثورة :

كان يوسف بن عمر عامل هشام في العراق ، وكان يسكن بالحيرة وهي بلدة بين الكوفة والنجف ، وخليفته في الكوفة هو الحكم بن الصلت ورئيس شرطه عمرو بن عبد الرحمن ، ومع ما كان لهم عيون وجواسيس لم يطلعوا على ما كان يجري في الكوفة وما والاها من العشائر ، وهذا يدل على حنكة الثائر حيث صانها من الفشل والتسرب إلى الخارج ، وقد كان التخطيط معجباً جداً ، حيث كان الناس يبايعون زيداً ولا يعرفون مكانه ، وذلك لأنّ معمر بن خثيم وفضيل بن الزبير يُدخلان الناس عليه وعليهم براقع لا يعرفون موضع زيد ، فيأتيان بهم من مكان لايبصرون شيئاً حتى يدخلوا عليه فيبايعون (٣).

كانت الثورة تستفحل إلى أن وافت رسالة هشام إلى عامله أطلعه على الأمر

__________________

١ ـ بحوث في الملل والنحل : ١ / ١٢٥ ـ ١٢٦.

٢ ـ الخزاز القمي : كفاية الأثر : ٣٠٧ ، المجلسي : البحار : ٤٦ / ٢٠١ ح ٧٥.

٣ ـ السياغي : الروض النضير : ١ / ١٣٠.
٣١٠

وشتمه وسفّهه فيها بقوله : إنّك لغافل ، وجاء فيها أنّ رجلاً من بني أُمية كتب في ما ذكر إلى هشام يذكر له أمر زيد فكتب هشام إلى يوسف يشتمه ويجّهله ويقول : انّك لغافل وزيد عاوز ذنبه بالكوفة يبايع له فألجج في طلبه (١).

فكتب يوسف إلى الحكم بن الصلت وهو خليفته على الكوفة بطلبه ، فطلبه ، فخفي عليه موضعه ، فدس يوسف مملوكاً له خراسانياً ألكن ، وأعطاه خمسة آلاف درهم ، وأمره أن يلطف لبعض الشيعة فيخبره أنّه قد قدم من خراسان حباً لأهل البيت وأنّ معه مالاً يريد أن يقويهم به ، فلم يزل المملوك يلقى الشيعة ويخبرهم عن المال الذي معه حتى أدخلوه على زيد ، فخرج ، ودلّ يوسف على موضعه (٢).

وفي رواية أُخرى أنّه انطلق سليمان بن سراقة إلى يوسف بن عمر فأخبره خبره ، وأعلمه أنّه يختلف إلى رجل منهم يقال له عامر ، وإلى رجل من بني تميم يقال له طعمة ابن أُخت لبارق ، وهو نازل فيهم ، فبعث يوسف يطلب زيداً في منزلهما ، فلم يوجد عندهما ، وأخذ الرجلان فأُتي بهما فلما كلّمهما استبان له أمر زيد وأصحابه وتخوف زيد بن علي أن يوَخذ فتعجل قبل الأجل الذي جعله بينه وبين أهل الكوفة (٣).

ظلت الحكومة تفحص عن موضع زيد فلم تحصّله ، ولكن وقف على زمان تفجر الثورة وأنّه واعد أصحابه ليلة الأربعاء أوّل ليلة من صفر سنة ١٢٢ هـ.

الحيلولة بين الناس وزيد :

لما بلغ يوسف أنّ زيداً قد أزمع على الخروج في زمان محدود ، أراد فصل

____________

١ ـ الطبري : التاريخ : ٥ / ٥٠٤.

٢ ـ الطبري : التاريخ : ٥ / ٥٠٥.

٣ ـ الطبري : التاريخ : ٥ / ٤٩٨.
٣١١

الناس عن زيد ، والحيلولة بين القائد والمقود.

قال الطبري : بعث يوسف بن عمر إلى الحكم بن الصلت فأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم يحصرهم فيه ، فبعث الحكم إلى العرفاء والشرط والمناكب والمقاتلة ، فأدخلهم المسجد ، ونادى مناديه : ألا إنّ الأمير يقول : من أدركناه في رحله فقد برئت منه الذمة ادخلوا المسجد الأعظم ، فأتى الناس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بيوم. وطلبوا زيداً في دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري ، فخرج ليلاً وذلك ليلة الأربعاء في ليلة شديدة البرد من دار معاوية بن إسحاق (١).

وقف زيد على أنّ العدو قد اطّلع على سره فظل يبحث موضعه ، وأنّه لو تأخر وأمهل في الخروج ربما كشف عن مخبأه ، فاستعد للقتال ، بإلقاء خطب تحث الأفراد ، للقيام ، وقد عرفت بعضها ونورد في المقام ما لم نذكره هناك :
خطبه في حث المبايعين على القتال :

قد نقل عن الاِمام الثائر خطب بليغة عند اشتعال الحرب.

١ ـ روي أنّه لمّا خفقت الرايات على رأسه قال : الحمد للّه الذي أكمل لي ديني بعد أن كنت أستحيي من رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أرد عليه ولم آمر أُمّته بمعروف ولم أنه عن منكر (٢).

٢ ـ روى صاحب كتاب : « التقية والتقى » بإسناد إلى خالد بن صفوان ، قال : سمعت زيد بن علي يقول : أيّها الناس عليكم بالجهاد ، فإنّه قوام الدين

__________________

١ ـ الطبري : التاريخ : ٥ / ٤٩٩.

٢ ـ السياغي : الروض النضير : ١ / ١٠٢.
٣١٢

وعمود الاِسلام ومنار الاِيمان ، واعلموا أنّه ما ترك قوم الجهاد قطّ إلاّ حقروا وذلوا ... ثم قرأ الفاتحة إلى قوله : « الصراط المستقيم » : وقال : الصراط المستقيم هو دين اللّه وسنامه وقوامه الجهاد ، ثم ذكر ما نزل من القرآن في فضل الجهاد من أول القرآن إلى آخره (١).

٣ ـ روى الاِمام المهدي في « المنهاج » والاِمام أبو طالب في « الأمالي » والسيد أبو العباس في « المصابيح » عن سعيد بن خثيم ، قال : إنّ زيداً عليه‌السلام كتَّب كتائبه فلمّا خفقت راياته رفع يديه إلى السماء ، فقال : الحمد للّه الذي أكمل لي ديني ، واللّه مايسرّني إنّي لقيت محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم آمر في أُمّته بالمعروف ولم أنههم عن المنكر ، واللّه ما أُبالي إذا أقمت كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أُجّجت لي نار ثم قُذِفْتُ فيها ، ثم صرتُ بعد ذلك إلى رحمة اللّه تعالى ، واللّه لا ينصرني أحد إلاّ كان في الرفيق الأعلى مع محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام.

ويحكم أما ترون هذا القرآن بين أظهركم ، جاء به محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونحن بنوه؟ يا معاشر الفقهاء ويا أهل الحجا أنا حجّة اللّه عليكم ، هذه يدي مع أيديكم على أن نقيم حدود اللّه ونعمل بكتاب اللّه ونقسم فيئكم بينكم بالسوية ، فسلوني عن معالم دينكم فإن لم أُنبئكم عما سألتم فولّوا من شئتم ممن علمتم أنّه أعلم مني ، واللّه لقد علمت علم أبي علي بن الحسين وعلم جدي الحسين وعلم علي بن أبي طالب وصي رسول اللّه وعيبة علمه ، وإنّي لأعلم أهل بيتي ، واللّه ما كذبت كذبة منذ عرفت يميني من شمالي ، ولا انتهكت محرماً للّه عزّ وجلّ منذ عرفت أنّ اللّه يوَاخذني (٢).

ومضى من طرقنا ما لا يجامع بعض ما ورد في هذه الخطبة فقد كان زيد

__________________

١ ـ السياغي : الروض النضير : ١ / ١٠٦.

٢ ـ المصدر نفسه : ١ / ١٢٨.
٣١٣

معترفاً بأعلمية الاِمام الصادق عليه‌السلام فانتظر.

روى الاِمام المهدي في « المنهاج » ، وصاحب « المحيط » في كتابه ، والاِمام المرشد باللّه في « أماليه » عن محمد بن فرات ، قال : وقف زيد عليه‌السلام على باب الجسر وجاء إلى أهل الشام ، فقال لأصحابه : انصروني على أهل الشام فواللّه لا ينصرني رجل عليهم إلاّ أخذت بيده أُدخله الجنّة ، ثم قال : واللّه لو عملت عملاً هو أرضى للّه من قتال أهل الشام لأفعلنّه ، وقد كنت نهيتكم أن لاتتبعوا مدبراً ، ولاتجهزوا على جريح ، أو تفتحوا باباً مغلقاً ، فإن سمعتموهم يسبّون علي بن أبي طالب فاقتلوهم من كل وجه (١).

٤ ـ روى الاِمام المهدي والسيد أبو العباس الحسني وأبو طالب في « الأمالي » بالاِسناد إلى سهل بن سليمان الرازي عن أبيه ، قال : شهدت زيد بن علي عليه‌السلام يوم خرج لمحاربة القوم بالكوفة ، فلم أر يوماً قط كان أبهى ، ولا رجالاً كانوا أكثر قرّاء ، ولا فقهاء ولا أوفر سلاحاً من أصحاب زيد بن علي ، فخرج على بغلة شهباء وعليه عمامة سوداء ، بين يدي قربوس سرجه مصحف. قال : أيها الناس أعينوني على أنباط الشام ، فواللّه لا يعينني عليهم منكم أحد إلاّ رجوت أن يأتيني يوم القيامة آمناً ، حتى يجوز على الصراط ويدخل الجنّة ، واللّه ما وقفت هذا الموقف حتى علمت التأويل والتنزيل ، والمحكم والمتشابه ، والحلال والحرام بين الدفتين (٢).

إنّ هذه الخطب تحكي عن روح ثورية وبطولة باهرة ، وتفانٍ في سبيل الحقّ ، غير أنّ بعض المغالين في حقّه أدخل في خطبه ما لا يدّعيه زيد ، ولا يصدقه أهل بيته. ومن المكذوب المنسوب إليه ما روي عن أبي الجارود أنّ زيداً قال :

__________________

١ ـ السياغي : الروض النضير : ١ / ١٢٧.

٢ ـ المصدر نفسه : ١ / ١٢٧ ـ ١٢٨.
٣١٤

سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني فإنّكم لن تسألوا مثلي ، واللّه لا تسألوني عن آية من كتاب اللّه إلاّ أنبأتكم بها ، ولاتسألوني عن حرف من سنّة رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ أنبأتكم به ، ولكنكم زدتم ونقصتم ، وقدّمتم وأخرّتم ، فاشتبهت عليكم الأخبار (١).

إلفات نظر :

كيف يصدق ذلك الكلام وقد روى ابن عبد البر بإسناده إلى سعيد بن المسيب ، قال : ما كان أحد من الناس يقول سلوني ، غير علي بن أبي طالب عليه‌السلام (٢) قال العلامة المجلسي : أجمع الناس كلّ الصحابة ولا أحد من العلماء هذا الكلام (٣).

روى الأصبغ بن نباته قال : لما جلس علي عليه‌السلام في الخلافة وبايعه الناس خرج إلى المسجد متعمماً بعمامة رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لابساً بردة رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، متنَعِلاً نعل رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، متقلداً سيف رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فصعد المنبر فجلس عليه متمكناً ثم شبّك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه ثم قال : « يامعاشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني ، هذا سفط العلم ، هذا لعاب رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هذا مازقّني رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زقّاً زقاً ، سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين والآخرين ، أما واللّه لوثنيت لي وسادة فجلست عليها ، لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم حتى تنطق التوراة فتقول : صدق عليّ ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ ، وأفتيت أهل الاِنجيل بإنجيلهم حتى ينطق الاِنجيل فيقول : صدق عليّ ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ ، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق القرآن فيقول : صدق علي ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ. وأنتم تتلون القرآن ليلاً ونهاراً ، فهل فيكم أحد يعلم ما نزل فيه؟ ولولا

__________________

١ ـ السياغي : الروض النضير : ١ / ١٢٨.

٢ ـ الاستيعاب : ٣ / ٣٩.

٣ ـ المجلسي : البحار : ١٠ / ١٢٨.
٣١٥

آية في كتاب اللّه عزّ وجلّ لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة ، وهي هذه الآية : « يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ ويُثْبِتُ وعِندَهُ أُمُّ الكِتاب ».

ثم قال : سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لوسألتموني عن أيّة آية في ليل أُنزلت أو في نهار أُنزلت ، مكيّها ومدنيّها ، سفريّها وحضريّها ، ناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وتأويلها وتنزيلها لأخبرتكم » (١).

* * *

ونزيد بياناً : كيف يصحّ لزيد ومن هو في درجته ومنزلته ، أن يدّعي أنّ عنده علم الكتاب والسنّة ، ولايشذّ عنه جواب سوَالٍ ، مع أنّه لم يدرس إلاّ عند أبيه الاِمام زين العابدين عليه‌السلام وكان له من العمر عندما توفي والده (٩٤ أو ٩٥ هـ) ما لا يتجاوز العشرين ، ولو أكمل دراسته عند أخيه الاِمام الباقر عليه‌السلام فليس هو بأرفع من أُستاذه الكبير الذي أطبق العلماء على أنّه كان يبقر العلم بقراً.

إنّ هذه الكلمة إنّما هي لمن كانت له تربية إلهية ، وتوعية غيبية ، تربى في أحضان الوحي ، فصار موضع سرّ النبي ، وعيبة علمه إلى أن بلغ شأواً يرى ما رآه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويسمع ما سمعه وليس هو إلاّ الاِمام أمير الموَمنين وسيد الوصيين علي ابن أبي طالب ، وهو يصف نفسه بقوله : « يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ، ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاِسلام غير رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخديجة وأنا ثالثهما. أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم ريح النبوة.

ولقد سمعت رنّة الشيطان ، حين نزل الوحي عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت : يارسول اللّه ما

__________________

١ ـ المجلسي : البحار : ١٠ / ١١٧ ح ١ ، والآية ٣٩ من سورة الرعد.
٣١٦

هذه الرنّة؟ فقال : هذا الشيطان قد آيس من عبادته إنّك تسمع ما أسمع ، وترى ما أرى إلاّ أنّك لست نبي ولكنك وزير وإنّك لعلى خير » (١).

ولم يكن زيد ، إلاّ محدِّثاً واعياً ، وفقيهاً بارعاً وله من العلم والفضل ، ما للطبقة العليا من تلاميذ أبيه وأخيه غير أنّ الذي رفعه ، وأخلد ذكره ، إنّما هو جهاده ونضاله ، وتفانيه في سبيل اللّه : « فضَّلَ اللّهُ المُجاهِدِينَ على القاعِدِينَ أجراً عَظِيماً » (٢) ، ولا صلة له بعلمه وفضله ، ولو قيس الحديث والفقه ، إلى ما روى عن الصادقين من العلوم والمعارف لعلم أنّ الأولى أن ينسب ذلك الكلام إلى الاِمامين لا إلى زيد ، ولكنّهما لم يبوحا بذلك أبداً.
تكتيب الكتائب والهجوم على الكوفة والحيرة :

غادر زيد ليلة الأربعاء ، دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري ، واستقر خارج الكوفة فأمر برفع الهرادي (٣) فيها فكلما أكل النار هردياً ، رفعوا آخر فما زالو كذلك حتى طلع الفجر فلما أصبح ، أمر بعض أصحابه النداء وبالشعار لغاية تقاطر المبايعين إلى النقطة التي استقر فيها لاِرسال الكتائب منها إلى الكوفة والحيرة ولفتح البلدين ، ومحاربة المانعين من أبناء البيت الأموي وأنصارهم ، فكان التخطيط تخطيطاً عسكرياً بارعاً لولا أن القضاء سبق التدبير ، وتسرب أسرار الثورة إلى الخارج ، وحالت العامل وخليفته ، بينه وبين وثوب الناس واجتماعهم لديه.

أصبح زيد وتعجب من قلة الحاضرين (٤) وقال : أين الناس ، فقيل له : هم

__________________

١ ـ الرضي : نهج البلاغة ، الخطبة القاصعة : برقم ١٩٢.

٢ ـ النساء : ٩٥.

٣ ـ القصب.

٤ ـ الحاضرون : حسب ما نقله الطبري كانوا مائتين وثمانية عشر رجلاً : التاريخ : ٥ / ٥٠٠.
٣١٧

في المسجد الأعظم محصورون ، فقال : لا واللّه ما هذا لمن بايعنا بعذر ، ولم يجد بداً من القتال بمن معه ، موطناً نفسه على الاستشهاد وقد ذكر الموَرخون كيفية قتاله وقتال أصحابه الموفين بعهدهم وبيعتهم ، وهم بين موجز في القول ومسهب في النقل ، ونحن نكتفي بنصوص ثلاثة :

١ ـ قال المسعودي : « مضى زيد إلى الكوفة وخرج عنها ومعه القرّاء والأشراف ، فحاربه يوسف بن عمر الثقفي فلما قامت الحرب ، انهزم أصحاب زيد ، وبقي في جماعة يسيرة ، فقاتلهم أشد قتال وهو يقول متمثلاً :

أذل الحياة وعزّ الممات
    

    

وكلاً أراه طعاماً وبيلا

فإن كان لابد من واحد
    

    

فسيري إلى الموت سيراً جميلا

وحال المساء بين الفريقين فراح زيد مثخناً بالجراح وقد أصابه سهم في جبهته فطلبوا من ينزع النصل ، فأتى بحجام من بعض القرى فاستكتموه أمره فاستخرج النصل فمات من ساعته ، فدفنوه في ساقية ماء وجعلوا على قبره التراب والحشيش ، وأُجري الماء على ذلك ، وحضر الحجام مواراته ، فعرف الموضع فلما أصبح مضى إلى يوسف متنصحاً ، فدلّه على موضع قبره ، فاستخرجه يوسف ، وبعث برأسه إلى هشام ، فكتب إليه هشام : أن أصلبه عرياناً ، فصلبه يوسف كذلك ، ففي ذلك يقول بعض شعراء بني أُمية يخاطب آل أبي طالب وشيعتهم من أبيات :

صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة
    

    

ولم أر مهدياً على الجذع يصلب

وبنى تحت خشبته عموداً ، ثم كتب هشام إلى يوسف يأمره بإحراقه وذروه في الرياح (١).

__________________

١ ـ المسعودي : مروج الذهب : ٣ / ٢٠٧.
٣١٨

هذا ما يذكره المسعودي الذي يذكر الأحداث على وجه الاِيجاز.

٢ ـ أنّ الطبري يذكر القصة ببسط وتفصيل ويذكر لزيد بطولات باهرة وأنّه دامت الحرب يومين (الأربعاء والخميس) وأنّه وصل بأصحابه إلى باب الفيل ، فجعل أصحابه يدخلون راياتهم من فوق الأبواب ويقولون : يا أهل المسجد اخرجوا ، وجعل نصر بن خزيمة يناديهم ، ويقول : يا أهل الكوفة اخرجوا من الذل إلى العز ، اخرجوا إلى الدين والدنيا فإنّكم لستم في دين ولا دنيا ، فأشرف عليهم أهل الشام فجعلوا يرمونهم بالحجارة من فوق المسجد ... (١).

ولو صحّ ما ذكره الطبري وتبعه الجزري لزم أن يكون المتواجدون في معسكره أزيد مما ذكره.

٣ ـ وممّن لخّص الحادثة ولم تفته الاِشارة إلى دقائقها : الاِمام المنصور باللّه عبد اللّه بن حمزة في « الشافي » قال : « وكان ديوانه قد انطوى على خمسة عشر ألف مقاتل خارجاً عمن بايع من جميع أهل الأمصار وسائر البلدان ، ثم قال : ولمّا خرج عليه‌السلام خرج معه القرّاء والفقهاء وأهل البصائر قدر خمسة آلاف رجل في زيّ لم ير الناس مثله ، وتخلّف باقي الناس عنه ، فقال : أين الناس؟ قال : أُحتبسوا في المسجد ، فقال : لا يسعنا عند اللّه خذلانهم ، فسار حتى وصل إليهم وأمرهم بالخروج فلم يفعلوا. فقال نصر بن خزيمة :

يا أهل الكوفة اخرجوا من الذل إلى العز إلى خير الدنيا والآخرة ، وأدخلوا عليهم الرايات من طاقات المسجد فلم ينجح ذلك فيهم شيئاً.

وأقبلت جنود الشام من تلقاء الحيرة ، فحمل عليهم عليه‌السلام كأنّه الليث المغضب ، فقتل منهم أكثر من ألفي قتيل بين الحيرة والكوفة وأقام بين الحيرة

__________________

١ ـ الطبري : التاريخ : ٥ / ٥٠١.
٣١٩

والكوفة ، ودخلت جيوش الشام الكوفة ففرق أصحابه فرقتين ، فرقة بأزاء أهل الكوفة وفرقة بأزاء أهل الحيرة ، ولم يزل أهل الكوفة يخرج الواحد منهم إلى أخيه والمرأة إلى زوجها ، والبنت إلى أبيها والصديق إلى صديقه ، فيبكي عليه حتى يرده فأمسى عليه‌السلام وقد رقّ عسكره وخذله كثير ممن كان معه ، وأهل الشام في اثني عشر ألفاً وحاربهم عليه‌السلام يوم الأربعاء ويوم الخميس وحمل عليهم عشية الخميس ، فقتل من فرسانهم زيادة على مائتي فارس ، وأُصيب عليه‌السلام آخر يوم الجمعة بنشابة في جبينه ، فحمل إلى دور « أرحب » و « شاكر » وجيء بطبيب نزع النصل ، بعد أن عهد إلى ولده يحيى بجهاد الظالمين ، ثم مات من ساعته ودفن في مجرى ماء وأُجري عليه الماء ، فأبصرهم غلام سنديّ ، فلما ظهر قتله وصاح صائح يوسف بن عمر بطلبه دلّ عليه ، فصلبوه في الكناسة وحرقوه بعد ذلك ، وخبطوه بالشماريخ والعثاكيل حتى صار رماداً ، وسفّوه في البر والبحر وذروه في الرياح ، فحرق اللّه هشاماً في الدنيا وله في الآخرة عذاب النار (١).

وقد بسط أبو الفرج الكلام في قتاله ونضاله وقال في آخر كلامه :

قال : وجعلت خيل أهل الشام لاتثبت لخيل زيد بن علي. فبعث العباس ابن سعد إلى يوسف بن عمر يعلمه ما يلقى من الزيدية وسأله أن يبعث إليه الناشبة فبعث إليه سليمان بن كيسان في القيقانية وهم نجارية وكانوا رماة فجعلوا يرمون أصحاب زيد. وقاتل معاوية بن إسحاق الأنصاري يومئذ قتالاً شديداً فقتل بين يدي زيد. وثبت زيد في أصحابه حتى إذا كان عند جنح الليل رُمي زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى فنزل السهم في الدماغ ، فرجع ورجع أصحابه ولايظن أهل الشام أنّهم رجعوا إلاّ للمساء والليل.

قال أبو مخنف : فحدثني سلمة بن ثابت وكان من أصحاب زيد وكان آخر

__________________

١ ـ السياغي : الروض النضير : ١ / ١٣٣.
٣٢٠

من انصرف عنه هو وغلام لمعاوية بن إسحاق ، قال : أقبلت أنا وأصحابي نقتفي أثر زيد فنجده قد دخل بيت « حران بن أبي كريمة » في سكة البريد في دور « أرحب » و « شاكر » فدخلت عليه فقلت له : جعلني اللّه فداك أبا الحسين ، وانطلق ناس من أصحابه فجاءوا بطبيب يقال له سفيان مولى لبني دواس. فقال له : إنّك إن نزعته من رأسك مت ، قال : الموت أيسر علي مما أنا فيه.

قال : فأخذ الكبتين فانتزعه فساعة انتزاعه مات صلوات اللّه عليه.

قال القوم : أين ندفنه؟ أين نواريه؟ فقال بعضهم : نلبسه درعين ثم نلقيه في الماء. وقال بعضهم : لا بل نحتز رأسه ثم نلقيه بين القتلى.

قال : فقال يحيى بن زيد : لا واللّه لا يأكل لحم أبي السباع. وقال بعضهم نحمله إلى العباسية فندفنه فيها. فقبلوا رأيه.

قال : فانطلقنا فحفرنا له حفرتين وفيها يومئذ ماء كثير حتى إذا نحن مكنّا له ، دفناه ثم أجرينا عليه الماء ومعنا عبد سنديّ. قال سعيد بن خثيم في حديثه : عبد حبشي كان مولى لعبد الحميد الرواسي وكان معمر بن خثيم قد أخذ صفته لزيد وقال يحيى بن صالح : هو مملوك لزيد سنديّ وكان حضرهم.

قال أبو مخنف عن كهمس قال : كان نبطيّ يسقي زرعاً له حين وجبت الشمس فرآهم حيث دفنوه ، فلما أصبح أتى الحكم بن الصلت فدلّهم على موضع قبره ، فسرح إليه يوسف بن عمر ، العباس بن سعيد المري. قال أبو مخنف : بعث الحجاج بن القاسم فاستخرجوه ـ وحملوه ـ على بعير.

قال هشام : فحدثني نصر بن قابوس قال : فنظرت واللّه إليه حين أقبل به على جمل قد شدّ بالحبال وعليه قميص أصفر هروي ، فأُلقي من البعير على باب القصر فخرّ كأنّه جبل. فأمر به فصلب بالكناسة ، وصلب معه معاوية بن
٣٢١

إسحاق ، وزياد الهندي ونصر بن خزيمة العبسي (١) وعن ابن عساكر : « وأمر بحراستهم وبعث بالرأس إلى الشام فصلب على باب مدينة دمشق ثم أرسل إلى المدينة » (٢).

« وقال الوليد بن محمد : كنّا على باب الزهري إذ سمع جلبة ، فقال : ما هذا ياوليد؟ فنظرت ، فإذا رأس زيد بن علي يطاف به بيد اللعانين ، فأخبرته فبكى ، ثم قال : أهلك أهل هذا البيت العجلة! قلت : ويملكون؟ قال : نعم ، وكانوا قد صلبوه بالكناسة سنة احدى أو اثنتين أو ثلاث وعشرين ومائة ، وله اثنتان أو أربع وأربعون سنة ، ثم أحرقوه بالنار فسمّي زيد النار. ولم يزل مصلوباً إلى سنة ست وعشرين ، ثم أُنزل بعد أربع سنين من صلبه. وقيل : كان يوجه وجهه ناحية الفرات فيصيح ، وقد دارت خشبته ناحية القبلة مراراً ، ونسجت العنكبوت على عورته ، وكان قد صلب عرياناً. وقال الموكل بخشبته : رأيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في النوم وقد وقف على الخشبة وقال : « هكذا تصنعون بولدي من بعدي! يابنيّ يازيد! قتلوك قتلهم اللّه! صلبوك صلبهم اللّه! » فخرج هذا في الناس. فكتب يوسف بن عمر إلى هشام أن عجل إلى العراق فقد فتنتهم! فكتب إليه : أحرقه بالنار! ، وقال : جرير ابن حازم : رأيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مسنداً ظهره إلى خشبة زيد بن علي وهو يبكي ويقول : « هكذا تفعلون بولدي » ، ذكر ذلك كله الحافظ ابن عساكر في « تاريخ دمشق » (٣).

وفي معجم البلدان : « وعلى باب الكورتين مشهد زيد ، فيه مدفن زيد بن علي بن أبي طالب الذي قتل بالكوفة وأحرق وحمل رأسه فطيف به الشام ، ثم حمل إلى مصر فدفن هناك (٤).

__________________

١ ـ أبو الفرج : مقاتل الطالبيين : ٩٦ ؛ ونقل الطبري في تاريخه خطبة يوسف بن عمر بعد قتل زيد لاحظ : ٥ / ٥٠٧.

٢ ـ السيد الأمين : زيد الشهيد : ٧٧.

٣ ـ صلاح الدين الصفدي : الوافي بالوفيات : ١٥ / ٣٤.

٤ ـ ياقوت : معجم البلدان : ٨ / ٧٧ ، مادة مصر.
٣٢٢

وقال ابن مهنا : « قال الناصر الكبير الطبرستاني لما قتل زيد بعثوا برأسه إلى المدينة ونصب عند قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً وليلة » (١).

وقال السيد الأمين : كأنّهم يريدون أن يقولوا : يامحمد هذا برأس ولدك الذي قتلناه بمن قُتِل منّا يوم بدر نصبناه عند قبرك (٢).

قيل لأبي نعيم الفضل دكين : كان زهير بن معاوية يحرس خشبة زيد بن علي؟

قال : نعم ، وكان فيه شر من ذلك ، وكان جده الرحيل فيمن قتل الحسين ( صلوات اللّه عليه ) (٣).
الرأي العام في استشهاد زيد :

إنّ وعاظ السلاطين وشعراء البلاط الأموي كانوا ينقمون منه وينظمون القريض في ذمّه ، ولمّا صلب أقبل شاعر منهم وقال :

ألا يا ناقض الميثا
    

    

ق أبشر بالذي ساكا

نقضت العهد والميثا
    

    

قدماً كان قدما كا

فقيل له : ويلك أتقول هذا لمثل زيد ، فقال : إنّ الأمير غضبان فأردت أن أرضيه ، فرد عليه بعض الشعراء المخلصين وقال :

__________________

١ ـ ابن مهنا : عمدة الطالب : ٢٥٨ ، ط النجف.

٢ ـ الأمين : زيد الشهيد : ٨٠.

٣ ـ المفيد : الاختصاص : ١٢٨ ؛ المجلسي : بحار الأنوار : ٤٦ / ١٨١.
٣٢٣

ألا يا شاعر السوء
    

    

لقد أصبحت أفّاكا

أتشتم ابن رسول اللـ
    

    

ـه وتُرضي من تولاكا

ويوم الحشر لاشك
    

    

فإنّ النار مثواكا (١)

هذا ولما قتل زيد لبست الشيعة السواد ، ورثوه بقصائد نذكر بعضها :

١ ـ ما رثى به فضل بن العباس بن عبد الرحمان بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب (ت ١٢٩ هـ) مصلوب على عمود بالكناسة.

الا ياعين لاترق وجودى
    

    

بدمعك ليس ذا حين الجمود

غداة ابن النبي أبو حسين
    

    

صليب بالكناسة فوق عود

يظل على عمودهم ويُمسي
    

    

بنفسي أعظم فوق العمود

تعدى الكافر الجبار فيه
    

    

فأخرجه من القبر اللحيد

فظلّوا ينبشون أبا حسين
    

    

خضيباً بينهم بدم جسيد (٢)

وقال أبو ثميلة الآبار يرثي زيداً :

أبا الحسين أعار فقدك لوعةً
    

    

من يلقَ ما لقيت منها يكمد

كنت الموَمل للعظائم والنهى
    

    

ترجى لأمر الأمة المتأود

فقتلت حين رضيت كل مناضل
    

    

وصعدت في العلياء كل مصعد

والقتل في ذات الاِله سجية
    

    

منكم وأحرى بالفعال الأمجد

والناس قد آمنوا وآل محمّد
    

    

من بين مقتول وبين مشرد (٣)

__________________

١ ـ الطبري : التاريخ : ٥ / ٥٠٦.

٢ ـ أبو الفرج : مقاتل الطالبيين : ١٠١ ـ ١٠٢.

٣ ـ أبو الفرج : مقاتل الطالبيين : ١٠١ ـ ١٠٢.
٣٢٤

وقد رثي الاِمام الثائر بقصائد كثيرة لوجمعت لكانت كتاباً مفرداً ونكتفي في المقام بما جادت به قريحة سيدنا العلامة الأمين نقتطف منه ما يلي :

لقد لامني فيك الوشاة وأطنبوا
    

    

وراموا الذي لم يدركوه فخُيّبوا

أرقتَ وقد نام الخلي ولم أزل
    

    

كأنّي على جمر الغضى أتقلّب

عجبت وفي الأيام كم من عجائب
    

    

ولكما فيها عجيب وأعجب

تفاخَرنا قوم لنا الفخر دونها
    

    

على كل مخلوق يجيء ويذهب

وما سائني إلا مقالة قائل
    

    

إلى آل مروان يضاف وينسب

(صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة
    

    

ولم أر مهدياً على الجذع يصلب)

فإن تصلبوا زيداً عناداً لجده
    

    

فقد قتُلت رسل الاِله وصلّبوا

وإنّا نعد القتل أعظم فخرنا
    

    

بيوم به شمس النهار تحجب

فما لكم والفخر بالحرب إنّها
    

    

إذا ماانتمت تنمى إلينا وتنسب

هداة الورى في ظلمة الجهل والعمى
    

    

إذا غاب منهم كوكب بان كوكب

كفاهم فخاراً أنّ أحمد منهم
    

    

وغيرهم أن يدَّعوا الفخر كذبوا (١)

__________________

١ ـ زيد الشهيد : ٧٨.
٣٢٥
٣٢٦
القسم الثاني :

وإليك مجمل ما فيه من فصول :

الفصل الأوّل : عرض إجمالي للثائرين بعد الاِمام زيد وهم بين داع وإمام.

الفصل الثاني : أصحاب الانتفاضة.

الفصل الثالث : أئمة الزيدية ودولتهم في اليمن.

الفصل الرابع : أئمة الزيدية ودولتهم في طبرستان.

الفصل الخامـس : الدولة الزيدية في المغرب.

الفصل السادس : الأعلام المجتهدون من الزيدية.

الفصل السابع : شخصيات زيدية ذات اتجاهات خاصة.

الفصل الثامن : فرق الزيدية في كتب تاريخ العقائد.

الفصل التاسع : في عقائد الزيدية.

الفصل العاشر : في أُمور متفرقة.
٣٢٧
٣٢٨
الفصل الأوّل

عرض إجمالي للثائرين بعد الاِمام زيد

وهم بين داع وإمام

إنّ ثورة زيد بن علي كانت ثورة عارمة بوجه الظالمين هزّت وضعضعت أركان الدولة الأموية وساعدت على إزالتهم عن أديم الأرض ، وقد استغلّها العباسيون في تنظيم حركتهم لاِقامة دولتهم وقد تركت ثورته في القلوب محبّة للثائر ومن حبا حبوه بشكل قلّ نظيره ، حتى أنّ يحيى بن زيد لما أُطلق سراحه اتّخذ الخراسانيون من قيد قدميه فصوصاً لخواتيمهم ، يتبركون بها ، وهذا يدلّ على عمق تأثير ثورة زيد في قلوب المسلمين. ولاِيقاف القارىَ على الأحداث التي وقعت بعد ثورته ، نذكر الذين نهجوا منهجه وساروا على دربه ، أخذوا بزمام الثورة وقادوها ، واحداً بعد الآخر ، وإليك أسماءهم أوّلاً ، ثم الاِدلاء بحياتهم وثورتهم ، ثانياً :

١ ـ يحيى بن زيد ، الذي اشترك مع أبيه في الثورة وبقي بعد مقتل أبيه.

٢ ـ محمد بن عبد اللّه بن الحسن المعروف بالنفس الزكية المستشهد عام ١٤٥ هـ ، خرج بالمدينة مطالباً بإرجاع الحقوق إلى أصحابها الشرعيين ، وكان محمد
٣٢٩

قد شارك في ثورة زيد بن علي ولما فشلت عاد إلى المدينة ، وسيوافيك أنّ يحيى بن زيد قد فوّض الأمر إلى النفس الزكية.

٣ ـ لما قتل محمد بن عبد اللّه قام أخوه إبراهيم بن عبد اللّه في نفس العام في البصرة ، التحق به أنصار زيد بن علي ، لمواصلة القتال من جديد. إلى أن قضى عليه أبو جعفر المنصور في نفس العام.

٤ ـ ولما قتل محمد بن عبد اللّه ، مضى أخوه إدريس بن عبد اللّه إلى المغرب فأجابه خلق من الناس وبعث المنصور من اغتاله بالسم وقام ولده إدريس بن إدريس بن عبد اللّه بن الحسن مقامه ، وأسّس دولة الأدارسة في المغرب. ذكر تفصيله المسعودي في مروج الذهب (١) وسيوافيك الكلام فيه في محلّه.

٥ ـ عيسى بن زيد بن علي ، أخو يحيى بن زيد ، وقد توارى بعد ثورة أخيه فمات متوارياً عام ١٦٦ هـ.

٦ ـ محمد بن إبراهيم (طباطبا) ، فقد خرج في خلافة المأمون ودعا إلى الرضا من آل محمد وكانت له أتباع وغلب على بلاد العراق وهزمت جيوش المأمون التي أُرسلت للقضاء عليه ، وصلت سيطرة ابن طباطبا إلى الحجاز حتى أنّ الحسين بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي المعروف بـ « الأفطس » دعا له بالمدينة ، وتوفي عام ١٩٩ هـ.

٧ ـ محمد بن محمد بن زيد بن علي ، وكان أبو السرايا قائداً عاماً لجيشه وكان قبل ذلك داعية لابن طباطبا.

لما توفي محمد بن إبراهيم (طباطبا) هرب أخوه القاسم بن إبراهيم (طباطبا)

__________________

١ ـ المسعودي مروج الذهب : ٣ / ٢٩٦ ، قال : وقد أتينا على خبرهم عند ذكرنا بخبر عبيد اللّه صاحب المغرب ، وبنائه المدينة المعروف بالمدينة.
٣٣٠

إلى الهند وتوفي هناك عام ٢٥٤ هـ فعاد ابنه الحسين بن القاسم إلى اليمن ، وعند ذلك تواصلت قيادة الثورة بابنه الآخر أعني :

٨ ـ محمد بن القاسم بن علي بن عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب ، فقد ظهر في الطالقان عام ٢١٩ هـ ودعا إلى الرضا من آل محمد ، ولكن أُلقي القبض عليه فجيء به إلى المعتصم فسجن.

٩ ـ يحيـى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، خرج بالكوفه عام ٢٥٠ هـ غير أنّ ثورته فشلت.

١٠ ـ يحيى بن الحسين بن القاسم ، المعروف بالزاهد وقد دعا لنفسه بصعده وبويع للاِمامة عام ٢٨٨ هـ.

ثم إنّ الاِمام يحيى بن الحسين أسس دولة زيدية باليمن وقامت بالاِمامة واحد بعد الآخر وكلّهم من أبناء القاسم إلى أن أُقصيت الزيدية عن الحكم في اليمن بحلول الجمهورية ، وذلك في شهر ربيع الأوّل من سنة ١٣٨٢ هـ ، وسيوافيك أسماء أئمتهم إلى المنصور باللّه محمد البدر بن أحمد بن يحيى حميد الدين. في محلّه.

١١ ـ قامت دولة زيدية أُخرى في طبرستان بين ٢٥٠ ـ ٣٦٠ هـ.

وفي عام ٢٥٠ هـ ظهر الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب في طبرستان أيام المستعين ، واستطاع السيطرة على طبرستان وجرجان بعد قتال مرير ضد محمد بن طاهر أمير خراسان وتوفي عام ٢٧٠ هـ.

١٢ ـ قـام مقامه أخوه محمد بن زيد ودخل بلاد الديلم عام ٢٧٧ هـ وامتلكها وتمت بيعة رافع له.
٣٣١

وفي عام ٢٨٧ هـ سار محمد بن زيد نحو خراسان للاستيلاء عليها ، فاصطدم بإسماعيل الساماني المتوفى عام ٢٩٥ هـ ومات متأثراً بجراحه.

١٣ ـ ثم ملك طبرستان بعد ذلك الناصر للحق الحسن بن علي المعروف بـ « الأطروش » وقد كان يدعو الناس إلى الاِسلام على مذهب زيد بن علي ، وكانوا على دين المجوسية فاستجابوا له واستطاع عام ٣٠١ ، أن يستولي على طبرستان والديلم إلى أن وافته المنية عام ٣٠٤ هـ.

١٤ ـ وجاء بعده الحسن بن القاسم (الملقب بالداعي) بن الحسن بن علي ابن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط.

١٥ ـ وقام مقامه محمد بن الحسن بن القاسم بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط المتوفى سنة ٣٦٠ هـ.

هذه جدولة موجزة وضعتها أمام القارىء للثائرين المشهورين ، وإلاّ الثوار الداعون إلى منهج الاِمام زيد أكثر من ذلك ، وقد ذكر الاِمام الأشعري منهم اثنين وعشرين نفراً كلّهم من العلويين ، حيث ضرجوا بدمائهم ، أو أُقصوا من ديارهم ، لاِرجاع العدالة والدين إلى الساحة الاِسلامية ، ولعلّ بين قرّاء الكتاب من له رغبة في الوقوف على أسماء الجميع ، ـ ولذلك ـ نذكر نصّ الشيخ الأشعري بتلخيص.
قائمة الثائرين بعد زيد الشهيد :

قال الأشعري : هذا ذكر من خرج من آل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فذكر أوّلاً خروج أبي الشهداء الحسين بن علي عليهما‌السلام ، ثم خروج زيد بن علي على وجه التفصيل ، وأوجز الكلام فيما يأتي ، أعني بهم :
٣٣٢

١ ـ يحيى بن زيد ...

٢ ـ محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن ، ذو النفس الزكية.

٣ ـ إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن ، أخو محمد.

٤ ـ الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن ، قتيل فخ.

٥ ـ يحيى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي ، صار إلى الديلم.

٦ ـ محمد بن جعفر بن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن المثنى خرج بـ « تاهرت ».

٧ ـ محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي.

٨ ـ محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

٩ ـ إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، ـ قدس‌سره ـ خرج مرة باليمن وبالعراق أُخرى.

١٠ ـ محمد بن القاسم من ولد الحسين بن علي ، بخراسان ، خرج ببلدة يقال لها طالقان.

١١ ـ محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي الملقب بـ « الديباج » لحسن وجهه ، خرج داعية لمحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم ، فلما مات محمد بن إبراهيم دعا لنفسه.

١٢ ـ الأفطس خرج بالمدينة داعياً لمحمد بن إبراهيم بن إسماعيل ، فلما مات محمد بن إبراهيم دعا إلى نفسه.

١٣ ـ علـي بن محمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين ، خرج في خلافة المعتصم.

١٤ ـ الحسن بن زيد بن الحسن بن علي أبي طالب ، خرج بطبرستان في سنة ٢٥٠ هـ.
٣٣٣

١٥ ـ وخرج بقزوين ، الكوكبي وهو من ولد الأرقط ، واسمه : الحسن بن أحمد بن إسماعيل ، من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب.

١٦ ـ وخرج بالكوفة أيام المستعين ، أبو الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

١٧ ـ وخرج في أيامه أيضاً ، الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد اللّه من ولد الحسين بن علي.

١٨ ـ خرج بسواد الكوفة أيام فتنة المستعين ، ابن الأفطس.

١٩ ـ وخرج بسواد المدينة سنة ٢٥٠ هـ ، إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم من ولد الحسن بن علي فغلب عليها وتوفي عام ٢٥٢ هـ.

٢٠ ـ خلف أخوه محمد بن يوسف وجاء به أبو الساج ، وقتل كثيراً من أصحابه وهرب محمد فمات في هربه.

٢١ ـ خرج بالكوفة في آخر أيام بني أُمية ، عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ، وحاربه عبد اللّه بن عمر فغادر الكوفة عازماً إلى فارس ، فمات فيها.

٢٢ ـ وخرج صاحب البصرة وكان يدّعى أنّه علي بن محمد بن علي بن عيسى ابن زيد بن علي وأنصاره الزنج وغلب على البصرة سنة ٢٥٧ هـ وقتل سنة ٢٧٠ هـ.

٢٣ ـ وخرج بأرض الشام المقتول على الدّكة ، فظفر به المكتفي باللّه بعد حروب ووقايع كانت (١).

والنسبة بين ما ذكرناه وما ذكره الأشعري عموم وخصوص من وجه ، وهو

__________________

١ ـ الأشعري : مقالات الاِسلاميين : ٧٥ ـ ٨٥.
٣٣٤

بعد لم يذكر الثائر الطائر الصيت يحيى بن الحسين الذي أقام الدولة في اليمن ، كما ترك بعض الثائرين الموَسسين للدولة في طبرستان.

والجدير بالدراسة ، هو البحث عن الحافز أو الحوافز التي كانت تدفع هوَلاء الأماثل الأشراف نحو القتال في الساحة ، فكانوا يرون بأُم أعينهم ، أنّه لا يقوم واحد منهم إلاّ ويقتل أو يسجن ويعذّب بألوان العذاب ، ومع ذلك كانوا يبادلون هدوء الحياة وملاذّها بالشهادة في المعارك ، والصلب على المشانق ، وقتل الأولاد والأصحاب ، ونهب الأموال.

وهذه هي النقطة الحساسة في حياة العلويين التي تحتاج إلى دراسة معمقة بحياد ورحابة صدر وبما أنّ موسوعتنا ، موسوعة تاريخ العقائد ، لا تاريخ الشخصيات والحوادث ، نرجىء البحث عنها إلى آونة أُخرى ، وفي نهاية المطاف نقول : يُقسّم الثائرون بعد زيد الشهيد إلى أصناف أربعة :

١ ـ أصحاب الانتفاضة : الذين قاموا بوجه الظلم ، بعد استشهاد زيد في أقطار مختلفة وعلموا أنّ أعواد المشانق نصب أعينهم وكان نصيبهم من القيام هو الشهادة ، وإيقاظ الأمّة وأداء الواجب من دون أن يوَسّسوا دولة في قطر من الأقطار ، وإنّما كانت أعمالهم أشبه بما يعبر عنها اليوم بالانتفاضة.

الذين ساروا على درب الاِمام زيد وصار التوفيق نصيبهم ، فأسّسوا دولة في قطر من الأقطار امتدت قرناً أو قروناً ، وهوَلاء عبارة عن :

٢ ـ أئمة الزيدية في اليمن : ابتداءً بالاِمام يحيى بن الحسين الذي قام بالأمر عام ٢٨٤ هـ وتوفي عام ٢٩٨ هـ ، وانتهاءً بحياة المنصور باللّه محمد البدر الذي أُزيل عن الحكم بقيام الجمهورية عام ١٣٨٢ هـ.

٣ ـ أئمة الزيدية في طبرستان : ابتداءً من الحسن بن زيد بن محمد بن
٣٣٥

إسماعيل الذي قام بالحكم وأسّس الدولة سنة ٢٥٠ هـ وانتهاءً بمحمد بن الحسن ابن القاسم الذي توفي سنة ٣٦٠ هـ.

٤ ـ دعاة الزيدية في المغرب : ابتداءً بإدريس بن عبد اللّه المحض وانتهاء بأحد احفاده ، وسيوافيك تفصيله.

فنذكرهم على وجه التفصيل في فصول :
٣٣٦
الفصل الثاني

أصحاب الانتفاضة

استشهد زيد بن علي ـ رضي اللّه عنه ـ وهو في طريق دعوته إلى كسح
الظلم ونشر العدل ، وأشعل فتيل الثورة وبقيـت نارها بعـد استشـهاده
متأجّجـة بين أولاده وأصحابه ، بيد كابر بعد كابر. وإليك مَن نهج منهاجه :

١

يحيى بن زيد بن علي

(١٠٧ ـ ١٢٥ هـ)

هو يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام وأُمّه « ريطة » بنت أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية ، وإيّاها عنى أبو ثميلة الآبار بقوله :

فلعل راحم أُمّ موسى والذي
    

    

نجّاه من لجج خضمّ مزبد

سيسرُ « ريطة » بعد حزن فوَادها
    

    

يحيى ، ويحيى في الكتائب يرتدي

وأُمّ « ريطة » هي بنت الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب ، أُمّها ابنة المطلب بن أبي وادعة السهمي.

شرف تتابع كابر عن كابر
    

    

كالرمح انبوب على انبوب

٣٣٧

وقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني ثورته واستشهاده على وجه مبسط ، وجاء الجزري باختصاره في الكامل ونذكر نصّ الثاني :

لمّا قتل زيد بن علي ودفنه يحيى ابنه ، سار بعد قتل أبيه ، إلى خراسان ، فأتى « بلخ » فأقام بها عند الحريش بن عمرو بن داود حتى هلك هشام ، وولي الوليد بن يزيد. فكتب يوسف بن عمر إلى « نصر » بمسير يحيى بن زيد وبمنزله عند الحريش ، وقال له : خذه أشد الأخذ ، فأخذ « نصر » الحريش ، فطالبه بيحيى ، فقال : لا علم لي به. فأمر به فجلد ستمائة سوط. فقال الحريش : واللّه لو أنّه تحت قدمي ما رفعتهما عنه. فلما رأى ذلك قريش بن الحريش قال : لا تقتل أبي وأنا أدلّك على يحيى ، فدلّه عليه ، فأخذه « نصر » وكتب إلى الوليد يُخبره ، فكتب الوليد يأمره أن يوَمِّنه ويخلّي سبيله وسبيل أصحابه. فأطلقه « نصر » وأمره أن يلحق بالوليد وأمر له بألفي درهم ، فسار إلى « سرخس » فأقام بها ، فكتب « نصر » إلى عبد اللّه بن قيس بن عباد يأمره أن يسيّره عنها ، فسيّره عنها ، فسار حتى انتهى إلى « بيهق » ، وخاف أن يغتاله يوسف بن عمر فعاد إلى نيسابور ، وبها عمرو بن زرارة ، وكان مع يحيى سبعون رجلاً ، فرأى « يحيى » تجاراً ، فأخذ هو وأصحابه دوابهم وقالوا : علينا أثمانها ، فكتب عمرو بن زرارة إلى « نصر » يخبره ، فكتب « نصر » يأمره بمحاربته ، فقاتله عمرو ، وهو في عشرة آلاف ويحيى في سبعين رجلاً ، فهزمهم يحيى وقتل عمراً وأصاب دواب كثيرة وسار حتى مرّ بهرات فلم يعرض لمن بها وسار عنها.

وسرّح « نصر بن سيار » سالم بن أحْوز في طلب يحيى ، فلحقه بالجوزجان فقاتله قتالاً شديداً ، فرُمي يحيى بسهم فأصاب جبهته ، رماه رجل من عَنَزة يقال له عيسى ، فقُتل أصحاب يحيى من عند آخرهم وأخذوا رأس يحيى وسلبوه قميصه.

فلمّـا بلغ الوليد قتل يحيى ، كتب إلى يوسف بن عمر : خذ عُجَيْل أهل العراق فأنزله من جذعه ، ـ يعني زيداً ـ ، وأحرقه بالنار ثم انسفه باليمّ نسفاً. فأمر
٣٣٨

يوسف به فأُحرق ، ثم رضّه وحمله في سفينة ثم ذرّاه في الفرات.

وأمّا يحيى فإنّه لما قتل صلب بالجوزجان ، فلم يزل مصلوباً حتى ظهر أبو مسلم الخراساني واستولى على خراسان ، فأنزله وصلّى عليه ودفنه وأمر بالنياحة عليه في خراسان ، وأخذ أبو مسلم ديوان بني أُمية وعرف منه أسماء من حضر قتل يحيى ، فمن كان حياً قتله ، ومن كان ميتاً خلفه في أهله بسوء (١).

وقال السيد المدني في شرح الصحيفة :

« لما قتل أبوه زيد بن علي ، خرج يحيى حتى نزل بالمدائن ، فبعث يوسف بن عمر في طلبه ، فخرج إلى الريّ ثم إلى نيسابور من خراسان ، فسألوه المقام بها فقال : بلدة لم تُرفع فيها لعلي وآله راية لا حاجة لي في المقام بها ، ثم خرج إلى « سرخس » وأقام بها عند يزيد بن عمر التميمي ستة أشهر ، حتى مضى هشام بن عبد الملك لسبيله ، وولى بعده الوليد بن يزيد فكتب إلى « نصر بن سيار » في طلبه فأخذه ببلخ وقيّده وحبسه ، فقال عبداللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، لما بلغه ذلك:

أليس بعين اللّه ما تفعلونه
    

    

عشية يحيى موثق بالسلاسل

كلاب عوت لا قدّس اللّه سرها
    

    

فجئن بصيد لايحـل لآكل

وكتب نصر بن سيار إلى يوسف بن عمر ، يخبره بحبسه وكتب يوسف إلى الوليد ، فكتب الوليد إليه بأن يحذره الفتنة ويخلّى سبيله فخلّى سبيله وأعطاه ألفي درهم وبغلين ، فخرج حتى نزل الجوزجان (٢) فلحق به قوم من أهلها ومن الطالقان ، زهاء خمسمائة رجل ، فبعث إليه « نصر بن سيار » ، سالم بن أحور فاقتتلوا

__________________

١ ـ أبو الفرج الأصفهاني : مقاتل الطالبيين : ١٠٣ ـ ١٠٨ ، والجزري : الكامل : ٥ / ٢٧١ ـ ٢٧٢.

٢ ـ الجوزجان : بزاي بين الجيمين المفتوحتين : كورة واسعة من كور بلخ بخراسان.

 

 

__________________

١ ـ أبو الفرج الأصفهاني : مقاتل الطالبيين : ١٠٣ ـ ١٠٨ ، والجزري : الكامل : ٥ / ٢٧١ ـ ٢٧٢.

٢ ـ الجوزجان : بزاي بين الجيمين المفتوحتين : كورة واسعة من كور بلخ بخراسان.
٣٣٩

أشد قتال ثلاثة أيام حتى قتل جميع أصحاب يحيى وبقي وحده فقتل عصر يوم الجمعة سنة خمس وعشرين ومائة ، وله ثماني عشرة سنة ، وبعث برأسه إلى الوليد ، فبعث به الوليد إلى المدينة ، فوضع في حجر أُمه « ريطة » فنظرت إليه ، وقالت : شردتموه عنّي طويلاً ، وأهديتموه إليّ قتيلاً ، صلوات اللّه عليه وعلى آبائه بكرة وأصيلاً.

فلمّا قتل عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن العباس ، مروان بن محمد بن مروان ، بعث برأسه حتى وضع في حجر أُمّه فارتاعت. فقال : هذا بيحيى بن زيد ، وكان الذي احتز رأس يحيى بن زيد ، سورة بن أبحر ، وأخذ العنبري سلبه ، وهذان أخذهما أبو مسلم المروزي فقطع أيديهما وأرجلهما وصلبهما. ولاعقب ليحيى بن زيد (١).

هذا ما يذكره الموَرّخون وقد كان ليحيى عند الاِمام الصادق عليه‌السلام مكانة عالية ، وقد استشهد ولم يكمل العقد الثاني من عمره الشريف حيث تولد عام ١٠٧ هـ واستشهد في عام ١٢٥ هـ ولما سمع الاِمام الصادق شهادته وصلبه حزن حزناً عظيماً ومن كلامه في حقّ يحيى فيما بعد قال : « إنّ آل أبي سفيان قتلوا الحسين ابن علي صلوات اللّه عليه فنزع اللّه ملكهم ، وقتل هشام ، زيد بن علي فنزع اللّه ملكه ، وقتل الوليد ، يحيى بن زيد رحمه‌الله فنزع اللّه ملكه » (٢).

أمّا أعلام الاِمامية فقد عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الاِمام الصادق عليه‌السلام وقال : يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المدني ، ومن غرائب الكلام عدّه من أصحاب الكاظم عليه‌السلام مع أنّه ولد عام ١٢٨ هـ بعد ثلاثة سنين من استشهاد يحيى بن زيد.

__________________

١ ـ السيد علي خان المدني : رياض السالكين : ١ / ٦٩ ـ ٧٠.

٢ ـ المجلسي : البحار : ٤٦ / ١٨٢ ح ٤٦.
٣٤٠
يحيى بن زيد والصحيفة السجادية :

إنّ الصحيفة السجادية نسخة من علوم أئمة أهل البيت ، وهي أدعية للاِمام السجاد تهز كل إنسان إذا قرأها بدقة وإمعان ، وقد أودع فيها الاِمام كنوزاً من المعارف ، وعلّم الاِنسان كيفية الدعاء والابتهال إلى اللّه سبحانه ، انشأها سيد الساجدين في عصر الظلم والقتل والتشريد وقد كانت نسخة منها عند زيد الثائر ، وقد أوصى بها إلى ولده يحيى ، وهو أيضاً أوصى إلى : محمد وإبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن بن علي بن أبي طالب وذكر تفصيله عمير بن المتوكل الثقفي البلخي عن أبيه متوكل بن هارون قال :

لقيت يحيى بن زيد بن علي عليه‌السلام وهو متوجه إلى خراسان فسلّمت عليه ، فقال لي : من أين أقبلت؟ قلتُ : من الحجّ ، فسألني عن أهله وبني عمّه بالمدينة وأحفى السوَال عن جعفر بن محمد فأخبرته بخبره وخبرهم وحزنهم على أبيه زيد بن علي عليه‌السلام فقال لي : قد كان عمي محمد بن علي عليه‌السلام أشار إلى أبي بترك الخروج وعرّفه أنّه إن هو خرج وفارق المدينة ما يكون إليه مصير أمره ، فهل لقيت ابن عمي جعفر بن محمد عليه‌السلام؟ قلت : نعم ، قال : فهل سمعته يذكر شيئاً من أمري؟ قلتُ : نعم ، قال : بم ذكرني؟ قلتُ : جعلتُ فداك ما أُحبّ أن أستقبلك بما سمعته منه ، فقال : أبالموت تخوفني؟ هات ما سمعته ، فقلت سمعته يقول :

إنّك تقتل وتصلب كما قتل أبوك وصلب ، فتغير وجهه وقال : « يَمحُوا اللّهُ ما يَشَاءُ ويُثْبِتُ وعِندَه أُمُّ الكِتاب » يا متوكل إنّ اللّه عزّ وجلّ أيّد هذا الأمر بنا ، وجعل لنا العلم والسيف ، فجمعا لنا وخصّ بنو عمنا بالعلم وحده ، فقلت : جعلت فداك إنّي رأيت الناس إلى ابن عمك جعفر عليه‌السلام أميل منهم إليك وإلى أبيك ، فقال : إنّ عمي محمد بن علي وابنه جعفر عليهما‌السلام دعوا الناس إلى الحياة ونحن دعوناهم إلى الموت ، فقلت : يابن رسول اللّه أهم أعلم أم أنتم؟
٣٤١

فأطرق إلى الأرض مليّاً ثم رفع رأسه وقال : كلّنا له علم غير أنّهم يعلمون كلّ ما نعلم ولا نعلم كلّ ما يعلمون.

ثم قال لي : أكتبت من ابن عمي شيئاً؟ قلت : نعم ، قال : أرينه ، فأخرجت إليه وجوهاً من العلم وأخرجت له دعاء أملاه عليّ أبو عبد اللّه عليه‌السلام وحدثني أنّ أباه محمد بن علي عليهما‌السلام أملاه عليه ، وأخبره أنّه من دعاء أبيه علي بن الحسين عليهما‌السلام من دعاء الصحيفة الكاملة ، فنظر فيه يحيى حتى أتى على آخره وقال لي : أتأذن في نسخه فقلت : يابن رسول اللّه أتستأذن فيما هو عنكم ، فقال : أما أنّي لأخرجن إليك صحيفة من الدعاء الكامل ممّا حفظه أبي عن أبيه ، وانّ أبي أوصاني بصونها ومنعها غير أهلها ، قال عمير : قال أبي : فقمت إليه فقبلت رأسه ، وقلت له : واللّه يابن رسول اللّه إنّي لأدين اللّه بحبكم وطاعتكم وأنّي لأرجو أن يسعدني في حياتي ومماتي بولايتكم. فرمى صحيفتي التي دفعتها إليه إلى غلام كان معه وقال : أُكتب هذا الدعاء بخط بيّن وحسن وأعرضه عليّ لعلّي أحفظه ، فإنّي كنت أطلبه من جعفر حفظه اللّه فيمنعنيه قال المتوكل : فندمت على ما فعلت ولم أدر ما أصنع ولم يكن أبو عبد اللّه عليه‌السلام تقدم إليّ ألاّ أدفعه إلى أحد.

ثم دعا بعيبة فاستخرج منها صحيفة مقفلة مختومة فنظر إلى الخاتم وقبّله وبكى ثم فضّه وفتح القفل ، ثم نشر الصحيفة ووضعها على عينيه وأمرّها على وجهه ، وقال : واللّه يامتوكل لولا ما ذكرت من قول ابن عمي إنّني أُقتل وأُصلب لما دفعتها إليك ولكنت بها ضنيناً ولكني أعلم أنّ قوله حقّ أخذه عن آبائه وأنّه سيصح ، فخفت أن يقع مثل هذا العلم إلى بني أُمية فيكتموه ويدّخروه في خزائنهم لأنفسهم ، فاقبضها واكفينها وتربص بها ، فإذا قضى اللّه من أمري وأمر هوَلاء القوم ما هو قاض ، فهي أمانة لي عندك حتى توصلها إلى ابني عمي : محمد وإبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي عليهما‌السلام فإنّهما القائمان في
٣٤٢

هذا الأمر بعدي.

قال المتوكل : فقبضت الصحيفة ، فلما قتل يحيى بن زيد صرت إلى المدينة فلقيت أبا عبد اللّه عليه‌السلام : فحدّثته الحديث عن يحيى فبكى واشتد وجده به ، وقال : « رحم اللّه ابن عمي وألحقه بآبائه وأجداده ، واللّه يا متوكل مامنعني من دفع الدعاء إليه إلاّ الذي خافه على صحيفة أبيه ، وأين الصحيفة؟ » فقلت : ها هي ، ففتحها ، أو قال : « هذا واللّه خط عمي زيد ودعاء جدي علي بن الحسين عليهما‌السلام » ثم قال لابنه : « قم يا إسماعيل فأتني بالدعاء الذي أمرتك بحفظه وصونه » فقام إسماعيل فأخرج صحيفة كأنّها الصحيفة التي دفعها إليّ يحيى بن زيد فقبّلها أبو عبد اللّه ووضعها على عينه وقال : « هذا خط أبي وإملاء جدي عليهما‌السلام بمشهد مني » فقلت : يابن رسول اللّه إن رأيت أن أعرضها مع صحيفة زيد ويحيى ، فأذن لي ، وقال : « قد رأيتك لذلك أهلاً » فنظرتُ وإذا هما أمر واحد ولم أجد حرفاً منها يخالف ما في الصحيفة الأخرى ، ثم استأذنت أبا عبد اللّه عليه‌السلام في دفع الصحيفة إلى ابني عبد اللّه بن الحسن ، فقال : « إنّ اللّه يأمركم أن توَدوا الأمانات إلى أهلها ، نعم فأدفعها إليهما » فلما نهضت للقائهما قال لي : « مكانك » ثم وجّه إلى محمد وإبراهيم فجاءا ، فقال : هذا ميراث ابن عمكما يحيى من أبيه قد خصّكما به دون إخوته ونحن مشترطون عليكما فيه شرطاً ، فقالا : رحمك اللّه قل فقولك المقبول ، فقال : « لا تخرجا بهذه الصحيفة من المدينة » قالا : ولم ذاك؟ قال : « إنّ ابن عمكما خاف عليهما أمراً أخافه أنا عليكما » قالا : إنّما خاف عليها حين علم أنّه يقتل ، فقال : أبو عبد اللّه عليه‌السلام : « وأنتما فلاتأمنا فواللّه إنّي لأعلم أنّكما ستخرجان كما خرج وستقتلان كما قتل » فقاما وهما يقولان : لا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم.

فلمّا خرجا قال لي أبو عبد اللّه عليه‌السلام : « يامتوكل كيف قال لك يحيى إنّ عمي محمد بن علي وابنه جعفراً دعوا الناس إلى الحياة ودعوناهم إلى الموت » قلت :
٣٤٣

نعم أصلحك اللّه قد قال لي ابن عمك يحيى ذلك ، فقال : « يرحم اللّه يحيى انّ أبي حدثني عن أبيه عن جده عن علي عليه‌السلام إنّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخذته نعسة وهو على منبره ، فرأى في منامه رجالاً ينزون على منبره نزو القردة ، يردّون الناس على أعقابهم القهقرى ، فاستوى رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جالساً والحزن يُعرف في وجهه ، فأتاه جبريل عليه‌السلام بهذه الآية : « وما جَعَلْنا الرُّوَيا الّتي أرَيْنَاكَ إلاّ فِتنَةً لِلنَّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ فِي القُرآنِ ونُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلاّ طُغياناً كَبيراً » (١) يعني بني أُمية قال : ياجبريل أعلى عهدي يكونون وفي زمني ، قال : لا ولكن تدور رحى الاِسلام من مهاجرك فتلبث بذلك عشراً ، ثم تدور رحى الاِسلام على رأس خمسة وثلاثين من مهاجرك فتلبث بذلك خمساً ثم لابد من رحى ضلالة هي قائمة على قطبها ثم ملك الفراعنة قال وأنزل اللّه تعالى في ذلك : « إنّا أنزلناهُ فِي ليلة القَدْرِ * وما أدراكَ ما ليلةُ القَدْرِ * ليلةُ القَدْرِ خيرٌ من ألفِ شَهْر » (٢) يملكها بنو أُمية ليس فيها ليلة القدر ، قال : فأطلع اللّه عزّ وجلّ نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ بني أُمية تملك سلطان هذه الأمّة وملكها طول هذه المدّة فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها حتى يأذن اللّه تعالى بزوال ملكهم ، وهم في ذلك يستشعرون عداوتنا أهل البيت وبغضنا ، أخبر اللّه نبيه بما يلقى أهل بيت محمد وأهل مودتهم وشيعتهم منهم في أيامهم وملكهم قال وأنزل اللّه تعالى فيهم : « ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً وأحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البَوارَ* جَهنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئسَ القَرَار » (٣) ونعمة اللّه محمد وأهل بيته ، حبهم إيمان يدخل الجنة وبغضهم كفر ونفاق يدخل النار ، فأسر رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك إلى علي وأهل بيته » (٤).

__________________

١ ـ الاِسراء : ٦٠.

٢ ـ القدر : ١ ـ ٣.

٣ ـ إبراهيم : ٢٨.

٤ ـ الصحيفة السجادية : قسم المقدمة ، لاحظ رياض السالكين : ١ / ٦٩ ـ ١٨٧ قسم المتن.
٣٤٤

وسيوافيك خبر أخيه : عيسى بن زيد بعد أخبار محمد وإبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن بن الحسن المثنى وذلك حفظاً للتسلسل الزمني ، فسلام اللّه عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

وقد رثى يحيى بن زيد لفيف من الشعراء منهم دعبل الخزاعي بتائيته المعروفة المشهورة التي تبلغ مائة وعشرين بيتاً رائعاً وفيها من مناقب أهل البيت ومصائبهم الجم الغفير ومطلعها قوله :

تجاوبن بالأرنان والزفرات
    

    

نوائح عجم اللفظ والنطقات

يخبرن بالأنفاس عن سر أنفس
    

    

أُسارى هوىً ماضٍ وآخر آت

إلى أن انتقل عن كل ما يوشح به أوائل القصائد إلى قوله :

فكيف ومن أنى بطالب زلفة
    

    

إلى اللّه بعد الصوم والصلوات

سوى حبّ أبناء النبي ورهطه
    

    

وبغض بني الزرقاء والعبلات

وهند وما أدّت سمية وابنها
    

    

أُولو الكفر في الاِسلام والفجرات

هم نقضوا عهد الكتاب وفرضه
    

    

ثم إلى أن جدد المطلع بقوله :

ثم إلى أن جدد المطلع بقوله :

بكيت لرسم الدار من عرفات
    

    

وأجريت دمع العين بالعبرات

وبانَ عرى صبري وهاجت صبابتي
    

    

رسوم ديار قد عفت وعرات

مدارس آيات خلت من تلاوة
    

    

ومنزل وحي مقفر العرصات

لآل رسول اللّه بالخيف من منى
    

    

وبالبيت والتعريف والجمرات

٣٤٥

ثم إلى أن قال عطر اللّه مرقده وفاه :

أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً
    

    

وقد مات عطشاناً بشط فرات

إذاً للطمت الخد فاطم عنده
    

    

وأجريت دمع العين في الوجنات

أفاطم قومي يا ابنة الخير فاندبي
    

    

نجوم سماوات بأرض فلاة

قبور بكوفان وأُخرى بطيبة
    

    

وأُخرى بفخ نالها صلواتي

وأُخرى بأرض الجوزجان محلها
    

    

وقبر بباخمرى لدى الغربات

وقبر ببغداد لنفس زكية
    

    

تضمنها الرحمن في الغرفات

قبور ببطن النهر من جنب كربلا
    

    

معرسهم منها بشط فرات

توفوا عطاشا بالفرات فليتني
    

    

توفيت فيهم قبل حين وفاتي (١)

__________________

١ ـ ذكرها غير واحد من الأدباء والموَرخين ، ومن أراد أن يقف على جميعها فليرجع إلى : روضات الجنات : ٣ / ٣٠٢ ـ ٣٠٤ والغدير : ٢ / ٣٤٩.
٣٤٦

أصحاب الانتفاضة

٢

عبد اللّه بن الحسن

ابن الحسن بن علي بن أبي طالب

(٧٠ ـ ١٤٥ هـ)

إنّ عبد اللّه بن الحسن والد محمد النفس الزكية وإبراهيم اللّذين استشهدا في عصر المنصور بطيبة والبصرة.

فلابد من الاِشارة إلى حياة الوالد قبل الولدين.

يطلق عليه عبد اللّه المحض ، لأنّ أباه هو الحسن بن الحسن السبط ، وأُمّه فاطمة بنت الحسين السبط ، فهو منسوب إلى رسول اللّه ، من كلا الطرفين وكان قوي النفس شجاعاً ، ولما قدم أبو العباس السفاح وأهله سرّاً على أبي سلمة الخلاّل الكوفة ستر أمرهم ، وعزم أن يجعل الخلافة شورى بين ولد علي والعباس حتى يختاروا من أرادوا ، فكتب إلى ثلاثة نفر منهم : جعفر بن محمد عليهما‌السلام وعمر بن علي بن الحسين ، وعبد اللّه بن الحسن ، ووجّه بالكتب مع رجل من مواليهم من ساكني الكوفة فبدأ بجعفر بن محمد عليهما‌السلام ولقيه ليلاً وأعلمه أنّه رسول أبي سلمة وأنّ معه كتاباً إليه منه ، فقال : « ما أنا وأبو سلمة وهو شيعة لغيري » فقال الرسول : تقرأ الكتاب وتجيب عليه بما رأيت ، فقال جعفر لخادمه : « قدّم مني السراج » فقدّمه فوضع عليه كتاب أبي سلمة فأحرقه فقال : ألا تجيبه؟ فقال : « قد رأيت الجواب » (١).

__________________

١ ـ ذكر الشهرستاني أنّ الاِمام الصادق عليه‌السلام : قال له : « ماأنت من رجالي ، ولا الزمان زماني » الملل والنحل : ١ / ١٥٤ ، ط ١٤٠٢.
٣٤٧

فخرج من عنده وأتى عبد اللّه بن الحسن بن الحسن فقبّل كتابه وركب إلى جعفر بن محمد ، فقال : هذا كتاب أبي سلمة يدعوني لأمر ، ويراني أحقّ الناس به وقد جاءته شيعتنا ، من خراسان فقال له جعفر الصادق عليه‌السلام : « ومتى صاروا شيعتك؟ أنت وجهت أبا سلمة إلى خراسان؟ وأمرته بلبس السواد؟ هل تعرف أحداً منهم باسمه ونسبه؟ كيف يكونون من شيعتك وأنت لاتعرفهم إلاّ يعرفونك؟ فإن هذه الدولة ستتم إلى هوَلاء القوم ولاتتم لأحد من آل أبي طالب وقد جاءني مثل ماجاءك » فانصرف غير راض بما قاله.

وأمّا عمر بن علي بن الحسين فردّ الكتاب وقال : ما أعرف كاتبه فأُجيبه.

ومات عبد اللّه المحض في حبس أبي جعفر الدوانيقي مخنوقاً وهو ابن خمس وسبعين سنة.

وقد ذكر المسعودي كيفية القبض عليه وقال : وكان المنصور قبض على عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي عليه‌السلام وكثير من أهل بيته وذلك في سنة أربع وأربعين ومائة في منصرفه من الحجّ ، فحملوا من المدينة إلى الربذة من جادة العراق وكان ممّن حمله مع عبد اللّه بن الحسن : إبراهيم بن الحسن بن الحسن ، وأبو بكر بن الحسن بن الحسن ، وعلي الخير ، وأخوه العباس ، وعبد اللّه بن الحسن بن الحسن ، والحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن ، ومعهم محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان أخو عبد اللّه بن الحسن بن الحسن لأمّه فاطمة ابنة الحسين بن علي ، وجدتهما فاطمة بنت رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

فجرد المنصور بالربذة محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان فضربه ألف سوط ، وسأله عن ابني أخيه محمد وإبراهيم فأنكر أن يعرف مكانهما ، فسألت جدته العثماني في ذلك الوقت ، وارتحل المنصور عن الربذة وهو في قبة ، وأوهن القوم بالجهد ، فحملوا على المحامل المكشوفة ، فمر بهم المنصور في قبته على الجمازة ، فصاح به عبد اللّه بن الحسن يا أبا جعفر ما هكذا فعلنا بكم يوم بدر ،
٣٤٨

فصيرهم إلى الكوفة ، وحبسوا في سرداب تحت الأرض لا يفرّقون بين ضياء النهار وسواد الليل ، وخلّـى منهم : سليمان وعبد اللّه ابني داود بن الحسن بن الحسن ، وموسى بن عبد اللّه بن الحسن ، والحسن بن جعفر ، وحبس الآخرين ممن ذكرنا حتى ماتوا وذلك على شاطىء الفرات من قنطرة الكوفة ، ومواضعهم بالكوفة تزار في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ، وكان قد هدم عليهم الموضع ، وكانوا يتوضّوَن في مواضعهم فاشتدت عليهم الرائحة ، فاحتال بعض مواليهم حتى أدخل عليهم شيئاً من الغالية ، فكانوا يدفعون بشمها تلك الروائح المنتنة ، وكان الورم في أقدامهم ، فلا يزال يرتفع حتى يبلغ الفوَاد فيموت صاحبه.

وذكر أنّهم لمّا حبسوا في هذا الموضع أشكل عليهم أوقات الصلاة ، فجزّأوا القرآن خمسة أجزاء ، فكانوا يصلّون الصلاة على فراغ كل واحد منهم من جزئه وكان عدد من بقي منهم خمسة ، فمات اسماعيل بن الحسن فترك عندهم فجيف ، فصعق داود بن الحسن فمات ، وأتى برأس إبراهيم بن عبد اللّه فوجه به المنصور مع الربيع إليهم فوضع الرأس بين أيديهم وعبد اللّه يصلي ، فقال له إدريس أخوه : اسرع في صلاتك يا أبا محمد ، فالتفت إليه وأخذ الرأس فوضعه في حجره ، وقال له : أهلاً وسهلاً يا أبا القاسم ، واللّه لقد كنت من الذين قال اللّه عزّ وجلّ فيهم :

« الّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ ولا يَنقُضُونَ المِيثاقَ * والّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللّهُ بِهِ أن يُوصَل » إلى آخر الآية ، فقال له الربيع : كيف أبو القاسم في نفسه؟ قال : كما قال الشاعر :

فتى كان يحميه من الذلّ سيفه
    

    

ويكفيه أن يأتي الذنوب اجتنابها

ثم التفت إلى الربيع : فقال : قل لصاحبك قد مضى من بوَسنا أيّام ومن نعيمك أيّام؟ والملتقى ، القيامة. قال الربيع : فما رأيت المنصور قطّ أشدّ انكساراً
٣٤٩

منه في الوقت الذي بلغته الرسالة ... (١).

وكان يتولى صدقات أمير الموَمنين علي عليه‌السلام بعد أبيه الحسن ، ونازعه في ذلك زيد بن علي بن الحسين ، وأعقب عبد اللّه المحض من ستة رجال :

١ ـ محمد ذي النفس الزكية ، المقتول بقرب المدينة.

٢ ـ إبراهيم قتيل باخمرى ، قريب الكوفة.

٣ ـ موسى الجون.

٤ ـ يحيى بن عبد اللّه صاحب الديلم.

٥ ـ سليمان بن عبد اللّه.

٦ ـ إدريس بن عبد اللّه (٢).

__________________

١ ـ المسعودي : مروج الذهب : ٣ / ٢٩٨. والآيتان ٢٠ و ٢١ من سورة الرعد.

٢ ـ النسابة ابن عنبة : عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ١٠١ ـ ١٠٣.
٣٥٠

أصحاب الانتفاضة

٣

محمد بن عبد اللّه بن الحسن

ابن الحسن بن علي بن أبي طالب

النفس الزكية

(١٠٠ ـ ١٤٥ هـ)

محمد بن عبد اللّه المعروف بالنفس الزكية المقتول عام ١٤٥ هـ في أيّام أبي جعفر المنصور ، هو الثائر الثاني ، وقد ذكر الشهرستاني أنّ يحيى بن زيد أوصى إليه ، ولذلك يعد إماماً ثانياً بعده.

وتقدّم أنّ أباه عبد اللّه من أكابر بني هاشم وكان الجميع يكِّن له الاحترام ، وكان أكبر سناً من الاِمام الصادق عليه‌السلام كما تقدم ـ ومع ذلك كان يدعو الناس لبيعة ولده محمد ، وهذا وما سبق من قبول دعوة أبي سلمة الخلال يكشفان عن روح ثوريّة أوّلاً ، وسذاجة في الأمور السياسية ثانياً.

ولما قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك إثر خلاعته ومجانته عام ١٢٦ هـ تهيّأت الظروف المناسبة للدعوة إلى بني هاشم ، ففي هذا الظرف الهادىء جمع عبد اللّه بن الحسن ، بني هاشم وألقى فيهم خطبة نقلها أبو الفرج الأصفهاني في كتابه وقال : إنّكم أهل البيت قد فضّلكم اللّه بالرسالة واختاركم لها وأكثركم بركة ياذرية محمد بن عبد اللّه بنو عمه وعترته ، وأولى الناس بالفزع في أمر اللّه ، من وضعه اللّه
٣٥١

موضعكم من نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد ترون كتاب اللّه معطلاً ، وسنّة نبيه متروكة ، والباطل حياً ، والحقّ ميتاً ، قاتلوا للّه في الطلب لرضاه بما هو أهله قبل أن ينزع منكم اسمكم وتهونوا عليه كما هانت بنو إسرائيل وكانوا أحب خلقه إليه ، وقد علمتهم أنّا لم نزل نسمع أنّ هوَلاء القوم إذا قتل بعضهم بعضاً خرج الأمر من أيديهم ، فقد قتلوا صاحبهم ـ يعني الوليد بن يزيد ـ ، فهلم نبايع محمداً ، فقد علمتم أنّه المهدي.

فقالوا : لم يجتمع أصحابنا بعد ، ولو اجتمعوا فعلنا ، ولسنا نرى أبا عبد اللّه جعفر بن محمد.

وبعد محاولات حضر الاِمام الصادق عليه‌السلام مجلس القوم فاطلع على أمر القوم وأنّهم يريدون بيعة محمد بن إبراهيم ، فقالوا : قد علمت ماصنعوا بنا بنو أُمية وقد رأينا أنّ نبايع لهذا الفتى.

فقال : لاتفعلوا فإنّ الأمر لم يأت بعد ، فغضب عبد اللّه وقال : لقد علمت خلاف ما تقول ، ولكنه يحملك على ذلك الحسد لابني ، فقال : لا واللّه ، ما ذاك يحملني ، ولكن هذا وإخوته وأبناوَهم دونكم وضرب يده على ظهر أبي العباس (السفاح) ثم نهض واتبعه عبد الصمد وأبو جعفر المنصور فقالا : يا أبا عبد اللّه أتقول ذلك؟ قال : « نعم واللّه أقوله وأعلمه ».

وفي رواية قال لعبد اللّه بن الحسن : « إنّها واللّه ما هي إليك ولا إلى ابنيك ولكنّها لهوَلاء وإنّ ابنيك لمقتولان » فتفرق أهل المجلس ولم يجتمعوا بعدها.

وقال عبد اللّه بن جعفر بن المسوّر ، فخرج جعفر بن محمد يتوكأ على يدي فقال لي : « أرأيت صاحب الرداء الأصفر؟ » يعني أبا جعفر المنصور ، قلت : نعم ، قال : « فإنّا واللّه نجده يقتل محمداً » ، قلت : أو يقتل محمداً؟! قال : « نعم » فقلت في نفسي : حسده وربّ الكعبة. ثم ما خرجت واللّه من الدنيا حتى رأيته قتله (١).

__________________

١ ـ أبو الفرج الأصفهاني : مقاتل الطالبيين : ١٧١ ـ ١٧٢.
٣٥٢

حكى ابن عنبة أنّ محمد بن عبد اللّه بن الحسن ولد سنة ١٠٠ هـ بلا خلاف ، وقيل مات سنة ١٤٥ هـ في رمضان ، وقيل في الخامس والعشرين من رجب ، وقال البخاري : وهو ابن خمس وأربعين سنة وأشهراً ، وكان المنصور قد بايع له ولأخيه إبراهيم مع جماعة من بني هاشم ، فلمّا بويع لبني العباس اختفى محمد وإبراهيم مدّة خلافة السفاح فلما ملك المنصـور ( ١٣٦ هـ ) وعلـم أنّهما على عزم الخروج جدّ في طلبهما وقبض على أبيهما وجماعة من أهلهما فيحكى أنّهما أتيا أباهما وهو في السجن وقالا له : يقتل رجلان من آل محمد خير من أن يقتل ثمانية ، فقال لهما : إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين فلا يمنعكما أن تموتا كريمين.

ولما عزم « محمد » على الخروج واعد أخاه إبراهيم على الظهور في يوم واحد ، وذهب محمد إلى المدينة وإبراهيم إلى البصرة ، فاتفق أنّ إبراهيم مرض فخرج أخوه بالمدينة وهو مريض بالبصرة ، ولما خلص من مرضه وظهر أتاه خبر أخيه أنّه قتل وهو على المنبر يخطب.

ومن عجيب ما يروى عن محمد بن عبد اللّه أنّه لما أحس بالخذلان دخل داره وأمر بالتنور فسجّر ثم عمد إلى الدفتر الذي أثبت فيه أسماء الذين بايعوه فألقاه في التنور فاحترق ، ثم خرج فقاتل حتى قتل بأحجار الزيت ، قريباً من المدينة.

وكان مالك بن أنس الفقيه قد أفتى بالخروج مع محمد وبايعه ولذلك تغير المنصور عليه فقال : إنّه خلع أكتافه (١).

وقد ذكر الموَرخون دعوته وشهادته بين موجز في القول ومعتدل في البيان ومفصل في القصة وبما أنّ في كلامهم ما يلقي الضوء على حياة القائد ، نذكر بعض نصوصهم.

__________________

١ ـ النسابة ابن عنبة : عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ١٠٤ ـ ١٠٥.
٣٥٣

وممّن أوجز فيه الكلام أبو حنيفة الدينوري (ت ٢٨٢ هـ) في « الأخبار الطوال » قال : وفي ذلك العام (١٤٥ هـ) خرج على المنصور ، محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام الملقب بالنفس الزكية فوجّه إليه أبو جعفر ـ المنصور ـ عيسى بن موسى بن علي في خيل فقتل رحمه‌الله ، وخرج أخوه إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن فقتل رضوان اللّه عليه (١).

وقال اليعقوبي : « وظهر محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بالمدينة مستهل رجب سنة ١٤٥ هـ ، فاجتمع معه خلق عظيم وأتته كتب أهل البلدان ووفودهم ، فأخذ رياح بن عثمان بن حيّان المري عامل أبي جعفر ، فأوثقه بالحديد وحبسه ، وتوجه (أخوه) إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن إلى البصرة وقد اجتمع جماعة فأقام مستتراً ، وهو يكاتب الناس ويدعوهم إلى طاعته ، فلما بلغ أبا جعفر أراد الخروج إلى المدينة ثم خاف أن يدع العراق مع ما بلغه من أمر إبراهيم ، فوجّه عيسى بن موسى الهاشمي ، ومعه حميد بن قحطبة الطائي في جيش عظيم فصار إلى المدينة ، وخرج محمد إليه في أصحابه فقاتلهم في شهر رمضان ومضى أصحابه إلى الحبس فقتل رياح بن عثمان وكانت أسماء ابنة عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس بالمدينة وكانت معادية لمحمد بن عبد اللّه ، فوجهت بخمار أسود قد جعلته مع مولى لها حتى نصبه على مأذنة المسجد ، ووجّهت بمولى لها يقال له : مجيب العامري إلى عسكر محمد ، صاح : الهزيمة الهزيمة قد دخل المسوّدة المدينة ، فلمّا رأى الناس العلم الأسود انهزموا وأقام محمد يقاتل حتى قتل ، فلمّا قتل محمد بن عبد اللّه بن الحسن ، وجه عيسى بن موسى ، كثير بن الحصين العبدي إلى المدينة فدخلها ، فتتبع أصحاب محمد فقتلهم وانصرف إلى العراق (٢).

__________________

١ ـ الدينوري الأخبار الطوال : ٣٨٥ ، طبع مصر ، الحلبي ، وممّن أوجز الكلام فيه النسابة العلوي العمري صاحب المجدي : ٣٧.

٢ ـ ابن واضح الاِخباري : تاريخ اليعقوبي : ٢ / ٣٧٦.
٣٥٤

وقال المسعودي : وفي سنة خمس وأربعين ومائة كان ظهور محمد بن عبد اللّه ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم بالمدينة ، وكان قد بُويع له من كثير من الأنصار وكان يدعى بالنفس الزكية لزهده ونسكه ، وكان مستخفياً من المنصور ولم يظهر حتى قبض المنصور على أبيه عبد اللّه بن الحسن وعمومته ، وكثير من أهله وعدتهم ، ولما ظهر محمد بن عبد اللّه بالمدينة ، استشار إسحاق بن مسلم العقيلي وكان شيخاً ذا رأي وتجربة فأشار إلى ما لم يستحسنه أبو جعفر وبينما كان يتفكر في كيفية المقابلة مع محمد بن إبراهيم بلغه أنّ إبراهيم أخا محمد خرج بالبصرة يدعو إلى أخيه ، فبعث عيسى بن موسى في أربعة آلاف فارس وألفي راجل وأتبعه محمد بن قحطبة في جيش كثيف فقاتلوا محمداً بالمدينة حتى قتل وهو ابن خمس وأربعين سنة ولما اتصل بإبراهيم قتل أخيه ، محمد بن عبد اللّه وهو بالبصرة صعد المنبر فنعاه وتمثّل :

أبالمنازل ياخير الفوارس من
    

    

يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا

اللّه يعلم أنّي لو خشيتُهم
    

    

وأوجس القلب من خوف لهم فزعا

لم يقتلوه ولم أسلم أخيَّ لهم
    

    

حتى نموت جميعاً أو نعيش معا
تفرّق إخوة محمد في البلاد :

وقد كان تفرّق أخوة محمد وولده في البلدان يدعون إلى إمامته فكان فيمن توجه ابنه ، علي بن محمد إلى مصر فقتل بها ، وسار ابنه عبد اللّه إلى خراسان فهرب لما طُلب ، إلى السند فقتل هناك ، وسار ابنه الحسن إلى اليمن فحبس فمات في الحبس ، وسار أخوه موسى إلى الجزيرة ، ومضى أخوه يحيى إلى الري ، ثم إلى طبرستان ، ومضى أخوه إدريس بن عبد اللّه إلى المغرب فأجابه خلق من الناس
٣٥٥

فبعث المنصور من اغتاله بالسم وقام ولده إدريس بن إدريس بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن مقامه (١).

هوَلاء من الموَرخين قد أوجزوا الكلام في دعوته وشهادته ، وقد فصّل أبو الفرج الأصفهاني (٢) في المقامين وابن الاثير في الكامل وقد ذكر كتاب المنصور إلى محمد بن إبراهيم ، كما ذكر جوابه إليه (٣).

* * *

__________________

١ ـ المسعودي : مروج الذهب : ٣ / ٢٩٤ ـ ٢٩٦ ، وسيوافيك ذيل هذا النص في البحث عن تأسيس دولة زيدية في المغرب باسم الأدارسة.

٢ ـ راجع : مقاتل الطالبيين : ١٧٦ ـ ٢٠٠.

٣ ـ ابن الأثير : الكامل : ٥ / ٥٢٢ ـ ٥٥٤ ، وفيه لما قتل محمد صادر عيسى أموال بني الحسن وحتى أموال الاِمام الصادق ، لاحظ ص ٥٥٣.
٣٥٦

أصحاب الانتفاضة

٤

إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن

(١٠٣ ـ ١٤٥ هـ)

إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن أخو محمد ذو النفس الزكية الثائر الثالث بعد يحيى بن زيد والنفس الزكية ، وقد تقدم اتفاق الأخوين على الثورة في يوم واحد في قطرين مختلفين ، وقد عرفت تأخّر إبراهيم عن أخيه في الخروج.

قال المسعودي : مضى إبراهيم أخوه إلى البصرة وظهر بها ، فأجابه أهل فارس والأهواز وغيرهما من الأمصار وسار من البصرة في عساكر كثيرة من الزيدية وجماعة ممن يذهب إلى قول البغداديين من المعتزلة وغيرهم ، ومعه عيسى بن زيد بن علي ابن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسيّر إليه المنصور عيسى بن موسى وسعيد بن سلم في العساكر ، فحارب حتى قتل في الموضع المعروف بـ « باخمرى » وذلك على ستة عشر فرسخاً من الكوفة من أرض الطف ، وهو الموضع الذي ذكرته الشعراء ممن رثى إبراهيم. فممّن ذكر ذلك :

دعبل بن علي الخزاعي ، في قصيدته الرائعة التائية التي نقل قسم منها عند ذكر شهادة أخيه محمد النفس الزكية وفيها قوله :

قبور بكوفان وأُخرى بطيبة
    

    

وأُخرى بفخّ نالها صلوات

وأُخرى بأرض الجوزجان محلها
    

    

وقبر بباخمرى لدى الغربات

٣٥٧

وقتل معه من الزيدية من شيعته أربعمائة رجل ، وقيل : خمسمائة رجل (١).

وقال صاحب المجدي : وكان إبراهيم يكنى أبا الحسن ، قتل بأرض « باخمرى » وهي قرية تقارب الكوفة وظَهَر ليلة الاِثنين غرة شهر رمضان سنة ١٤٥ هـ وذلك بالبصرة وكان مقتله بعد مقتل أخيه محمد (رضي اللّه عنهما) في ذي الحجّة من السنة المذكورة.

وبايع إبراهيم وجوه المسلمين منهم بشير الرحال ، وأبو حنيفة الفقيه ، والأعمش ، وعباد بن المنصور القاضي صاحب مسجد عباد بالبصرة ، والمفضل بن محمد وشعبة الحافظ إلى نظائرهم (٢).

وقال النسابة ابن عنبة : كان إبرهيم من كبار العلماء في فنون كثيرة ، يقال إنّه كان أيام اختفائه في البصرة قد اختفى عند المفضل بن محمد الضبي ، فطلب منه دواوين العرب ليطالعها فأتاه بما قدر عليه فأعلم إبراهيم على ثمانين قصيدة. فلمّا قتل إبراهيم استخرجها المفضل وسماها بـ (المفضليات) وقرئت بعده على الأصمعي فزاد بها ، وظهر إبراهيم ليلة الاِثنين غرة شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة بالبصرة وبايعه وجوه الناس ـ إلى أن قال : ـ ويقال : إنّ أبا حنيفة الفقيه بايعه أيضاً وكان قد أفتى الناس بالخروج معه ، فيحكى أنّ امرأة أتته فقالت : إنّك أفتيت ابني بالخروج مع إبراهيم فخرج فقتل. فقال لها : ليتني كنتُ مكانَ ابنك. وكتب إليه أبو حنيفة : أما بعد : فإنّي قد جهزت إليك أربعة آلاف درهم ولم يكن عندي غيرها ، ولولا أمانات الناس عندي للحقت بك ، فإذا لقيت القوم وظفرت بهم فافعل كما فعل أبوك في أهل صفين ، أُقتل مدبرهم وأجهز على جريحهم ، ولا تفعل كما فعل أبوك في أهل الجمل فإنّ القوم لهم فئة. ويقال : إنّ هذا الكتاب وقع

__________________

١ ـ المسعودي : مروج الذهب : ٣ / ٢٩٦ ـ ٢٩٧.

٢ ـ النسابة العلوي العمري : المجدي في أنساب الطالبيين : ٤٢.
٣٥٨

إلى الدوانيقي وكان سبب تغيّره على أبي حنيفة ـ إلى أن قال : ـ وجيء برأس إبراهيم فوضعه في طشت بين يديه والحسن بن زيد بن الحسن بن علي واقف على رأسه عليه السواد فخنقته العبرة والتفت إليه المنصور وقال : أتعرف رأس من هذا؟ فقال : نعم :

فتى كان تحميه من الضيم نفسه
    

    

وينجيه من دار الهـوان اجتنابها

فقال المنصور : صدقت ولكن أراد رأسي فكان رأسه أهون عليَّ ولوددت أنّه فاء إلى طاعتي ، ويقول أيضاً : وحمل ابن أبي الكلام الجعفري رأسه إلى مصر (١).

__________________

١ ـ ابن المهنا : عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ١٠٩ ـ ١١٠ ، ولعله دفنه في المحل المعروف برأس الحسين عليه‌السلام.

٣٥٩

أصحاب الانتفاضة

٥

عيسى بن زيد الثائر

( ... ـ ١٦٨ هـ)

أحد أولاد زيد الثائر المعروف بـ « موتم الأشبال » ، وكان وصي إبراهيم ـ قتيل باخمرى ـ بن عبد اللّه المحض وحامل رايته ، فلمّا قتل إبراهيم اختفى عيسى إلى أن مات ، وكان أبو جعفر المنصور قد بذل له الأمان وأكده وكان شديد الخوف منه لم يأمن وثوبه عليه ، فقيل لعيسى في ذلك فقال : واللّه لئن يبيتنَّ ليلة واحدة خائفاً منّي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس. وإنّما يسمّى موتم الأشبال لأنّه قتل أسداً له أشبال فسمّي موتم الأشبال. فخرج عيسى مع محمد بن عبد اللّه النفس الزكية ثم مع أخيه إبراهيم ، وكان إبراهيم قد جعل له الأمر بعده وكان حامل رايته فلمّا قتل إبراهيم استتر ولم يتم له الخروج فبقي مستتراً أيام المنصور وأيّام المهدي وأيام الهادي وصلّى عليه الحسن بن صالح سراً ودفنه.

وقد ذكر النسابة ابن عنبة من حياته شيئاً كثيراً يوَجّج الفوَاد ومما ذكره أنّه كان في أيّام اختفائه يستقي الماء على جمل ، وقال : حكى لي الشيخ النقيب تاج الدين بإسناده عن محمد بن زيد الشهيد : قال محمد بن محمد : قلت لأبي محمد بن زيد : أُريد أن أرى عمي عيسى ، فقال : اذهب إلى الكوفة فإذا وصلتها اذهب إلى الشارع الفلاني واجلس هناك فإنّه سيمر عليك رجل آدم طويل ، له سجادة بين عينيه ، يسوق جملاً عليه مزادتان ، كلّما خطا خطوة كبّر اللّه سبحانه ، وسبّحه وهلّله
٣٦٠

وقدّسه ، فذلك عمك عيسى فقم إليه فسلّم عليه ، قال محمد بن محمد بن زيد فذهبت إلى الكوفة فلمّا وصلتها جلستُ حيث أمرني أبي فلم ألبث أن جاء الرجل الذي وصفه لي أبي وبين يديه جمل عليه راوية فقمت إليه وأكببت على يديه أُقبّلهما فذعر مني فقلت : أنا محمد بن زيد (١) فسكن ثم أناخ جمله وجلس إليَّ في ظل حائط هناك وحدثني ساعة ، وسألني عن أهلي وأصحابه ثم ودّعني وقال لي : يابني لاتعد إليّ بعد هذا فإنّي أخشى الشهرة (٢).

وقال صاحب المجدي : وكان من أصحاب محمد بن عبد اللّه قتيل « أحجار الزيت » فاختفى عيسى من يد المهدي ومات في الاستتار على أيام الرشيد وكان شيخنا أبو الحسن يقول : كان ابن دينار يزعم أنّه قتل زيد ولابنه الحسين أربع سنين ولابنه عيسى سنة ولابنه محمد أربعون يوماً (٣) وعلى ذلك فقد توفي عيسى حوالي عام ١٦٧ للهجرة.

__________________

١ ـ كذا في النسخة المطبوعة والصحيح محمد بن محمد بن زيد ولعل الحذف للسهولة.

٢ ـ ابن عنبة : عمدة الطالب ، في أنساب آل أبي طالب : ٢٨٦ ـ ٢٨٧.

٣ ـ أبو الحسن العلوي العمري : المجدي في أنساب الطالبيين : ١٨٦ ـ ١٨٧.
٣٦١

أصحاب الانتفاضة

٦

الحسين بن علي الفخيّ

( ... ـ ١٦٩ هـ)

هو الحسين بن علي بن الحسن المثلث أي الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام قال صاحب المجدي : ومن ولد علي زين العابدين الحسن المثلث ، الحسين بن علي وهو الشهيد صاحب فخ ، خرج ومعه جماعة من العلويين زمن الهادي موسى بن المهدي بن المنصور بمكة ، وجاء موسى بن عيسى ابن على ومحمد بن سليمان بن المنصور فقتلاهم بفخ يوم التروية سنة تسع وستين ومائة. وقيل : سنة سبعين ، وحملا رأسه إلى الهادي ، فأنكر الهادي فعلهما وأمضاءهما حكم السيف فيهم دون رأيه ، ونقل أبو نصر البخاري عن محمد الجواد ابن علي الرضا عليهما‌السلام أنّه قال : لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ (١).

__________________

١ ـ النسابة ابن عنبة : عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ١٨٢ ـ ١٨٣.
٣٦٢

أصحاب الانتفاضة

٧

محمد بن إبراهيم طباطبا

(١٧٣ ـ ١٩٩ هـ)

هو محمد بن إبراهيم (طباطبا) بن إسماعيل بن علي الغمر بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (١).

قال صاحب المجدي : أمّا إبراهيم بن إسماعيل بن الغمر فهو طباطبا ولقب بذلك لأنّه أراد أن يقول قبا فقال طبا ، لردّة في لسانه ، وكان له خطر وتقدم وأبرزَ صفحتَه ودعا إلى الرضا من آل محمد. فولد إبراهيم بن إسماعيل بن الغمر ثلاثة عشر ولداً ، منهم : بنتان وهما : لبابة وفاطمة ، والذكور : جعفر ، وإبراهيم ، وإسماعيل ، وموسى ، وهارون ، وعلي ، وعبداللّه ، ومحمد.

هذا هو الوالد وأمّا الولد أي محمد ، يقول في حقّه : « إنّه صاحب أبي السرايا يكنّى أبا عبد اللّه ، خرج بالكوفة فجأة وانقرض ولده غير انّ رجلاً منهم يقال له محمد بن الحسين بن جعفر بن محمد هذا ، صاحب أبي السرايا خرج إلى بلاد الحبشة فما نعرف له خبراً (٢).

__________________

١ ـ سيوافيك في الفصل القادم أنّ الاِمام يحيى موَسس الدولة الزيدية في اليمن عام ٢٨٤ من أحفاد إبراهيم إذ نسبه : يحيى بن الحسين ، بن القاسم بن إبراهيم طبا طبا.

٢ ـ النسابة العلوي العمري : المجدي : ٧٢.
٣٦٣

وقال ابن عنبة : ومن ولد إبراهيم طباطبا أيضاً محمد بن إبراهيم ويكنى أبا عبد اللّه أحد أئمة الزيدية ، خرج بالكوفة داعياً إلى الرضا من آل محمد ، وخرج معه أبو السرايا (السري بن منصور) الشيباني في أيام المنصور ، فغلب على الكوفة ودعا بالآفاق ولقّب بأمير الموَمنين وعظم أمره ثم مات فجأة ، وانقرض عقبه ، وكان من ولده محمد بن الحسين بن جعفر بن محمد هذا ، خرج إلى الحبشة فما يعرف له خبر. وفي بعض النسخ مات ١٩٩ هـ وقيل : سمّاه أبو السرايا سماً ومات منه واللّه أعلم (١).

وقال الطبري في حوادث سنة ١٩٩ هـ : وفيها خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم ابن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب يوم الخميس لعشر خلون من جمادي الآخرة يدعو إلى الرضا من آل محمد والعمل بالكتاب والسنّة وهو الذي يقال له ابن طباطبا وكان القيم بأمره في الحرب وتدبيرها وقيادة جيوشه أبا السرايا واسمه السري بن منصور (٢).

وبما أنّ أبا السرايا جاء اسمه في ذكر لفيف من الثائرين ، نذكر عنه شيئاً.

يقول خير الدين الزركليّ : السري بن منصور الشيباني ثائر شجاع من الأمراء العصاميين فجمع عصابة كان يقطع بها الطريق ، ثم لحق بيزيد بن مزيد الشيباني بأرمينيا ومعه ثلاثون فارساً فجعله في القواد فاشتهرت شجاعته ، ولما نشبت فتنة الأمين والمأمون انتقل إلى عسكر هرثمة بن أعين وسار معه نحو ألفي مقاتل وخوطب بالأمير ، ولما قتل الأمين نقص هرثمة من أرزاقه وأرزاق أصحابه فخرج في نحو مائتي فارس فحصر عامل عين التمر وأخذ ما معه من المال ففرّقه في أصحابه ، ثم استولى على الأنبار وذهب إلى الرقة وقد كثر جمعه فلقيه بهما ابن

__________________

١ ـ ابن عنبة : عمدة الطالب : ١٧٢.

٢ ـ الطبري : التاريخ : ٧ / ١١٧.
٣٦٤

طباطبا العلوي (محمد بن إبراهيم) وكان قد خرج على بني العباس ، فبايعه أبو السرايا وتولّـى قيادة جنده ، واستوليا على الكوفة ، فضرب بها أبو السرايا الدرهم ، وسيّر الجيوش إلى البصرة ونواحيها ، وعمل على ضبط بغداد ، وامتلك المدائن وواسطاً ، واستفحل أمره ، وأرسل العمال والأمراء إلى اليمن والحجاز وواسط والأهواز ، وتوالت عليه جيوش العباسيين فلم تضعضعه إلى أن قتله الحسن بن سهل وبعث برأسه إلى المأمون ونصبت جثته على جسر بغداد (١).

وقد فصل أبو الفرج الكلام حول خروج أبو السرايا ولقائه مع محمد بن إبراهيم يرجع ملخصه إلى ما ذكره خير الدين ، ولذلك اقتصرنا عليه (٢).

و ليعلم أنّ القاسم الرسّي الذي يعتبر الاِمام الثاني للزيدية من فريق الأئمّة المجتهدين هو أخو محمد بن إبراهيم ، كما أنّ الاِمام الهادي الذي أسس دولة فيها هو حفيد القاسم الرسّي ، فالكل من أغصان الشجرة الطيبة العلوية.

__________________

١ ـ خير الدين الزركلي : الأعلام : ٣ / ٨٢ نقلاً عن البداية والنهاية : ١٠ / ٢٤٤ ومقاتل الطالبيين : ٣٣٨ ، والطبري : التاريخ : ١٠ / ٢٢٧.

٢ ـ انظر : أبو الفرج الأصفهاني ، مقاتل الطالبيين : ٥١٨ ـ ٥٣٦.تحقيق سيد أحمد صقر.
٣٦٥

أصحاب الانتفاضة

٨

محمد بن محمد بن زيد بن علي

(١٨٢ ـ ٢٠٢ هـ)

يحدّث صاحب المجدي عن أبيه فيقول : محمد بن زيد الشهيد بن علي بن الحسين عليه‌السلام وكان بليغاً ، وله أحد عشر ولداً ، منهم : محمداً الأكبر وكان على عهد المأمون وهو صاحب أبي السرايا بعد ابن طباطبا قبره بمرو ، وكان سقي سماً (١).

وقال ابن عنبة : وكان لمحمد بن زيد الشهيد عدّة بنين ، منهم محمد بن محمد ابن زيد. ولما خرج أبو السرايا وأخذ البيعة لمحمد بن إبراهيم بن إسماعيل (المذكور آنفاً) وتوفي « محمد » فجأة نصب أبو السرايا مكانه محمد بن محمد بن زيد هذا ، ولقبه « الموَيد » فندب الحسن بن سهل إليه هرثمة بن أعين ، فحاربه وأسره وحمله إلى الحسن بن سهل فحمله الحسن إلى المأمون ، فتعجب المأمون من صغر سنه وقال : كيف رأيت اللّه في الصنع بابن عمك؟ فقال محمد بن محمد بن زيد :

رأيت أمين اللّه في العفو والحلم
    

    

وكان يسيراً عنده أعظم الجرم

فأعرض عن جهلي وداوي سقامه
    

    

بعفو جرى عن جلده هبوه السقم

وتوفي محمد بن محمد بن زيد بمرو وسقاه المأمون السم ٢٠٢ هـ وهو ابن عشرين سنة ، فيقال : إنّه كان ينظر كبده يخرج من حلقه قطعاً فيلقيه في طشت ويقلبه بخلال في يده (٢).

__________________

١ ـ النسابة العلوي العمري : المجدي : ١٨٤.

٢ ـ ابن عنبة : عمدة الطالب : ٣٠٠ ، لاحظ أيضاً مقاتل الطالبيين : ٣٤٣ و ٥١٧ من الطبعة الأخرى.
٣٦٦

أصحاب الانتفاضة

٩

محمد بن القاسم بن علي بن عمر

ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب

( ... ـ بعد ٣١٩ هـ)

قال صاحب المجدي : أمّا الوالد أي القاسم بن علي بن عمر فهو يكنى بـ « أبي علي » وكان شاعراً وقد اختفى ببغداد ، وأمّا الولد فقد أشخصه الرشيد من الحجاز وحبسه وأفلت من الحبس (١).

وقال ابو الفرج : محمد بن القاسم يكنى أبا جعفر ، وكانت العامة تلقّبه الصوفي ، لاِنّه كان يُدْمِن لبس ثياب من الصوف الأبيض ، وكان من أهل العلم والفقه والدين والزهد وحسن المذهب ، وكان يذهب إلى القول بالعدل والتوحيد ويرى رأي الزيدية الجارودية ، خرج في أيام المعتصم بالطالقان ، فأخذه عبد اللّه بن طاهر ووجّه به الى المعتصم (٢).

يقول المسعودي : وفي هذه السنة أي ٢١٩ هـ أخاف المعتصم ، محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمهم‌الله ، وكان بالكوفة من العبادة والزهد والورع في نهاية الوصف ، فلمّا خاف على نفسه هرب فصار إلى خراسان ، فتنقل في مواضع كثيرة من كورها كمرو ، وسرخس والطالقان ونسا ، فكانت له هناك حروب وكوائن وانقاد إليه وإلى إمامته خلق كثير من

__________________

١ ـ النسابة العلوي : المجدي : ١٤٩.

٢ ـ أبو الفرج الأصفهاني : مقاتل الطالبيين : ٣٨٢.
٣٦٧

الناس ، ثم حمله عبد اللّه بن طاهر إلى المعتصم ، فحبسه في أزج اتخذه في بستان بسر من رأى. وقد تنوزع في محمد بن القاسم ، فمن قائل يقول : إنّه قتل بالسم ، ومنهم من يقول : إنّ ناساً من شيعته من الطالقان أتوا ذلك البستان فتأتوا للخدمة فيه من غرس وزراعة ، واتخذوا سلالم من الجبال واللبود والطالقانية ونقبوا الأزج وأخرجوه ، فذهبوا به فلم يعرف له خبر إلى اليوم ، وقد انقاد إلى إمامته خلق كثير من الزيدية إلى هذا الوقت وهو سنة ٣٣٣ هـ (١).

__________________

١ ـ المسعودي : مروج الذهب : ٣ / ٤٦٤ ـ ٤٦٥.
٣٦

Aucun commentaire: