mardi 12 août 2014

استقلال تونس ووجه بورقيبة الحقيقي

استقلال تونس ووجه بورقيبة الحقيقي



خالد النجار
عندما خطب الزعيم التونسي صالح بن يوسف في جامع الزيتونة في 1955 وقال «حبيب بورقيبة خائن، وقام بصفقة مع الغرب الاستعماري... 
بورقيبة عميل للغرب وعدو للعروبة والإسلام»، كان يدري ما يقول، فهو عليم ببواطن الأمور بحكم موقعه كشخصية وطنيّة محوريّة.

 وهو كان أميناً عامّاً للحزب الحرّ الدستوري الجديد، يديره طيلة السنوات التي سبقت الاستقلال. كان بورقيبة أيامها غائباً عن تونس، ولم يكن على اتصال مباشر بالجماهير، بيد أنّه كان وجهاً حاضراً بقوّة في الإعلام، استعملته الحركة الاستقلالية، كما استعمله الاستعمار. ولم يكن موقف الحزب الحرّ الدستوري الأصلي ببعيد عن موقف صالح بن يوسف، فقد اتهم هو أيضاً بورقيبة لدى عودته بالتآمر. وقد أثبتت الأحداث والوقائع في السنوات التالية، صحّة كلام صالح بن يوسف. فقد جاء بورقيبة بأجندة كاملة وأنجز بالضبط ما أنيط بعهدته.
 بدا بورقيبة في تعلّقه بالحداثة الأيديولوجية كحداثي عصابي (un moderniste névrotique)، نموذجاً للكولونيالي الملوّن الذي يزايد على أسياده البيض، ولسان حاله يقول للفرنسيين، وفي كلّ حركة يقوم بها، «انظروا إليّ أنا الرجل الملون، أنا البرهان السّاطع والإثبات الواقعي على نجاح مهمّتكم التحضيريّة الاستعماريّة». 

وهكذا قام، وبدافع هذا الإحساس الدوني الكولونيالي، بما عجز الاستعمار عن القيام به مدّة 75 سنة من احتلاله تونس.
 بدأ بأن هاجم الإسلام، وهو خط أحمر لم تكن فرنسا أيام الاستعمار لتجرأ على الاقتراب منه. كما هاجم القرآن مرات عدّة، وسخر من الرسول، وجعل فرقة الإنشاد الديني تضع مدائح باسمه تذاع كلّ صباح مع القرآن والمدائح النبويّة. وقد حاول أصحابه إخفاءها اليوم، لأنّها تقضي على شعبيته، وبالتالي على شعبيتهم. أغلق بورقيبة جامع الزيتونة، وهو الجامعة التي ظلت تخرّج نخب الحضارة العربية الإسلامية على امتداد 13 قرناًَ. 

وحارب اللغة العربية، ودعم الفرنكوفونيّة بأموال أهل البلد. كذلك، هدم التراث المعماري لمدينة تونس، وانتهى بأن أمر ببيع أثاث القصور الملكيّة التونسيّة، في مزاد علني. كما صرح الأمير صلاح الدين باي أنّ وسيلة، زوجة بورقيبة، سرقت جواهر العائلة الملكيّة. باختصار، أضاع بورقيبة تراثاً تونسيّاً كان يجب أن يحفظ في المتاحف. وتحت ذريعة التحديث، قاد بورقيبة انقلاباً على النظام الملكي بمساعدة فرنسا، دون أن يستشير الشعب التونسي. 
 
الشعب الذي يحتقره ويعتبره كمّاً من ذرّات الغبار، كما صرّح هو يوماً. كما جعل الجيش التونسي يقتل الناس، في ما سمي بالخميس الأسود في 26 كانون الثاني/ جانفي 1978، فسقط في مدينة تونس حوالي ألف بين قتيل وجريح. كذلك، حارب عبد الناصر والقومية العربية، واتخذ موقفاً سلبياً من الثورة الجزائريّة، فلم يزر الجزائر إلاّ بعد عشر سنوات من استقلالها. كما طالب الفلسطينيين والعرب بالاعتراف بالكيان الصهيوني، ومنع الصحافة التونسية، في تلك الستينات السوداء، من استعمال تعبير العدوّ الصهيوني (راجع كتاب المنجي الكعبي عن غزّة ص 61). 
كان الباجي قايد السبسي، أيامها، مديره للأمن والذراع التي ضرب بها اليوسفيين، ثمّ زيره للداخلية أواسط الستينات.
 واذ يدعو قايد السبسي اليوم لهيبة الدولة، فهو يعني أنّه يريد تخليص النظام من الثورة. ولو استمع الفلسطينيون إلى بورقيبة في تلك الأيام، لوقعّت أوسلو في الستينات. منع بورقيبة الأحزاب وأغلق الصحف، ودفع مثقفي تونس إلى بيوتهم، وهاجم الشيخ الطاهر بن عاشور واتهمه في قضيّة التجنيس بالعمالة للاستعمار، والحال أنّ ابنه جون بورقيبة يحمل الجنسية الفرنسية. ووضع الفنان المونولوجيست صالح الخميسي في السجن، حيث مات. ورفع كذلك قضيّة ضدّ الشاعر التونسي الكبير محمود بورقيبة، لأنّه قال «ليس لي قرابة بحبيب بورقيبة».

 أقصى بورقيبة الأنتلجنسيا التونسية من أمثال حسن حسني عبد الوهاب، وعثمان الكعاك، والمثقف الكبير طاهر الخميري. ومنع من العمل كلّ من كان لا يعرف سوى لغة البلاد.

 أوجد مليشيا معروفة، هي صورة متقدمة لما يسمى البلطجية اليوم، كان مؤسس الحزب والمصلح الكبير الشيخ عبد العزيز الثعالبي أوّل ضحايا اعتداءاتها، عندما حاولوا اغتياله، ثم رموه بالطماطم وهو عمر متقدم (راجع كتاب الثعالبي «الكلمة الحاسمة»). 
كما راقب الإذاعات التي يسمعها المواطن، فكان ممنوع مثلاً الاستماع لصوت العرب. نكّل بورقيبة بالمعارضة، أشدّ التنكيل، بل بكل من سوّلت له نفسه مجرد التجرّؤ على التفكير المخالف.
 جماعة «برسبيكتيف» (آفاق)، وهو تنظيم شيوعي، هي مثال فاجع على ذلك. 

فقد أودع السجون شباباً في العشرين، لمجرد كتابة منشور. كان بورقيبة يعالج تونس من صيدلية الثورة الفرنسيّة كأحد اليعاقبة ممن يظهرون فجأة في إفريقيا في النصف الثاني للقرن العشرين.
 يؤكد صالح بن يوسف أنّ بورقيبة دخل تونس بعدما أنجز اتفاقاً مع القوى الاستعماريّة، ممثلة في بيار منديس ــ فرانس، الاشتراكي الفرنسي. وهذا الأخير هو الذي رتّب لقاء بورقيبة في باريس مع عزرا وايزمان، رئيس المؤتمر الصهيوني العالمي، وقد أخذا صورة لتخليد اللقاء، ظلّت لسنوات مخفية.

 حتى أنّ الكتاب الذي يضم هذه الصورة صودر، إلى أن نشرها مركز التميمي للبحوث التاريخية، قبل حوالي سنة. لم يصدر إلى الآن أي شيء عما دار في هذه الاجتماعات، سوى كلام صالح بن يوسف من أنّ بورقيبة أجرى صفقة مع الاستعمار، ومواقف بورقيبة من اسرائيل.

 وكعلامة وفاء وقيام على العهد، وضع بورقيبة صورة منديس ــ فرانس على المكتب الرسمي لرئاسة الجمهوريّة التونسية حتى آخر يوم له في قصر قرطاج. حتّى عندما اعتزل رئيس الوزراء الفرنسي الحياة العامة، كانت صورته تفرض على التونسيين، كلّ مساء، في النشرات التلفزيونيّة، كطقس ديني يومي.

 كان بورقيبة يقول إنّ منديس ــ فرانس أعطى تونس استقلالها، وكأنّ استقلال تونس منّة من اللوبي الصهيوني الفرنسي، وهو كلام فيه إهانة للشعب التونسي الذي حصل على الاستقلال بتضحياته الكبيرة.

 كانت الباخرة التي جاء فيها بورقيبة من فرنسا، عملية إخراج مسرحي كبيرة. فلم يكن الحزب أيامها يملك من المال ما يخوّله كراء باخرة، ولم تكن سلطات المرفأ بيد المناضلين. 
كانت السلطة الاستعمارية هي التي سمحت بذلك، كما أكد لي الأمير صلاح الدين باي في حوار طويل مسجّل، وكذلك المناضل المرحوم إبراهيم طوبال عضد صالح بن يوسف ذات سنة ببغداد.
 اما الباهي لدغم، رئيس وزراء تونس في الخمسة عشرة سنة الأولى من الاستقلال، فقال في حوار مسجل بصوته: «جاء يوم 1 حزيران/ جوان، ووقّع على الاتفاقات في اليوم الثالث! متى قرأ نصوص المعاهدة؟».

 بما يعني أنّ الاتفاق مبرم من قبل، وأنّ الرجل أجرى صفقة من وراء ظهر الحزب مع الغرب. أحضر بورقيبة أجندة كان وفياً في تطبيقها، وكانوا أوفياء في الدفاع عنه، فقد ضمن لفرنسا تحقيق أهدافها الاستعمارية التي عجزت عن تحقيقها مدة استعمارها لتونس، وساندها من طرف خفي في موقفها من الجزائر، يوم ناصرها في قضية استغلال آبار البترول.

 وحين كتب المناضل عبد الحفيظ الحداد، قنصل تونس بليبيا، مقال «الخبزة المسمومة» أقاله بورقيبة وأعاده إلى بيته. ودعا في المحافل العربية للاعتراف بالكيان الصهيوني، وضمن للصهاينة الحج إلى كنيس جزيرة جربة. ضمن الغرب لبورقيبة، في المقابل، حكماً أبدياً لتونس، وإعلاماً لمع صورته.

 كما ترك بورقيبة في تونس جيلاً بأسره من الفرنكوفونيين المنبتين الذين لا يعرفون ولا كلمة واحدة بالعربية، ومع ذلك يتصدرون المشهد اليوم كفقهاء، للحديث عن الإسلام وعن التصوّف، في نصوصه الكلاسيكية الصعبة والمغلقة. * شاعر وكاتب تونسي

Aucun commentaire: